|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "08 / 16" من تفسير سورة
هود (011)
: الآيات : 50 – 60 لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ،
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم
اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا
عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل
باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول
فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ،
درسنا اليوم قصّة عاد وأخيهم هود ، وقبل أن أمضي في توضيح
فقرات القصّة أودّ أن أذكر لكم أنّ الله سبحانه وتعالى مع
أنَّه أعطى الإنسان قضيّة الاختيار، ومع أنه خلق الكون
ليعرِّفه بذاته من خلال خلقه و مع أنه أنزل الكتب السماوية
وأرسل الرسل و الأنبياء إلا أن اللهُ سبحانه وتعالى لو رأى أن
إنسانا اختار اختيارا غير صحيح لأدَّبه و عالجه لأنه ربُّه .
وتوضيح هذه الفكرة
بالمثال التالي : أحيانا هناك جامعة تطبع الكتب و يلقي
المدرِّسون المحاضرات و لا تحاسب الطلاّب إلا في الامتحان
الأخير، هناك طلابٌ يهملون ويضيِّعون أوقاتهم و لا يدركون
مغبَّةَ إهمالهم ، هؤلاء في نهاية العام يرسبون ، و هناك
جامعات تجري كلَّ أسبوع مذاكرات و تحاسب الطلاب على غياب درس
أو درسين ، و دائما تتابع مراقبة الطلاب و تقويم أعمالهم ، و
أغلب الظن أن نسبة النجاح في مثل هذه الجامعات مرتفعة جدًّا ،
إذا غاب عن حصَّة مرةً أو مرتين أو ثلاثاً يفصل ، و كلُّ أسبوع
هناك مذاكرة، و تقيَّم علاماته و يُخبَر بعلاماته و يُوجه له
إنذار ، و ربُّنا عز وجل أعطانا حرِّية الاختيار ، و لو أنه
تركنا و شأننا و من دون تربية و من دون معالجة و من دون متابعة
و من دون محاسبة لهلك معظم الناس ، و لكن الله سبحانه و تعالى
مع أنه أعطانا حرية الاختيار و مع أنه وهبنا هذا العقل و
التفكير و مع أنه أنزل الكتب السماوية و مع أنه أرسل الرسل
فإنه لم يدعنا و شأننا ، يربِّينا و ، و التربية على نوعين ؛
تربية جسمية ، يعني أن يمدَّنا بكل ما نحتاج إليه من هواء و
ماء و طعام و شراب و نساء و بنين و حاجات و معادن و طاقة وشمس
و قمر ، و يزلّي نفوسنا حيثما انحرفت يقوِّم اعوجاجها ، وكلما
نسيت يذكِّرها ، و كلما غفلت يوقظها ، و كلما قصَّرت يدفعها ،
و كلما تاهت يرشدها ، و كلما ضلَّت يهديها ، قال تعالى : ذلكم
الله رب العالمين .." تأكيدا لهذه المعاني من أن الله سبحانه
هو ربُّ العالمين ، بمعنى أنه يربِّي أجسامنا و يربِّي نفوسنا
، وبمعنى أننا مخيَّرون، فإن اخترنا شيئا مناسبا شجَّعنا عليه
و إن اخترنا شيئا غير مناسب ، يعني عالجنا و أدبنا و ضيق علينا
و أرشدنا إلى الطريق الصحيح .
الآيات التي تؤكِّد هذا كثيرة ، قال تعالى :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا
تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا(16)
[
سورة الفتح
]
فربُّنا عز وجل يقول :

[
سورة هود
]
و من رحمة الله سبحانه و
تعالى أنه جعل الأنبياء من بني البشر يحسُّ النبي كما تحسُّ و
يفكِّر كما تفكِّر و يخاف من الذي تخاف و يرجو ما ترجو هذه
نعمة أولى ؛ أن يكون النبيُّ من بني البشر ، والنعمة الثانية
أن يكون النبيُّ من القوم الذي أرسل إليهم ، و لو جاءنا إنسان
من غير أمَّتنا و من غير قومنا لتهيِّبْنا وشككنا و لوجلنا و
لتحفظنا و لسكتنا و لنقضنا الخ هذه المعاني ، و لكن الأنبياء
في الأغلب الأعمِّ يأتون من قومهم الذين أرسلوا إليهم ، ، قال
تعالى:

[
سورة هود
]
أخوَّة نسبية و أخوة
قومية أخوة إنسانية ، من أجل أن نطمئن ، قال جعفر يخاطب
النجاشي : يا أيها الملِك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام
ونأكل الميتة و نأتي الفواحش و نسيء الجوار و نقطع الرحم و
يأكل القويُّ منا الضعيف حتى بعث الله فينا رجلا نعرف أمانته و
صدقه و نسبه فدعانا إلى الله لنعبده و نوحِّده .." إذًا من فضل
الله علينا أن الله سبحانه و تعالى جعل الأنبياء و المرسلين من
بني البشر و من أقوامهم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
هذا الذي أرسله اللهُ عز وجل إنما أرسله
ليصحِّح عقيدة قومه ومنهجهم ، فقد ضلوا و تاهوا فجاء هذا
النبيُّ الكريم ليصحِّح انحراف قومه ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
يعني أن هذه الآية ، تلفت النظر إلى أن الله
سبحانه و تعالى صاغ هذه الكلمات ليعبِّر بها عن فحوى الرسالات
، رسالات الأنبياء كلهم ومضمونها عندهم جميعاً واحد ،
وملخَّصها ، قال تعالى:

