تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "09 / 16"  من تفسير سورة  هود (011) :  الآيات  : 61 – 68   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً  وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، في سورة هود وفي قصة سيدنا نوح عليه السلام جاءت الآياتُ الأخيرة تنبئ أن هناك أُمَماً سوف نمتِّعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم .

قد يرى الإنسانُ أمةً بمقياس العصر راقيةً ، مشكلاتها معظمُها محلولة رخاءٌ و دخلٌ كبير، آلاتٌ حديثة و رفاهٌ منقطع النظير، إن كانت هذه الأمة إنما بَنَتْ رفاهها ودخلها الكبير واستمتاعها بالحياة على ظلم أو على قهر للشعوب الأخرى ، فربّنا سبحانه وتعالى يقول :قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(48)

[سورة هود]

    من هذه الأمم التي متَّعها الله سبحانه و تعالى ثم مسَّها عذاب أليم هذه الأمة التي أرسل الله سبحانه وتعالى إليها نبيًّا كريما هو سيدنا صالح عليه السلام ، فقال تعالى :

[سورة هود]

         بعد أن أهلك اللهُ عادا و قد أرسل فيهم سيدنا هودا عليه السلام ، و بعد أن أهلكهم جاء من بعدهم قومُ ثمود ، فحينما استعلوا في الأرض و ضلوا و أضلوا و تاهوا عن طريق الحق، أرسل الله إليهم أخاهم صالحاً ، وقد حدّثتكم في الدرس الماضي كيف أنّ حكمة الله سبحانه وتعالى تتجلى في أن يكون النبي الرسول من بني البشر ، تربطه بِقَومه الأخوّة الإنسانيّة وكيف أنَّ قرابةً أخرى يجب أن تربطه بقومه ؟ يجب أن يكون منهم ، نشأ بين ظهرانيهم ، رأوْهُ ، ورأوا صدقه ورأوا أمانته ورأوا عفافه ، وعرفوا نسبه واطمأنوا إليه ، قال تعالى :

[سورة هود]

        لعل أحدنا يظنّ أنّ سيّدنا صالحًا عليه الصلاة والسلام قال لقومه هذه الكلمة ! هذا الذي قاله ملخَّصٌ لِحديث طويل ، ولأدلة طويلة ، ولِجُزئيات  ولتفصيلات ، والذي دعاهم إليه يتلخَّص بهذه الكلمات النيِّرات ، قال تعالى :

[سورة هود]

أي ملخّص دعوته أن أعبد الله وأعرفه وأطيعوهُ ثانيًا ، كي تسْعدوا بِقُربه ثالثًا قال تعالى :

[سورة هود]

       أموركم كلّها بيده ، في هذه الكلمة شيء نظري وعَقَدي ، وشيء سُلوكي فلا بدّ أن تؤمن أولاً أنَّه لا إله إلا الله ، ربنا سبحانه وتعالى يقول : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

[سورة محمد]

       بعض الناس يظنّ إذا قالها فقط دخل الجنَّة ، قال عليه الصلاة والسلام من قال لا إله إلا الله بِحَقِّها دخل الجنَّة ، قيل وما حقّها  ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله ! يجب أن يكون واضحًا في أذهان الإخوة الأكارم أنَّ كلمة تقولها لا تستحقّ الجنَّة عليها ، بِشَكل عابر وأنت عاداتك ليْست إسلاميّة وتصرّفاتك ليست إسلاميّة ، وسلوكك ليس إسلاميًا ، تنساق إلى نفسك وتتمنّى على الله الأماني ، وتعطي نفسك هواها ، ولا تنضبط بالشَّرع  فَمِثل هذا الإنسان ولو قال لا إله إلا الله لا يستحقّ بها الجنَّة ،  قال عليه الصلاة والسلام من قال لا إله إلا الله بِحَقِّها دخل الجنَّة ، قيل وما حقّها ؟ قال : أن تحجزه عن محارم الله ! في مقاييس الأرض هل يكفي أن يقول الطالب كلمة لينال بها درجة دكتوراه ؟! يقول كلمة وينال بها شهادة عليا  يستحقّ بها التبجيل والتعظيم في مجتمعه ؟ مستحيل ، هذا في مقياس البشر ،  ألا إنّ سلعة الله غالية ، هذا الذي يظنّ الإسلام كلمات تردَّد وطُقوس تمارس  وهو مع شهواته ، هذا بعيد بُعْد الأرض عن السماء عن أن يفْهم الدِّين الدِّين انضِباط وسُموّ روحي ، الدِّين عمل وتضحية  والدِّين ورع والدين معاملة ، والدِّين صِدْق ، أن يكتفي الإنسان بِقول لا إله إلا الله فهذا فهْم ساذج لا يتناسب مع عظمة الله ، ولا مع كمال الله ، يؤكِّد هذا قوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

