|
بعد
وفاة يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ تولى من بعده ابنه
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وقد لُقب في
التاريخ بالمنصور، وكان له ابن يُدعى يوسف فعُرف بأبي
يوسف يعقوب المنصور الموحدي.
أبو
يوسف يعقوب المنصور الموحدي (554 - 595 هـ= 1160 -
1199 م)
التعريف به:
قال
عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: أبو يوسف يعقوب بن
أبي يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي، القيسي
الكومي صاحب بلاد المغرب... كان صافي السمرة جداً،
جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري
الصوت جزل الألفاظ، من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثاً
وأكثرهم إصابة بالظن، مجرباً للأمور، ولي وزارة أبيه،
فبحث عن الأحوال بحثاً شافياً وطالع مقاصد العمال
والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور
ولما مات أبوه اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد
المؤمن على تقديمه فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه
أمير المؤمنين كأبيه وجده ولقبوه بالمنصور، فقام الأمر
أحسن قيام، وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد
ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع
ونظر في أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين
كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في
أيامه وعظمت الفتوحات.
ولما
مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبير المملكة من
هناك، وأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها
وقرر المقاتلين في مراكزها ومهد مصالحها في مدة شهرين.
وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات وأرسل
بذلك إلى سائر بلاد الشام التي في مملكته. فأجاب قوم
وامتنع آخرون...
وقد
تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي حكم دولة
الموحدين خمس عشرة سنة متصلة، من سنة 580 هـ= 1184 م
وحتى سنة 595 هـ= 1199 م وكان أقوى شخصيه في تاريخ
دولة الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين
بصفة عامة، وقد عُدّ عصره في دولة الموحدين بالعصر
الذهبي.
ونستطيع أن نتناول سيرته في الأندلس من خلال هذين
العنصرين:
أولا: المنصور الموحدي الرجل الإنسان
مثل
عبد الرحمن الداخل ومن قبله عبد الرحمن الناصر وغيرهم
ممن فعلوا ما لم يفعله الشيوخ والكبار تولى أبو يوسف
يعقوب المنصور الموحدي وكان عمره خمسا وعشرين سنة فقط،
وقد قام بالأمر أحسن ما يكون القيام، وقد رفع راية
الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والوعظ
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن.
واستطاع أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أن يغير كثيرا
من أسلوب السابقين له، فكان سمته الهدوء والسكينة
والعدل والحلم، حتى إنه كان يقف ليقضي حاجة المرأة
وحاجة الضعيف في قارعة الطريق، وكان يؤم الناس في
الصلوات الخمس، وكان زاهدا يلبس الصوف الخشن من
الثياب، وقد أقام الحدود حتى في أهله وعشيرته،
فاستقامت الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات.
بلغت
أعمال أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الجليلة في
دولته أوجها، حتى وصلت إلى أن حارب الخمور، وأحرق كتب
الفلاسفة، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات
العقيمة التي كانت في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد
الموحدين، وقد أسقط الديون عن الأفراد وزاد كثيرا في
العطاء للعلماء، ومال هو إلى مذهب ابن حزم الظاهري
لكنه لم يفرضه على الناس، بل إنه أحرق الكثير من كتب
الفروع وأمر بالاعتماد على كتاب الله وعلى كتب السنة
الصحيحة.
وفي
دولته اهتم أيضا أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي
بالعمران، وقد أنشأ مدينة الرباط وسمّاها رباط الفتح،
وأقام المستشفيات وغرس فيها الأشجار، وخصّص الأموال
الثابتة لكل مريض، وكان رحمه الله يعود المرضى بنفسه
يوم الجمعة، وأيضا كان يجمع الزكاة بنفسه ويفرقها على
أهلها، وكان كريما كثير الإنفاق حتى إنه وزّع في يوم
عيد أكثر من سبعين ألف شاة على الفقراء.
