|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة البقرة (2)
رقم الدرس : 7/9 .
عنوان الدرس : المُلك والتوبة - الآية 284 - .
تدقيق لغوي : غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ في أواخر سورة
البقرة آيات دقيقة ، وكأن هذه الآيات تلخص السورة بأكملها ، بل
كأن هذه الآيات تعطينا الطريق العملي لفهم هذه السورة ، يقول
الله عز وجل في الآية الرابعة والثمانين بعد المئتين :

أولاً : هذه اللام ... لله ... هذه لام الملكية
.
فأنتَ مثلاً تقول : القلم لي ، والبيت لي ،
والمركبة لي ، فهذه اللام لام الملكية فلله ما في
السموات وما في الأرض ، كلمة السموات والأرض يقابلها
الكون ، والكون ما سوى الله ، والله واجب الوجود ، وما سواه
ممكن الوجود ، وما سواه هو الكون ، والتعبير القرآني للكون ،
السموات والأرض ، لله ما في السموات وما في الأرض ، أي
الكون كله ملك لله عز وجل .
ما معنى أن يكون الله مالك للكون ؟
…
أنت قد تملك بيتاً ولا تنتفع به ، قد أجرته في
الخمسينات بمئة ليرة في الشهر ، وثمنه الآن ثلاثون مليونًا ،
قد تملك بيتاً ولا تنتفع به ، وقد تنتفع به ولا تملكه فأنت
مستأجر ، وقد تملكه وتنتفع به ، و لكن مصيره ليس إليك ، فمشروع
تنظيم مِن قِبل المحافظة يأتي على البيت ، فملكية الإنسان
دائماً غير كاملة .
فهو إما أنه يملك الرقبة ولا يملك المنفعة ، أو
أنه يملك المنفعة ولا يملك الرقبة ، أو أنه يملك المنفعة
والرقبة ولا يملك المصير .
لكن إذا كان الله مالكاً ، فالله سبحانه وتعالى
يملك الشيء ، ويملك التصرف فيه ، ويملك مصيره ، أجل يملك الشيء
ويملك التصرف فيه ويملك مصيره ، " له الخلق والأمر "
( سورة الأعراف : الآية : 54 )
أمره نافذ في خلقه .
قد يصنع المعملُ طائرة ويبيعوها لدولة ما ،
فأصبحت الطائرةُ ملك تلك الدولة، لكن الله عز وجل له الخلق
والأمر ، لذلك " لله ما في السموات وما في الأرض " هذا يؤكده
قوله تعالى : " قل اللهم مالك الملك
"
( سورة آل عمران : الآية : 26 )
شخصًا عنده معمل ، وبيته في حيِّ خور شيد ، ركب
مركبته واتجه إلى البيت ، فنسي موقعَ البيت !!! قضى نصف ساعة
أو أكثر يبحث عن بيته ، أُصيب بفقد جزئيٍّ للذاكرة، لكنه عرف
بيت ابنه الذي بالجسر ، فذهب إلى ابنه وقال له : يا بني أين
بيتي ؟ .
قد يعني أنَّ أيَّ شيء يُملك فالله مالكه ،
فأنت هل تملك ذاكرتك مثلاً ؟
أعرف ينسى إنسان أولاده ، أحد الأشخاص أعرفه ،
وهو صيدلي في حيِّ المهاجرين ، جاء ابنه من أمريكا ، فقال له
من أنت ؟ أفتملك ذاكرتك ؟ هل تملك أن تعيش بعد ساعة، يقال :
سكت دماغية ، أتملك مزرعتك ؟ بكون ثمنُ محصولها ذات خمسمئة ألف،
"فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون"
( سورة القلم : الآية : 19 )
موجة صقيع تستمر عشر ثوانٍ تُتلف المحصول كله
، أو لفحة حر تتلف المحصول كله، أو رياح عاتية أقبلتْ رياح
عاتية قبل حين ، قلعت حوالي خمسمئة بيت بلاستيكي من جذورها ،
تلاشى البيت كله ، وتلاشى المحصول طبعاً ، فماذا نملك نحن ،
بناء بالقاهرة أربعة عشر طابقًا ، فيه بنوك ، وفيه مؤسسات ،
وفيه بيوت فخمه ، طبعاً ؛ بيت لإنسان غني فيه الآلات
الكهربائية ، والمكيفات البرادات ، آلات التسجيل ...إلخ .