[
سورة هود
]
لو دقَّقنا في هذه الكلمة ،
لوجدنا فيها جانبا نظريا و جانبا عمليا ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
جانب نظري ، يعني لا إله إلا الله ، أي ما
تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد وهذا يعني أن الذي يهلك
الناسَ أن يتَّخذوا مع الله آلهة أخرى ، قال تعالى:
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)
[
سورة الشعراء
]
والذي أدى إلى شقاء
الناس و ضلالهم تيههم و انحرافهم و حيدانهم أنهم دعوا مع الله
آلهة أخرى ، فهذه الكلمة التي قالها سيدنا هود عليه و على
نبينا أفضل الصلاة و السلام ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
ما لكم من إله غيره ،
فمثل الجانب النظري ، كما تمثل الجانب العقدي ، اعبدوا الله ،
هذا الجانب العملي ، إذًا لا تنجح و لا تفلح و لا ترقى و لا
تفوز و لا تسعد إلا إذا عرفت أنه لا إله إلا الله ، و إلا إذا
عبدت الله ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
قال تعالى : وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي
إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)
[
سورة الأنبياء
]
إذا دقَّقت النظر وتأمَّلت في الكون ترى
أنه لا إله إلا الله ، و الذي يشقي الإنسانَ أن يتَّبع أو أن
يستجيب لدعوة مبنية على الشرك ، قال تعالى
: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ
بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ(78)
[
سورة غافر
]
و قال تعالى :

[
سورة هود
]
و قال تعالى : مَا
يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ
لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)
[
سورة فاطر
]
و قال تعالى : فَمَنْ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)
[
سورة طه
]
و قال تعالى : فَمَنْ
تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ(38)
[
سورة البقرة
]
و قال تعالى : مَا
لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا
تَتَذَكَّرُونَ(4)مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)
[سورة
السجدة ]
و قال تعالى :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ(41)
[
سورة الرعد
]
هذا هو التوحيد ، فمن جعل الهموم همًّا
واحدا كفاه الله الهموم كلها اِعمل لوجه واحد يكفِك الهموم
كلها ، و من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين
، و أنت تريد و أنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما
تريد ، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا
يكون إلا ما أريد ، و كنْ لي كما أريد أكنْ لك كما تريد ، و
اطلُبني تجدْني فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء ، و إن فِتُّك فاتك
كلُّ شيء و أنا أحبُّ إليك من كلِّ شيء ، هذا هو التوحيد ، و
الدين كلُّه يُلخَّص في التوحيد ، قال سيدنا عبد الله بن عمر
لغلام : بعني هذه الشاة و خذْ ثمنها ـ عبد الله ـ قال ليست لي
، قال : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، قال : ليست لي ،
وواللهِ إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها ولو قلت له ماتت أو
أكلها الذئب لصدَّقني وإني عنده لصادق أمين و لكنْ أين الله
؟!
هذا هو التوحيد ، هذا البدوي وضع يده على جوهر
الدين ، رغم أنه لا يقرأ و لا يكتب ، وضع يده على جوهر الدين
مع بساطته ، و لو قرأت آلاف الكتب و ألَّفت مئات المؤلفات و لم
تنته عما نهى الله عنه و لم تأتمر بما أمر الله به لستَ
ديِّناً و إنما أنت مثقَّفٌ ثقافة دينية ، و شتَّان بين
الثقافة و الهدى ، فالهدى شيء و الثقافة شيء آخر ، و الثقافة
معلومات وأفكار و علاقات و تنظيمات و نتائج و أشياء طريفة
وممتعة ومحاورات و مناقشات و مؤلفات و ملخَّصات ، هذه هي
الثقافة و لكنَّ الهدى سمُوٌّ في النفس و طمأنينة و سعادة
واستقرار و محبة وتوكُّل و استسلام وصدق و إيثار، و إن صحَّ
التعبير للمؤمن معنويات لو اطَّلع عليها الناس لسعدوا ،
فمعنوياته عالية جدًّا ، بصرف النظر عن وضعه المادي ، أكان
غنيا أو فقيرا مرتاحاً أو غير مرتاح في حياته ، ذا دخل قليل أو
دخل كثير ، دخله محدود أو غير محدود ، متزوج أو غير متزوج ،