[سورة آل عمران]

         من وقتك الثمين ، ومن مالك الذي حصّلتَهُ بِعَرق جبينك ، ومن الشيء الغالي عليك ، والعزيز عليك ، هذا يجب أن تنفقهُ في سبيل الله ، أما أن تُتْبِعَ نفسك هواها ، وأن تعيش مع الناس بِعاداتهم وتقاليدهم ومرحهم  وطربهم ، وتستمعُ ما يستمعون ، وتنظر إلى ما ينظرون ، وتلهو كما يلْهون وتستيقظ كما يستيقظون ، ويعنيك ما يعنيهم ، ويؤْلمُكَ ما يؤلمهم  وثم تقول أنا مسلم وتتمنى على الله الأمانيّ ، الله سبحانه وتعالى يقول :لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ

[سورة النساء]

وقال تعالى : وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ

[سورة المائدة ]

وقال تعالى :وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)

[سورة البقرة]

وقال تعالى :وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)

[سورة البقرة]

هذا كلام الله ، وهو غاية في الوضوح و لكيلا يغترّ الإنسان بالله سبحانه ، فقد قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)

[سورة فاطر]

        لا تغترّ بالدنيا أيْ إياك أن تنظر إليها بِحَجم أكبر من حجمها ؛ هي يسيرة وعند الله صغيرة ، ولا شأن لها ، سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ، لا تدوم لإنسان ، قال تعالى : كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ

[سورة الكهف]

      إياك أن تنظر إلى الدنيا بِحَجم كبير ! وإياك أن تنظر إلى الدنيا فتملأ قلبك ! إياك أن يكون علمك منتهيًا عند الدنيا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا ، إياك أن تجعلها في قلبك ، وهذا هو معنى قوله تعالى :

 فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا

 [سورة فاطر]

وأما معنى قوله وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)

[سورة فاطر]

      فمعناه إياك أن تسمح للشيطان أن يوهِمَك عن الله أشياء ليسَتْ صحيحة  إذا قال لك : طالبٌ كسول : إنّ هذا الأستاذ إذا قدَّمْت له هديَّة في آخر العام يقدِّم لك الأسئلة قبل يوم ! هذا كلامٌ باطل، والأستاذ فوق ذلك  وأرقى من ذلك وهذا تغرير بك ، وهذا سوء معرفة بالأستاذ ، أو أن يقول لك : إنَّ هذا القاضي يرتشي بِهَدِيّة بسيطة يُصْدر حُكْمًا إلى جانبك فهذا كذلك كلام ساذج ، فالقاضي فوق ذلك ، وأنزهُ من ذلك وهذا معنى قوله تعالى : فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)

[سورة فاطر]

       إياك أن تسمح للشيطان أن يوهمك أنَّ الله على خلاف ما جاء في كتاب الله ، قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)

[سورة المدثر]

وقال تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)

(سورة الزمر)

      هذا هو الحق ، إنَّ لكل حسنة ثوابًا ، ولكل سيِّئة عقاب ليس هذا من باب التشديد ، ولكن هذا من باب الواقع ، فلذلك قال تعالى :

[سورة هود]

       ملخّص الرسالة اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، يعني بدَل أن تقول : لا إله إلا الله ، فاعلم أنَّه لا إله إلا الله ، شتّان بين القول والعِلم ، العِلم يحتاج إلى بحث، وتدقيق ، ملخَّص دعوة سيّدنا صالح أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .

قال تعالى :

[سورة هود]

أي أنشأكم أصْلاً ، وأنشأكم أفرادًا أصْلاً سيّدنا آدم إنَّما خلقه الله من طين الأرض ، قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29)

[سورة الحجر]

      أما أنت أيها الإنسان فقد خُلِقْت من تراب الأرض ، حينما يولدُ الإنسان لا يزيدُ وزنهُ على ثلاثة كيلو غرامات وكلّ مِنَّا وزنه ستون فما فوق  هذا الوزن من أين جاء ؟ من الطعام والشراب، وهذا الطعام والشراب من أين جاء ؟ من التراب ، الأرض تنبت هذه الفواكه والخضراوات والكلأ الذي يأكله الحيوان ، ونأكله نحن في النِّهاية ، إذًا الله سبحانه وتعالى خلقنا من تراب أصلاً وأفرادًا ، قال تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى(55)

[سورة طه]

[سورة هود]

         هو الذي أنشأكم ، وجعلكم تُعمرون هذه الأرض ، أعطاكم هذا الفِكْر ، بِهِ بحثتم عن طعامكم ، وبه زرعتم الأرض ، وألقيتم الحبّ في الأرض  حصدتم النبات ، درستم القمح ، عجنتم الطحين ، خبزْتموه خبزًا ، كلّ هذا عن طريق هذا الفِكر الذي وهبهُ الله إيانا ، فعن طريق الفِكر نسجنا وغزلْنا ولبِسْنا ، وعن طريق الفِكر سكنَّا ، وأعطانا إمكانيّة الاستفادة ممَّا خلق اله في الأرض ، وهذا معنى قوله تعالى :

[سورة هود]

أي جعلكم تعمرونها ، ألْقِ نظرةً على مدينة ترى فيها بنيانًا ، وفيها طرقات وفيها جُسور ، وفيها معامل وفيها مدارس ، وفيها جامعات وفيها دوائر حكوميّة ، وفيها أنظمة ، وفيها مستودعات وفيها وقود ، وفيها أغذية ، وفيها ملبوسات ، استعمركم فيها ، هؤلاء الذين قالوا الإنسان أصلهُ قِرْد اُنظر إلى مجتمع القِردَة هل تطوَّر مجتمعهم من وضع إلى وضع عبر آلاف السنين ؟ القرد هو القرد ، أما الإنسان فتطوَّر في أسلوب حياته ومعاشه فقط ، قال تعالى:

[سورة هود]

       و على سبيل المثال ركب الطائرة و وصل إلى القمر و غاص في أعماق البحار ووصل إلى قيعان البحار و تعرّف إلى بني جنسه في كل مكان ،  إلى المخلوقات و عرف الحيوانات و النباتات و بيَّن ووصف و ألَّف ودرَّس قال تعالى :

[سورة هود]

       فكلمة الاستعمار هنا لها معنى لغوي ، و بالمناسبة الكلمات قد يكون لها معنى لغوي في الأصل و قد تكتسب مع الأيام معنى هامشيًّا ، فالاستعمار بمعناها الهامشي أن تأتي قوةٌ غاشمة تحتلُّ أرضًا لتأخذ خيراتها و تقهر أبناءها هذا المعنى الهامشي الذي أصاب هذه الكلمة، و لكنَّ الاستعمار بالمعنى القرآني هو إعمارُ الأرض ، قال تعالى

[سورة هود]

     يعني أنظُر إلى البيت ، له أساسات و هندسة ، هناك هندسة تصميم و هندسة تنفيذ وهندسة مدنية و هندسة جمالية ، وهناك بلاط و ملاط و طلاء و مواسير ماء و تمديدات كهربائية و تزيينات و أساس ، وهذا كلُّه بفضل الله سبحانه و تعالى ، هو الذي أعطى الإنسان هذه المواهب و جعله يحتاج إلى ملايين الأشياء ، و جعله يتقن صنعة أو أكثر ، و يحتاج لأخيه الإنسان في صنعة أخرى هكذا طبيعة الحياة يعني استعمركم فيها لا يستطيع الإنسان أن يحيا وحده فيها ، و لو كُلِّفتَ أن تصنع رغيفَ خبز ، تصوَّر ؛ يجب أن تشتري أرضًا و يجب أن تستخرج الحديد من الأرض و يجب أن تصنع محراثا و يجب أن تقتنيَ بقرةً أو ثورا ويجب أن تحرث الأرض و أن تلقيَ الحَبَّ و أن تسقيَ الزرع و أن تحصد و أن تدرس الحصاد و أن تنظّف و أن تطحن الحبَّ و أن تعجن ، شيءٌ مستحيل ، تشتري الخبز جاهزا ، آلا ف الرجال ساهموا في صنع الرغيف ، كذلك الثياب ، فالقطن و الصوف جُمِع كل منهما وغُسِل و صار غزلا و صُدِّرَ و صار خيوطا و نُسج  و خاطه لك الخيَّاطُ و لبسته أنت ، قال تعالى :

[سورة هود]

