|
الــدرس
:1/2: لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب
النابلسي .
الموضوع
: تفسير القرآن الكريم : سورة الفاتحة :
تفسير
الاستعاذة ، والبسملة ، والحمد لله رب
العالمين .
تفريغ :
هشام القدسي
تدقيق لغوي
: السيد غازي سليمان القدسي والسيد أحمد مالك
.
التنقيح
النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بِسْمِ اللهِ
الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
أيها الأخوة المؤمنون ، نحن بدأنا تفسير كتاب
الله من سورة لقمان ، ولم نختم بعدُ كتاب الله
سبحانه وتعالى ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن
يمدنا بقوة منه نحن جميعاً ، كي نتابع فهْمَ
كتاب الله ، وتطبيقَه ، والأخذَ به ، وسوف
نفسِّر إن شاء الله تعالى سورةَ الفاتحة ، لأن
هذه السورة عظيمة القدرِ ، وكما قال عليه
الصلاة والسلام :
" ..لا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " .
(من سنن
الترمذي)
وسماها النبي عليه الصلاة والسلام أساس القرآن
، وسماها أم القرآن ، وسماها فاتحة الكتاب ،
ولها عشرة أسماء ، وقد جُمع القرآنُ في
الفاتحة ، فلهذه الأسباب كلِّها رأيت من
المناسب أن أفسر سورةَ الفاتحةِ بعد السورِ
القصيرة الأخيرة التي خُتم بها القرآن الكريم
.
أولاً : يقول
ربنا سبحانه وتعالى :
[سورة النحل]
أجمع العلماء أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم ليست آية ، لكن النبي عليه الصلاة
والسلام ما كان يقرأ القرآن الكريم إلا ويتعوذ
بالله من الشيطان الرجيم ، امتثالاً لقوله
تعالى :
العلماء قالوا مندوب أن نقرأها في غير الصلاة
، وواجب أن نقرأها في الصلاة ، فيجب أن نتعوذ
بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة ، ولكن
سراً ، تقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك
اسمك ، وتعالى جَدُّك ، ولا إله غيرك ، سراً ،
ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم سراً .
وأما البسملة فالأكثرُ على أنها تُقرأ جهراً ،
وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى أن تُقرأ أيضاً
سراً ، ومذهبُه رضي الله عنه يبدأ القراءة
بقوله : الحمد لله رب العالمين ، لكن الأكثرَ
على قراءة البسملة جهراً ، أما التعوذ فيجمعون
على أنه يُقرأ سراً ، وهذا في الصلاة .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
صُرَدٍ قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ ، وَأَحَدُهُمَا
يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا ، قَدِ احْمَرَّ
وَجْهُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً
لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ
لَوْ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ....*
(صحيح البخاري
)
وإذا سافر عليه الصلاة والسلام ، وأدركه الليل
، ونزل في أرض ، فإنه كان يقول: " يا أرض ،
ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك ، ومن شر
ما خلق فيك ، ومن شر ما يدبُّ عليك ، ومن شر
السبع ، والحية ، والعقرب ومن ساكني البلد ،
ووالد وما ولد " .
فالنبي عليه
الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ،
ولاسيما السورتين الأخيرتين :
[سورة الفلق]
[سورة الناس]
قال بعضهم : العوذ الالتجاء لقوي كي تتقي به
الشر ، وأما اللوذ بمعنى لاذ به ، الاحتماءُ
بقويٍّ من أجل أن يجلب لك الخير ، عاذ به ،
ولاذ به ، عاذ اتقاء للشر ، ولاذ طلب الخير ،
فربنا سبحانه وتعالى يأمرنا أن نستعيذ بالله
من الشيطان الرجيم ، وأما كلمة الله فهي اسم
الله الأعظم الجامع للأسماء الحسنى كلها ، وهو
عَلَمٌ على الذات ، وأكبر أسماء الله اسم الله
الأعظم ، يجمع كل أسمائه ، أعوذ بالله ، يعني
أعوذ بالله الرحيم ، أعوذ بالله الحكيم ، أعوذ
بالله اللطيف ، أعوذ بالله القوي ، أعوذ بالله
الغني ، أعوذ بالله العادل ، أعوذ بالله الفرد
، الصمد ، الواحد ، الأحد ، القهار ، الجبار ،
أعوذ بالله الودود ، إذا قلت : الله ، فإن
الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة الله ، لو
قال قائل : أعوذ بالرحيم ، والأمر محتاج إلى
قوة ، فهذه الاستعاذة لا تصح ، أما أعوذ بالله
.. إن كنت تخاف شيئاً قوياً فَعُذْ بالله ،
فهو القوي ، وإن كنت بحاجة إلى رحمة فعذ بالله
، فهو الرحيم ، وإن كنت بحاجة إلى إمداد فعذ
بالله ، فهو رب العالمين ، وإن كنت بحاجة إلى
لطف فعذ بالله ، فهو اللطيف الخبير ، وإن كنت
بحاجة إلى علم فعذ بالله ، فهو العليم الخبير
، فكلمة أعوذ بالله يعني أنا ألتجئ إلى الذات
الكاملة ، التي جمعت الأسماء الحسنى كلها ،
قال تعالى :
[سورة
الأعراف]
ولكنْ لِمَ سُمِّي الشيطان
شيطاناً ، لأنه شَطَنَ ، بمعنى ابتعد ، وخرج
عن طريق الحق ، والله سبحانه وتعالى حينما
خلقنا رسم لنا منهجاً ، قال تعالى :
[سورة البقرة
ـ سورة طه ـ سورة فصلت]
ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ، ولا تحزن
، قال تعالى :
[سورة
المائدة]
إذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى يهديك
بمنهجه إلى سبلِ السلام ، سلام في بيتك ، سلام
في صحتك ، سلام في أولادك ، سلام في تجارتك ،
سلام في عملك ، سلام في ماضيك ، سلام في حاضرك
.