بيته مْلكْ له ؟ أو بيته بالأجرة، كل هذه الظروف الموضوعية
المادية لا تؤثر في حياة المؤمن ، له معنويات إن الثقافة
معلومات ، و لكنَّ الهدى قربات و المثقف يدافع التدنِّي ،
بينما المهتدي يتابع الترقِّي ، و شتان بين الحالين في قلب
المؤمن ثقة بالله ، يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين اللهُ ثالثهما
، في معركة حنين بقي النبيُّ وحده يقول :
أنا النبي لا
كذب أنا ابن عبد المطَّلب
هذا هو الإيمان ، ليس
الإيمان بالتحلِّي و لا بالتمنِّي ، ليس الإيمان بسملة يكتبها
على باب محله ، و إنا فتحنا لك فتحا مبينا و مسبحة و مسواك ،
لا ليس هذا هو الإيمان ، و لكن الإيمان ما وقر في القلب و
أقرَّ به اللسان و صدَّقه العمل ، كثير من الناس عندهم ثقافة
إسلامية و لكنَّ الهدى شيء آخر ،الهدى سعادة في الدنيا و
الآخرة ، الهدى معرفة ، تعرف لماذا خلقك الله عز وجل ، تعرف ما
الذي يسعدك في الدنيا ، تعرف أن الله أفرح بتوبة عبده من الضال
الواجد و العقيم الوالد و الظمآن الوارد ، و لماذا الله سبحانه
و تعالى يفرح بتوبة عبده ، إذ ليس لهذا الحديث من معنى ، لو لم
يكن الإنسان مخيّراً و لكن الإنسان مخيَّر ، فحينما يختار
الإنسان معرفة الله و الاستقامة على أمره و التقرُّب إليه
يتحقَّق الهدف الذي خلقه الله من أجله ، لذلك يفرح الله
سبحانه و تعالى ، و إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في
السماوات و الأرض أن هنّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله ، و
مشكلات المسلمين تتلخَّص في كلمة واحدة ؛ الصلح مع الله ، هذا
على مستوى المسلمين جميعا ، و على مستوى المسلم وحده ، لو أنه
اصطلح مع الله عز وجل لحُلَّت كلُّ مشكلاته ، لقوله تعالى :
مَا يَفْعَلُ
اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ
اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)
[
سورةالنساء
]
لماذا العذاب ؟ ولمصلحة مَن ؟ و لماذا الضيق ؟
قال تعالى :وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا
عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)
[
سورة الجن
]
وقال تعالى :وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ
كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)
[
سورة الأعراف
]
قال تعالى :
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا
تَتَّقُونَ(32)
[
سورة المؤمنون
]
وقال تعالى وَمَا
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)
[
سورة يوسف
]
وقال تعالى :وَمَا
يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ
مُشْرِكُونَ(106)
(سورة يوسف)
إذا قلتَ : فلان بيده النفع و الضرُّ و
فلان بيده إسعادي أو شقائي فهذا هو الشرك ، وأخوف ما أخاف على
أمتي الشرك الخفي ، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنما و لا
حجرا و لكن شهوة خفية و تأتون أعمالاً لغير الله ، و إن الشرك
أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة
الظلماء ، قال تعالى :
أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)
[
سورة المؤمنون
]
وبعد فالعبادة شيء و الطاعة شيء آخر ،
يجب أن تعرفه أولاً ثم تطيعه ثانيا ثم تسعد بهذه الطاعة ثالثا
، لذلك قال تعالى : وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)
[
سورة الذاريات
]
الهدف الأكبر من خلقك أن يسعدك بعبادته
ولن تسعد بعبادته إلا إذا عرفته ، لذلك أصل الدين معرفة الله ،
يا ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء ، خلقت
لك السماوات و الأرض و لم أعيَ بخلقهن ، أفيعييني رغيفٌ أسوقه
لك كلَ حين ، خلقت السماوات و الأرض من أجلك فلا تتعب و خلقتك
من أجلي فلا تلعب ، فبحقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنتُه لك ـ و
هو الرزق ـ عما افترضته عليك ـ و هي المعرفة و الطاعة
والسعادة ـ قال تعالى : أَنْ
اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا
تَتَّقُونَ(32)
[
سورة المؤمنون
]
إذَا وحَّدت الله تعبده و لن
تعبده قبل أن توحِّده ، و إن أشركت به تعبده و تعبد هؤلاء
الذين أشركتهم معه .
والله سبحانه و تعالى قال :

