|
الــدرس :2/2: لفضيلة
الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
الموضوع : تفسير
القرآن الكريم : سورة الفاتحة :
تتمة شرح الحمد لله
إلى آخر السورة .
تفريغ : الأستاذ هشام
القدسي
تدقيق لغوي : السيد
غازي سليمان القدسي والسيد أحمد مالك .
التنقيح النهائي :
المهندس غسان السراقبي .
بِسْمِ اللهِ
الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
أيها
الإخوة المؤمنون لا زلنا في سورة الفاتحة ، وفي الدرس
الماضي وضحت بتوفيق الله عز وجل معنى أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم ، ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم ،
وشرحنا طرفاً من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين ،
فكلمة الحمد ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام :"
الحمد رأس الشكر وما شكر الله تعالى عبد لم
يحمده " .
فالحمد
حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل .
الكلمة
الأولى في الإسلام الحمد لله ، الحمد
لله على إيجادنا ، فأول نعمة هي نعمة الإيجاد ، فلان
الفلاني ابن فلان ، وُلِد في دمشق عام كذا ، من أخرجك
إلى هذا الوجود، قال تعالى :

[سورة الإنسان]
إذا ولدت
عام ثمانية وثلاثين ، فأين كنت عام ستة وثلاثين ، إذا
وقع تحت يديك كتاب طُبع عام ثلاثين أين كنت حينما طُبع
هذا الكتاب ، لم تكن شيئاً مذكوراً ، فالحمد
لله على نعمة الإيجاد ، والحمد لله على نعمة
الإمداد ، أمدنا بكل ما نحتاج ، والحمد لله على
نعمة الإرشاد ، الإيجاد ، والإمداد ، والإرشاد ، قال
تعالى :

[سورة الحجرات]
فكلمة
الحمـد لله إحدى أكبر شعارات المؤمن ، الحمد
لله ، على السراء وعلى الضراء ، على الصحة وعلى المرض
، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها ، على الغنى وعلى
الفقر ، على الزواج ، وقبل الزواج ، وبعد الزواج ،
الحمد لله تعني أنك تعرف أن لهذا الكون إلهاً
عظيماً ، هو على كل شيء قدير ، فإذا حرمك من شيء فهذا
حرمان معالجة ، لا حرمان عجز
الحمـد
لله تعني أن الذي خلقك يحبك ، يحبك أكثر مما تحب نفسك
لذلك يعالجك ، ولولا المعالجة لما اهتديت .
فموضوع
الحمد لله موضوع واسع جداً ، لكن علماء البلاغة
قالوا : الحمد مسلم به ، لكن لمن ؟ ربنا قال
لله ، كلمة الحمد تقتضي وجود نعم ، والنعم
ظاهرة لا ينكرها جاحد، حتى الذي ينكر وجود الله لا
ينكر النعم ، يقول لك الطبيعة ، استثمار المياه في
الطبيعة ، استثمار الخيرات ، تحسين النسل ، هذه
موضوعات يعالجها الكفرة أيضاً ، فالنعم لا ينكرها أحد
، حتى الذين أنكروا وجود الله عز وجل لا يستطيعون
إنكار النعم ، الهواء ، الماء ، الطعام ، الشراب ،
النبات ، الأسماك الأطيار ، الأزهار ، هذه الشروط
الدقيقة جداً التي خلقها الله عز وجل موافقةً لطبيعتنا
، هذه نعم لا ينكرها أحد ، ولكن المشكلة في الآية أن
الحمد لله فقط .. أما أهل الدنيا فإنهم يحمدُ
بعضهم بعضاً ويشكرُ بعضهم بعضاً .
الحمـد
لله ؛ فصار الحمد أمراً مؤكداً لا يمكن أن
تحمد الله إلا إذا عرفته ، وقبل أن تعرفه لا تحمده ،
بل تحمد أنداداً له ، تحمد شركاء ، تظنهم شركاءه
فالحمد تقتضي المعرفة ، لذلك سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم سُمي محمداً لأنه أحمد الخلق قاطبةً ، ما من
مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حمده أكثر منه عليه
الصلاة والسلام ، كأن الحمد مقياس للقرب من الله عز
وجل ، سيد الحامدين هو سيد الخلق ، فاسم أحمد ، ومحمد
، وحامد ، هذه كلها من الحمد ، والله سبحانه وتعالى
خلق لنا النعم ، وعلمنا كيف نحمده عليها ، سبحانك لا
نحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، كيف أثنى
الله على نفسه ؟ بقوله تعالى : الحمد لله رب
العالمين ، لذلك فإن النبي الكريم قال: " عجبت لأمر
المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر ، فكان
ذلك له خير ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان ذلك له خير
وليس ذلك لغير المؤمن " .
الحمد
لله على كل حال كما قال عليه الصلاة والسلام ، كان إذا
أصابه شيء يسره يقول : الحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات ، وإذا جاءت الأمور على غير ما يريد ، تعسرت
، كان يقول : الحمد لله على كل حال .
إذا أردت
فرقاً أساسياً بين المؤمن وغير المؤمن ، لا أقول :
كلمة الحمد التي يقولها الناس جميعاً ، بل حالة الحمد
، المؤمن يعيش حالةً دائمةً من الحمد لله عز وجل ، فهو
شاكر ، جاء من أسرة فقيرة الحمد لله ، رزقه الله زوجة
ليست صالحة ، كيف يفهم هذا الأمر؟ يفهم هذا الأمر أن
الله سبحانه وتعالى رزقه هذه الزوجة ليصلحها ، ويكسب
بها أجراً عند الله كبيراً ، رزقه الله أولاداً ذكوراً
الحمد لله ، وإن رزقه إناثاً الحمد لله ، ذكوراً
وإناثاً الحمد لله ، جعله الله عقيماً ، الحمد لله ،
له وظيفة متعبة ، الحمد لله ، مريحة الحمد لله ، دخلها
قليل الحمد لله ، كبير الحمد لله ، ولكن هناك نقطة
دقيقة جداً ، إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أنه في أي
وضع تحمد الله عليه ، ولا تحاول تحسين هذا الوضع ، لا
.. هذا يتنافى مع أخلاق المؤمن ، هو يحاول تحسين وضعه
المادي ، يحاول تحسين وضعه العلمي ، يحاول رفع مستواه
في كل الميادين ، فإذا بذل كل طاقته ، ووصل إلى هذا
المستوى ، وليس في إمكانه أن يتجاوزه فيقول : الحمد
لله ، هنا الحمد لله.
قدم طالبٌ
امتحاناً ، ولم ينجح ، الحمد لله ، إذا كنت باذلاً
جهدك كله فالحمد لله ، إذا ما درست فهذا جزاء التقصير
، ليس له علاقة بالحمد ، هذا جزاء التقصير ، عندما
يبذل الإنسان كل جهده ، ولا يُحقق مطلبه عندئذ الحمد
لله على كل حال .
فكأني
أقول : إن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، لا أقول
كلمة الحمد ، بل حالة الحمد التي يحياها ، المؤمن لِمَ
يحمد الله ، لأن الله بيده كل شيء ، لا إله إلا الله ،
وهو الغني ، لم تهطل أمطار فالحمد لله ، وهو القدير
على كل شيء ، ليس لله عز وجل أندادٌ يمنعونه من أي
تصرفٍ ، صغيراً كان أم كبيراً ، وهو الغني هو القدير .
أنت تعمـل
في دائرة مثلاً ، المعلومات تصل إلى من هو فوقك غير
صحيحة ، يثنى على المقصر ، ويذم المجتهد ، أما العلم
الصحيح فهو عند الله ، لأنه سبحانه عليم ، هو الغني هو
القدير هو العليم ، هو السميع ، وهو القريب ، تكلمت أم
سكت ، يعلم السر وأخفى، لماذا الحمد لله ، لأنه لا
إلــه إلا الله أولاً لا إله إلا الله الغني ، قال
تعالى :

