|

التربية الأسرية العملية من خلال سورة يوسف
نستعرض التربية
الأسرية ومشاكلها وحلولها من خلال سورة يوسف ، والتي تتجلى فيها
الواقعية من خلال أسرة نبوية ، وتظهر فيها مرونة المعالجة للأخطاء التي
تعترض أفراد الأسرة ، ونرى طموح الآباء ، وصعود وانحطاط بعض الأبناء ،
ونرى المحن والفتن التي تعترض الأسرة ، كما نرى النصر ، والجلوس على
سدة الحكم بكل تواضع ، ونرى كيف تهتز أسرة العزيز بالحب الهادر وفي
مقابل ذلك نرى الطهر الكامل ، ونرى التربية القرآنية تعرض المشهد بلا
تهييج للقارىء في أدق الأمور الجنسية بين الجنسين ، فلا تتحرك المشاعر
الهابطة ، وإنما تتفاعل المشاعر العليا في الاستماع وقراءة القصة ،
وتلك من معجزة القصص القرآني ، ونرى حسد الأخوة وغيرة الكبار من الصغار
، وارتكابهم خطأ كبيرًا في رمي أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه ، ونرى
عفو الصغير عنهم في كبره بعزه وجاهه وسلطانه ، فلا ينتقم لنفسه فيعفو ،
ويصفح ، مقتديًا بوالده الذي عفا عن إخوته قبلاً ، وهكذا يظهر الحق بعد
حياةمريرة للأسرة ، وتستقر عندما يعرف كل أخ فضل أخيه ، ويبتعد الكبار
عن حسد الصغار ، ويتعرفون إلى أن سبب ذلك نزغ الشيطان بينهم ، إلى غير
ذلك من المواقف التي نستعرضها على وجه الإجمال فيما يلي :
عند قراءة سورة يوسف قراءة تربوية نستلهم النقاط التربوية العملية
التالية تحقيقًا لقوله تعالى .
- في بداية السورة : ( لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين ) [يوسف
/ 7] .
- وفي نهايتها ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثًا
يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدىً ورحمة لقومٍ
يؤمنون )[يوسف/111] . وهكذا تنسجم بداية السورة مع ختامها ، في أخذ
العبر والعظات الاعتقادية والتربوية ، وإليك بعضًا منها :
1 - تسلية وتثبيت قلب سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وأصحابه المؤمنين ، الذي لم يكن يعرف عن يعقوب ويوسف شيئًا ،
والمعروضتان في التوراة باللغة السريانية ، لذا جاء التأكيد بنزول
القرآن عربيًا ، لإظهار معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،
بأنه يوحى إليه ، ولتعلم العرب قاطبة كيف تتنزل القصص الإيمانية بلغتهم
، مع عجزهم عن المحاكاة للقرآن . ( الر تلك آيات الكتاب المبين * إنا
أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما
أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين )[ سورة يوسف : 1
، 2 ، 3] .
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : كان اهل الكتاب يقرؤون التوراة
بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم [ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما
أنزل الله ] . قال القرطبي في تفسره : روي أن اليهود سألوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة ؛ وسيأتي تفصيلها . وقال
سعد بن أبي وقاص : أُنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فتلاه عليهم زمانًا فقالوا : لو قصصت علينا ؛ فنزل : ( نحن نقص عليك )
[ يوسف / 3] فتلاه عليهم زمانًا فقالوا : لو حدثتنا ؛ فأنزل : ( الله
نزَّل أحسن الحديث ) [ الزمر / 23] . قال العلماء : وذكر الله أقاصيص
الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ، بألفاظ متباينة
على درجات البلاغة ، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها ، فلم يقدر مخالف على
معارضة ما تكرر ، ولا على معارضة غير المتكرر ، والإعجاز لمن تأمل .
