|
ظاهرة جديدة وخطيرة تتشكل حاليـًا في بعض
مجتمعات المسلمين وخطورتها أنها تتشكل في الخفاء ، فلم يعلم بها أكثر الناس
الذين من الممكن أن تأخذهم على غرة ، وتنالهم من حيث لا يحتسبون في أعز ما
يملكون ، فهي تختص بالأعراض المصونة والحرمات المكنونة ، والأشد خطورة أنها
تتم بالمكر والخداع والتحايل على الشرع وتحاول إضفاء صفة الشرعية على ما
ليس كذلك ، وسبب ذلك الجهل بأحكام الدين الحنيف أو الجرأة على حدوده ، ومع
الجري وراء قناع زائل وشهوة مؤقتة ، والفرار من مسؤوليات اجتماعية مقدمة
يتم إلباس الباطل ثوب الحق للتوصل إلى المحرمات باسم ما شرع الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم .
زواج شرعي أم بغاء
هذه الظاهرة الخطيرة يقوم بها العديد من الشباب جهلاً بالدين أو تجرؤأ عليه
، وإقناع الشابات بالزواج سراً سببه الاختلاط الذي يعيش فيه كثير من الناس
في أماكن التعليم والعمل والتثقيف والترفيه ، يسعى كثير من شياطين الإنس
إلى التغرير بالبنات ، فيترصد الشاب للشابة كما يترصد السبع لفريسته ،
ويوهم الشاب الفتاة أنه يحبها ويريد أن يتزوجها ، وأن ما يمنع من ذلك هو
ضيق ذات اليد عن أن يتقدم في الحال لأهلها طالبـًا إياها .
ومع اللقاءات المتكررة يؤثر الشاب على عواطف من يوقعها سوء حظها فريسة في
طريقه ، ويتفنن في إثارتها وما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما
، ويدعي لها أنه يمكن أن يتزوجها في السر زواجـًا عرفيـًا - كما يسمى في
بعض الأقطار العربية - أي بلا وثيقة رسمية مسجلة ، وعلى هذا يتم العقد دون
علم من أهل الفتاة أو من أهل الفتى ، ولا يجري أي إعلان أو إشهار ، وقد لا
يحدد مهر ، ولا يقام حفل زفاف ولا وليمة ، أو مسكن للزوجين ولا أثاث !
وسبب ذلك خديعة البنات في هذا الأمر هو أن الشاب يقنعها بأنه زواج شرعي لا
شبهة فيه ، وأنهما سيظلان على هذه الحال حتى تيسر له مؤونة النكاح ، فيتقدم
لأهلها رسميـًا ، ويتم الزواج رسميـًا دون أن يدري الأهل بما سبق وجرى من
عقد .
ويتوصل الشاب بهذا إلى معاشرة الفتاة وكأنها زوجة ، حيث يلتقيان في أماكن
مخصوصة وأوقات معلومة ، ويحرصان مع ذلك على الاحتياط حتى لا يتم حمل يكشف
للأهلين الخديعة التي تجري من وراء ظهورهم ، وهم عنها غافلون .
ولم يقف الأمر عند هذا ، فمع اعتقاد بعض الشباب أن زواجه هذا شرعي ، يبقى
يغرر بمزيد من الفتيات ، فيتزوج في السر مثنى وثلاث ورباع ، وكل واحدة منهن
لا تدري من الأخرى شيئـًا ، فإذا ما عرف هذا المجترىء على دين الله فتاة
جديدة ، سرح إحداهن بغير إحسان ليعقد على الجديدة ، وربما تجرأ بعضهم فعقد
بهذه الطريقة على ما هو أكثر من أربع ، ما دام الأمر لا يكلفه إلا دراهم
معدودات .
وماذا يحدث بعد ذلك ؟ إن غالب هؤلاء الشباب لا يصدق في وعده ، ولا يأتي
اليوم الذي يتقدم فيه لأهل الفتاة ، وهنا تصير هي رهينة لهذه العلاقة
الآثمة ، وإذا رأت أن الشاب قد خدعها ،وحطم حياتها ، فإنها ستجد نفسها
مدفوعة إلى درك أكثر سوءاً وربما تنتقل العدوى إلى أخرى بالطريقة نفسها ،
ويستمر منحدر السقوط حتى يعتاد هذا الفريق من الناس أن يعقد كل سنة ، بل كل
شهر أو أسبوع زواجـًا سريـًا جديداً ، ويحسبونه هينـًا ، وهو عند الله عظيم
.