سلام في
مستقبلك ، سلام في خريف عمرك :
فلما يطبق الإنسان المنهج
الإلهي ، وللإيضاح أضرب مثلاً بآلة ثمينة جداً
، معها تعليمات دقيقة جداً من خبراء الشركة ،
إذا اتبعتَ التعليمات فإن هذه الآلة تخدمك إلى
أمد طويلٍ طويل ، وإذا خالفتَ التعليمات فسوف
تصاب بالعطب ، وتخسرها ، وتخسر ثمنها ، إذاً
مَن هو الشيطان ؟ ذلك المخلوق الذي خرج عن
المنهج القويم ، الذي رسمه الله سبحانه وتعالى
لعباده المؤمنين ، لذلك قال الله تعالى :
[سورة
الإسراء]
من منا لا يحب أن يعيش
حياةً سعيدة ، فيها سلام ، وفيها رضا ، فيها
طمأنينة ، وفيها ثقة بالله ، من منا لا يحب أن
ينجو من الخوف ، وأن ينجو من القلق ، أن ينجو
من القهر ، وأن ينجو من الألم :
إذاً الشيطان ذلك المخلوق
الذي خرج عن المنهج الإلهي ، وكل مخلوق خرج عن
المنهج الإلهي فهو شيطان ، وهناك شياطين الإنس
، وهناك شياطين الجن ، قال تعالى :
[سورة القصص]
يعني خرج عن
طريقتهم الصحيحة ، قال تعالى :
[سورة طه]
فالطغيان خروج
عن طريق الحق ، والبغي خروج عن طريق الحق ،
والشطن خروج عن طريق الحق ، والفسق خروج عن
طريق الحق ، قال الله سبحانه وتعالى :
[سورة
الأنعام]
[سورة الكهف]
يُحمد الله مرتين ؛ مرةً على خلق السماوات
والأرض ، ومرة على هذا المنهج القويم الذي
أنزله على أنبيائه .
فملخص الكلام أن لله في الأرض منهجاً ، وأن
لله في الأرض قرآناً ، وشرَعَ لنا شرعاً ، فما
دمت ضمن الشرع فأنت في سلام ، في حياتك الدنيا
، ويوم تقوم الساعة ، ويوم تقوم القيامة ،
وأنت في جنات عدن خالداً فيها إلى أبد الآبدين
، مادمت وفق هذا المنهاج ، فإذا خرجت عنه تدفع
الثمن ، ما دمت في طاعة الله فأنت في ظل الله
، وذمته ، فإذا خرجت عن طاعته خرجت من حيّز
ظله ، تحمل المتاعب حينئذٍ ، جاء أعرابي النبي
عليه الصلاة والسلام ، فقال يا رسول الله ،
عظني وأوجز ، قال : قل آمنت بالله ثم استقم ،
قال أريد أخفَّ من ذلك ، قال إذاً فاستعد
للبلاء " .
قضية واضحة كالشمس ، إما أن
تطبق التعليمات ، وإما أن تستعد للبلاء ، قل
أعوذ بالله من الشيطان ، هذا المخلوق الذي طغى
، والذي غوى ، الذي بغى ، والذي شطن ، بمعنى
ابتعد ، وبعضهم قال : الشيطان من شاط ، بمعنى
احترق ، احترق بنار البُعد ، شقي بالبعد ، وقد
قال عليه الصلاة والسلام : " الناس رجلان ،
بَرَّ تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على
الله - يعني لو أن في الأرض إنساناً واحداً
بعيداً عن الله ، وهو يعيش سعيداً رغْمَ
بُعْده عن الله لكان هذا الدين باطلاً ، ولو
أن إنساناً واحداً كان متصلاً بالله ، وهو شقي
في حياته رغمَ طاعته ، وتقواه لكان هذا الدين
باطلاً ، قال تعالى :
[سورة طه]
[سورة النحل]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، الرجيم البعيد
، والأصح من كلمة البعيد المُبعَد ، لأنه خرج
عن طريق الحق ، وشطن ابتعد ، فاحترق فأبعد ،
قال تعالى :
الشيطان يعدكم الفقر ، الشيطان يخوفكم ،
الشيطان يأمركم بالفحشاء من طريق الأمر
بالفحشاء ، يغريك بالمعاصي ، يزين لك المعاصي
يعدك بالفقر ، يوسوس لك إذا أنفقت مالك تبقى
فقيراً ، ثماني آيات في كتاب الله تَعِدُ
الذين ينفقون أموالهم بالتعويض الجزيل ، قال
تعالى :
[سورة البقرة
ـ سورة سبأ ـ سورة النساء]
إذاً : إذا قرأت القرآن فاستعذ
بالله من الشيطان الرجيم ، إذا قرأته خارج
الصلاة فهذا مندوب ، أما إذا قرأته في الصلاة
فهذا واجب ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان
يعوذ بالله من كل شيء ، من دار يدخلها ، ومن
دابة يركبها ، كان إذا ركب دابة يقول : أعوذ
بالله " اللهم إني أسألك خير هذه الدابة ،
وخير ما خُلقت له ، وأعوذ بك من شرها ، وشر ما
خلقت له " .
الاستعاذة بالله من دابة ، من بيت ، من عمل لا
يرضي الله عز وجل ، من رفقاء السوء ، من نزهة
قد تكون فيها النهاية الوبيلة .
الإنسان المؤمن من علامة إيمانه أنه دائماً
يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أنْ يضله ،
أو أن يغريه ، أو أن يفسده ، أو أن يفتنه ، أو
أن يحمله على معصية ، أو أن يوسوس له ، أو أن
يبعده عن أهل الحق ، أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم .
وأما كلمة بسم الله الرحمن الرحيم فلها حديث
طويل ، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل
:
[سورة النمل]
النبي عليه الصلاة والسلام من
سنته المطهرة أنه كان يبدأ كل أفعاله ببسم
الله الرحمن الرحيم ، ونحن نرى على مقدمة
الكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، وفي أكثر
المجالات بسم الله الرحمن الرحيم ، وأصبحت
تقليداً ، قد يكون الكتاب يتحدث عن نظرية
داروين ، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ،
البسملة خلاف المضمون .