[
سورة هود
]
إذًا كل أمورك راجعة إلى الله فاعبده و توكلْ
عليه ، و لو أن أمرا من أمورك يعود إلى إنسان لما صحَّتْ هذه
الآية ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
أطِعْ
أمرنا نرفعْ لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من
أحبَّنا
ولُذ
بحمانا و احتـمِ بـجنابنا لنحميك مما فيه أشرار
خلقــنا
و عن ذكرنا لا يشغلنك
شاغل و أخلِصْ لنا تلق المسرَّة و الهنا
وسلِّم إلينا الأمر في كل ما
يكن فما القربُ و الإبعاد إلا بأمرنا
يُنادى في الكون أنا
نحبـه فيسمع من في الكون أمر محبِّنا
و من أطاع اللهَ أطاعه كلُّ
شيء و من عصى الله عصاه كلُّ شيء
و من أطاع الله هابه كلُّ شيء
ومن لم يطع الله أهابه اللهُ من كلِّ شيء
يخاف من ظله و يخاف من أدنى
إنسان يواجهه ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
يعني أن سيدنا هوداً أقام في
قومه سنوات طويلة يدعوهم إلى الله عز وجل وملخَّص هذه الدعوة ،
قال تعالى :

[
سورة هود
]
ثم قال تعالى :

[
سورة هود
]
أنتم حينما تكذِّبون و حينما
تتَّهمونني بأنني مفترٍ أنتم مفترون ، و الدليل قال تعالى :