خلال ثلاث وأربعين ثانية ، أصبح هذا البناء
ركاماً ، خمس درجات على مقياس ريختر تصير تحت خيمة تُؤويك ،
كان عندك بيت مساحته أربعمئة متر ، تزينه ديكورات ، وفرشه وفير
، بثلاث وأربعين ثانية ، غدوت تحت الخيمة ثاويًا ، هناك ناس
ينزحون من بلادهم ، قد يقال : مئة ألف نازح ، فنحن لا نملك إلا
رحمة الله عز وجل .
قال تعالى : " قل
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء
وتعز من تشاء وتذل من تشاء ".
هناك عطاء مادي ... وهناك عطاء معنوي ...
العطاء المادي ، بيت ، أرض مركبة ، تجارة ، أموال ... والعطاء
المعنوي مكانة ، عزة ، كرامة ، أو إهانة ، أو فضيحة ، أو ذل ،
" تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل
من تشاء بيدك الخير " .
هذا تمهيد للآية الرابعة والثمانين بعد المئتين
في أواخر سورة البقرة ، قال تعالى :" لله ما في السموات وما
في الأرض "، وأنت على الأرض تشملك الآية الكريمة ، أنت مِن
مُلك الله ، ثم قال :" وإن تبدوا ما
في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " .
إذا كان الإنسان مثلا مصابٌ بمرض نفسي ، كأنْ
يكون فيه كبر ، أو إشراك بالله ، وفيه آفةُ الاستعلاء ،
وتأكيد للذات ، أو عنده غرور ، فهذه الأمراض إن أبديتها لله أو
أخفيتها ، لابد من أن يحاسبك عليها .
أما الطبيب إن لم تأته إلى عيادته ، وتقول له :
إنني لا أنام الليل من ألم المعدة فإنّه لا يعالجك ، الطبيب
البشري إن لم تأته ، وإن لم تخبره بآلامك لا يعالجك ، لكن الله
عز وجل ، لأنه يعلم ، ولأنه مالك ، ولأنه رحيم .
يعلم ، ومالك ، ورحيم ، سواء أعرضت عليه مشكلتك
، أم تجاهلتها يحاسبك بها .
لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما
في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله
.
إخواننا الكرام ؛ أدق ما في الآية ، " فيغفر
لمن يشاء ويعذب من يشاء "، والله الذي لا إله إلا هو ،
ملخص ، ملخص ، الملخص ، إما أن تذهب إليه طواعيةً ، إما أن
تنتبه لأمراضك النفسية طواعيةً ، وإما أن تقبل عليه مبادرةً
منك ، وإما أن يرغمك على أن تأتيه قصراً .
" فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "،
يعني إنْ أصابك مرض ، فقد يقول لك الطبيب : لدينا حبوب ، أو
عملية جراحية ، وإمَّا لو امتنعت عن هذه الآكلات ، وأخذت هذه
المقويات تشفى ، فأنت بين خيارين ؛ إما أن تشفى بالحسنى ، وإما
أن تشفى بعد مصيبة ؛ فالآية دقيقة
…
يعني المرض النفسي إن أظهرته أو أخفيته ، إن
عرضته أو سترته ، إن أبديته أو أسررته ، إن ذهبت إلى الطبيب
أو لم تذهب إليه ، فالطبيب يعلم ، ورحيم ، وعليم وقدير ، وأنت
بملكه ، لأنه رحيم ، ولأنه رب العالمين ، ولأنه جاء بك إلى
الدنيا ليؤهِّلك للآخرة فلا تعصِهِ .