وقد فتح هذا الزواج السري الباب واسعـًا أمام بعض البنات الصغيرات اللواتي
هنّ في سن لا يكاد يصدق ، سن ما قبل السادسة عشرة أو ما بعدها ، يستمرىء
هؤلاء الزواج السري مرات ومرات جريـًا وراء الشهوات والأموال ، فإذا تركها
واحد من أخدانها بحثت هي عن آخر ، دون أن تسمع عن شيء اسمه عدة المطلقة ،
وكيف تسمع والزواج بالأصل باطل ، والأهل عنها لاهون ، على حين أنها تمتهن
كرامتها وكرامتهم ، وتصير مضغة في الأفواه ، وتعتاد هذا النوع من الزواج
البغائي ، مما يستوجب من أولي الأمر سن قانون يعاقب على هذه الجريمة التي
لم تعرفها مجتمعاتنا من قبل .
وأن بعضهم قد وقع في براثن هذا الزواج السري بحسن نية ، وبعضهم يمكن أن يقع
فيه بحسن نية كذلك ، لذا يجب أن نتفرغ وسعنا لكي نبين لماذا لا يعد هذا
الزواج السري زواجـًا شرعيـًا ؟ .
الزواج نظام اجتماعي
إن الزواج في روحه نظام اجتماعي يرقى بالإنسان من الدائرة الحيوانية
والشهوات المادية إلى العلاقة الروحية ، ويرتفع به من عزلة الوحدة
والانفراد إلى أحضان السعادة وأنس الاجتماع ، وهو عقد ارتباط مقدس بين رجل
وامرأة يمضيه الشرع ويباركه الله تعالى ، ولا ينبغي أن يصير مادة للعبث أو
المخاطرة والمغامرة ، واللعب بالدين والشرع ، بل الواجب أن يؤدي إلى حياة
استقرار ومعاشرة بالمعروف ، وبناء أسرة بالمودة والرحمة ، وتأسيس بيت مسلم
يقوم على تربية ذرية مسلمة تعبد الله سبحانه وتحفظ حدوده ، وتنصر دينه .
ولكنا لا نجد شيئـًا من ذلك في الزواج السري ، فلا ألفة بين أسرتين ، ولا
إذن لولي ، ولا مهر ولا نفقة ، ولا مسكن ولا متاع ، ولا أسرة ولا أولاد ،
ولا حياة مشتركة ولا قوامة للرجل ، ولا طاعة من المرأة ، ولا علم بين الناس
، ولا يجري التوارث بين الخليلين ... مما يجعلنا نجزم بأن هذا لا يعد
زواجـًا عرفيـًا كما يدعون ، ولا شرعيـًا كما يريد الله تعالى .
لقد أمر الله سبحانه في النكاح بأن يميز عن السفاح والبغاء ، فقال تعالى :
(فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا
متخذات أخدان) [النساء:25] ، وقال جل شأنه : (والمحصنات من المؤمنات
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير
مسافحين ولا متخذي أخدان) [المائدة:5] ، فأمر بالولي والشهود والمهر والعقد
، والإعلان ، وشرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته .
لا نكاح إلا بولي
ليس للمرأة أن تنفرد بتزويج نفسها من دون رأي أهلها ، وليس لولي المرأة أن
يتولى إتمام العقد وإنجازه دون استشارتها ، فالإسلام يتوسط في ذلك ، فيحرص
على المشاركة بين المرأة ووليها وأهلها ، فللمرأة أن تعرب عن رغبتها ولا
تكره على الزواج أبداً ، وولي المرأة يتولى إبرام العقد وإتمامه بعد إذنها
، وبذلك لا يستقل أي منهما بالعقد ، فالمرأة لا تنفرد بتزويج نفسها دون
أهلها ، ولا وليها ينفرد بتزويجها دون رأيها ، وليس في هذا حجر على حرية
المرأة في الاختيار ، ولكنه حرص على تحقيق الاطمئنان الكامل في الحياة
الزوجية وضمان المشاركة والمصاهرة بين أسرتين بعلائق قوية ودية يشهدها
ويباركها .