وبذلك يتعلم الطفل المسلم قصص الأنبياء والرسل الواقعية ، بعيدًا عن
الخرافة والأساطير التي تعرض الآن في الرائي تحت مسمى ( أفلام كرتون )
، ويكون الطفل المسلم الوحيد - من بين أطفال العالم - الذي يتعلم قصص
الأنبياء والرسل بشكلها الصحيح والسليم ، فيتعلم منها الاعتقاد والسلوك
الصحيح ، ويتهيأ منذ الصغر على مقاومة الباطل ، مستمدًا من صمود
الأنبياء والرسل منارة يهتدي بها في حياته الطفلية والمستقبلية ، كما
تتعلم الأسرة المسلمة كيف تصبر على مواجهة الأحداث .
2 - نلاحظ من بداية السورة قرب الأب من ولده الصغير بحيث يصل لدرجة قص
الرؤيا على والده وهذا يدل على قوة العلاقة الاتصالية بين الصغير
ووالده ، ثم نرى معرفة الأب لحسد إخوته الكبار ، لذا ينصح ابنه الصغير
يوسف بعدم قص الرؤيا على إخوته الكبار : ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ
إني رأيتُ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين * قال يا
بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو
مبين )[يوسف/4 ، 5 ].
3 - ثم نرى نصح الأب لابنه الصغيرة بتوقع مستقبل النبوة له باصطفاء
الله تعالى ، وتعليم الله له تأويل الرؤيا التي سيكون له شأن كبير فيها
، والتي ستكون سببًا لخروجه من سجن المستقبل ، والصغير لا يدري كل ذلك
: ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى
آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليمٌ حكيم
)[يوسف/6]
ومن هنا نرى كلما كان الأب قريبًا من ابنه ، حصلت بينهما علاقة
قوية ، تمكن الأب من معرفة طبيعة ابنه ومواهبه ، وبالتالي تمكنه من رسم
مستقبله بما يتوافق مع طبيعته ، فلا يتعثر في المستقبل . وهذا حصل
أيضًا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث توقعت أمه وجده بأن له
مستقبلاً رساليًا يقود فيه الأمة .
4 - ثم نرى حسد الإخوة الكبار لأخيهم الصغير المحبوب لقلب والده أكثر
منهم ، وتواطئهم على التخلص منه ؛ باقتراحات مختلفة ؛ أعلاها القتل ،
وأخفها الاستبعاد للصغير من وجه أبيه : ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى
أبينا منا ونحن عُصبةٌ إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه
أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين * قال قائل
منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم
فاعلين )[يوسف/8 ، 9 ، 10] .
ونستفيد من تلك الآيات ضرورة كتمان الأب حبه الزائد ، وتفضيله أحد
الأبناء على الآخرين ، وأن يشعر جميع الأبناء بعدله واقعًا وحسًا
ماديًا ومعنويًا ، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم والد النعمان بن
بشير وهو يريد أن يشهده على وهبه لابنه بستانًا ، ولم يهب الآخرين فقال
له : [ أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟ قال بلى ، فقال ـ صلى الله
عليه وسلم ـ : فلا إذن ][رواه الشيخان ].
فرجع الأب عن تفضيله أحد أبنائه متبعًا الهدي النبوي ، فسلمت أسرته من
الغيرة والحسد والعقوق ، وعلى الأب أن يبين لأبنائه أن أفضلهم عند الله
أفضلهم لديه ، وأحبهم لقلبه ، تحقيقًا لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند
الله أتقاكم ) ( الحجرات ) .