[سورة الحجر]
لا إله
إلا الله القدير ، هو الواحد القهار ، والله يحكم لا
معقب لحكمه، القاضي مثلاً يحكم في قضية ثم ترفع إلى
قاض آخر على منه فينقض حكمه ، لكن الله سبحانه يحكم لا
معقب لحكمه ، الحمد لله لأنه لا إله إلا الله ، والحمد
لله لأنه غني ، والحمد لله لأنه قوي ، والحمد لله لأنه
سميع ، والحمد لله لأنه بصير ، والحمد لله لأنه عليم ،
والحمد لله لأنه رحيم ، فلمَ لا تحمد الله عز وجل ؟
الحقيقة
إذا عرفت أسماء الله فلا تحزن أبداً على أية حال كنت
،لأنك لا ترى إلا حكمة بالغةً في تصرفات الله عز وجل ،
فالآية في مبدئها تشير إلى أن النعم التي أسبغها الله
علينا ظاهرة ، وجلية ، وواضحة وناصعة ، وهي كالشمس ،
لا يستطيع أحد على ظهر الأرض أن ينكرها ، ولكن المشكلة
أن هذه النعم تُعزى لغير الله ، جاء قوله تعالى :
الحمد لله.
" إني
والأنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، أرزق
ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ،
أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، و يتبغضون إلي
بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ، المشكلة أن النعم لا
ينكرها أحد ، ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير
الله :