المنصور الموحدي يتبرأ من أباطيل ابن تومرت
يُعدّ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أول من أعلن
صراحة فساد أقوال محمد بن تومرت في فكرة العصمة
والمهدية، وقال بأن هذا من الضلالات، وأنه ليس لأحد
عصمة بعد الأنبياء، وكان مجلسه رحمه الله عامرا
بالعلماء وأهل الخير والصالحين. وقد ذكر الذهبي رحمه
الله في العبر أنه كان يجيد حفظ القرآن والحديث،
ويتكلم في الفقه ويناظر، وكان فصيحا مهيبا، يرتدي زي
الزهّاد والعلماء ومع ذلك عليه جلالة الملوك.
وعدم
اعتراف المنصور الموحدي بأفكار ابن تومرت المخالفة
للكتاب والسنة يجعله من أهل السنة والجماعة ومن الفئة
الصالحة المصلحة التي يحقق الله بها النصر والتمكين
لدينه والعزة والمنعة لأهله - تعالى - وقد أورد
المراكشي ما يفيد براءة المنصور الموحدي من أفكار ابن
تومرت الضالة جاء في "المعجب في تلخيص أخبار المغرب"
عن "المراكشي" قوله: أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس
أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحجر الكعبة قال:
قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف يا أبا العباس اشهد لي
بين يدي الله عز وجل أني لا أقول بالعصمة - يعني عصمة
ابن تومرت - قال: وقال: لي يوماً وقد استأذنته في فعل
شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس أين الإمام؟
أين الإمام؟.
ويقول أيضًا: أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان
من جزيرة الأندلس يسمى أبا بكر بن هانئ مشهور البيت
هناك لقيته وقد علت سنه فرويت عنه قال: لي لما رجع
أمير المؤمنين - يعني المنصور الموحدي - من غزوة الأرك
وهي التي أوقع فيها بالأدنفش وأصحابه خرجنا نتلقاه
فقدمني أهل البلد لتكليمه فرفعت إليه فسألني عن أحوال
البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله على ما جرت عادته
فلما فرغت من جوابه سألني كيف حالي في نفسي فتشكرت له
ودعوت بطول بقائه ثم قال: لي ما قرأت من العلم قلت:
قرأت تواليف الإمام أعني ابن تومرت فنظر إلي نظرة
المغضب وقال: ما هكذا يقول: الطالب إنما حكمك أن تقول
قرأت كتاب الله وقرأت شيئاً من السنة ثم بعد هذا قل ما
شئت...
وقال
عنه "المراكشي" في كتابه "المعجب في تلخيص أخبار
المغرب": وكان في جميع أيامه وسيره مؤثراً للعدل
متحرياً له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي
هو فيها كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء
الأول.
فمن
ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس لم
يزل على ذلك مستمراً أشهراً إلى أن أبطأ يوماً عن صلاة
العصر إبطاء كاد وقتها يفوت وقعد الناس ينتظرونه فخرج
عليهم فصلى ثم أوسعهم لوماً وتأنيباً وقال: ما أرى
صلاتكم إلا لنا وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلاً
منكم فيصلي بكم أليس قد قدم أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة وهو
غائب أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة
المهتدون فكان ذلك سبباً لقطعه الإمامة.
وكان
يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد من صغير ولا كبير حتى
اختصم إليه رجلان في نصف درهم فقضى بينهما وأمر الوزير
أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضرباً خفيفاً تأديباً
لهما وقال: لهما أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل
هذا فكان هذا أيضاً مما حمله على القعود في أيام
مخصوصة لمسائل مخصوصة لا ينفذها غيره.
وكان
قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل
شهر مرتين يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم.
وكان
إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم
وقضاتهم وولاتهم فإذا أثنوا خيراً قال: أعلموا أنكم
مسؤولون عن هذه الشهادة يوم القيامة فلا يقولن امرؤ
منكم إلا حقاً وربما تلا في بعض المجالس:
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ]
{النساء 135}.
كل
هذه الصفات السابقة لأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي
وهو ما زال شابًا بدأ الحكم وعمره خمس وعشرون سنة فقط.