[
سورة هود
]
لا أسألكم عليه أجرا ، علامة المؤمن أن يبتغي
أجراً وحَبّه الله ورضاه ، ببذِلْ طاقاته وإمكاناته و خدماته و
يدعو إلى الله و يعلِّم الناس و يعينهم على أمر دنياهم و يعاون
الفقراء ويعود المرضى و يقدِّم خبراته و خدماته في سبيل الله ،
قلَّما يعنيه الأجر ، قلَّما يعلِّق أهميّة على المادة ، ولكنّ
الذي بعُد عن الله سبحانه وتعالى لا يتحرّك حركة صغيرة ولا
كبيرة إلا بالأجر ، ولا يُقدِّم نصيحةً إلا بأجْرٍ ، ولا يُعطي
إشارةً إلا بأجرٍ ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
وهذه علامة صدقه ، لو أنَّني أُطالبكم
بأجرٍ لَظُنَّنتم أنَّ لي مصلحةٌ بهذه الأُجرة ، لو أنَّ النبي
عليه الصلاة والسلام فرض على أصحابه مبالغ من المال ، أو خدمات
عليهم يؤدُّونها لَظُنّ أنَّه يبتغي بهذا عرض الحياة الدنيا
لكنّ الله يؤكِّد صِدْق الأنبياء وصِدق الدعاة الصادقين أنَّهم
بريئين من المطامع الماديّة ، قال تعالى
: قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا
وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)
[
سورة يس
]
الذي يؤكِّد صِدق الداعي ترفّعه عن أيّ
مكْسبٍ مادّي ، أو معنوي ، أو ثَنَاء ، أو أي شيء من هذا
القبيل ، لا أسألكم عليه أجراً ، ولكن اُنظر إلى إنسانٍ لا
يعرف الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يقدِّم خِدْمةً لأحدٍ إلا
بأجر ، فلو أنَّه ذهب مع إنسان إلى السوق مثلاً واشترى هذا
الإنسان حاجةً يُطالب بالعُمولة ، ولو أنّ آخر طرَقَ بابه
لرَدَّهُ ، ولو أنّك دخلتَ إلى خمسين محلاً تِجاريًا لِتصْرف
مائة ليرة لَسمِعتَ السبّ والاعتذار ! قال تعالى :
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ
(سورة النساء )
أفضل المعروف إغاثة الملْهوف ،
لا أحدَ يتحرّك إلى إغاثة الملهوف قال تعالى :

[
سورة هود
]
لو أنّ شخصًا ثريًّا كلَّف إنسانًا آخر
أن يقدِّم خدمات لِجِهةٍ من الجهات ، وقال له : عليّ المبلغ
مهما بلغَ ، ضع الرقم الذي تريده ، فهل يُعقل أن يطالب هذا
الذي يقدّم له خدمة بالأجر؟ الأجر على الذي كلّفه هذه المهمّة
كذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي كلّفك بِهذه المهمة ، وهو
الذي يجزيك أَتَمّ الجزاء ، فالله عز وجل حينما يأتي المؤمن
إليه ، يرى اللّقمة التي أطعمها في سبيل الله كجَبل أُحد ،
حينما يقدم على الآخرة ويرى ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أُذن سمعت ،
ولا خطر على قلب بشر ، قال تعالى :
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)
[
سورة السجدة
]
إذا قَدِمْت إلى الجنّة تعرف معنى قوله تعالى :
إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ
[
سورة سبأ
]
لذلك قد تأتي من مكان
بعيد لِتَسْتمِعَ إلى درسِ عِلْمٍ ؛ إن أجري إلا على الله ، قد
تنفق على إخوتك الصغار الأيتام وقد تنكر ذاتك ؛ إن أجري إلا
على الله ، قد تخدم والدتَك سنواتٍ طويلة خِدْمةً شاقَّة ؛ إن
أجري إلا على الله ، وقد ترْعى أُختَكَ العانس وتبقى عندك في
البيت ؛ إن أجري إلا على الله ، وقد تسير مع أخٍ في حاجته ؛ إن
أجري إلا على الله وقد تعود مريضًا؛ إن أجري إلا على الله ،
طبيب طرِق باب بيته الساعة الثانية ليلاً لِيَذْهب مع الطارق
إلى حالة إسْعاف ، والطارق فقير ، فسار معه مشْيًا إلى مكانٍ
بعيد ، ودخل على المريض وهو يُعاني آلامًا شديدة فبَقِيَ معه
ساعات طويلة إلى أن زال الخطر عنه ، وكتبَ الوصفة ، وفي أثناء
خروجه أعْطَوْهُ مبلغًا يسيرًا يسيرًا ، يعني خمس ليرات من
مصروف البيت أخذ هذا المبلغ وأوى إلى فراشه ، تحرَّكت نفسُهُ ،
أخذْت هذا المبلغ من مصروف البيت وعنده أدويةٌ في البيت ،
فجَمَعَ الأدوية التي وصفها لهم ، وعاد إلى هذا المكان البعيد
فأعطاهم الأدوية ، والمبلغ الذي أخذه منهم ، ومبلغًا من عنده
أيضاً ؛ إن أجري إلا على الله ، لا أحَدَ يذوق معنى العمل
الصالح إلا وتغمره السعادة القلبية، وكان هناك في أحد أحياء
المدينة طبيب صالح إن شاهد المريض فقيرًا ، يوقِّع في ذيل
الوصفة ويبعثه إلى صيدلية معينة ، ويصرفها مجانًا ؛ إن أجري
إلا على الله ، وهذا طبيب ، وكذا المحامي والمدرّس ، والمهندس
، لِيَكن لكلٍ عمل خالص لله عز وجل قال لي أحد سائقي التاكسي
: شاهدتُ امرأة مُسِنَّة ، ولا أحدَ يقف لها فوَقَفتُ لها ،
وأوْصلتها حيث تريد ، فتحَتْ قِماشًا داخل قماش داخل قماش قد
صُرَّ صرّاً ، وأعطتْهُ عشرة قروش - والقصّة قديمة - فقال لها
: أنا أطلب منك الدعاء ! ولم يلبث أن جاءهُ رجل ، وقال له :
خُذني إلى المكان الفلاني فأخذه ثمّ قال له : قِفْ ، فوقَفْتُ
، ثمّ قال لي: انتظِرْ ، فانتظرتُ حتى فرغ من شؤونه ، ثمّ
أعاده إلى حيث كان ، فأعطاه مبلغًا يزيدُ عن عمل يومين ! إن
أجري إلا على الله فأحيانًا لماذا يعجِّل الله للإنسان
بالجزاء ، وقد يكون الإنسان ضعيفًا كما أنّه قد يكون قويًا ؟
حتى لا تتوانى النفوس وتتقاعس عن فعل الخير ، ولكن لو أنَّ
الله سبحانه وتعالى لم يُعَوِّض عليك سريعًا فلتقل إن أجري إلا
على الله ، يجب أن يكون لك عمل تبتغي به وجه الله لا ترجو منه
مالاً ولا سُمعةً ولا جاهًا ، ولا مكانةً ، ولا جزاءً ، ولا
ثوابًا ، وكلٌّ منّا له عمل ومهنة وكسبُه ، يجب أن يُبقي فيه
شيء لله تعالى .
صاحب مطعم يبيعُ فولاً ، وثمن
الصّحن ثلاث أو خمس ليرات ، أحد الأطفال طلبَ منه أن يبيعه
فولاً بِرُبع ليرة ، فقال له : تفضَّل وملأ له صحنه ! إن أجري
إلا على الله ، كلّما ارتقت النفس في الإيمان كلما ازدادت
أعمالنا صلاحاً ، فالمال وسيلة لكسب رضا الله ، وما عُبِدَ
الله بأفضل من جَبْر الخواطر ؛ إن أجري إلا على الله فلذلك
الأنبياء والصدِّيقون ، وكبار المؤمنين يذوبون سعادة إذا بذلوا
فعلامة المؤمن أنه يسعد بالبَذْل ، والمنافق يسعد بالأخذ ،
والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والشِرِّيرون أخذوا ولم يعطوا ،
وعامة الناس يأخذون ويعطون يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطيتَ ولم
تأخذ ، والشرِّيرون يأخذون كلّ شيء ولا يعطون شيئًا ، فأنت
مِمَّن؟ مِمَّن يعطي أم مِمَّن يأخذ ؟ قال تعالى :