[سورة يوسف]
قد يرى
بعضهم أن فلاناً الفلاني بيده نفعه وضره ، هذا إشراك ،
قد يرى أن هذه الزوجة ملجأ له ، وملاذ ، ولولا أن
الله سبحانه وتعالى جعلها سكناً لك ، ولولا أن الله
سبحانه وتعالى ألقى في قلبها محبتك ، أو ألقى في قلبها
رجاءك لما خدمتك ، فالمؤمن كلما تفتحـت بصيرته يرى أن
كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله ،
وبإذن الله ، والحمد لله وحده ، فلذلك نعمة الصحة نعمة
كبرى ، وليس العجب أن يمرض الإنسان ، بل العجب ألا
يمرض ، لأن هناك آلاف الآلاف من الشروط التي تتوافر
جميعها كي تقول صباحاً : الحمد لله رب العالمين ،
الأجهزة لديك تعمل ، جهاز الهضم ، بدءًا من الفم ، إلى
اللعاب ، إلى البلعوم ، إلى لسان المزمار ، إلى المريء
، إلى المعدة ، إلى البنكرياس ، إلى الإثني عشري ،
خلايا الامتصاص في الأمعاء الدقيقة ، الأمعاء الغليظة
، جهاز التصفية البولية ، إلى الكليتين ، جهاز القلب ،
إلى الرئتين العضلات ، العظام ، الجلد ، هذا كله يعمل
بانتظام ، الجهاز الودي النظير ، الجهاز العصبي ،
الجهاز الهرموني ، الغدة النخامية ، الغدة الدرقية ،
غدة الكظر ، البنكرياس كله يعمل بانتظام ، الحمد لله ،
هذه معجزة ، أن تستيقظ صباحاً ، وتحس أنك بصحة تامة ،
الحمد لله .
أكلـت
طعاماً ، مَن خَلَقـه ؟ من سخره ؟ من جعلـه مناسباً
لنا ؟ طعماً ، ولوناً ، ورائحةً ، وقواماً ، ومضموناً
، وغذاءً من نوع هذه الأغذية ؟ البروتينات ،
والفيتامينات والسكريات ، والمواد الدسمة ، من وزعها
على هذا الطعام الذي بين أيدينا ؟ إذا أكلت لقمة خبز
فمن خلق القمح ؟ الأرض ، والقمر ، والشمس ، والبحار
اشتركت في صنع هذا الرغيف ، إن شربت كأس ماء من سخره
لك ؟ إن لترَ الماء المحلى في دول النفط يكلف ثلاثة
ريالات ، أيْ عشر ليرات سورية تقريباً ، هذا الينبوع
ينبوع ، عين الفيجة الذي سخره الله لنا ، والذي بلغني
مؤخراً أن حوضه الجيولوجي يمتد إلى حدود كبيرة جداً ،
من سخره لنا ماءً عذبًا فراتًا ، الحمد لله على كأس
الماء ، الحمد لله على رغيف الخبز ، الحمد لله على هذه
التفاحة التي تأكلها ، إياك أن تظن أنك دفعت ثمنهـا لا
.. دفعت ثمن خدمتها ، لو اجتمع أهل الأرض لا يستطيعون
صنع تفاحة واحدة ، من جعل هذه الكميات بكميات معقولة ،
لو كان التفاح قليلاً جداً لكان ثمن الكيلو مائتي ليرة
، من يأكله إذاً ، من عمل تناسباً بين الإنسان
ومتطلباته ، لو أن الدجاجة تبيض في السنة بيضة لكان
ثمنها ألف ليرة ، أما إذا كانت تبيض كل يوم بيضه
فثمنها نصف ليرة ، هذه معقولة إذاً ، فالحمد لله ،
الحليب ، البيض ، الجبن ، اللحوم ، هذه كلها من نعم
الله ، فهذه النعم لا يستطيع أحد أن ينكرها ، لكن
المشكلة في أن أهل الأرض معظمهم يعزونها إلى غير الله
، فجاء قوله تعالى : الحمد لله رب العالمين .. الحمد
لله ، فكلما تعمقت في الإيمان بالحركة تحمده بالسكون ،
فإذا نظرت إلى ابنك قلت : الحمد لله ، من جعله بهذه
الصورة الحسنة ، إذا نظرت إلى زوجتك ، أو دخلت إلى
بيتك ، وأشعلت المدفئة ، وأدرت المروحة ، من سخر هذه
القوى ؟ من أودع في الأرض هذه المادة التي تُسمى
الطاقة ، وعن طريقها تولدت الكهرباء ؟ الحمد لله .
الحمد لله
كلمة تعني الله المسير ، هناك خالق ، ورب ، وإله ،
فالخالق الذي خلق، والرب هو الممد ، والإله هو المسير
، وتقريباً لأذهانكم أقول : هذه السيارة لها معمل
صنعها، وتحتاج إلى إمداد مستمر بالزيت والوقود ، وما
إلى ذلك ، وتحتاج إلى من يقودها ، فالذي يسيرها اسمه
المسيِّر ، والذي يمدها اسمه الرب ، والذي صنعها اسمه
الخالق ، فالحمد لله أمورك جميعها ، صغيرها ، وكبيرها
، عظيمها ، وحقيرها ، دقيقها ، وكبيرها ، بيد الله عز
وجل ، إليه يُرجع الأمر كله ، هذا هو التوحيد .
إذا كنت
تريـد أن تلخص الإسلام في كلمات ففي كلمة لا إله إلا
الله ، وكلمة الحمد لله ، هو كل شيء ، ويحمد على كل
شيء ، وهو الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، يحمد
على كل شيء ، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه
.
ما من حادث
يقع ، ما من مصيبة تقع ، ما من فقر ينزل بإنسان ، ما
من مرض يلحق بجسم إنسان إلا بأمر الله ، قال تعالى :

[سورة الحديد]

[سورة آل عمران]
هذا هو
التوحيد ، وهذا هو الحمد ، وكأنني بهذه الآية أدرك أن
عبارة الحمد لله جمعت لا إله إلا الله والحمد لله ..
الحمد لله جمعت التوحيد ، والحمد ، وهذا هو الدين كله
، توحيد وحمد ، وبعد النظر إلى المشركين تجد الشركَ
وسخطَ الكافر السماتِ العميقةَ بتفكيره ، وتصرفاته ،
أول شيء لديه الشرك ، فلان ، وفلان ، وفلان ، يرجو
فلاناً ، يخاف فلاناً ، يتمنى رضاء فلان ، يحسب لفلان
حساباً ، يعيش بدوامة الشرك ، قلبه فارغ ، يكاد ينفطر
خوفاً من فلان ، يكاد يذوب حباً بفلان ، النبي عليه
الصلاة والسلام يقول :" لو كنت متخذاً من العباد
خليلاً لكان أبو بكر خليلي " .
ليس هناك
إنسان أحب إنساناً على وجه الأرض كحب سيدنا أبي بكر
لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك الحمد لله
، لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لكان أبو بكر خليلي
، ولكن أخ وصاحب في الله ، من سخر هذا الصديق لهذا
النبي العظيم ؟ الله عز وجل، لو خلق الصديق عام ألف
وخمسمائة وخمسين لما التقى معه ، من جعله بعصره ؟ الله
عز وجل ، إذاً الحمد لله رب العالمين .
نسأل كل
واحد منا : من جمعك بهذه الزوجة ؟ الله سبحانه وتعالى
هو الذي قدر وجمع .
من رزقك
هؤلاء الأولاد ؟ الله سبحانه وتعالى .
من أعطاك هذا
الذكاء فحصلت ، وأصبحت لك خبرات ترتزق منها ؟ الله
سبحانه وتعالى .
طبيب ، محامٍ
، مهندس ، مدرس ، خبير ببعض الحاجات ، بيده مصلحة
بأعلى مستوى تدر عليه أرباحاً طائلة ، الحمد لله ، لو
أن نقطة دم كرأس الدبوس تجمدت في أحد شرايين الدماغ
لفقدت كل ذاكرتك وخبراتك .
فلان خبيـر
بهذه المصلحة ، شغله نظيف جداً ، حتى تتمكن من إنجاز
عمل عنده تحتاج إلى شهرين ، الفضل ؟ لله عز وجل ، إن
كنت طبيباً ناجحاً ، أو مدرساً ناجحاً ، أو تاجراً
ناجحاً ، أو صاحب معمل ناجحًا ، أو كان عندك مشروع
زراعي ناجحٌ ، أو كنت أباً ناجحاً ، أو كنت موفقاً في
زواجك فالحمد لله رب العالمين ، هذا هو الدين كله ،
توحيد ، وحمد ، الكافر يحيا في شرك وسخط ، الكافر
دائماً ساخط على كل شيء ، متشائم ، دائماً يشك في حكمة
الله ، أحياناً يقول لك : فلان ليس أهلاً للنعمة ..
يستكثر نعمة الله على بعض عباده ، ويستقلها على آخرين
، كأنه شاك في حكمة الله ، مع أنك لو تعمقت في الأمور
، وكُشف الغطاء ، وأطلعنا الله على كل شيء لكان هذا هو
الصواب ، و لقلنا : الحمد لله رب العالمين ، قال تعالى
:

[سورة يونس]
تحدث في الأرض
زلازل ، و فيضانات ، وبراكين ، وأعمال عنف ، وهناك قوي
وضعيف ، فيها صحة ، فيها فقر مدقع ، فيها مجاعات ،
الحمد لله رب العالمين ، " لو اطلعتم على الغيب
لاخترتم الواقع " .
لكن المشكلة
أن هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة لا شيء
، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قد يضحي بها من أجل الهداية
، فإذا أغلق صاحب المحل محله مثلاً والصانع نسي شمعة
شاعلة ، وفي الساعة الثانية ليلاً أبلغوه أن المحل
احترق ، المحل فيه بضاعة بثلاثة ملايين ، فإذا أخذ
يصلي على أثر هذا الحريق فهذا عند الله حكمة بالغة ،
أما عند الناس فماذا يقولون ؟ ليت هذا الصانع لم ينس
الشمعة شاعلة ، هي عند الله حكمة بالغة ، لأن هذا
المحل بكل هذه البضاعة التي احترقت إذا أثمر احتراق
المحل توبة لصاحبه فهذا خير كبير لا يعلمه إلا عند
الموت ، قال تعالى :
يوم يكشف عن ساق ..
يعني يُكشف عن كل شيء ساقه الله إليك.
ويدعون إلى السجود فلا
يستطيعون .. خجلاً ، وصغاراً ، وشعوراً بالخزي ،
والعار .
وكانوا يدعون إلى
السجود من قبل وهم سالمون ، فالحمد لله رب العالمين ،
وقع هنا بعض العلماء في حيرة ، أيهما أفضل كلمة لا إله
إلا الله أم الحمد لله ؟.
ملخص الملخص ،
قال الإمام الغزالي : ليس في الإمكان أبدع مما كان ،
بعضهم فهمَ هذا الكلام فهماً مغلوطاً ؛ والصواب في فهم
العبارة : ليس في إمكان المخلوق أبدع مما أعطاه الله
عز وجل ، الذي أعطاك الله عز وجل هو أنسب شيء إليك ،
ولو كُشفت لك الحقائق لما اخترت إلا أن تكون كما كنت .
بعض الناس
يتمنى الغنى ، بعض الناس يتمنى الصحة ، لو كُشفت لك
الحقائق لن تتمنى إلا أن تكون كما كنت ، لأن الله عز
وجل يعلم ما كان ، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ،
ويعلم ما لم يكن ، لو كان ، كيف كان يكون .
لذلك ليس في
الإمكان أبدع مما كان .
هذه الزوجة
أنسب امرأة لك ، يقول معترضاً : لأن الحق على أمي ، لا
ليس الحق على أمك ، خطبتها بسرعة ، كانت مستعجلة ،
رأوها في الليل ، وقعوا في الغش ، ليس في الإمكان أبدع
مما كان ، علامة واحدة تصير مهندساً ، ليس في الإمكان
أبدع مما كان ، اسمي ورد في القائمة ، آخر اسم ، كنت
سأوفد في بعثة ، ليس في الإمكان أبدع مما كان ، لو
نظرت إلى الأمور بعين التوحيد لرأيت أن الله وحده بيده
كل شيء ، قدم ، وأخر ، وسمح، ومنع ، وسهل ، وعسر ،
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً ..
إذا أرد
الله إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه ..

[سورة الرعد]

[سورة فاطر]
فالحمد لله
رب العالمين كلما تعمقت في الإيمان ازددت تمثلاً بهذه
الآية ، كم جزئية في حياتك ؟ أعتقد أن في حياة أحدنا
خمسين ألف ، أو مائة ألف جزئية ، نوع بيته ، ذاكرته
ضعيفة قليلاً ، الحمد لله أنسب شيء معلوماته ، ما عنده
إمكانية لدخول فروع علمية ، هكذا خلقني الله ، أنا أحب
الحفظ عند مذاكرة الدروس ، الحمد لله رب العالمين ،
يعني إمكاناتك الفكرية والجسدية قدرُك ، جعلك طويلاً ،
وقوياً ، أو جعلك ضعيفاً ، جعلك من أسرة غنية ، من
أسرة فقيرة ، جعلك في بيئة راقية في بيئة متخلفة ، كله
ليس في الإمكان أبدع مما كان ، يعني ليس في إمكاني
أبدع مما أعطاني ، هذا الذي أعطاك الله عز وجل ، لو
كُشف لك الغطاء لما اخترت غيره ، وقد يكون هذا الشيء
طريقك إلى الجنة ، الفقر هو الهادي ، قال تعالى :