5 - ثم نرى جلسة أسرية ظاهرها الرحمة وباطنها المكر والتخطيط لبرنامج
الخطة في استبعاد الصغير من وجه أبيه ، ظنًا منهم أن يخلوا بأبيهم من
بعده ، ونلحظ من التخطيط أنه محكم العرض ، منسجم لما يتناسب مع الصغير
وهو الفسحة في البر واللعب الجماعي ، والحب الصادق في ظاهره ومن جميعهم
: ( قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله
معنا غدًا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون )[يوسف/11 ، 12] ومن هنا نرى
أهمية لعب الصغير ، فهو المجال الذي يبني فيه جسمه ، ويمتع به روحه ،
ويغذي به نفسه فهو خير كله ، وهو مطلب نبوي كذلك ، ليس أدل عليه من
لعبه صلى الله عليه وسلم في صغره مع الأطفال ، وسماحه لأنس للعب مع
أصدقائه ، وتسليمه على الأطفال وهم يلعبون ، ثم لتلعيبه سبطيه الحسن
والحسين رضي الله عنهما أمام الناس وفي البيت .ونلاحظ أمرًا آخر يدعو
للتأمل في الكلمة القرآنية وهي كلمة ( لا تأمنا ) التي فيها حكم
الإشمام أثناء تلاوتها ، والإشمام ضم الفم عند النطق بالميم دون إظهار
حركة الضم عند النطق ، فالتعبير القرآني يدل على اختلاس حركة الضمة ،
وكأن النطق يدل على اختلاس الحقيقة في النفوس والتي لا يريد الأبناء
إظهارها أمام والدهم ، والله أعلم .
6 - ثم نرى جواب الأب المناسب للعرض الخادع ، ونلاحظ الحوار الأسري
يستمر في عرض الأحداث ، وتصويرها ، والحجج القوية من كل طرف : ( قال
إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخافُ أن يأكله الذئبُ وأنتم عنه غافلون *
قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبةٌ إنا إذًا لخاسرون )[يوسف/13 ، 14] ،
وهكذا تم لهم ما أرادوه ، وانخدعوا بتدبيرهم وتخطيطهم ، ونسوا مراقبة
الله لهم ، وهو الدرس الذي سيتعلمونه فيما بعد
ونستفيد كذلك ضرورة إنشاء الحوار بين الآباء والأبناء ، إذ هو
السبيل لتنمية مهارات الأبناء ، كما ينشط الآباء في التفكير في مشاكل
الأبناء وحلها ، وأن يدربهم على إقامة الدليل والبرهان ، وأن يتجاوب
معهم لنتائج الحوار .
7 - ثم نرى أن يعقوب وقع فيما حذر منه ابنه الصغير يوسف بألا يحدث
إخوته برؤياه فيكيدوا له كيدًا ، وذلك ليعلم المؤمن بأن عليه الأخذ
بالحيطة ، ولكن قد يأتيه البلاء مما خاف منه ، وخطط لعدم الوقوع منه ،
ليلجأ المؤمن في كل أحواله إلى الله ، وأن يسلم لقضائه .
8 - وبعد تمام مؤامرة الإخوة بإلقاء أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه ،
جاء النصر المبين من الله تعالى للصغير وهو في الجب ، انزل الله عليه
الطمأنينة بالعودة إلى إخوته ، ومباشرة الوحي بالنزول على الصغير بأنه
في رعاية الله تعالى ، وأن الله تعالى فوق كيد المعتدين حتى لو كانوا
إخوته ، الذين نسوا الله في تلك اللحظات ، ونسوا يوم كشف حقيقة خداعهم
لأبيهم وأخيهم : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب
وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون )[يوسف /15] .
9 - ثم يبين القرآن الحجج الباطلة عبر دموع التماسيح الكاذبة ، والأدلة
المادية المزيفة ، وأمام كل الحجج التي ظاهرها الحق وباطنها الباطل ،
نرى موقف النبي يعقوب ، وهو الدرس الأول المستفاد لكل مؤمن ، فيأتي
جوابه بالتوكل على الله والاستعانة به على كل تلك الحجج الباطلة : (
وجاءوا آباءهم عشاء يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا
يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين *
وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل
والله المستعان على ما تصفون )[يوسف/16 ، 17 ، 18] .