الموضوع في بسم الله الرحمن الرحيم ، أن هذه
الباء حرف جر ، أي أبدأ بسم الله ، وأسماء
الله كلها حسنى ، الرحمن الرحيم ، كأن الكلام
ناقص ، هناك فعل يتعلق بهذه الباء ، يعني أبدأ
عملي بسم الله ، آكل بسم الله ، أؤلف هذا
الكتاب بسم الله ، أصدر هذا الحكم كقاضي بسم
الله ، فما معنى بسم الله ؟ .
إذا أردت أن تأكل ، وقلت : بسم الله الرحمن
الرحيم ، هناك معنيان لهذه البسملة :
·
·
المعنى الأول :
أن هذا الطعام الذي تأكله إنما هو من نعمِ
الله عز وجل ، فكل هذا الطعام باسم الرزاق ،
كل هذا الطعام باسم المغني ، بسم المقيت ، بسم
المجيد ، بسم الواهب ، بسم اللطيف ، بسم الله
، الله كما قلت قبل قليل : اسم جامع لأسماء
الله الحسنى ، فإذا قلت : باسم الله فالبسملة
بحسب الموضوع الذي أنت بصدده ، فإذا أكلت ،
وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، يعني أنك
آمنت بأن هذا الذي تأكله من صنع الله فهل فكرت
في ذلك ، وأن الله سبحانه هو الرزاق ، قال
تعالى :
[سورة يس]
إذا شربت كأس
ماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم ، هل فكرت في
أن هذا الماء أصله شمس سُلطت على بحار شاسعة ،
فتبخر ماؤها ، وتقطر
K
وأصبح بخاراً عالقاً في الجو ،
واجتمع سحباً ، ساقته الرياح إلى أرض عطشى ،
أنزله الله بفضله وبقدرته ماءً ثجاجاً ، أنبت
به الزرع والزيتون ، أودعه في الجبال ، فجره
ينابيع ، أساله أنهاراً ، فالشمس داخلة في هذا
الكأس، والمجرات والأنواء ، والمناخ ، والرياح
، والحرارة ، والبرودة ، والجبال ، فإذا قلت :
بسم الله الرحمن الرحيم ، يعني هل فكرت بسم
الرزاق ، باسم المعطي ، باسم الواهب ، باسم
الغني ، بسم الله الرحمن الرحيم ، يعني أشرب
الكأس بسم الله الرحمن الرحيم .
·
·
والمعنى الثاني
أن لله في خلقه سنةً في شرب الماء .
فإذا قلت : بسم الله
الرحمن الرحيم فلا ينبغي أن تشرب الماء خلاف
السنة ، أن تشربه مصاً ، ولا تعبه عباً ، أن
تشربه على ثلاث مراحل ، أن تشربه وتحمد الله
عز وجل ، أن تبعد الإناء عن فيك ، ألا تتنفس
في الإناء ، هذه سنة النبي المطهرة ، نهانا عن
التنفس في الإناء.
الآن ثبت أن هناك أمراضاً
تنتقل عدواها عن طريق الزفير الذي يختلط
بالماء المشروب ، فقال عليه الصلاة والسلام :
" أَبِنْ القدح عن فيك " .
بين الشربتين أَبِنْ القدح عن
فيك ، لئلا يختلط النفس بالماء ، وكان عليه
الصلاة والسلام ، قد قال : مصوا الماء مصاً
ولا تعبوه عباً ، فإن الكُباد من العب " .
مرض الكبد يأتي من عب الماء ، وكان عليه
الصلاة والسلام إذا شرب حمد الله ، فكل هذا من
سنته المطهرة ، إذا قلت : بسم الله الرحمن
الرحيم فلها معنيان ، الأول : هل فكرت في هذه
النعم ؟ والثاني : هل أنت مطبق سنة رسول الله
في شرب الماء ؟ هذا في الشرب .
وفي الطعام ،
قال تعالى :
[سورة
الأعراف]
كلوا واشكروا له ؛ الحمد
لله الذي أطعمني فأشبعني ، وسقاني فأرواني ،
إن الله ليرضى عن العبد إذا أكل الأكلة أن
يحمد الله عليها ، وإذا شرب الشربة يحمد الله
عليها ، ليرضى عن العبد ، يعني إذا أكل
الإنسان ، وشبع فليقل : الحمد لله ، فإذا قلت
: بسم الله فهذه التسمية تعني أن فكر في هذه
النعم ، وأنها من رزق الله تعالى ، وطبق أمر
الله في الطعام .
وإذا دخلت
البيت ، وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال
الله عز وجل :
[سورة النساء]
إذاً بيوتكم أولى بالسلام على
مَن فيها ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال
فيما معناه: إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلم
على أهله قال الشيطان وجدنا المبيت .
فيبيت الشيطان في المنزل ، ويعيث فيه فساداً
ما شاء له أن يعيث تلك الليلة ، إذاً إن هذا
أمر الله ، وهو أن تسلم إذا دخلت المنزل ،
وإذا قلت : بسم الله ، وفتحت باب المنزل ،
فلتقل أيضاً : الحمد لله الذي آواني ، فكم من
الناس من لا مأوى له ، هل شعرت أن هذه النعمة
، نعمة المأوى كبيرة جداً ؟ .. كم ممن لا مأوى
له ، في أكثر دول شرقي آسيا ينام الناس على
الأرصفة، يتخذون بيوتاً قوارب في الأنهار ، في
بعض الدول الفقيرة تشاهد الآلاف ينامون هم ،
وزوجاتهم، وأولادهم على الرصيف ، وصار ذلك
منظراً مألوفاً جداً في بلادهم ، فإذا كنت في
بيت ، وفتحت باب البيت ، وقلت : بسم الله
الرحمن الرحيم ، فمعنى ذلك : الحمد لله الذي
آواني ، وتذّكرت كم من الناس مَن لا مأوى له .
هل رأيت نعمة الله عز وجل ؟ .. إذا فتحت الماء
لتتوضأ ، وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، هل
عرفت أن هذه نعمة لا تُقدر بثمن ، نعمة الماء
داخل المنزل .
الآن إذا دخلت إلى البيت ، بسم الله
الرحمن الرحيم ، يعني : وعاشروهن بالمعروف ، "
أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ،
ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ،
ويغلبهن اللئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً
مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً " .
يعني البسملة ، إذا قدت سيارتك وقلت : بسم
الله الرحمن الرحيم ، فليبادر ذهنك إلى أين
أنت ذاهب ؟ هل أنت ذاهب إلى مكان لا يرضي الله
عز جل ، فيتناقض ذلك بين البسملة ، وبين هذا
المكان ، فتنثني عن ذهابك عندئذٍ ، وتعود إلى
صوابك .
هل تشكر الله على نعمة المركب ؟ هل تسخرها
لعباد الله ؟ هل تعين بها الضعيف ؟ هل تنقذ
بها المريض ؟ القضية واسعة جداً ، النبي عليه
الصلاة والسلام ، قال : " كل أمر لا يُبدأ به
باسم الله فهو أبتر " .
يعني : مقطوع الخير ، ألَّفت
كتاباً ، هل تذكر في الكتاب شيئاً باطلاً ،
فإذا كتبت في صدر صفحاته بسم الله ، فإنك تدقق
: هل هدفك من هذا التأليف خالص لوجه الله ، أم
تبتغي به السمعة والرفعة ، بسم الله تجعلك على
بصيرة من الأمر .
فهذه البسملة تضعك أمام شيئين ، تذكرك بنعم
الله عز وجل ، وأن هذا من نعمة الله ، وتذكرك
بأمر الله في هذا الموضوع ، في الطعام ، في
الشراب ، في دخول المنزل ، في الخروج إلى
السوق ، وكان النبي الكريم يعوذ بالله من صفقة
خاسرة إذا دخل السوق ، ويمينٍ فاجرة .. يقول
لك البائع : الله وكيلك بعتُك برأسمالها ، وهو
يكذب" .. لقد باع دِينَه كله بكلمة واحدة ،
النبي كان يعوذ بالله من يمين فاجرة ، ومن
صفقة خاسرة ، فإذا جمع الإنسان مالاً من حرام
فإنّ الله عز وجل يريه أن هذه الصفقة فيها ربح
وفير ، فيشتريها ، ويكون إفلاسه عن طريقها ،
هذا الذي جمعه من حرام أذهبه الله في صفقة
خاسرة ، فإذا دخل الإنسان إلى السوق فهناك
بسملة ، إذا دخل بيته فهناك بسملة ، إذا ركب
مركبه فهناك بسملة ، إذا شرب الماء إذا تناول
الطعام حتى إذا التقى مع أهله فهناك بسملة،
لئلا تأتيك ذرية سيئة .. بسم الله ، فهذه
الباء التجئ وألوذ بسم الله ، آكل بسم الله ،
أتزوج بسم الله ، أدخل إلى بيتي بسم الله ،
دائماً هذه البسملة تذكرك بأسماء الله الحسنى
، وتذكرك بأوامره المثلى ، بسم الله الرحمن
الرحيم .
وبعد فالحقيقة إن العلماء حاروا في الفرق بين
الرحمن والرحيم ، قال بعضهم : الرحمن بخلقه
جميعاً ، والرحيم بالمؤمنين ، وقال بعضهم :
الرحمن بجلائل النعم ، والرحيم بدقائقها ،
وقال بعضهم : الرحمن في الأولى ، والرحيم في
الآخرة ، وقال بعضهم : الرحمن في ذاته ،
والرحيم في أفعاله ، وهذا من أوجه التفسيرات .
لأنك قد تلتقي بطبيب يرى مريضاً فيسرع إلى
إنقاذه أمام ملأ من الناس ، فإنقاذُ هذا
المريض يكسب الطبيبَ سمعةً طيبة ، فنقول : هذا
الطبيب رحيم ، لكن الطبيب لا ينطوي على رحمة
في قلبه ، بل فعَلَ هذا ابتغاء السمعة ، فهو
رحيم ، لكنه لم ينطلق في عمله من رحمة في قلبه
.
فهناك فرق بين الرحمن والرحيم ، الرحمن في
ذاته ، والرحيم في أفعاله ، ذاته رحيمة ،
وأفعاله رحيمة ، الرحمن الرحيم ، والرحمة شيء
يبعث الراحةَ في النفس ، فالمطر من رحمته ،
تهطل الأمطار فتمتلئ الينابيع ، وينبت النبات
، وتثمر الأشجار ، ونأكل ، وترخص الأسعار ،
فهذا من رحمته ، والأبناء من رحمته ، يبدلون
سكون البيت حركة وحياة ، ويبعثون الأنس في
البيت ، وإذا كبر الابن يعين والديه ، فالابن
رحمة من الله ، قال تعالى:
[سورة الأنعام
آية 84]
وهبنا له ، فالرحمة كل شيء يرتاح له الإنسان ،
فأن تعمل هذه الأجهزة عملاً منتظماً فهو من
رحمة الله ، وأن تأكل طعاماً لذيذاً فهو من
رحمة الله ، وأن تشرب ماءً عذباً فراتاً فهو
من رحمة الله ، وأن تسكن إلى زوجة ، تطيعك إذا
أمرتها ، وتسرك إذا نظرت إليها ، وتحفظك إذا
غبت عنها ، فهو من رحمة الله ، وأن ترى طفلاً
كالملاك يتحرك في البيت ، فهو من رحمة الله ،
وإن كان لك عملٌ يدرُّ عليك دخلاً فهو من رحمة
الله ، وإذا ذهبت إلى بستان فمتعت النظر
بجماله فهو من رحمة الله ، وإذا هبت نسمات
لطيفة عَطَّلت عمل المكيفات ، وأوقفته فهو من
رحمة الله ، وإذا كان الدفء فهو من رحمة الله
، فالرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان ،
فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا ، قال
تعالى :
[سورة هود]
ليرحمنا في الدنيا ، ويرحمنا في الآخرة ، أما
أن يقول الإنسان : سبحان الله ، خلقنا الله
ليعذبنا ، هذا كلام الشيطان ، ما خُلقت يا أخي
للعذاب بل خُلقت للرحمة ، كي يسعدك في الدنيا
والآخرة ، حتى في الدنيا إذا آمنت به يمتعك
إلى حين ويؤتي كل ذي فضل فضله ، حتى في الدنيا
فيها سعادة ، وفيها سرور لمن أطاع الله عز وجل
، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ،
خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير ،
ولكن العذاب الذي يعذبنا الله به من صنع
أيدينا ، من معاصينا من ضلالنا ومن انحرافنا ،
من طغياننا ، مِن بُعْدِنا ، ومن تقصيرنا ،
حتى الهمُّ يهتم له الإنسان ، إنه انعكاس
لأعماله الزائغة .