[سورة الرعد]
يهتدي
إنسان عن طريق الفقر ، ويهتدي آخر عند موت أحد أقاربه
، وثالث يهتدي بمصيبة مؤلمة ، أو بإكرام كبير ، هذا
الذي ساقه الله إليك مبني على علم ، وحكمة ، وخبرة،
ورحمة ، الحمد لله ، الله المسير الذي لا إله إلا الله
، لا مسير غيره ، لا رافع ، ولا خافض ، ولا معز ، ولا
مذل ، ولا معطي ، ولا مانع ، ولا قابض ، ولا باسط إلا
الله عز وجل ، الحمد لله رب العالمين .
الإله نفسه
رب العالمين ، الممد ، هذا عطاؤنا ، المياه من عطاء
الله عز وجل ، نهر الأمازون ثلاثمائة ألف متر مكعب
بالثانية ، نبع الفيجة أحياناً بأيام الخير يفيض ،
يلبي حاجة دمشق بكاملها ، ويفيض عن حاجتها نصف كثافته
، يرفد بها نهر بردى ، ربنا ممد ، فأمدنا بالماء .
أحياناً يكون
شح بالماء ، ترى النباتات صفراء ، قال لي صديق : والله
دفعت في الأسبوع الماضي خمسمائة ليرة ، كل أربعة أيام
أدفع خمسمائة ليرة ثمن ماء لسقي المزروعات في المزرعة
، الأمر صعب جداً ، وإلا تموت الأشجار ، فالذي أمدنا
بالماء هو الله سبحانه وتعالى ، نهر الفرات بلغ عرضه
أحياناً في أيام الفيضانات أحد عشر كيلو متراً ، بعمق
كبير جداً ، الآن ممكن الإنسان يمشي فيه إلى ركبتيه ،
الحمد لله رب العالمين ، على عطائه ، وعلى منعه ،
عطاؤه عطاء ، ومنعه عطاء ، الحمد لله رب العالمين ،
المُمِدُّ بكل نعمة ، لكن ربنا عز وجل يمد هذه الأجسام
بكل ما تحتاج من الهواء ، إلى الماء ، إلى الطعام ،
إلى الشراب ، إلى كل شيء ، سواء أكان هذا الشيء
أساسياً أو ثانوياً ، الأساسي الطعام ، والشراب ،
والثانوي الأزهار ، هل تؤكل هذه ؟ لا تؤكل ، هذا
الجمال الذي بثه الله في الأرض ، هذه السماء التي
زينها بالنجوم ، هذه الأماكن الجميلة التي جعلها
منتجعاً لنا ، كلها من عطاء الله ، الحمد لله رب
العالمين .
ولكن معنى
الربوبية يشمل التربية النفسية أيضاً ، فكل أنواع
المصائب مشتقة من قولـه تعالى : الحمد لله رب العالمين
، الأب مثل مصغر ، يمد ابنه بكل ما يحتاج ، حاجاته
أدواته ، كتبه ، دفاتره ، ألبسته الصيفية ، الشتوية ،
غرفته ، بما فيها تدفئة لغرفته ، طاولة إنارة ، سرير ،
وسائد مثلاً ، فرش وثيرة ، أغطية مناسبة ، صيفية
وشتوية ، هذا إمداد ، فإذا ضبطه يكذب فقد يضربه ،
والضرب أيضاً تربية ، فالتربية لها معنيان ، معنى
الإمداد بما تحتاجه من مواد ، والمعنى الثاني التربية
النفسية .
فكل إنسان
يتلقى من الله عز وجل تربيتين ، يتلقى تربية لجسمه ،
ويتلقى تربية لنفسه ، فكل ما يحدث لك فهو من الله عز
وجل ، بناءً على واقعك ، وعلى نفسيتك ، الحمد لله رب
العالمين .
في درس سابق
فلت لكم : إن كلمة رب تقتضي العلم ، وتقتضي الخبرة ،
وتقتضي الغنى ، وتقتضي الإشراف الدائم ، وتقتضي الحكمة
، وتقتضي الرحمة ، لابد أن يكون رب العالمين قوياً ،
وغنياً ، وحكيماً ، وعليماً ، وخبيراً ، ورحيماً ،
وقيوماً ، دائم الإشراف ، لا يُسمى المربي ناجحاً إذا
غاب عن الذي يربيه ، لا يُسمى المعلم ناجحاً إذا تغيب
عن الطلاب، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً ، وغنياً
، وقديراً ،
وحكيماً ، ورحيماً ، ودائم الإشراف قيوماً ،
الحمد لله رب العالمين .
كلمة رب
فيها عطاء ، ربنا ما قال : الحمد للإله ، ما قال :
الحمد للخالق ، بل قال : الحمد لله رب العالمين ، يعني
أنك لك رب ، ذات مرةً سمعت في الطريق رجلاً يقول وهو
في حالة غضب ، إذا ليس له أب ليس له رب ؟ تأثرت بهذه
الكلمة ، قد ينشأ أحدنا يتيماً، ولا أب له ، لكن الله
موجود .
وإذا العناية لاحظتك
جفونها نـــــم فالمخاوف كلهن أمان
***
إذا أعطاك فمن
يمنعـــــه ثم من يعطي إذا ما منعك
***
كن مع الله تر الله
معك واترك الكل وحاذر طمعك
***
الحمد لله
رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، الرحمن في ذاته ،
الرحيم في أفعاله ، ذاته رحيمة ، هناك تطابق كامل بين
أفعاله وبين ذاته ، أحياناً تكون هناك مسافة بين
الإنسان وبين أفعاله ، وبين نفسيته ، هناك مسافة بين
أفعاله وبين نفسيته ، قد يفعل عملاً فيه رحمة ، ولكن
قلبه قاس كالحجر ، الظروف اضطرته لذلك ، ذكاؤه أرشده
لذلك ، لكن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ، رحمن في
ذاته ، رحيم في أفعاله ، قال سبحانه حكاية سيدنا
إبراهيم :