[
سورة هود
]
هذا يؤكّد صِدْق دعوتي
، لو أنَّني أرجو مالاً لَشُكّ في دعوتي ، لو أنَّني أرجو
جاهًا لَشُكَّ في نِيَّتي ، ولكنَّني لا أرجو منكم شيئًا .
قال تعالى :

[
سورة هود
]
ما الذي يحصل ؟ قد يستغفر الإنسان ربّه ،
ولكن لا يتوب إليه ، يذهب لأداء فريضة الحج فيحصل له صفاء ،
ويذهب إلى العمرة لحصل له صفاء، ولكن البطولة أن تتوب إلى الله
بعد الاستغفار يعني أنْ تستغفره أيْ أن تطلب منه الشِّفاء ؛
شِفاء النفس ، لأنَّ أمراض النفس مهلكة ، أما أمراض الجسد
فتنتهي بالموت ، ولكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت ، والناس
نِيام إذا ماتوا انتبهوا ، فلذلك يسعى الإنسان لِتَطهير نفسه ،
قال تعالى : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ
مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)
[
سورة الشعراء
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
أي استقيموا على توبتكم
وتابِعُوا أمره ، انتهوا عمَّا عنه نهى ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
إذا كانت كميّة الأمطار بدمشق مثلاً بالشكل
الاعتيادي مائتين وخمسين ميلي متراً ، ثمّ تتناقص إلى الستِّين
ميلي متراً في بعض السنوات فإن ذلك يدعو إلى مراجعة الناس
قلوبهم وإيمانهم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
حتى يكثر الخير ، وصدق الله تعالى :
وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)
[
سورة الجن
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
وبعد فهذه الآية دقيقة جدًّا ، إن الواحد منا
يتمتّع بالشباب ، فإذا عرف الله وأطاعه يدوم له هذا الشباب
مثلاً إلى نهاية الحياة ، من عاش تقيًّا عاش قويًّا ، من غضَّ
بصره عن محارم الله يزده الله قوَّة إلى قوَّته ، ويُمَتّعُهُ
الله بهذه العين إلى نهاية الحياة ، ومن كفّ عن سماع الغناء
زاده الله قوة إلى قوته ، يُمَتِّعه بهذه الأُذن إلى نهاية
الحياة ، من سار إلى طاعة الله يَزِدْهُ قوَّة إلى قوّته ،
يتمتَّع بحركته ونشاطه إلى نهاية الحياة ، ومن أطاع الله في
زواجه يَزِدهُ قوَّة إلى قوَّته يسْعَدُ بِزَوجته أضعاف ما
يسعد أهل الدنيا بِزَوجاتهم ، أحدهم كان له مطعم يباع فيه
الخمر واللحم ! فذهب لأداء فريضة الحجّ ونصحه أصدقاؤُهُ أن
يكفّ عن بيعِ الخمر ، وبين أخذ و ردّ ، وحَيْرةٍ وصِراع ،
اتَّخَذ في النهاية قرارًا بالكفّ عن بيع الخمر في مطعمه ، ما
الذي حدث ؟ أنَّه تضاعفت غلَّته وتضاعفت أرباحه ، ويَزِدْكم
قوَّة إلى قوَّتكم ، لو تركتَ هذه الشبهة في هذا العمل
التِّجاري ، لزاِدْك قوَّة إلى قوَّتك ، لو أطعتَ الخالق و
عصيت المخلوق لزادك قوة إلى قوتك ترتقي مكانتك عند هذا الذي
عصيْتَهُ من أجل الله ، وتكبر في عَيْنِهِ رغم أنك عصيته ، ولم
تستجب له ، وأمرك فلم تأتمِر ، وقلت : إنِّي أخاف الله رب
العالمين تقول في نفسك : أنا أصبحت مهدَّدًا بالخطر من هذا
الرجل ! لا ، يَزِيدْك الله قوَّة إلى قوَّتك ، تزداد عنده
مكانةً ، هذه سنّة الله في الخلق ، إنِّي أخاف الله رب
العالمين ، قال تعالى : قَالَ
مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)
[
سورة يوسف
]
وصار بعدها عزيز مصر ،
إنه سيدنا يوسف ولما مرَّ موكبه ، كانت جاريةٌ قد رأتْهُ في
قصْر العزيز خادمًا ، ورأتْه الآن وقد صار عزيز مصر يمشي في
موكب الإمارة فقالت : سبحان من جعل العبيد ملوكًا بِطاعته ،
وسبحان من جعل الملوك عبيدًا بمعصيتِهِ ! قال تعالى :

[
سورة هود
]
من ابتغى أمرًا
بمعْصِيَةً كان أبعَدَ مِمَّا رجا ، وأقرب مِمَّا اتَّقى ،
وهذا في عملك في زواجك ، وفي صحّتك ، وفي بيتك وفي أولادك ،
وفي سفرك وفي إقامتك ، وفي علاقاتك ، وفي كلّ شيء ، إن أطعتَ
الله سبحانه وتعالى يزِدك قوّة إلى قوتك ، ومن عاش تقيًا عاش
قويًا، ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت ، فهذه
الدنيا وحدها مسْعدةٌ للمؤمن فكيف إذا جمعت الدنيا والآخرة ؟
ما
أجمل الدِّين والدنيا إذا اجتمعا
وأقبح الكفر والإفلات بالرجل
قال تعالى :

[
سورة هود
]
من منكم يُصدِّق أنّ الذي يتولى عن الهُدى ، يتولى عن سماع
الحق ويتولى عن طريق الله عز وجل ، يتولى عن طاعة الله ،
ويتولى عن محبَّته ، ويتولى عن الإقبال عليه ، يُعَدُّ عند
الله مجرمًا بِحَقّ نفسه قبل كلّ شيء ، وبِحَقّ أهله وبِحَق
أولاده ، وبحق من حوله ، الذي يتولى عن طاعة الله ، وعن
الإقبال عليه ، ويتولى عن محبّته يُعدُّ عند الله مجرما ،
وقوله تعالى يؤكّد ذلك :

[
سورة هود
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
أي بِسَبَبِ قولك ، والمفسّرون قالوا : إنّ هذا
هو الغباء بِعَينه ، فكلّ هذه البيّنات ، وكلّ هذه الدلائل
وكلّ هذا المنطق ، وكلّ هذه الأسباب المؤدِّية لهذه النتائج ،
وكلّ هذا الكون لم يُؤثِّر فيهم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
لذلك فإن الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى قال : ما ناقشني جاهل إلا غلبني ! ولا ناقشْتُ
عالمًا إلا غلبْتُهُ ، وأبو حنيفة كان يُدَرِّس درسًا في الفقه
، ويبدو أنّ في رجله ألمًا شديدًا - وكذا تروي القصة - فكان
يمدّها مضطرًّا فدخل عليه في هذه الأثناء رجل بادي الهيئة ،
طويل القامة، واسع المِنْكبَين ، فاسْتحيا منه وضم رجله إليه
، وكان موضوع الدرس صلاة الفجر ، وشرح الإمام أبو حنيفة
ملابسات صلاة الفجر ، والفجر الصادق ، والفجر الكاذب وطلوع
الشمس ، فهذا الرجل ذو الهيئة بادر الإمام وسأله : ويا سيّدي ،
كيف نصلِّي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟! فقال الإمام أبو
حنيفة : آن للإمام أبي حنيفة أن يمُدَّ رِجله ثم قدَّها !! قال
تعالى :