      هذه آية من آيات الله الكبيرة ، كل هذا يُقدَّم لك ، و أنت مكرَّم تسكن في بيت و تنام على سرير ، و على السرير غطاء ، من صوف شتاءً و من قطن صيفا ، و لك زوجة و لك أولاد و تأكل و تشرب ، و لك عمل تكسب منه رزقك و تتعامل مع الآخرين ، قال تعالى :

[سورة هود]

       يعني اطلبوا منه الشفاء و طهِّروا أنفسكم بالقرب منه ، و استقيموا على هذا ، و لا تكن هدايتك ومضات ، إن هذا الذي يتوب ثم ينقض التوبة ، يهتدي ثم ينتكس ، هذا لا خلاق له عند الله ، و إذا تعاملت مع الله سبحانه و تعالى فكنْ صادقا ، قال تعالى : مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)

[سورة الأحزاب]

      هذا قرار تتَّخذه مع الله سبحانه و تعالى ، مع الله رب العالمين ، أتعود عنه ؟ أتندم عليه؟ أتغيِّر ؟ أتبدِّل ؟ ضعاف الإيمان يعبدون الله على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به ، و إن أصابتهم مصيبة انقلبوا على رؤوسهم و ذلك هو الخسران المبين ، أما المؤمن لا يغيِّر ولا يبدِّل، قال تعالى :

[سورة هود]

     يعني أقبلوا عليه و طهِّروا أنفسكم بالقرب منه ثم تابعوا الطريق إلى نهايته ، قال تعالى :وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ

[سورة العنكبوت]

قال تعالى :

 

[سورة هود]

     يعني حبَّذا لو تُدرس هذه الأسماء الحسنى قريب مجيب الخ ...  دراسة دقيقة ، قريب واضحة، و مجيب واضحة ، أما قريب مجيب فإليك أيضاً حالها ، هناك من يتخَّذ شريكا من دون الله ، هو قريب و لكنه لا يجيبك عند الحاجة ، إما لأنه لا يستطيع أو لأنه لا يريد ، قد تستجير بإنسان و يقول لك : لا أستطيع ، هذا فوق إمكاناتي ، و قد يستطيع لا يجيبك لسبب أو لآخر، إنه قريب منك ، و قد يكون المجيب بعيدا عنك و لو أنه سمعه لأجابك و لكنه لن يسمعك ، إذًا ، قال تعالى :

[سورة هود]

قريب منك ، قال تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)

[سورة ق]

     إذا أنت أمسكتَ آلة تعمل على الكهرباء و ضممتها إلى صدرك و أحطت بها ، أنت أقرب إليها أم الكهرباء ؟ الكهرباء التي في داخلها أقرب منك إليك ، و لو فرضنا مسجلة لو أمسكتها بيديك الكهرباء التي بداخلها تحرِّك أقراصها أقرب إليها منك ، فربنا سبحانه و تعالى أقرب إلى الإنسان من روحه ، قال تعال :وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16)

[سورة ق]

و قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)

[سورة النساء]

فربنا عز وجل قريب و مجيب ، قال تعالى :وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

[سورة غافر]

من لا يدعوني أغضب عليه ، و إن الله يحب الملِحِّين في الدعاء ، و قال تعالى :وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)

(سورة البقرة)

 قال تعالى :

[سورة هود]

قال تعالى :

[سورة هود]

      أي أنت حينما دعوتنا إلى عبادة الله تغيّرتْ نظرتُنا إليك ، كنتَ قبل هذه الدعوة معقد الآمال و كنا نتوسيَّم فيك الصلاح و كنا نعلِّق عليك الآمال و كنا ننتظر منك أن تكون معينا لنا  أمَا وقد دعوتنا إلى أن نعبد اللهَ و ندع ما يعبد آباؤنا فقد خيَّبتَ ظننا ، فالإنسان الكافر هو الإنسان الكافر لا يتغيَّر و لا يتبدَّل ، هذا القول الذي قاله قومُ صالح لسيدنا صالح حينما دعاهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

[سورة هود]