والزواج ليس علاقة بين الرجل والمرأة تنشأ في فراغ اجتماعي ، ولكنه علاقة
بين أسرتين وعائلتين قائمة بالمودة والرحمة والتناصر ، فيكون منع المرأة من
الاستقلال بالعقد رعاية لحق أسرتها في أن تكون العلاقة الزوجية سببـًا في
توطيد أواصر المودة بين أسرة الرجل وأسرة المرأة ، ويضاف إلى هذا أن النصوص
عن الكتاب والسنة لا تدل قطعـًا على حق المرأة في الاستقلال بالعقد ، إن من
تكريم الإسلام للمرأة منحها حقها في اختيار زوجها ، ولكن ليس ذلك في السر
أو من وراء أسرتها ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تبين كيف تكون
المشاركة في الاختيار ، ومن ذلك مارواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا تنكح
البكر حتى تستأذن] قالوا : يا رسول الله ! وكيف إذنها ؟ قال : [أن تسكت] .
وإذا رفضت المرأة رجلاً فليس لوليها أن يكرهها على الزواج منه لقوله صلى
الله عليه وسلم فيما
رواه مسلم : [الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأمر ، وإذنها سكوتها]
وليس معنى أنها أحق بنفسها أن وليها لا حق له ، بل له حق ، ولكنها أحق عند
المفاضلة إذا تعارضا بالقبول والرفض .
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس أن جارية بكراً أتت النبي صلى
الله عليه وسلم ، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة ، فخيرها النبي صلى الله
عليه وسلم .
والسنة تبيّن أن النكاح بلا ولي باطل قطعـًا ، ومن ذلك ما رواه ابن حبان
والحاكم وصححاه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [لا نكاح
إلا بولي] وروى ابن حبان والحاكم أيضـًا وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى
الله عليه وسلم ، قال [أيما امراة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ،
فنكاحها باطل ، بنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها
، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له] .
ومنه أيضـًا ما روه ابن ماجه والدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال : [لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها]
وروى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أنه قال : "لا تنكح
المرأة إلا بإذن وليها ، أو ذي الرأي من أهلها ، أو السلطان" .
الإشهاد والإعلان
الغرض من الإشهاد في الزواج هو الإشهار ، فإذا اتفق من يريدان الزواج مع
الشهود على كتمان أمر زواجهما يقضي ذلك على العقد بعدم الصحة ، لأن كتمان
الزواج قام مقام عدة الشهادة ، أو ألغى الهدف منها .
وأوجب الإسلام إعلان النكاح ، وندب إلى إشهاره بالضرب على الدفوف وإظهار
الفرح والسرور ، والإحتفال به ومشاركة كل من أسرتي الزوج والزوجة ، فقد روى
الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [أعلنوا
النكاح ، واجعلوه في المساجد ، واضربوا عليه بالدفوف] .
ومن الأحاديث التي تنص على وجوب الإعلان كذلك ما رواه الإمام أحمد وصححه
الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [أعلنوا النكاح] ، وما رواه
الترمذي والنسائي وابن ماجه عن محمد بن حاطب الجمحي قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : [فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح] .
ويفرّق الإمام ابن القيم بين الزواج الشرعي والزوج الباطل بقوله "وشَرَط في
النكاح شروطـًا زائدة على مجرد العقد ، فقطع عنه شبه بعض أنواع السفاح بها
، كاشتراط إعلانه ، إما بالشهادة ، أو بترك الكتمان ، أو بهما معـًا ،
واشترط الولي ، ومنع المرأة أن تليه ، وندب إلى إظهاره ، حتى استحب فيه
الدف والصوت والوليمة ، وأوجب فيه المهر ، ومنع هبة المرأة نفسها لغير
النبي صلى الله عليه وسلم وسر ذلك : أن في ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى
وقوع السفاح بصورة النكاح ، كما في الأثر : "المرأة لا تزوج نفسها ، فإن
الزانية هي التي تزوج نفسها" ، فإنه لا تساء زانية تقول : زوجتك نفسي بكذا
سراً من وليها ، بغير شهود ولا إعلان ، ولا وليمة ، ولا دف ، ولا صوت ، إلا
فعلت ، ومعلوم قطعـًا أن مفسدة الزنى لا تنتفي بقولها : أنكحتك نفسي ، أو
زوجتك نفسي ، أو أبحتك مني كذا وكذا ، فلو انتفت مفسدة الزنى بذلك لكان هذا
من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل ، فعظم الشارع أمر هذا العقد ، وسد
الذريعة إلى مشابهة الزنى بكل طريق" أ . هـ .