[سورة مريم آية45]
الرحمن
يعذب أما الرحيم لا يعذب ، دقة الآية .. إني أخاف أن
يمسك عذاب من الرحمن ، ربنا عز وجل رحمن في ذاته ،
تقتضي رحمته أن يسوق لعبده بعض الشدائد ، هذه الشدائد
تُسمى شدائد ، أما الرحمة فرخاء ، لذلك قال ربنا عز
وجل :

[سورة الأنعام]
انظر الإعجاز ؛ يعني
تقتضي رحمته ألا يرد بأسه عن المجرم قال تعالى :

الرحيـم
صفة أفعاله ، أما الرحمن صفة ذاته ، الحمد لله رب
العالمين ، الرحمن الرحيم ، ماذا بقي ؟ .. هو الإله ،
وهو الرب ، وهو الرحمن الرحيم ، والرحمن الرحيم اسم
جامع لأسماء الله الحسنى ، فقوته ضمن رحمته ، ولطفه من
رحمته ، وبطشه من رحمته ، وأفعاله نابعة من رحمته ،
لذلك هناك أسماء جامعة ، الرحيم من الأسماء الجامعة ،
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم .
لكن مالك
يوم الدين ، لو عقلنا معناها لارتعدت فرائصنا ، أنتم
الآن مخيرون ما دام في القلب حياة ، ما دام القلب ينبض
فأنت مخير ، كل شيء ممكن الآن ، الإصلاح ممكن، والتوبة
ممكنة ، قال تعالى :

[سورة طه]
لكن مالك يوم
الدين ، إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك ، هذه
الأمانة التي أودعها الله فيك ، هذا التكليف ، وهذا
الاختيار الذي منحك الله إياه ، هذا الكون الذي وهبه
الله لك ، هذا العقل ، والفكر الذي ميزك الله به كله
انتهى .. مالك يوم الدين ، وهو في الدنيا مالك ، وأنت
مختار ، لكنه في الآخرة ملك كل شيء ، وملك اختيارك ،
إذاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً ، يوم الدين ، يوم
الجزاء ، الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، قال
عليه الصلاة والسلام : " عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب
من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ".
افعل ما شئت ،
أعط أولا تعط ، اعدل أو اظلم ، أحسن أو لا تحسن ،
اعملوا ما شئتم، يوم الدين يوم الجزاء ، عاملت زوجتك
بالإحسان ، فهو لك ، وإن أسأت فعليك ، أنفقت مالك في
سبيل الله فهو لك ، لم تنفق فمغبة البخل عليك .

[سورة البقرة آية 286]

[سورة الروم]
مالك
يوم الدين ، إذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء ،
الاختيار انتهى ، والأمانة انتهت ، والشهوات نزعت ،
والكون طوي ، والفكر تعطل ، كل شيء انتهى ، يوم الدين
، يوم الجزاء ، والله مالكه ، أما الآن فأنت تملك
الاختيار ، مخير أن تتوب ، أو لا تتوب ، أن تسيء أو
تحسن ، لكن يوم الدين ينتهي فيه الاختيار ، كأن هذه
الآية تحضك على العمل الصالح ، فإياك أن تصل إلى هذا
اليوم ، وليس لك عمل صالح تلقى الله به ، لذلك :

[سورة آل عمران آية
102]
مالك يوم الدين ، يوم
الدين يوم جزاء ، نحن الآن في يوم عمل .
في العام
الدراسي مثلاً ، الطالب يأتي للمدرسة ، يحب أن يدرس ،
أو لا يدرس ، يجتهد أو لا يجتهد ، يراجع أو لا يراجع ،
يذاكر أو لا يذاكر ، يكتب وظائفه ، أو لا يكتبها ، أو
يكتبها نقلاً من رفاقه ، يستطيع لأنه مخير ، لكن إذا
قُرع جرس الامتحان في آخر العام وطرحت الأسئلة ، هذا
اليوم يوم الجزاء ، و في الامتحان يكرم المرء أو يهان
، أما في أثناء العام الدراسي فلا إهانة للكسول ، معه
مهلة ، أعطي فرصة ، ونحن الآن كذلك ، الآن نحن في فرصة
، أنت حر ، تحب أن تأتي إلى هذا المجلس ، أو لا تأتي ،
هناك من يسهر وراء جهاز لهو ، يقول لك : والله هذه
المحطة أمتع ، لكن تلك المحطة ناشفة ، وبرامجها هزيلة
، اليوم دار عمل ، لكن الآخرة دار جزاء ، قالوا :
الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف ، في الآخرة ؛
انتهى الاختيار انتهى التكليف ، انتهت كلمة حرام وحلال
، أنت في جنة عرضها السماوات والأرض ، لا غض بصر في
الآخرة ، ولا استيقاظ لصلاة الصبح باكراً ، وليس هناك
بذل مال ، ولا مشي في الشموس ، ولا حر ، في جنة عرضها
السماوات والأرض ، قال ربنا عز وجل :

[سورة يس]
هنيئاً لهم ، هذا
الوقت

[سورة الصافات]

[سورة المطففين]

[سورة الذاريات]