ثانيا: المنصور الموحدي وبلاد الأندلس
إضافة إلى أعماله السابقة في دولة الموحدين بصفة عامة،
فقد وطد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي الأوضاع كثيرا
في بلاد الأندلس، وقوى الثغور هناك، وكان يقاتل فيها
بنفسه، وقد كانت أشد الممالك ضراوة عليه مملكة
البرتغال ثم من بعدها مملكة قشتالة. وقد كان له في
الأندلس ما يلي:
أولا: القضاء على ثورات بني غانية:
في
سنة 585 هـ= 1189 م وفي جزر البليار من بلاد الأندلس
قامت قبيلة بني غانية من أتباع المرابطين بثورة عارمة
على الموحدين، وقد كان لهذه القبيلة ثورات من قبل على
عبد المؤمن بن عليّ وابنه يوسف بن علي أيضا من بعده،
فقاموا بثورة في جزر البليار وأخرى في تونس.
ما
كان من أبي يوسف يعقوب المنصور إلا أن عاد من داخل
بلاد الأندلس إلى جزر البليار فقمع ثورة بني غانية
هناك، ثم رجع إلى تونس فقمع أيضا ثورتهم، وكان من جراء
ذلك أن ضعفت كثيرا قوة الموحدين في الأندلس.
استغلّ ملك البرتغال انشغال أبي يوسف يعقوب المنصور
بالقضاء على هذه الثورات واستغل الضعف الذي كان نتيجة
طبيعية لذلك، واستعان بجيوش ألمانيا وإنجلترا البرية
والبحرية، ثم حاصر أحد مدن المسلمين هناك واستطاع أن
يحتلها ويخرج المسلمين منها، وقد فعل فيها من الموبقات
ما فعل، ثم استطاع أن يواصل تقدمه إلى غرب مدينة
أشبيليّة في جنوب الأندلس. وهنا يكون الوضع قد أضحى في
غاية الخطورة.
وحول
ثورات بني غانية. فقد كان مقبولًا منهم أن يقوموا
بثورات على السابقين من حكام الموحدين قبل أبي يوسف
يعقوب المنصور بحجة أفكارهم الضالة التي خرجت عن منهج
الله سبحانه وتعالى، لكن السؤال هو لماذا الثورة على
هذا الرجل الذي أعاد للشرع هيبته من جديد، والذي أقام
الإسلام كما ينبغي أن يقام، والذي أعاد القرآن والسنة
إلى مكانهما الصحيح؟!
كان
من الواجب على بني غانية أن يضعوا أيديهم في يد أبي
يوسف يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله ويضموا قوتهم
إلى قوته ليحاربوا العدو الرئيس الرابض والمتربص لهم،
والمتمثل في دول الشمال الأندلسي، سواء أكانت دول
قشتالة أو البرتغال أو الممالك الأخرى، لكن هذا لم
يحدث، فأدت هذه الثورات الداخلية إلى ضعف قوة الموحدين
في بلاد الأندلس، وإلى هذا الانهيار المتدرج في هذه
المنطقة.
ثانيا: المواجهات مع النصارى واستعادة السيطرة:
بعد
القضاء على ثورات بني غانية أخذ أبو يوسف يعقوب
المنصور الموحدي يفكر في كيفية إعادة الوضع إلى ما كان
عليه، ووقف أطماع النصارى في بلاد الأندلس.
علم
أولا أن أشد قوتين عليه هما قوة قشتالة وقوة البرتغال،
لكنه رأى أن قوة البرتغال أشد وأعنف من سابقتها، فقام
بعقد اتفاقيه مع قشتالة عاهدهم فيها على الهدنة وعدم
القتال مدة عشر سنوات.
اتجه
أبو يوسف يعقوب المنصور بعد ذلك إلى منطقة البرتغال،
وهناك حاربهم حروبا شديدة وانتصر عليهم في أكثر من
مرة، واستطاع أن يحرر المنطقة بكاملها ويسترد إلى
أملاك المسلمين من جديد ما كان قد فقد هناك.
وقبل
أن يكتمل له تحرير تلك المنطقة نقض ملك قشتاله العهد
الذي كان قد أبرمه معه، وعليه فقد بدأ يعيث تهجما
وفسادا على أراضي المسلمين، ثم بعث ألفونسو الثامن-
ملك قشتالة في ذلك الوقت، وهو من أحفاد ألفونسو السادس
الذي هُزم في موقعة الزلاّقة الشهيرة - بعث برسالة إلى
أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي يهين فيها المسلمين
ويهدده ويتوعده. |