[
سورة هود
]
لو وضعتهم في دائرة
المنطق لظهر لك الغباء المستحكم وإنها لشهوات أغلقت عليهم
منافذ الحق ، وعلى قلوبهم أكِنَّة ، وفي آذانهم وقر ، وعلى
عيونهم غِشاوة ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
أي هذا الذي تقوله هذيان ! وهذا الذي تقوله
تلقيه على عوامهم ، إنما جاءك بِسبب لوثة أصابتك من آلهتنا قال
تعالى :

[
سورة هود
]
حتى النبي عليه الصلاة والسلام قالوا عنه ساحر
ومجنون ، قال تعالى :ن وَالْقَلَمِ
وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ
مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
[
سورة القلم
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
هذه الآية تنطبق على كلّ مؤمن ، نعمة
الهدى أثْمنُ نعمة في الأرض إن كنت عرفْت الله فلْيَفُتْك من
الدنيا ما يفوتك كلمة كنتُ أقرأها عن سيّدنا أبي بكر يقْشعِرّ
منها جلدي : ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قطّ ! تجد الناس
مشققة قلوبهم موزعة أحلامهم وعقولهم ؛ زوجته على غير ما يريد ،
نصيبه في الحياة أنَّه موظّف ، ودخلهُ محدود ، ودائمًا يشْكو
أما العارفون بالله فلا يندمون على شيء فاتهم من الدنيا قطّ ،
والدنيا جيفة وطلابها كلابها ، والدنيا دار من لا دار لها ،
ولها يسعى من لا عقل له ، قال تعالى :فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ
كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)
[
سورة الأنعام
]
يا شيبة بن ربيعة ، ويا عتبة بن ربيعة ،
ويا أُميّة بن خلف ، أوَجَدْتم ما وعدكم ربكم حقًا فإنِّي
وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًا ! لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس
وخذلتموني ونصرني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، قالوا :
يا رسول الله أَتُخاطبُ قومًا جيَّفوا ؟! قال : ما أنتم
بِأسْمع بي منهم ، ولكنّهم لا يجيبونني ، إن نعمة الهدى لا
تعدلها نعمة ! قال تعالى : وَلَمَّا
بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)
[
سورة يوسف
]
أعطى الله سبحانه فرعون الملك وهو لا
يحبّه ، وأعطى قارون المال وهو لا يحبّه وأعطى الأنبياء العلم
والحكمة ، فَمِن أيِّ نوعٍ عطاؤُك أيّها الأخ الكريم ؟ وما
اسْترذَل الله عبدًا إلا حظرَ عليه العلم والأدب ، فعلامة
خِذلان المسيء أن يحْجر عليه العلم والأدب ، فمن كان له مكان
في هذا المجلس أو في أيّ مجلس ، ومن كان له رغبة في معرفة الحق
، فهذا هو الفلاح ، قال تعالى :قَدْ
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ
خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ
مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)
[
سورة المؤمنون
]
وقال تعالى : قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)
[
سورة الأعلى
]
ولم يقل قد أفلح
الأقوياء ولا الأغنياء ! لأنَّ كلاّ منهما سيموتون ولكن
المؤمنين سيَسْعدون في الدنيا ، وإلى الأبد ، أيضاً في جنات
النعيم .
قال تعالى : قال تعالى :

[
سورة هود
]
استمعوا إلى رجل واحدٍ يُواجه أُمَّةً بأكملها
، هات إيمانًا كإيمانه ، وخُذْ نصرًا كنَصْرِهِ ! واحد قال :
فكيدوني جميعًا !! أنتم ومن معكم ، ومن وراءكم ومن يعينكم ،
ومن على شاكلتكم ، ولا تأخذكم بي رأفة ولا إشفاق ولا تتردَّدوا
ولا تنتظروا ، ولا تقلِّبوا الأمر ، فلن تصلوا إلى ضري ، ولن
فقدروا على إيذائي ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
إذا كان الله معك فمن عليك ؟
وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ قال تعالى

[
سورة هود
]
كلمة دابة في هذا الموطن
تعني كل مخلوقات الله تعالى على هذه الأرض ، و هذا الذي تخافون
منه دابة ، وناصيتها بيَدِ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
ومؤدى هذه الآية أن كل
دابة لا تتصرف حركة ولا سكنة إلا بمشيئة الله ، أما أنْ تقول
إنَّ الله سبحانه وتعالى قد يضعُ إنسانًا في النار وقد أمضى
حياته كلّها في طاعته ، لأن الله يتصرَّف في ملكه بما شاء ،
فليس هذا مدلول الآية السابقة ، بل قال تعالى :