[سورة الحاقة]
فنحن الآن في
دار عمل ، ويوم الدين دار جزاء وحساب ، أما إذا وصل
الإنسان إلى يوم الدين فقد انتهى كل شيء ، انتهى
اختياره ، وانتهت الفرص كلها ، أمّا الآن فالفرص كلها
مفتحة ، أبواب الرحمة مفتحة ، أبواب التوبة مفتحة ،
أبواب الاستقامة مفتحة ، أبواب العمل الصالح مفتحة ،
لكن إذا جاء يوم الدين انتهى كل شيء ، انتهت حرية
الاختيار، انتهت الدنيا، ليس التعامل هناك بالأموال ،
بل بالحسنات والسيئات ، يؤخذ من حسنات المسيء ، ويعوض
بها عما اغتصبه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى
الله بقلب سليم .
بعد هذه
المقدمة ، الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ،
مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين .
حينمـا قال
النبي عليـه الصلاة والسلام: " جمـع القرآن في الفاتحة
" ، والله معه الحق، لأن كل شيء في الفاتحة ، الألوهية
، والحمد ، والربوبية ، واسم الله الأعظم ، الرحمن
الرحيم ، والمصير الذي لا مفر منه ، مالك يوم الدين ،
الآن موقفك المنطقي ؛ إياك نعبد وإياك نستعين ، لو أن
الله عز وجل قال : نعبد إياك لاختلف الأمر ، إذا سبق
المفعول به الفعل فهذا أسلوب الحصر ؛ أيْ نعبدك ، ولا
نعبد أحداً معك ، لو قال : نعبد إياك شيء ، وإياك نعبد
شيء آخر ، إياك نعبد ، لذلك فإن أعلى مرتبة يبلغها
الإنسان في الأرض أن يدرك أن حق العبادة لله وحده ،
وأعلى مقام بلغه النبي أنه كان عبداً لله ، عبداً
حقيقياً ، فتطابقَ اختياره مع أمر الله تماماً ، نحن
أحياناً لا يتطابق اختيارنا مع أمر الله ، نطبق مثلاً
تسعين بالمئة ، وهناك مثلاً عشرة بالمئة لم تطبقها في
عملك ، فلست إذاً عبداً كاملاً ، أما العبودية الكاملة
أن يكون اختيارك موافقاً مائة بالمائة لما أمر الله عز
وجل ، إذاً أنت عبد لله، وإن لم تكن عبداً لله فلا بد
أن تكون عبداً لشهوتك ، " تعس عبد الدرهم والدينار ،
تعس عبد الفرج تعس عبد الخميصة " .
إن لم تكن
عبداً لله فأنت عبد لشهوتك ، وإن لم تكن عبداً لشهوتك
فأنت عبد لعبد من عبيد الله ، فأنت عبد لعبد لئيم ، كن
للهِ عبداً فعبد الله حر .
فإياك نعبد إن
العبادة : طاعة تامة ، مبنية على معرفة ، ومنتهية
بسعادة ، التعريف الدقيق : طاعة تسبقها معرفة ،
وتعقبها سعادة ، وإلا لما كانت لها هذه الأهمية ، قال
تعالى :

[سورة الذاريات]
العلة الكبرى
لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله ، يعني أن
يعرفه ، فيطيعه، فيسعد بقربه ، إياك نعبد ، لا نعبد
إلا إياك ، قال تعالى:

[سورة الأنبياء]
التوحيد والعبودية لله
عز وجل قال تعالى :


[سورة طه]
والله هذه الآية تكفي
، قال تعالى
الكافر عنده أمل
طويل ، قال تعالى :

[سورة الكهف]
نهيٌ إلهيٌ عظيم جداً
..
ولا تطع من
أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً ..
مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين .
لكن
العبادة لله عز وجل تحتاج إلى عون من الله عز وجل ،
فأنت في الركوع تعلن عن خضوعك لله ، وفي السجود تطلب
العون منه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" لكن سورة حظها من
الركوع والسجود " .
تقول :
اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ،
الأنبياء الصديقين ، الصالحين ، المؤمنين ، أهل العقل
أهل اللب ، الطيب ، وذوي النفوس الزكية ، صراط الذين
أنعمت عليهم .

[سورة الفاتحة]
هناك أناس
عرفوا ، وعصوا ، هؤلاء الذين غضب الله عليهم ، وهناك
أناس ما عرفوا الله عز وجل ، فهؤلاء هم الضالون :

يقول لك الله عز وجل
وكأنه يخاطبك في الصلاة :

[سورة النور]
الله أكبر
.. سبحان ربي العظيم ، يعني خضوعاً لك يا رب بهذا
الأمر ، أنا خاضع لك ، أنا مطيع لك ، في السجود تقول :
سبحان ربي الأعلى ، يا ربي أعني على تنفيذ هذا الأمر ،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : " لكل سورة حظها من
الركوع والسجود " .
يعني كل آية
تقرؤها في الصلاة لها ركوع خاص ، بحسب مضمونها ، ولها
سجود خاص ، بحسب مضمونها ، تبدأ :

لا نعبد إلا إياك ، لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لكننا ضعاف :

[سورة النساء]

[سورة يوسف]
إياك نعبد
وإياك نستعين على عبادتك ، إذا أراد ربك إظهار فضله
عليك خلق الفضل ونسبه إليك .

عندئذ تتوجه إلى الله
عز وجل

هؤلاء
الناجحون ، هؤلاء المفلحون ، هؤلاء المؤمنون السعداء
في الدارين ، الذين عرفوك ، وأطاعوك ، وتقربوا إليك ،
وعقلوا عنك ، وسعدوا بقربك ، صراط الذين أنعمت عليهم ،
من يطع الله ورسوله يحشره الله عز وجل مع النبيين ،
والصديقين ، والشهداء ، والصالحين .