ونرى أن الحجج الباطلة ابتدأت مما حذر منه الأب أبناءه ، وذلك حتى
يصدقهم أبوهم ، لذلك أحسوا أن حجتهم العقلية ضعيفة : ( وما أنت بمؤمن
لنا ولو كنا صادقين ) فأتبعوه بالدليل المادي القميص المضرج بدماء
الكذب ، ونلحظ أن الأب أحس بمكر أولاده ، وإن الأمر كان خطة مبيتة من
أولاده : ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا ) ثم يبين أن الأمر يحتاج
للصبر الجميل لمواجهة حدث قتل ابنه ، ويظهر أن الله قادر على كشف
الحقيقة
وهنا يعلمنا القرآن كيفية مواجهة الأحداث الأسرية والعامة برفع
شعار : ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) وبذلك تزداد نفس
المؤمن قوةً على مواجهة الكرب والحزن والتآمر على العباد ، وضرورة
ابتعاد الآباء عن إظهار عنتريات فارغة ، أو تسويفات كلامية ، أو خطب
رنانة ، أو تسويد مقالات مهترئة ، فيكشف القرآن منهجاً جديدًا ألا وهو
تفويض كشف الحقيقة لله تعالى ، والصبر الجميل بلا ضجر ولا ملل ولا سآمة
، أو إظهار الاستياء من قدر الله تعالى ، لذا يأتي شعار ( فصبر جميل
والله المستعان على ما تصفون ) ذكرًا يردده المؤمن صغيرًا وكبيرًا ، في
حياته اليومية في كل آن ، كلما عرض له عارض أو طارىء .
10 - ثم ترينا الآيات رعاية الله تعالى للصغير المرمي في الجب بيد
إخوته ، لا بيد أعدائه ، وترينا الآيات دقائق تفصيلية من قدرة ورحمة
الله تعالى ، وتمكينه لعبده ، وأنه في الرعاية الإلهية في كل آن ، وهو
هدف إيماني من إيراد القصص القرآني ، كيف يربي القرآن المؤمن بالقصة
الواقعية العملية : ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا
بُشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمنٍ بخس
دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ، وقال الذي اشتراه من مصر
لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا * وكذلك مكنا ليوسف
في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر
الناس لا يعلمون * ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا ، وكذلك نجزي
المحسنين )[يوسف/19 ـ 20] .
إنه درس إيماني برعاية الله لكل خطوة ، وأن أكثر الناس غافلون عن
قدرة وعلم ومشيئة الله تعالى ، فهم أرادوا أمرًا ، والله تعالى أراد
غيره ، ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون ) .
11- ثم يذكر القرآن فتنة الشاب المراهق الجميل ، في أعنف مشهد يحصل
لشاب وسيم ، أُوتي شطر الحسن ، خلوق بريء ، أمين طاهر عفيف ، فينجيه
الله من ذلك المكر ، بأعجوبة دقيقة خفيت على كثير من الناس ، وذلك بفضل
لجوئه إلى الله واستنجاده به بقوله : (معاذ الله ) : ( وراودته التي هو
في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي
أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن
رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
)[يوسف/23 ، 24] ، وأتت كلمة ( هيت ) ومخارج حروفها بدءًا من الهاء
ومخرجها من الجوف مرورًا بوسط الحلق بالياء ثم الثنايا بالتاء ، ليدل
على مدى تمكن حبها منه . ولكن المؤمن لا يخون الله ولا رسوله ولا من
ائتمنه على عرضه ، وآواه في بيته . ولقد هم بدفعها عنه ، فرأى برهان
ربه : لو أنه دفعها فسوف يستخدم دفعه لها حتى تبتعد عنه من جهة صدرها
سيكون دليلاً ضده بأنه هو البادىء ، فلجأ إلى الهروب ، مما أدى لأنت
تلقي القبض عليه من قميصه من الخلف ، فيكون ذلك دليل تبرئته من التهمة
.
( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما
جزاءُ من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني
عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قُد من قبل فصدقت وهو من
الكاذبين * وإن كان قميصه قُد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى
قميصه قُد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا
واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين )[يوسف/25 ـ 29] ، ثم ينكشف الأمر
في المجتمع ، الذي يتتبع عورات الناس وبخاصة الأسر الحاكمة ، الأمر
الذي يدعو كل أسرة إلى الاهتمام بتربية نفسها كبارًا وصغارًا ، وأن وقع
الفضيحة ألم وعذاب كبير ، فأعدت امرأة العزيز خطة في استدراج تلك
النسوة اللاتي تكلمن عنها ، وكن من طبقتها : ( وقال نسوةٌ في المدينة
امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا إنا لنراها في ضلال
مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئاً وآتت كل واحدة
منهن سكينًا ، وقالت أخرج عليهنَّ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهنَّ
وقلن حاش لله ماهذا بشرًا إن هذا إلا ملكٌ كريم * قالت فذلكن الذي
لُمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن
وليكونًا من الصاغرين )[يوسف/30 ـ 32] ، وبعد أن سمع الفتى ذلك التهديد
والوعيد ، إذ كان بامرأة العزيز وحدها ؛ فإذا بالمؤامرة تزداد من تلك
النساء جميعًا ، فلا يزداد الشاب المؤمن إلا ثباتًا ، ويلجأ إلى الله
في أن يعصمه الله من مكرهن ، وطلب من الله أخف الضررين ، وتأتي استجابة
الدعاء مباشرة لعبده المضطر يوسف ـ عليه السلام ـ ، بحرف الفاء الذي
يفيد السرعة والمباشرة فورًا : ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن
)[يوسف/34] : ( قال ربِ السجن أحبُ إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف
عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن
إنه هو السميع العليم )[يوسف/33 ، 34] ، ثم نرى أن مجلس العزيز بدأ
يفكر في الأمر لكي يتدارك ألم الفضيحة بين الناس ، فوجد بعد المداولة :
( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين )[يوسف/35] ،
فترينا الآيات أن علاج شغف الحب يكون بالإبعاد بين المتحابين ؛ واليأس
من حصول الزواج بينهما
12 - ثم تبين الآيات التربية السجينة للداعية ، وتبين الدعوة إلى الله
وعبادته التي خلق الإنسان من أجلها فهي معه أينما ذهب وأينما حل وارتحل
، سفرًا وحضرًا ، سجنًا وحرية ، صحة ومرضًا ، غنى وفقرًا ، وفي كل
أحوال المؤمن الزمانية والمكانية يستمر بالدعوة إلى الله ، وما الدعوة
إلى الله تعالى إلا دعوة المجتمع والأسر والأفراد ، إلى التربية
الصحيحة بعبادة الله وحده ، والاستقامة على منهج الله تعالى وتشريعه ،
فيتنظف المجتمع من أدران المخدرات ، والايدز ، ويتخلص المجتمع من حقد
المرابين مصاصي دماء الشعوب ، وآكلي ثمرات جهودهم ، ويتطهر المجتمع
والأسرة من أكل أموال بعضهم بعضًا بالباطل .
هكذا يعلمنا القرآن عبر قصة يوسف موقفه في السجن : ( ودخل معه السجن
فتيان قال احدهما إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق
رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال
لا يأتيكما طعامٌ ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما
مما علمني ربي إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم
كافرون * واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك
بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا
يشكرون * يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار *
ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنت وآباؤكم ما انزل الله بها
من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم
ولكن أكثر لا يعلمون * يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما
الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ، قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان
)[يوسف/36 ـ 41] ، وهكذا عرض يوسف السجين لزملائه في السجن دليل
الوحدانية لله تعالى ، وسبق ذلك إظهار نبوءته لهم بنوعية الطعام الذي
يأتيهما ، كما قام على خدمتهم بتفسير منامهما وحلمهما ، ويعطي لهما
رأيه بكل يقين ، وأن تفسير المنام هو فتوى ، لا يجوز دفعها إلا من
المفتي العالم بها .