[
سورة هود
]
ولن يظلم أحداً أياً كان ، فالله سبحانه
وتعالى على كلّ شيء قدير ، وعلى صراط مستقيم في الوقت نفسه ،
فهو قدير على وضْع الطائع في جهنّم لأنه قادر ، ولكنَّه على
صراط مستقيم فلن يفعله ، إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته
بينكم محرَّمًا فلا تظالموا ! أنْ يمضي الإنسان حياته كلّها في
طاعته ، وقبل أن يموت بِساعات يسبق عليه القول فيعْمل بِعَمل
أهل النار فيدخلها !! لِهذا الحديث تفسير آخر يحتاج هذا الحديث
إلى تأويل ، فقد يمضي حياته كلّها منافقًا ، فهو ليس من أهل
الجنَّة ، إنَّما يعمل بِعَمل أهل الجنَّة فيما يبدو للناس ،
حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه القول ،
أيُّ قولٍ ؟ وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى يكشف الإنسان على
حقيقته إذاً فهو لم يكن مؤمنًا ، إنَّما كان يعمل بعمل أهل
الجنَّة ، ظاهراً وفيما يبدو للناس لكنَّه كان منافقًا
ويرتزِقُ بِظاهِرِ دينه ويخفي في قلبه نغاماً وفي نفسه كفراً ،
فلا يمكن لله تعالى أن يظلم أحدًا ، قال تعالى :
وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)
[
سورة النساء
]
وقال تعالى : لَا
ظُلْمَ الْيَوْمَ
[
سورة غافر
]
وقال تعالى : وَلَا
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)
[
سورة الكهف
]
وقال تعالى :وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ(40)
[
سورة العنكبوت
]
ثمَّ تقول بعدها : إن الله يضعُ إنسانًا
أمضى حياته كلّها في طاعته في النار وأنَّه يتصرَّف في ملكه
بما شاء ولأنَّه لا يُسأل عما يفعل !
وهم يُسألون فهذه الآية تفسيرها أنَّ عدله
يسكت الألسنة ، وأنّ إحسانه للعباد يُسكت الألسنة لذلك لا أحد
يسأله فالأمر يتلخَّص كما يلي : مجموعة الحيوانات المخيفة
مربوطة جميعًا بأزمّة متينة ، بيد إنسان حكيم خبير رحيم منصِفٍ
، هل تخاف منها أم تخاف منه ؟ تخاف منه ، لأنَّه إذا أرخى
الزِّمام وصل هذا الوحش إليك ،فعلاقتي ليست مع هذا الحيوان ،
,لكن بِمَن بيده زمامها ! قال تعالى :

[
سورة هود
]
ملخَّص هذه الآية ، هات لي إيمانًا كإيمان هذا
النبي العظيم ، وخُذْ نصْرًا وتأييدًا ، وحفظًا ورعايةً كما
أخذ هو ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
إن آمنتَ فلك ، وإن لم تؤمن فعليك ، إن آمنت
تستفِد ، إن لم تؤمن يأتِ من يؤمن فيستفيد ، فالقضيَّة متعلّقة
بك ، قال تعالى : يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ
إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ
لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)
[
سورة الحجرات
]
بعض العارفين بالله يقول :
يروح الزاهد ويأتي العاشق ! فإن تولَّوا أي تتولَّوا هناك
تاءٌ محذوفة ، قال تعالى

[
سورة هود
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
فلا ظلم ، ولا بلاء عام ، فالبلاء خاص ،
والرحمة خاصَّة ، ونجاهم الله مرَّتين كما في الآية ، وقد قال
العلماء : مرَّة في الدنيا ، ومرَّة في الآخرة لما جاء أمرنا
أي الهلاك والريح العقيم نجينا هودًا ومن معه وهذا في الدنيا ،
ونجيناهم من عذاب يوم غليظ ؛ وهذا يوم القيامة، فكلّ مؤمن له
نجاتان ؛ نجاة في الدنيا ، ونجاة من عذاب غليظ يوم القيامة ،
قال تعالى :

[
سورة هود
]
حمِلَت هذه الآية على الكُفر ،
أيْ كفروا بآيات ربِّهم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
هناك سؤال : جاءهم رسول واحد ، فلماذا قال الله
سبحانه وتعالى : عصوا رسله ؟ لأنّك إذا أطعت رسولاً واحدًا
فكأنَّك أطعت رُسل الله كلّهم ، وإن عصَيتَ رسولا واحدًا
فكأنَّك عصيت جميع الرسل ؛ لأنَّ دعوتهم واحدة ، لا نفرّق بين
أحد من رسله ، وتلك عاد وجاء اسم الإشارة مؤنَّثاً ( تلك ) !
لأنَّه حُمِل على القبيلة أي قبيلة عاد ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
من هو العنيد ؟ هذه صفة مذمومة في الإنسان ،
فأحيانًا الإنسان لا يتراجع عن غلطه رغم أنه يرى عمله ويرعاه
مسيئًا وغير صحيح ، ولا جدوى منه ، يربط هذا العمل بكَرامته
فلا يتراجع ، هذا عنيد ، والعنيد من صفات الجبابرة قال تعالى
:

[
سورة هود
]
أُتبِعُوا لعنةً ، ففي
زواجهم ملعونين ، وفي عملهم ملعونين ، وفي أفراحهم وفي أتراحهم
ملعونين ، وكذا في نزهاتهم ، حيثما تحرّك فهو ملعون أيْ بعيد
عن الله تعالى ، ومطرود من رحمته ، فاللَّعْن يتْبعهم كظلِّهم
، قال تعالى

[
سورة هود
]
هناك نقاط دقيقة في هذه السورة أتمنى أن تعودوا
إليها في البيت ، وأن تتذاكروا في المعاني التي وردت في هذه
الآية مع أهليكم ، ومع أصدقائكم ، مع من يلوذ بكم ، بحسب
القرابة أو الجوار ، لأنَّكم إن عُدتم بهذه إلى البيت زادَت
رسوخًا ، وانتقلت من عقولكم إلى قلوبكم ، فإذا انتقلت إلى
القلوب كانت هدى ونورًا في الحياة .
والحمد لله رب العالمين |