فبعضهم قال : هذه البسملة ينبغي أن تدور مع
الإنسان في كل نواحي حياته ، وفي كل نشاطاته ،
إذا قام ليتوضأ ، إذا دخل البيت ، إذا قام
ليأكل ، إذا قام ليشرب ، قمت لتأكل فقلت بسم
الله الرحمن الرحيم ، النبي أمرنا بالوضوء قبل
الطعام ، ووضوء الطعام ليس وضوءاً كاملاً ،
غسل اليدين والفم فقط ، وبركة الطعام الوضوء
قبله ، والوضوء بعده ، أجمع العلماء على أن
وضوء الطعام غير وضوء الصلاة ، وضوء الطعام
غسل اليدين والفم ، كنت في الطريق ، غبار،
صافحت أنساناً ، أمسكت بحذائك ، يعني هذه اليد
أمسكت بأشياء كثيرة ، بركة الطعام الوضوء قبله
، فلو قمت إلى الطعام فقلت : بسم الله الرحمن
الرحيم ، قف ، اذهب ، واغسل يديك وفمك ، هذا
معنى بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب
العالمين :
الآن نبدأ بالفاتحة ، الفاتحة سماها النبي
عليه الصلاة والسلام الصلاة ، لقوله : " لا
صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"
شيء آخر سُميت الفاتحة بسورة الحمد ، لأنها
مصدرة بالحمد لله رب العالمين ، وسميت فاتحة
الكتاب ، لأن القرآن الكريم افتتح بها ، وسميت
أم الكتاب ، وأم الشيء أصله ، ربنا عز وجل قال
:
[سورة آل
عمران آية 7]
فآيات الفاتحة كلها آيات محكمات ، وقد سماها
النبي عليه الصلاة والسلام أم الكتاب ، وسُميت
أم القرآن ، فقد قال عليه الصلاة والسلام ،
الحمد لله أم القرآن ، والكتاب ، والسبع
المثاني ، وسميت الشفاء ، لأنه عليه الصلاة
والسلام قال : فاتحة الكتاب شفاء لكل داء ،
وسُميت الأساس ، أساس الكتاب القرآن ، يعني
أساس الكتب السماوية القرآن ، وأساس القرآن
الفاتحة ، وسُميت الوافية وسميت الكافية ، فقد
قال عليه الصلاة والسلام : " أم القرآن عوض عن
غيرها ، وليس غيرها عوضاً عنها " .
وقد قال عليه
الصلاة والسلام : " إن جميع القرآن فيها " .
وأذكر حديثاً لم أجد نصه اليوم " جُمع القرآن
في الفاتحة وجمعت الفاتحة بإياك نعبد وإياك
نستعين " .
هذه الصورة الكريمة مصدرة بقوله تعالى الحمد
لله رب العالمين وقال النبي عليه الصلاة
والسلام : " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل
الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشربة فيحمده
عليها " .
وسأتلو عليكم حديثاً شريفاً يبعث في أنفسكم
الطمأنينة " هو : الحمد على النعمة أمان من
زوالها " .
أية نعمة أجلّ أية نعمة تحمد الله عليها لن
تزول ، ولن تضيع ، وأن تقول الحمد لله على
النعمة أمان من زوالها .
وهناك حديث دقيق جداً يقول عليه الصلاة
والسلام ، ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل
منها ، كيف ؟
يعني إذا أعطاك الله نعمة الصحة ، وكنت شديداً
عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان ، لابد من سنوات
تمضي ، وتمضي حتى يأتي الأجل ، ويموت الإنسان
فأين هذه النعمة ؟ زالت .. لكنك إذا حمدت الله
عليها ، وارتقت نفسك في مدارج الحمد ، وسَمَتْ
سعدت بحمدك إلى الأبد ، إذاً الحمد على النعمة
أفضل من النعمة نفسها ، قال عليه الصلاة
والسلام : " ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل
منها " .
لو
أنك وهبت زوجةً صالحة ، فأعانتك على متاعب
الحياة ، وحصنتك ، وسكنت إليها ، فلابد من
ساعة تفارقها ، أو تفارقك ، إما أن تفارقها
أولاً ، وإما أن تفارقك أولاً ، لكنك إذا حمدت
الله على نعمة الزوجة الصالحة فإنّ هذا الحمد
تسعد بثوابه إلى أبد الآبدين
لذلك لقي أحدُهم شريحاً القاضي ، فقال يا شريح
، كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين سنة لم
أجد ما ينغص حياتي ، أو يعكر صفائي ، قال وكيف
ذلك ؟ قال : خطبت امرأة من أسرةً صالحة ، فلما
خلوت بها ، صليت ركعتين شكراً لله على نعمة
الزوجة الصالحة ، فلما سلمت وجدتها تصلي
بصلاتي ، وتسلم بسلامي ، وتشكر بشكري ، فلما
دنوت منها قالت على رسلك يا أبا أمية : إني
امرأة غريبة ، لا أعرف ما تحب ، ولا ما تكره ،
فقل لي ما تحب حتى آتيه ، وما تكره حتى أجتنبه
، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي
كفء لك ، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ،
ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ،
فاتق الله في ، وامتثل قوله تعالى :
[سورة البقرة]
قال : ثم قعدتْ ، يعني هذه الزوجة الصالحة
تنتظر ردّ زوجها ، ذكرت هذه القصة للإفادة مما
فيها من عِبر ، فالقاضي شريح ، حينما دخل على
زوجته الصالحة صلى ركعتين صلاة الشكر ، إذاً
الحمد على النعمة آمان من زوالها ، أية نعمة ،
نعمة الصحة لن تزول ، يمتعك الله بسمعك ،
وبصرك ، وعقلك ، وقوتك ما أحياك ، هل تغض
الطرف عن محارم الله هذه العين لن تُفجع بها ،
هل تمسك أذنك عن سماع أي صوت لا يرضي الله ،
هذه الأذن لن تفجع بها ، هل ينطق لسانك بالحق
، ولا ينطق بالباطل ، هذا اللسان لن تُفجع به
، هذه الذاكرة ، تستخدمها لماذا؟ بالحق أم
بالباطل ؟ إن استخدمتها في حفظ كتاب الله ،
وحفظ أحكام الله ، وحفظ الأحاديث الشريفة، فإن
الله سبحانه وتعالى لن يفجعك بها ، وهذه اليد
، وهذه القوة الخ ... فالحمد لله على النعمة
أمان من زوالها .