وبذلك يتعلم الولد أن الثبات على الإيمان قد يدفع ثمنه من فترات حياته
، فيقضيها في السجن في سبيل الله تعالى ، فلا يتذمر لقضاء الله تعالى ،
ويستمر في دعوته لله رب العالمين ، ويرى في سجن سيدنا يوسف وسيدنا محمد
وأصحابه المؤمنين الصغار والكبار في شعب مكة ثلاث سنين قدوة حسنة .
13 - ثم تأتي قصة رؤيا الملك ، وتبدأ قصة يوسف بالعد التنازلي من
البلاء ، ونرى من بداية السورة ووسطها ونهايتها التركيز على علم تفسير
الرؤيا ، وأنه وهبي من الله لا كسبي من الإنسان ، وذلك فضل من الله
تعالى يعطيه من شاء من عباده .
ففي أولها : ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم
نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمَّها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق
إن ربك عليم حكيم )[يوسف/6] .
وفي وسطها : ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث )[يوسف/21] .
وفي نهايتها : ( رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث
)[يوسف/101] فلنستعرض رؤيا الملك ، وكيف انكشف خطأ امرأة العزيز في
الوقت الذي أراده الله أن يظهر : ( وقال الملك إني أرى سبع بقراتٍ
سمانٍ يأكلهنَّ سبع عجاف وسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابسات يا أيها الملأ
أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا أضغاث أحلامٍ وما نحن
بتأويل الأحلام بعالمين * وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمةٍ أنا
أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصِّدِّيقُ أفتنا في سبع بقراتٍ
سمانٍ يأكلهنَّ سبعٌ عجافٌ وسبعَ سنبلاتٍ خضرٍ وأخرَ يابساتٍ لَعلِّي
أرجع إلى الناس لعلَّهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبـًا فما حصدتم
فذروه في سنبله إلا قليلاً ممَّا تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ
شدادٌ يأكلنَ ما قدمتم لهنَّ إلاَّ قليلاً ممَّا تحصنون * ثم يأتي من
بعد ذلك عامٌ فيه يُغَاثُ الناس وفيه يعصرون * وقال الملك ائتوني به
فلمَّا جاءه الرسولُ قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بالُ النِّسوةِ اللآتي
قطَّعن أيديهنَّ إن ربي بكيدهنَّ عليم * قال ما خطبكنَّ إذ راودتنَّ
يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امراة العزيز الآن
حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني لم
أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي إن النفس
لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم )[يوسف/43 ـ 53] .
وهكذا يفسر يوسف رؤيا الملك تفسيرًا اقتصاديـًا ، ويعلِّمنا أن نعمة
الله قد تتقدم البلاء أو العجز الاقتصادي ، فعلى الدولة والمجتمع
والأسرة والفرد أن يتعلم أن ما يرده من نعمة مالية أو غيرها قد تكون
لتشمل ما يتأخر من أحداث ، فالإدارة الاقتصادية للدولة والمجتمع
والأسرة والفرد مطلوب ، حتى لا يقع العجز الاقتصادي الذي لا يبقي ولا
يذر ، ومن هنا وجب على الأسرة أن تربي أفرادها على الإدارة الاقتصادية
، مصداقـًا لقول عمر " اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم " .
كما ندرك أهمية تعبير الرؤيا للصغير والكبير ، والحاكم والمحكوم ، وكما
ورد أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ، وقد كان
النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتفت إلى أصحابه بعد صلاة فجر كل
يوم فيسأله أصحابه عن رؤياهم ليفسرها لهم ، حتى أفرد البخاري وغيره باب
تعبير الرؤيا ، مما يدل على أهمية الاعتناء بهذا العلم . |