       هذا القول ذكَّرني بقصة كنتُ قد ألقيتها على الإخوة في بعض دروس الأحد قصة عبد الله بن سلام ، هذا رجل من اليهود أدرك بعثة النبيِّ عليه الصلاة و السلام ، لا أريد أن أطيل عليكم، سأقرأ لكم قصته كما رواها هو يقول عبد الله بن سلام : لما سمعت بظهور النبي صلى الله عليه و سلم أخذت أتحرَّى عن اسمه و نسبه و صفاته و زمانه و مكانه ، و أطابق بينها وبين ما هو مطوّر من الكتب عندنا حتى استيقنتُ من نبوَّته ، اُنظُر إلى صدقه يبحث و يدقِّق و يحقِّق و يتأمل و يسأل حتى استيقنتُ من نبوَّته وتثبَّتُ من صدق دعوته ثم كتمتُ ذلك عن اليهود و عقلتُ لساني عن التكلُّم فيه إلى أن كان اليومُ الذي خرج فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام من مكة قاصدا المدينة، فلما بلغ يثرب و نزل بقباء أقبل رجلٌ علينا و جعل ينادي في الناس معلنا قدومَه ، و كنتُ ساعة ئذٍ في رأس نخلة لي أعمل فيها ، و كانت عمَّتي خالدة بنتُ الحارث جالسةً تحت النخلة ، فما أن سمعتُ الخبرَ حتَّى هتفتُ اللهُ أكبرُ ، فقالت لي عمتي حين سمعتْ تكبيري : خيَّبك اللهُ ، و اللهِ لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادما ما فعلتَ شيئا فوق ذلك ، فقلت لها : أيْ عمَّتي إنه واللهِ أخو موسى بن عمران و على دينه ، و قد بُعِث بما بُعث به ، فسكتت و قالت : أهو النبيُّ الذي كنتم تخبروننا أنه يُبعَث مصدِّقا لمَن قبله و متمِّما لرسالات ربه ، فقلتُ : نعَم ، قالت : فذلك إذًا ، ثم مضيتُ من توِّي إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام فرأيتُ الناس يزدحمون ببابه ، فزاحمتُهم حتى صِرتُ قريبا منه فجعلت أتفرَّس فيه وأتملَّى منه فأيقنتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب ، ثم دنوتُ منه و شهدتُ أنه لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، فالتفت إليَّ و قال : ما اسمُك ؟ فقلت : الحُصين بن سلام فقال : لا بل أنت عبد الله بن سلام ـ هذا من عادة النبيِّ كان يبدِّل الأسماءَ إلى أسماء أحسن منها ـ فقلتُ نعم عبد الله بن سلام ، و الذي بعثك بالحق ما أحبُّ أنَّ ليَ به اسما آخر بعد اليوم ثم انصرفتُ من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيتي و دعوتُ زوجتي و أولادي و أهلي إلى الإسلام فأسلموا جميعا و أسلمتْ معهم عمَّتي خالدة و كانت شيخة كبيرة ثم إني قلتُ لهم : اُكتموا إسلامي و إسلامكم عن اليهود حتى آذَنَ لكم فقالوا : نعم ثم رجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قلتُ له يا رسول الله إن اليهود قوم بُهتانٍ و باطلٍ و إني أحب أن تدعوَ وجوههم إليك و أن تسترني عنهم في حجرة من حجراتك ، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم قبل أن يعلموا بإسلامي ، ثم تدعوهم إلى الإسلام فإنهم إن علموا أني أسلمتُ عابوني و رموني بكلّ ناقصة و بهتوني ، فأدخلني النبيُّ عليه الصلاة و السلام في بعض حجراته ثم دعاهم إليه و أخذ يحضُّهم على الإسلام و يحبِّب إليهم الإيمان ، و يذكِّرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره فجعلوا يجادلونه بالباطل و يمارونه في الحق و أنا أسمع ، فلما يئس من إيمانهم قال لهم :ما منزلة الحُصين بن سلام فيكم ؟ قالوا : سيدنا و ابن سيدنا و حبرنا و و عالمنا و ابن حبرنا و عالمنا ، فقال : أفرأيتم إن أسلم أفتسلمون ؟ قالوا : حاش لله ما كان ليسلم ، أعاذه اللهُ من أن يسلم، فخرجتُ إليهم و قلت لهم : يا معشر اليهود اتقوا اللهَ واقبلوا ما جاءكم به محمَّدٌ فو اللهِ إنكم لتعلمون أنه رسول الله و تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه و صفته ، و إني أشهد أنه رسول الله و أؤمن به و أصدِّقه و أعرفه ، فقالوا : كذبتَ ، و اللهِ إنك لشرُّنا و ابن شرنا وجاهلنا و ابن جاهلنا، و ما تركوا عيبا إلا عابوني به ، فالكافر هو الكافر ، فقلتُ لرسول الله صلى الله عليه و سلم : ألم أقل لك إن اليهود قوم بهتان و باطل ، و إنهم أهل غدر و فجور ، وهذا يعني أن أحدهم يمدح ذكاءك و يمدح علمك ما دمتَ متحلِّلا من الدين ، فإذا عرف أنك ديِّنٌ قال : خيَّبتَ ظني فيك، هذا ما يقوله الناس الكافر هو الكافر ، قال تعالى :