وقال عليه الصلاة والسلام : "
ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا
كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ " .
العبد ماذا أعطي ؟ هذه الكلمة ،
كلمة الحمد لله ، هذه الكلمة التي أعطاها
العبد لربه أفضل عند الله مما أخذ ، لو أخذ
بيتاً ثمنه خمسة ملايين ، وقال يا رب لك الحمد
فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من هذا البيت ،
لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب ، لكن هذا
الحمد يسعد به الإنسان إلى الأبد .
وقد قال عليه الصلاة والسلام : لو أن الدنيا
بحذافيرها " .. الدنيا بحذافيرها يعني بيوتها
الفخمة ، وبساتينها النضرة ، ومالها الوفير ،
ونساءها الجميلات ، ومراكبها الفخمة ، " لو أن
الدنيا بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال :
الحمد لله ، لكانت الحمد لله أكبر من ذلك " .
لو
أن الدنيا بحذافيرها ، كلمة الحمد لله يعني
أنك تعرف الله ، وإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا
فتّه فاتك كل شيء ، لو أن الدنيا بحذافيرها
بيدك وقلت الحمد لله فكلمة الحمد لله أفضل عند
الله من الدنيا وما فيها .
لذلك
العلماء حاروا أيهما أفضل ، الحمد لله ، أم لا
إله إلا الله ؟ هناك أقوال تقول : إن الحمد
لله أفضل ، وبعضهم قال : لا إله إلا الله أفضل
، لكن كلمة الحمد لله هي الحمد الأولى في كتاب
الله تبارك : الحمد لله رب العالمين ، الرحمن
الرحيم .
أما
الحمد ، لمَ لم يقل الله عز وجل حمداً لله رب
العالمين ، بل قال سبحانه : الحمد لله قالوا :
هذه الألف واللام لاستغراق الحمد كله ، يعني
الحمد كله بحذافيره كله ، وجزؤه مهما كان حجمه
صغيره وكبيره لله عز وجل .
يعني
لا يوجد جهة أخرى تستحق الحمد إلا الله ،
أبداً ، أصِخْ سمعك إلى قول ربنا عز وجل :
[سورة آل
عمران]
سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم أرحم الخلق بالخلق ، لو جمعت رحمة أمهات
الأرض منذ آدم إلى يوم القيامة لا تعادل رحمة
النبي بأمته ، قال تعالى :
[سورة التوبة]
أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدها - يعني أمتي
- في الله عمر ، أما أرحم الخلق بالخلق النبي
عليه الصلاة والسلام ، يعني أرحم بك من نفسك ،
ومع ذلك قال الله عز وجل :
[سورة آل
عمران]
قال ربنا عز وجل :
[سورة الكهف]
ما الفرق بين رحمة المُنكَرة في آية آل عمران
؟ والرحمة المُعرَّفة في آية سورة الكهف ؟ قال
هذه الرحمة الثانية ، هذه ليست أل التعريف ،
إنما للاستغراق ، يعني الرحمة كلها من الله ،
والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها .
الآن الحمد كله لله .. ذكرت قصة قبل شهر أو
أكثر أن الحَجَّاج أمر بضرب أعناق عشرة رجال ،
فأذن المغرب ، وبقي رجل لم تضرب عنقه ، فقال
لأحد وزرائه خذه إلى بيتك وائت به غداً ، هذا
الرجل في الطريق قال له : والله لم أخرج على
طاعة الأمير ، وما آذيتُ أحداً من المسلمين ،
فهل تأذن لي أن أذهب لأهلي ، فأوصي قبل أن
أموت ، وأرى أولادي ، واكتب وصيتي ، فضحك هذا
الوزير ، قال : أو مجنون أنا ! فقال : عهداً
لله إن أطلقتني لأعودَنَّ إلى بيتك قبل الفجر
، فما زال هذا الرجل يقنعه حتى سمح له ، فلما
سمح له شعر بضيق لا يُحتمل ، قال نمتُ أطول
ليلة في حياتي ، لأنه سيموت مكانه غداً ، مكان
الرجل إن لم يرجع ، ما إن أذن الفجر حتى طُرق
الباب ، وجاء هذا الرجل الذي عاهده على أن
يعود ، جاء ليموت ، فلما كان الغد ذهب به إلى
الحجاج ، فقال له : سأنبئك بما حصل البارحة ،
فلما أنبأه قال له الحجاج ، أتحب أن أهبه لك ،
قال نعم : قال : إذاً هو لك ، يعني ما دام
عنده هذا الوفاء عَفَوْنا عنه ، فلما خرج قال
له : يا هذا اذهب لوجهك ، فهذا الذي عُفي عنه
لم يتكلم ، ولم ينظر إليه ، ولم يشكره ، ولم
يقل كلمة ، إلا أنه توجه إلى السماء ، وقال :
الحمد لله ..
هذا الذي سعى بإطلاق سراحه وتخليصه من الموت
المحتم تألم ..! لو أنه شكرني ، قال : ثم جاءه
بعد ثلاثة أيام ، و قال : أحمدك على عملك ،
ولكنك حين قلت لي : اذهب لوجهك كرهت أن أحمد
مع الله أحداً .
