|

المراهقة وخطورة المرحلة
حين كان الشباب
أقوياء كانت الأمة قوية ، وحين ضعف الشباب وضعفت هممهم وعزائمهم ،
وتشتت أهواؤهم ، وفقدوا هويتهم في كل عصر مر بتاريخ هذه الأمة فقدتهم
الأمة ، وذلت وضعفت وهانت ، وإن هذه الحقبة التي نعيشها من تاريخ أمتنا
أكبر شاهد على تلك الحقيقة التي قررناها .
وكلما قوي الشباب في الأمة وتبصروا وتزودوا بالفهم والوعي والإرادة
والقدوة ؛ قويت الأمة بهم وعزت وانتصرت وسادت ، وإن مرحلة المراهقة
بخصائصها ومعطياتها هي أخطر منعطف يمر به الشباب ، وأكبر منزلق يمكن أن
تزل فيه قدمه ؛ إذا عدم التوجيه والعناية .
وهاهي أبرز المخاطر التي يعيشونها ويمرون بها في تلك المرحلة :
الخطر الأول : افتقاد الهوية :
فترى الشاب لا يعرف ابن من هو ، لا يعرف إلى من ينتمي ، لا يعرف
أصله ، لا ينتسب إلى نسب ، إنما نسبه أصنام وضعت له زورًا وبهتانـًا ،
إنما اعتزازه بجاهلية ؛ إما من صنع أعداء الأمة ، وإما من زيف صنعناه
نحن لأنفسنا.
نعم فقدان الهوية والانتماء ، حين ضاع الشباب بين الغرب بثقافته
وفكره وأخلاقه ، فوجدنا بعضا منا قد انتمى إلى ذلك الفكر وتلك الحضارة
انتماء ، مطلقـًا ، خاصة ممن ذهبوا إلى هنالك ، جاءوا كافرين
بمجتمعاتهم ، وقيمهم ، وأخلاقهم ، وأعرافهم ، لا يعرفون منها معروفـًا
، ولا ينكرون منها منكرًا .
جاءوا وما على وجه الأرض شيء أبغض إليهم مما راحوا وهم عليه من
الأخلاق والقيم والعادات والتقاليد ، جاءوا يسارعون الخطى حتى يكسروا
تلك الحواجز والقيود ، ويتحللوا من تلك القيم البالية التي خدعوا
فظنوها سبب تخلفهم وتأخرهم عن ركب الحضارة ، خدعهم العدو ، وغلبهم على
عقولهم وأفكارهم
وطائفة أخرى أيضـًا منا إنما هم همج رعاع مقلدون ؛ الكبار منهم ،
لا يعرفون حقـًا من باطل ، ولا يميزون حضارتهم بقيمها وأخلاقها من
حضارة مادية ملحدة كافرة جائرة بفسادها وهلاكها ، وبين هؤلاء وأولئك
ضاع الشباب والمراهقون ، وامتلأت جيوبهم ومحافظهم ومخابيهم بصور لاعبي
الكرة ، بصور المصارعين ، بصور الممثلين والممثلات ، طبعـًا من غير
أبناء جلدتنا ، بين هؤلاء وأولئك ضاع الشباب في فتن الشهوات والأهواء
والشبهات .
لم يلتفت أولياء الأمور إلى ذلك الخطر الداهم الذي يهدد الأمة
بأسرها ، إلى الشباب وما يصابون فيه من غزو فكري وأخلاقي ، حينما يضيع
شبابها بين تلك الأهواء والشهوات والشبهات ، بافتقاد هويتهم ، وافتقاد
انتمائهم ، لا ينتمون إلى وطن ولا إلى دين ، ولا إلى حضارة ، إنما هم
مقلدون تقليدًا أعمى يسيرون وراء من ظنوا فيهم حضارة وتقدمـًا ومدنية .
ووسائل الإعلام للأسف ، ومنافذ الفكر والثقافة ، ترسخ ذل الضياع ،
وتؤصله في الشباب ، حين تعرض تلك الصورة الزائفة للغرب بحضارته ، وتعمي
عينها عن الإسلام وما فيه من قيم عظيمة طالما عزت الدنيا بها ، إنه خطر
عظيم .
الخطر الثاني : افتقاد الهدف :
فالشباب بين نواصي الطرقات وبين ساحات الملاعب والمباريات وبين
مجالس اللهو وإزجاء الأوقات ؛ لأنهم لم يعرفوا هدفـًا يسعون إليه ،
وليس من ورائهم قصد يعملون له ، لسان حالهم ولسان مقالهم معـًا يردد
مقالة الشاعر الضائع :
جئت لا أعرف من أين ولكــــنــــي أتـــــيــت
ولقد أبصـــرت قدامــي طــريقــــــًا فمشــــيت
كـيــــــف ســــــــــرت كيف أبصرت طريقي
لــــســــــــــــت أدري
ولماذا لســــــت أدري لــــســــــــــــت أدري
هم يرددون تلك الأشعار ، ويطربون لها ، هم يعيشون على أشرطة الكاسيت
التي تترنم بتلك المعاني الضائعة ، إن لم تشد بالشهوات الفاحشة المنكرة
.