 

[سورة هود]

       أأنت عبدُ التقاليد ؟ أنت عبد البيئة ، أنت عبد المجتمع أم أنت عبد الله ؟ تعس عبد الدرهم و الدينار تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرج تعس عبد الخميصة ، و سعِد عبد الله ، أنت عبد مَنْ ؟ هذا الذي يعصي اللهَ من أجل التقاليد و يعصي اللهَ من أجل ما هو معروف عند الناس ، هذا الذي يستحيي من الناس و لا يستحيي من الله ، هذا الذي يخشى الناسَ و لا يخشى الله ، هذا لا يعرف اللهَ إطلاقا ، قال تعالى :

[سورة هود]

      نحن نشكُّ في دعوتك ونحن لا نصدِّق ما جئتَ به ، و نحن نعبد ما يعبد آباؤنا ونحن متعلِّقون بالتقاليد و العادات والتراث و القيم الجاهلية ، قال تعالى :

[سورة هود]

      مَنْ يضمن لي إن عصيتُ اللهَ أن ينصرني ؟ أموري كلُّها بيد الله سبحانه و تعالى ، ومن يستطيع أن ينصرني من الله ؟ و من يستطيع أن يمنعني من الله ؟ أحدُ الولاة جاءه رجلٌ تابعيٌّ جليل و كانت قد جاءت الوالي رسالةٌ من أمير المؤمنين تأمره بما لا يرضي اللهَ ، فقال : يا أيها العالِم الجليل ماذا أفعل ، هذا أمر من يزيد أمير المؤمنين يأمر بما لا يرضي اللهَ أفأطيعه أم أعصيه ؟ فأجابه التابعيُّ بكلماتٍ وجيزات ، قال : إن اللهَ يمنعك من يزيد ولكنَّ يزيد لا يمنعك من الله ، يعني إذا أطعتَ صديقَك ـ وجه التقريب ـ و عصيتَ اللهَ سبحانه و تعالى فإني محق ، فإذا جاء المرضُ العُضالُ مثلاً فماذا يفعل الصديقُ ؟! قد يتكرَّم عليك بالزيارة وإن كان صديقا حميما قد يزورك مرَّتين ، و إن كان أشدَّ من ذلك قد يأتي معه بهديَّةٍ ، و إذا جاءت المنيَّةُ يبعث لك بإكليل وردٍ ، هذا كلُّ ما عنده ، أما من يملك لك الصِّحةَ ؟ و من يملك الحياة السعيدة في الدنيا ؟ ومن يملك لك قوَّةً ؟ و من يملك لك رخاءً ؟ اللهُ سبحانه و تعالى ، إنَّ الله يمنعك من يزيد و لكن يزيد لا يمنعك من الله ، فلذلك قال تعالى :

[سورة هود]

     مَن يستطيع أن يحول بيني و بين عقاب الله عز وجل ، قال تعالى :وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ

[سورة الرعد]

ومَن يستطيع أن يمنع عني قضاءَ الله ، ، قال تعالى : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ

[سورة الرعد]

 و قال تعالى: مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا

[سورة فاطر]

و إذا أعطاك فمن يمنعه ، ثم مَن يعطي إذا هو منعك ، قال تعالى :

[سورة هود]

       أي ، أنا إن اتَّبعتُ أهواءكم و استجبتُ لكم و تخليتُ عن هذه الدعوة و عصيتُ اللهَ لأرضيكم أكُن من الخاسرين ، ضعُ، قال تعالى : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ

[سورة الرعد]

ضعْ في ذهنك هذه الآية ، قال تعالى :فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49)

[سورة هود]

       يعني مهما دارت الأيامُ ، فإن المؤمن في النهاية هو الرابحُ ، و كفاك على عدوِّك نصرا أنه في معصية الله ، و ما دمتَ في طاعة و عدوُّك في معصية فأنت منتصر عليه لا محالة ، قال تعالى :

[سورة هود]