الإنسان أحياناً يلوح له شبح مصيبة ، كأن يصاب
بورم لم يعرف أهو خبيث أم غير خبيث ؟ أجرى
تحليلاً ، فإذا هو ورم طبيعي ، أول شيء عليه
أن يقول : الحمد لله رب العالمين ، ولا تحمد
مع الله أحداً .
هناك التهاب في السحايا على وشك الوفاة مع
الابن الأصغر ، فنجا من الموت بتوفيق الله
وقدرته ، لا تقل : واللهِ إنّ الطبيب لا يفهم
، قال لي اجرِ تحليلاً في وقت مبكر .. قل :
الحمد لله رب العالمين ، فلذلك الحمد لله رب
العالمين أساس معرفة العبد بربه .
هناك حديث دقيق جداً ، يقول عليه الصلاة
والسلام :الحمد رأس الشكر ، وما شكر الله عبد
لا يحمده " .
قال بعضهم الحمد حالة نفسية ، والشكر سلوك ،
فليس هناك سلوك شاكر إلا على أساس حالة حمد ،
فإذا لم يكن عند الإنسان حالة حمد فسلوكه باطل
، وهو في حالة نفاق ومداهنة ، الحمد رأس الشكر
، وما شكر الله عبد لا يحمده ، فالحمد أولاً ،
والشكر ثانياً ، قال تعالى :
[سورة سبأ]
الشكر
عمل ، اعملوا آل داود شكراً ، أما الحمد فهو
حالة نفسية ، أحياناً يقدم لك إنسان خدمة تحس
أنك ممتن من أعماقك منه ، تعبر عن الامتنان
أحياناً بخدمة ، أحياناً بكلمة طيبة ، أحياناً
بقولك جزاك الله عني كل خير ، ولكن هذا الكلام
، أو هذه الخدمة أساسها حالة نفسية شعرت بها
هذا هو الحمد .
يعني
أنت في الصلاة تصلي الفرض ، الفروض فقط في
اليوم سبعة عشر ركعة ، ومثلها سنن ، يعني تقول
: الحمد لله في الصلاة حوالي أربعين مرة ، هل
أنت في مستوى هذه الآية ؟ يعني راض عن الله عز
وجل ، راض عن صحتك ، عن دخلك ، عن ضيقك ، عن
عملك ، راض وأنت من أصحاب الدخل المحدود ، أم
ترى نفسك دائماً أنك محروم ، إذا كان دخل
الرجل محدودًا مثلاً يقضي عمره كله بالنغص ،
بينما يجد بائع فلافل دخله خمسة آلاف ، وهو
أميّ يقول صاحب الدخل المحدود : أنا حائز على
شهادة ليسانس ، ودخلي فقط ألف ومائتان بالشهر
تقريباً ، فهو دائماً محروق قلبُه ، أما إذا
كان مؤمناً ، وقال : الحمد لله رب العالمين ،
فليس عنده حرمان أبداً ، إن نعمة الهدى أكمل
نعمة ، لو جاءك مائة مليون في الشهر ، وأنت
على ضلال فالنهاية إلى جهنم ، أما المؤمن
فكلمة الحمد لله رب العالمين تدل على أنه راضٍ
عن الله عز وجل ، يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ قال
يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك .
هل أنت راض عن الله عز وجل ؟ هل تقول الحمد
لله من أعماقك ، من أعماق أعماقك ؟ أراضٍ ،
وليس عندك إلا بنات فقط ، وليس عندك ولا ذكر
واحد ، فهل أنت راضٍ ؟ هل رأيت حكمة الله عز
وجل أنه يحبك على هذا ، ليس عندك أولاد
إطلاقاً ، بل عقيم راض عن الله عز وجل ، عندك
زوجة سيئة الخلق ، فهل أنت راض بها ؟ هل ترى
أن الله شاءت حكمته أن تكون كذلك ؟ لك عمل
محدود دخله ، أنت في مرض عضال مزمن بشكل مستمر
تعاني من بعض الأمراض هل تقول الحمد لله رب
العالمين ؟ هذه البطولة .
ليس من يقطع
طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل
الحمد لله في السراء والضراء ، في الغنى
والفقر ، وفي القوة والضعف ، في إقبال الدنيا
وإدبارها ، في الرفعة والضعة ، في العز والذل
، الحمد لله على كل حال ، الحمد لله الذي لا
يُحمد على مكروه سواه ، المكروه نعمة ، لكنه
نعمة باطنة .
الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده ، وأمرنا
ألا نحمد أحداً معه كيف ؟ قال تعالى :
[سورة النجم]
مثلاً نراك تحاضر محاضراتٍ كثيرة عن زيد وعبيد
، وقد تكون مجانباً الحق في كثير مما تحاضر ،
إذاً فإنه لا يستحق الحمد إلا الله ، وإذا
سئلت تقول : الله أعلم بحاله ، ذلك علمي به ،
وعن الصديق تقول : ذلك علمي به ، فإن بدل وغير
فلا أعلم الغيب .. لم اختار سيدنا أبو بكر
سيدنا عمر ، ألم يقل : لا أعلم من هو خير منه
؟ وقال : ذلك علمي به ، فإن بدل وغيّر فلا
أعلم الغيب ، الله قال :
هينئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، كان
النبي عليه الصلاة والسلام عند صحابي متوفى ،
كشف عن وجهه فقبله ، سمع امرأة تقول : هنيئاً
لك أبا السائب ، لقد أكرمك الله ، فغضب عليه
الصلاة والسلام ، قال : وما أدراك أن الله
أكرمه ، نحن بشر هل تعلمين الغيب ، قولي :
أرجو الله أن يكرمه .
لذلك الحمد لله وحده ، أما البشر فلا تزكوا
أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ، كانوا قديماً إذا
كلفوا إنساناً ليزكي إنساناً آخر لزواج أو
لشهادة ، يكتب : أعلم منه الصلاح والتقى ،
والله أعلم ، معنى والله أعلم قد يكون غير ذلك
، قد يكون منافقاً ، والله أعلم ، فالإنسان
ليس مكلفاً ليقيّم الآخرين ، وليس أهلاً لذلك
، ولا يملك الأداة الصحيحة .