لا هدف يعيش له الشباب ؛ لأن الأمة لم تتخذ لنفسها هدفـًا ، إنما
سارت سير الأعمى الكليل وراء عدوها ، يا سبحان الله !
أعمى يقود بصيرًا ، لا أبا لكم تالله ضل من العميان تهديه
أعمى في حضارته ، في أخلاقه ، في فكره ، الغرب الكافر يقودنا نحن
المبصرين ! يقودنا نحن أصحاب القرآن ، أصحاب السنة ، أتباع محمد ـ صلى
الله عليه وسلم ـ ؟ إنها والله الخسارة العظيمة أن ننقاد ، وأن ينقاد
شباب الأمة كلها إلى ما لا يعلمون .
افتقاد الهدف في الحياة التي يعيشونها ، يعيشون ليأكلوا ، أم يأكلون
ليعيشوا ، هم لا يعرفون ، وهي معادلة يتندرون بحلها ، نعيش لنأكل ، أم
نأكل لنعيش ، لأنه لا شيء عندهم إلا الأكل والحياة ، إلا الحياة الدنيا
؛ بلهوها ، ولعبها ، وقيمها المادية التي لم يردها الله تبارك وتعالى
لذاتها ، إنما أرادها وسائل لتحقيق العبودية له جل شأنه ، نعم لا
يعرفون لماذا يعيشون ؛ لذلك غلبنا أعداؤنا على أمورنا وقضايانا ، فصرنا
لا نفكر بعقول أنفسنا ، بل بعقولهم هم ، إرادتنا مكبلة ، عزيمتنا لا
وجود لها ، إنما نتحرك بإرادة عدونا ، وبتدبير عدونا ، بتصريف عدونا ،
ذلك لأننا لا هدف لنا نسعى إليه.
غاية ما يمكن أن نصرح به أننا نسعى إلى تحقيق التقدم والرفاهية ،
وهل هذا هدف تسعى إليه أمة ؟!!
إن هذا لا يصلح أن يكون هدفـًا ، إنما الهدف هو ما يمكن أن يعيش له
الإنسان من وراء هذه الدنيا ، أما أن تكون أرحام تدفع ، وأرض تبلع ،
وما بين هذا وذاك ملعب ومرتع … !!
الخطر الثالث : تناقض القيم :
تناقض القيم التي يعيشون فيها والتي يعيشون معها ، فبين قيم الأمس
والماضي ، وعادات وتقاليد الآباء والأجداد ، والتي استقيت من الإسلام
وشرائعه ، وبين القيم المعاصرة ، وبين قيم الحضارة المعاصرة الواردة
إلينا وما فيها من تناقض ، مع ما ألفناه وورثناه ، يعيش شبابنا التناقض
بين هذا وذاك ، ولا يرشدون إلى اختيار الأوفق والأولى لهم ، فضلاً عن
أن يكون هو دينهم ، لا يرشدون إلى ذلك ؛ إنما يتركون لشهواتهم التي
تحركهم لتختار لهم ، وما عسى أن تختار لهم شهواتهم إلا التردي ، وما
عسى أن تختار لهم شهواتهم إلاّ الانتكاس إلى البهيمية والحيوانية ،
يتركون من غير ما بصيرة ولا ترشيد ، الحبل على الغارب ، والشباب ـ إلا
من رحم الله وعصم ـ أحيط بكل أسباب الغواية ووسائلها ، وبكل أسباب
التردي والانتكاس الخلقي والفكري ، فلا يليق ولا يستقيم أن تكون عقول
أبناء الأمة آنية مفتوحة لتسقط فيها زبالات الحضارة المعاصرة اليوم ،
ولتستقبل كل ما ورد إليها دون تصفية ؛ بحجة الحرية والانفتاح على
العالم وثقافته وأفكاره ، فتترك عقول أبنائنا مفتوحة لثقافة الدش ،
والكيبل ، والإنترنت والصحافة المضللة ، والمجلات المستوردة ، والأفكار
الباطلة ، لا يليق ذلك بأمة دينها الإسلام ، وكتابها القرآن ، ونبيها
محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
الخطر الرابع : مشكلة الفراغ :
ذلك لأنه لا هوية ، ولا انتماء ، ولا هدف يسعى إليه الشباب
والمراهقون ، وبين قيم متناقضة ووسائل غواية مهلكة ، يعيش الشباب بلا
شك فراغـًا ، ولا يبقى الفراغ فراغـًا ؛ إنما يكون مقتلة بعد ذلك عظيمة
، ولا يبقى الفراغ فراغـًا ؛ إنما لابد سيملأ ويشغل بالباطل ، سيبحث
المراهقون عن النجوم في مجالات الفن والرياضة والموسيقى والغناء .
سوف تعج بهم الأسواق ، وتمتلئ بهم النواصي والطرقات .
سوف تجدهم في المقاهي ، في السينما ، أمام الكيبل … إلخ .
ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل
ذلك الفراغ القاتل الذي هو نتيجة تلك الأسباب التي مضت ؛ بلا شك عامل
من عوامل
الانحراف والهدم لكل خير يوجد في هؤلاء الشباب ، ولكل وازع من دين أو
خلق . |