        يبدو أنهم أصرُّوا على كفرهم و استعلوا و ركبوا رؤوسهم و اتَّهموا نبيَّهم الكريم بالكذب و الأغراض الشخصية ، وقالوا له أغراض شخصية من هذه الدعوة ، إنه يريد أن يستعليَ علينا ، و أن يتفضَّل علينا ، وأرادوا أن يتحدَّوه و أرادوا أن يضعوه في وضعٍ حرِجٍ ، إن كنتَ تدَّعي أنك رسول الله و هذا مستحيل، إن كنتَ كذلك فأخرج من هذا الجبل ناقة ، فدعا الله تعالى أن تَخرُج الناقة فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعوته ليثبت نبوَّته و رسالته فانفلق الجبلُ فخرجت منه ناقةٌ عظيمة ، قال تعالى :

[سورة هود]

        و بالمناسبة قال عليه الصلاة و السلام : حسبكم الكونُ معجزة ...." الكون بوضعه الطبيعي ، و الأرض بدورانها على نفسها ، و الشمس بإشراقها و غيابها ، و الليل و النهار والأمطار و البحار و الجبال  خلقُ الإنسان و خلق الحيوان و خلق النبات ، هذا الكون هو أكبر معجزة فإذا طلب الإنسانُ بعدها معجزة و لم يؤمن بها استحقَّ الهلاك الفوري لماذا ؟ لأن الله سبحانه و تعالى لا يهلك إنسانا و فيه بقيَّة من أملٍ لهدايته إذا طلب شيئا خارقا للعادة شيئا فوق التصوُّر شيئا غير طبيعي و كان قد علَّق إيمانه على هذا الشيء ، و جاء النبيُّ بهذا الشيء و لم يؤمن به فلا معنى لحياته إطلاقا ، أي استنفد الله سبحانه و تعالى معه كلَّ الفرص، لذلك حقَّ هلاكُه ، قال تعالى :

[سورة هود]

     لكنَّ هذه الناقة التي طلبوها كانت تأكل في أرض الله و كانت قد شربتْ في يوم واحد الماء كلَّه ، و هذه معجزة أخرى ، و تركتْ لقوم صالح الماءَ في اليوم التالي ، قال تعالى :

[سورة هود]

      طلبوا الناقة متحدِّين و جاءت الناقة و لم يعجبهم ذلك و أرادوا أن يقتلوها ، خاف عليهم نبيُّهم صالحٌ عليه الصلاة و السلام ، خاف عليهم إن قتلوها أن يهلكهم الله سبحانه و تعالى هلاكا مُبرَماً، قال تعالى :

[سورة هود]

        هنا سؤال ، قوم صالح جميعا عقروها ، كيف ؟ الذي عقرها واحدٌ ، و العلماءُ استنبطوا، أنه إذا أقرَّ الإنسان عملا شائنا فقد شرك الفاعل في الإثم ، و أشقى قوم صالح عقَر الناقة ، أي أن إقرارهم لهذا العمل يعني أنهم كانوا شركاءَ في الإثم و الجريمة ، لذلك سيدنا عمر استنبط أن أهل قرية لو ائتمروا على قتل واحدٍ لقتلَّهم جميعا ، لأنهم جميعا قتلة ، لذلك قال تعالى :

[سورة هود]

       ربنا سبحانه و تعالى أي أن شقيَّ قوم صالح حينما عقر الناقةَ عبَّر عنهم جميعا و حقَّق آمالهم جميعا ، و أرضاهم جميعا لأنهم دفعوه جميعا ، فجاءت الآية : قال تعالى

[سورة هود]

ثم قال تعالى :

[سورة هود]

انتهى ، بعد أن عقروا الناقة ، ويعني أحيانا ـ على وجه التقريب ـ تقول : يا رب إنْ تنجِّحني و اللهِ أصلِّي ، فينجحه بمعجزة ، و يكون ضعيفا في هذه المادة و يأتيه سؤالٌ يتوقَّعه و قد درسه ، و لما يأتي السؤال كما يتوقع و ينجح و لا يصلي يستحق العذاب الأليم ، و لئن أنجيتني من هذا المرض لأكونن طائعا لك يا رب ، و ينجيه الله من هذا المرض ويخلف وعده الله لذلك يأتي العذاب الأليم ، فإذا علَّق الإنسانُ إيمانه على شيء من الله عز وجل و جاء هذا الشيءُ فلم يؤمن و لم يتُبْ فلينتظرْ مصيبةً كبيرةً  قياسا على هذه الحقيقة ، قال تعالى :