فلذلك أمراضك النفسية مكشوفة عنده ، إنْ تكلمتَ
أو سكتَّ سيان ، و المعالجة تكون بإحدى طريقين .
الطريق الأول : أن تأتيه تائباً ، وأن تقبل
عليه .
بهذا الاتصال تشفى من أمراضك ، أمّا إذا أبيت
أن تأتيه طائعاً ، ولم تندم على ما تفعل، فالله عنده مليون ،
مليون ، مليون ، مليون وسيلة مما يرغمك أنْ تأتيَ إليه ركضًا
، مليون وسيلة ، بدءاً من صحتك ، إلى زوجتك ، إلى أولادك ، إلى
عملك ، إلى تجارتك ، وأنت مسافر ، وأنت في البحر ، وأنت بالجو
، وأنت بالبر ، وأنت في بيتك ، وأنت بغرفتك ، حيثما كنت فلن
تعجزه .
حدّثني أحدُهم ؛ قال لي : أنا أستاذ كنت في
أوربا ، ليس مِن معصية إلاّ قارفتُها ،عدا القتل ، فما قتلت
أحداً ، قال : ثم جئت إلى الشام ، ونقلت باريس إلى دمشق ، فكل
المعاصي ؛ السهرات في النوادي ، والخمور ، و النساء ، لا زلتُ
أقارفها ، وفجأةً ، أنا في مقتبل الحياة ، وأحمل شهادة دكتوراه
بالكمبيوتر ، وفجأةً صار كلُّ شيء يتحرك أمامي مضطربًا ، أعوذ
بالله ، فهو يمشي ويقع ، واللهِ عشر محاولات لأمسك الكأسَ فما
أقدر ، يعني أصابه مرضُ اسمُه فقدُ التوافق الحركي ، وأصبح
لديه خلل في كهرباء الدماغ ، انعكاس واضطراب بالرؤية ، واختلال
بالمشي ، وعُرضتُ هنا على ستة وثلاثين طبيبًا بالشام ، فما
استفدت ، فذهب إلى فرنسا حيث تعلَّم وتخرَّج ، وأُدخِل إلى
أعظم مستشفى ، وجاء الطبيب بالطائرة ، وبحثوا عن مرضي ، وطبعاً
سرتُ على بساط إلكتروني ، وانطبعتْ حركاتي على شاشة ، فأول
كلمة قالها لي الطبيب : مرضك مرض يندر وجوده بالعالم ، نسبته
واحد من ثلاثة عشر مليون إنسان ، كل ثلاثة عشر مليون إنسان
يصاب به واحد ، ثم قال لي : أنا فداء سوريا كلها ، وبلغته
إدارة المستشفى أنّ إقامته في فرنسا ، وذهابه و إيّابه كل ستة
أشهر نفقةً على حساب فرنسا ، لا لأنه مكرم بل ، لأنهم جعلوا
منه حقل تجارب ، إنه مرض نادر ، ولأجل أنْ يتعلموا فيه اعتبروه
ضيفًا ، ذهاباً ، وإياباً ، وإقامةً ، وبعد ستة أشهر قال لي
الطبيب المعالِج بالحرف ما يلي : أنا أعلمُ طبيبٍ بمرضك في
العالم كله ، ولا فخر ، وللأسف ليس لك عندنا دواء ، ارجع إلى
بلدك وانتظر أجلك ، فرجع إلى الشام ، فاعتبر يا أخي المؤمن حيث
قال : "لم تبق مصيبةٌ إلاّ اقترفتُها" .
جاء إلى الجامع يومًا وحضر درسًا ، ولعله سُرَّ
، فقال يا رب : إذا شفيتني سأصلي ، فهو ما صلى في حياته ثمّ
حضر درسًا ثانيًا ، ولعلّ الله ألهمني كلمة فقلت : أتشترط على
الله ؟ أتجرِّب الله عز وجل ؟ فلا شرط ، و لا تجربة مع الله ،
ولا تجرب الله عز وجل ، لا تشارط ولا تجرب .