هؤلاء الذين
عرفوا الله ، وحادوا عن شريعته ، سمعنا وعصينا ، هذا
الذي يقول : نحن عبيد إحسان ، لسنا عبيد امتحان ، وثمة
أدعية من صنع أحدهم : أمرتنا فما ائتمرنا ، ونهيتنا
فارتكبنا ، ولا يسعنا إلا فضلك ، هؤلاء مغضوب عليهم .

عرفت الله ،
وتعصيه ، قال رجل لابن الأدهم : إيذن لي بالمعصية ،
قال نعم : قال : أشياء خمس إذا فعلتها لن تضرك المعصية
، قال : وما هي قال : إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه
، قال : وأين أسكن إذاً ؟ قال : فكيف إذاً تسكن أرضه ،
وتعصيه ؟
قال الثانية :
قال : إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا تأكل من رزقه ، قال
: وماذا آكل إذاً ؟ قال : كيف إذاً تسكن أرضه ، وتأكل
رزقه ، وتعصيه ؟
قال : هات
الثالثة : قال : إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا يراك قال
: وكيف لا يراني، وهو رب العالمين ؟ قال : تسكن أرضه ،
وتأكل رزقه ، وتعصيه ، ويراك ؟! لذلك :

نختم هذا الدرس بقوله
عليه الصلاة والسلام : " القرآن كله في الفاتحة " .
تقرؤها في كل
ركعة ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، والبطولة
أن تقرأ الفاتحة ، وأنت متمثل لمعانيها .

عند إياك
نعبد ، وإياك نستعين بدأ موقفك العملي ، ما دام الله
سبحانه وتعالى رب العالمين ، وهو الرحمن الرحيم ، الذي
لا إله إلا هو ، يُحمد على كل شيء ، فماذا تنتظر ..
إياك نعبد وإياك نستعين .
ألا أنبئكم
بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله ، هكذا قال عليه
الصلاة والسلام : لا حول عن معصيته إلا به ، ولا قوة
على طاعته إلا به يعني إياك نعبد وإياك نستعين .. ، في
سورة سيدنا يوسف مثلاً ، قال تعالى :

الإنسان
عندما يطيع الله عز وجل ، وهو مفتقر إليه يعينه على
طاعته ، فإذا اعتمد على نفسه أوكله الله إليها ، لذلك
الإمام أحمد رضي الله عنه قَبْل أن تدركه المنية كان
يقول : كلا ليس بعدُ كلا ليس بعدُ ، فحار تلامذته في
ذلك ، فلما تُوفي رحمه الله رآه بعض تلامذته في المنام
، فقال له يا سيدي : كنت تقول : كلا بعد كلا بعدُ ،
فقال : يا بني جاءني الشيطان فقال : قد نجوت مني يا
أحمد ، فقلت : كلا ليس بعد ، حتى تُنزع الروح من
الجسد ، وأنا على الإيمان ، أما الآن - بعد الموت -
فقد نجوت ، ما دام الإنسان على قيد الحياة ، فمن
الممكن أن يصيبه كبر ، ويقع في المعصية ، أو يصيبه
اعتزاز ، ويقع في الشرك .
فإياك نعبد
وإياك نستعين ، ودائماً كن في افتقار إلى الله عز وجل
، هل من الممكن أن يعبد نبي صنماً ، مستحيل ، ورد هذا
في القرآن الكريم حينما دعا إبراهيم عليه الصلاة
والسلام ربه ، فقال :

[سورة إبراهيم]
معناها مفتقر ،
معناها إياك نعبد ، وإياك نستعين ، بعد أن عزمت على
طاعة الله عز وجل ، وعزمت على الاستعانة به ، الآن
التفصيلات ، يا رب اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين
أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين ، الآن
تقرأ القرآن ، وهو الصراط المستقيم القرآن ، خلاصةُ
تكاليفه : افعل ، ولا تفعل :



[سورة النور ـ سورة
البقرة آية 83 ـ سورة النحل ]
تقول أنت :
اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير
المغضوب عليهم ولا الضالين
طبعاً "المغضوب
عليهم" عرفوا ، وحرفوا ، و"الضالين" ما عرفوا أصلاً ،
الضالون كثيرون ، أما المغضوب عليهم أكثر .. أكثر
المسلمين يعرف أن له رباً ، وفي الآخرة جنة ونار ، ومع
ذلك يأكل حراماً ، ويطعم حراماً ، ولا يبالي بأمر الله
، ويعصي الله ، ويقول : نحن ضعاف ، نحن عبيد إحسان ،
لا عبيد امتحان ، وهكذا ، هؤلاء مغضوب عليهم ، وأما
الضالون فهم الذين ما عرفوا الله أصلاً ، وأما الذين
أنعم الله عليهم فهم من النبيين ، والصديقين ،
والشهداء ،والصالحين ، هؤلاء الذين أنعم الله عليهم ،
اهدنا الصراط المستقيم، في سورة حمد .. الحمد لله رب
العالمين ، الرحمن الرحيم .
وفيها مصير
مخيف .. مالك يوم الدين .
وفيها موقف
عملي .. إياك نعبد وإياك نستعين .
وفيها تفصيلات
.. اهدنا الصراط المستقيم .
حمدت الله ،
المسير ، الرحمن ، الرحيم ، وعلمت أن يوم الدين هو يوم
الجزاء ، ولا اختيار لك ، ثم رجوت الله ، وأعلنت عن
عبوديتك لله ، وعن استعانتك به ، ثم طلبت منه هدايتك
للصراط المستقيم ، المنهج الصحيح ، صراط الذين أنعمت
عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين .
كلمة آمين :
يعني استجب يا رب ، ثم تأتي الصلاة فتأتي القرآن.
والحمد لله رب
العالمين
***** |