[سورة هود]

      أي استحقوا الهلاك و قُضِي الأمرُ ، فبقيَ الموضوع ثلاثة أيام ، العلماء وقفوا عند هذا الإيمان حتى بعد أن عقروا الناقةَ ، و لو أنهم ندموا على فعلتهم و تابوا إلى ربهم لعفا اللهُ عنهم ، هذه مهلةٌ أخيرة ، كفروا و استكبروا و استعلوا و تحدَّوا و طلبوا معجزة في ظنهم أنها مستحيلة  هل تخرج ناقة من الجبل ، خرجتْ ، فلم يعجبهم ذلك و لم يرضوا بها  لماذا ؟لأنها بدأت تجلب ضعافَ الناس إلى سيدنا صالح ، و بدأت تزلزل عقائدهم بكفرهم و بدأت تشيع في الناس أن هذا نبيٌّ عظيم و لم يرضوا أن تبقى هذه الآية مستمرة ولم يرضوا أن ينصرف الناسُ إلى نبيِّهم الكريم، عقروها فاستحقوا الهلاكَ و أعطاهم اللهُ مهلةً أياماً ثلاثة ، و لو أنهم تابوا و عادوا و رجعوا و أنابوا لقبلهم اللهُ ، إذا قال العبدُ يا رب و هو راكع قال لبَّيك يا عبدي فإذا قال العبد يا رب وهو ساجد قال لبِّيك يا عبدي فإذا قال العبدُ يا رب وهو عاصٍ قال لبَّيك ثم لبَّيك ثم لبَّيك ، و لو يعلم المعرضون انتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالُهم من حبِّي و لماتوا شوقا إليَّ ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف إرادتي بالمقبلين ، قال تعالى :

[سورة هود]

        كنْ مع القويِّ العزيز تكنْ عزيزا و تنجو من كلُّ همٍّ و ألمٍ ، اجعلٍ لربِّك كلَّ عزِّك يستقرُّ و يثبت فإذا اعتززْتَ بمن يموت فإن عزك ميِّتُ ، إذا أردتَ العزة فاعتزَّ بالله سبحانه وتعالى  ، سبحانك إنه لا يذلُّ من واليتَ و لا يعزُّ من عاديتَ ، قال تعالى :

[سورة هود]

القويُّ الذي لا يُدان بقوته و العزيز الذي لا يُنال جانبُه ، قال تعالى

[سورة هود]

     صيحةٌ واحدة كأن لم يغنوا فيها كأنهم لم يكونوا ، صفحةٌ و طُوِيتْ ، و الإنسان يحيا إن عصى اللهَ سبحانه و تعالى و ظلم و بغى يأتِ الموتُ فينهيه كأن لم يكنْ ، و يصبح خبراً وبعد أيام يُنسَى و انتهى الأمر ُو بقي في العذاب  إلى الأبد و لكنَّه إذا جاء للدنيا و أطاع اللهَ عز وجل خلَّد اللهُ له ذكرَه و جعله في قلوب المؤمنين .

        كيف أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام بعد ألف و خمسمائة عام تقريبا ؟ اِذهبْ اليوم إلى المدينة المنورة و ادخُلْ إلى مسجد النبيِّ عليه الصلاة و السلام ماذا ترى ؟ ترى الشيءَ الذي يُبكِي، أناس من كلِّ من الرواة ، من كلَّ قوم و من كلِّ عِرق و من شرق آسيا و من مشارق الأرض و من مغاربها و من إفريقيا و من بلاد العرب و من الشرق الأوسط ، كلُّهم يناجونه و يبكون ، ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام ؟ دعانا إلى الله سبحانه و تعالى ، إذًا إذا عرفتَ اللهَ في الدنيا جعل اللهُ ذكرَك في قلوب الناس و يحي ذكرَك و تكون مع السُّعداء ، فإذا جاء الإنسانُ للدنيا و انغمس في شهواته يأتي الموتُ و يُطوَى و كأنه لم يكن ، قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ

[سورة يونس]

 كأن لم يغنوا فيها ، أين بيوتهم ؟ و أين مساكنهم و أين صولتهم و أين جولتهم و أين مكانتهم و أين عزُّهم و أين حفلاتهم و أين  سهراتهم ، قال تعالى :

[سورة هود]

 بعدوا عن الله سبحانه و تعالى و أبعدهم و لعنهم فصاروا مع الأشقياء .

و الحمد لله رب العالمين