سبحان الله ، ثم قال : يا ربي مِن الآن أبدأ
الصلاة ، وفي البيت صلى أول ركعتين في حياته .
وفي ثالثِ يومٍ ، ثبتت الصورة ، وقام وصرخ راح
فرحًا بالشفاء .
إنّ الصورة ثبتت ، وما بقي لديه ارتجاج ، وأمسك
الكأس من أول محاولة ، وبعد ثلاثة أيام عاد صحيحا معافى ، وكان
الصلح مع الله ، ولزم دروس العلم ، وتاب إلى الله توبة نصوحًا
.
إخواننا الكرام ؛ إمّا أن تأتي طائعًا ، وإمّا
أنْ يأتي بك ركضًا ، وعنده مليون دواء ، أحد الأدوية يجعلك لا
تنام الليل خوفاً ، وأحد الأدوية يوحي إليك أنْ تقول : مستعد
لأنْ أبيع أملاكي على أنْ أُشفى .
قلت لكم بالأمس : شخص يحمل دكتوراه ، وصل لأعلى
منصب بوزارة الصناعة ، فَقَد بصره ، وبيته بالمالكي ، وله
سيارة ، وزوجة فرنسية ، يعيش في بحبوحة ، ومكانة ، وعز .
زاره صديق لي فأخبرني أنه قال للطبيب : واللهِ
أتمنى أن أجلس على الرصيف أتسول، ولا أملك من حطام الدنيا إلا
هذا المعطف ، وأن يرد اللهُ لي بصري .
إخواننا الكرام ؛" لله ما في السموات وما في
الأرض "، أنت ملكه ، وهو رحيم ، وهو رب كريم ، وحكيم ،
وخلقك للجنة ، فإذاً أنت بين خيارين .
"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه "،
فالأمر سيان .
في الجسم أمراض إنْ أظهرتها أو أخفيتها ، إن
أبديتها أو أسررتها ،" يحاسبكم به
الله".
أنت بين طريقين ؛ إما طريق الحمية والحبوب ، أو
عملية جراحية ، وكلاهما على الله سهل ، "فيغفر لمن يشاء" ،
للإقبال عليه ، "ويعذب من يشاء" ، للإعراض عنه ،
يبعث له مشكلة ، "والله على كل شيءٍ قدير" ، على
هذه قدير ، وعلى تلك قدير .
الطريق الأول : أولى وأجمل ؛ أن تأتيه طائعاً ،
والأمر في متناولك ، صحتك طيبة سليمة ، وبيتك منتظم ، ودخلك
جيد ، زوجتك كاملة ، أولادك ملاح ، وأنت بهذه الحالة الطيبة
صلِّ وتُبْ وغض بصرك ، وحرر دخلك واضبط جوارحك ، واضبط سمعك
وبصرك ، وأنت سليم صحيح الجسم ، وإلاّ إذا انحرفت فالله عز وجل
يعرف كيف يداويك ، " وإن تبدوا " ، هذه الآية دقيقة ،
هذه ملخص سورة البقرة كلها .
" لله ما في السموات وما في الأرض وأن تبدوا ما
في أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء "، الطريق السلمي أولاً
، بأنْ تأتيه طائعاً : أنا يا رب تبتُ إليك ، وأريد رضاك ،
" ويعذب من يشاء " إذا غفلت عنه ، فعنده أساليب ترجعك
قهرًا .
أمَّا "والله على كل شيءٍ قدير "، على
هذه قدير ، وعلى العملية الجراحية قدير ، وعلى إعطائك برنامج
حمية مع تناول حبوب قدير ، والأولى أهون ، فاحذروا يا أولي
الألباب .
والحمد لله رب العالمين |