عقد مؤقت وزنى مقنع
يتفق الطرفان في هذا النكاح وقت إبرامه على أنه مؤقت إلى حين أن يتيسر
للرجل التقدم لأهل المرأة ، وليتم الزواج رسميـًا بمعرفتهم ، وبهذا تعد نية
الزواج الأول مؤقتة ، وكثيراً ما يعرض للطرفين عارض يحول دون نية الإعلان
الرسمي للزواج مستقبلاً ، فلا يتقدم الرجل للمرأة .
وكثير من الشباب المخادع استغل جهل البنات وهو لا يقصد زواجـًا ، ولا هو في
نيته بل يريد أن يعقد عقداً لا يقصده ليتمكن من الإستمتاع بالفتيات دون أن
يتحمل مسؤوليات الزواج الشرعي ، وهذا نكاح لا يقع لأنه ليس مقصوداً ولا
معقوداً في النية مثل نكاح المحلل حيث المحلل عقد عقداً لا يقصده ولا
ينتويه حقيقة لذا حكم الشرع ببطلانه .
بل إن هذا الزواج طريقة خفية يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه ، وهو الزنى
، ولأن المقصود بها محرم باتفاق المسلمين ، فهي حرام كذلك ، وسالكها فاجر
ظالم آثم ، وكونه يسعى إلى ذلك متخفيـًا مخاتلاً أشد ظلمـًا وإثمـًا ، فشره
يصل إلى الأسر الآمنة ، ويضر الأعراض المصونة من حيث لا تشعر ، ولا يمكن
الاحتراز عنه ، ولهذا أمر الشرع بقطع يد السارق لأنه يستخفي بجرمه ، على
حين لم يأمر بقطع يد المنتهب والمختلس ، ولذلك أيضـًا من قتل غيلة يقتل ،
وإن قتل من لا يكافئه ، وكذلك من جحد شيئـًا استعاره وأنكره ، تقطع يده
لعدم إمكان التحرز منه ، ولأنه يعد سارقـًا .
وهذا النكاح الغريب لم يعرفه العرب في الجاهلية لأنهم كانوا أهل نخوة
ورجولة ، ولم يشرع في الإسلام ولا وجود له في حياة المسلمين ، ولم نر قبل
اليوم أناسـًا يسعون للزواج سراً وخفية ، بل يطلب الناس الزواج إعلانـًا
وإشهاراً ، واجتماعـًا ومصاهرة ، ولا نظن أحداً يرضى هذا النكاح لا أخته ،
أو لإبنته ولا حتى لإبنه ، لأنه خروج على الفطرة السليمة ، ومقاصد الاجتماع
الإنساني ، ومحادة للدين والأخلاق القويمة ، بل هو مكر وخداع واستهزاء
بآيات الله ، ولعب بالشريعة ، وتحليل للمحرمات ، وانتهاك للمحرمات يأباه
العقلاء ، ويتخذه غير المسلمين موجبـًا للطعن في الدين الحنيف والنيل منه ،
ومن البيّن أن الإسلام بريء من كل هذه المحدثات التي تشبه حيل اليهود في
تحليل الحرام ، ولأننا نرى كثيراً من الشباب والشابات يقعون في هذه الشراك
المنصوبة ، لذا كان واجبـًا أن يبذل الدعاة والمربون والعلماء جهودهم لبيان
وجه الحق ، وللإنكار على المجترئين والمخادعين والضالين ، ولمعالجة الأسباب
التي أوجدت هذه الظاهرة ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيّ عن بينة . |