وقال
عليه الصلاة والسلام : " احثوا في وجه
المداحين التراب " .
" حتى إن الله
سبحانه وتعالى ليغضب إذا مدح الفاسق " .
مثلاً رجل يشرب الخمر ، تقول عنه :
أكابر ، أخلاقه عالية ، لبق جداً ، ما معنى
قولك لبق جداً ؟ أيُّ لباقة هذه على شرب الخمر
، وعلى ترك الصلاة ؟ فهذا الذي يقوله الناس عن
بعض الناس رغم شربهم للخمر ، ورغم تركهم
للصلاة ، ورغم أكلهم للربا ، إنّ أخلاقه عالية
لبق ، ذب هذا كلام باطل :
" إن الله
ليغضب إذا مُدح الفاسق " .
العلماء قالوا : هناك حمد لذات الله ، وهناك
حمد له لنعمة سبقت منه ، وهناك حمد له لنعمة
ترجوها منه ، وهناك حمد له خوفاً منه ، إذاً
الحمد أنواع ، وقد جُمع كل هذا في الفاتحة .
الحمد
لله لذاته ، فالإنسان أحياناً تحمده من دون أن
يصيبك من خيره شيء ، وقف موقفاً أخلاقياً
أمامك من شخص آخر ، هذا الموقف الأخلاقي تحمده
عليه ، مع أنك لست معنياً بهذا الموقف ، وقد
ينعم عليه فتحمده ، الحمد لله لذاته ، رب
العالمين لنعمه ، الرحمن الرحيم لما نطمع من
رحمته ، مالك يوم الدين خوفاً منه .
وبعضهم
قال : ربنا عز وجل بدأ قرآنه الكريم بالحمد
لله رب العالمين ، وآخر كلمة يقولها الناس وهم
يدخلون الجنة :
[سورة يونس]
أَمَرنا أن ننشئ الحمد كما هو الحال في
الفاتحة ، وفي نهاية الحياة كان الحمد واقعاً
كما في آية سورة يونس السابقة ، أحياناً يقول
لك أحد الناس : اشكرني ، ويعاملك معاملة سوء ،
أي شكر هذا ؟ أساء لك المعاملة ، ويطلب منك أن
تحمده ، لكن ربنا عز وجل أمرك أن تحمده وبعد
أن اتصلت به ، وسعدت بقربه تحمده ، تحمده على
نعمه التي وقعت .
إذاً الحمد في بادئ الأمر إنشاء ، وفي نهاية
الأمر واقع ثابت .
شيء آخر ، الحمد لله على أنه أوجدنا ، والحمد
لله على أنه بث فينا الروح ، والحمد لله على
أنه أمدنا بالطعام ، والشراب ، وكل ما نحتاج ،
والحمد لله على أنه قومنا ، الأمراض ، والهموم
، والمتاعب ، والأحزان ، هذه كلها ألفاظ خفية
من أجل التقويم ، هناك نعمة الإيجاد ، الخلق ،
ونعمة الإمداد ، الرزق ، ونعمة الحياة الروحية
، الهدى ، ونعمة التقويم .
نعمة الإيجاد
، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى ، ونعمة
التقويم ، أربع نعم كبرى .
وهناك شيء آخر ، الحمد لله على ما أعطى ، أن
تعرف أن هذه النعمة من الله عز وجل ، أن تعرف
من أعطاك ، وأن ترضى بما أعطاك ، وألا تعصي
الله فيما أعطاك ، هذا من معاني الحمد .
آخر شيء في الحمد ، مع أن هذه الآية تنقضي
الأيام ، ولا ينقضي شرحها ، ولكنّ أخذَ القليل
خيرٌ من تركِ الكثير :
[سورة الأنعام
ـ سورة الكهف]
إنّ نعمة الهدى كما في آية الكهف تعادل نعمة
الخلق كما في آية الأنعام ، والحمد لله الذي
له ما في السماوات والأرض ، ولم يكن لغيره ،
إن الإنسان لئيم ، فلو كان الأمر والخلق لغيره
لمُنع الناس القطر ، ولكن الله سبحانه وتعالى
يعلمنا أن نحمده الحمد لله الذي له ما في
السماوات والأرض .
والحمد لله رب العالمين ، قالوا : جمعت هذه
الآية نعمة الهدى ، ونعمة الإمداد ، وأكبر
نعمة هي أن الله سبحانه وتعالى علمنا كيف
نحمده : كيف شكرك ابن آدم قال : علم أنه مني
فكان ذلك شكره " .
نحمد الله بطريقة علمنا إياها الله سبحانه
وتعالى ، شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده
.
كلمة الحمد لله يقولها الناس في اليوم آلاف
المرات ، كيف حالك ، ويكون ملحداً ، يقول :
الحمد لله ، وهي من فلتات اللسان عنده ، لكن
إذا وقفت على معانيها تماماً تذوب محبة لله
على كل شيء ، فإذا كان فهمك عميقاً جداً تحمده
على المصيبة .. " إذا أحب الله عبده ابتلاه ،
فإن صبر اجتباه ، فإن شكر اقتناه " .
تعاني من مصيبة مزعجة ، ولعلمك برحمة الله ،
وحكمته ، ولطفه ، وحرصه على هدايتك وحرصه على
إسعادك ، ففي أثناء المصيبة تقول : الحمد لله
رب العالمين على هذه المصيبة ، إنها عناية من
الله ، وأحياناً يقسو المعلم على تلميذه كي
يكون الأول في الصف ، فإذا صار الأول يحمده
على قسوته لا على جوائزه ، نعم بحمده على
قسوته ، كذلك إذا عرفت الله حق المعرفة تحمده
على المصائب ، قال سيدنا علي كرم الله وجهه :
" الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أعلى درجة في اليقين برحمة الله أن ترضى
بمكروه القضاء ، القضاء الذي لا تحبه، الرضا
بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، والحمد لله
تعني معرفة الله ، علامة أنك تعرفه ، وأنك
تحمده ، تعرفه فتحمده ، أما إذا كنت لا تعرفه
فلا تحمده .
والحمد لله رب
العالمين
|