1 – مسألة الخَلق :
وفي الدرس السابق بينت لكم قصة
الخلق بفضل الله عز وجل ، وكيف أن الإنسان خُلق في عالم الذر ،
بل خُلقت جميع المخلوقات في عالم الذر ، قبل أن تكون صوراً .
2 – حملُ الإنسان
للأمانة
:
وعُرضت عليها الأمانة ، حيث
قال الله عز وجل :

( سورة الأحزاب الآية : 72 ) .
3 – العبادة أصل خلق الإنسان
وثمن للجنة
:
ولما حمل الإنسان الأمانة كُلف
أن يزكي نفسه عن طريق تعريفها بالله ، وحملها على طاعته ،
والتقرب إليه من أجل أن تكون هذه المعرفة ، وهذه الطاعة ، وهذا
التقرب ثمناً لجنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت
، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، إلى أبد الآبدين ،
فنحن في الأصل مخلوقون للجنة .

وقد انقسم البشر قسمين في ضوء
هذه الحقيقة ، فقال الله تعالى :

( سورة النازعات ) .
أي أن الجنة ثمنها الانضباط ،
أن تعرف الله ، وأن تنضبط بمنهجه ، وعلى هذا قال تعالى :

( سورة الليل ) .
صدق أنه مخلوق للجنة ، والحسنى
هي الجنة ، بني على هذا التصديق أنه اتقى أن يعصي الله ، وبنى
حياته على العطاء .

( سورة الليل ) .
إذاً كل شؤون حياته في اتجاه
سعادته الأبدية .

( سورة الليل ) .
الصنف الثاني كذب بالجنة ،
وآمن أنه مخلوق للدنيا ، بُني على هذا التكذيب أنه استغنى عن
طاعة الله ، وبنى حياته على الأخذ وكل شؤون حياته باتجاه شقائه
.

( سورة الليل ) .
قصة الخلق حينما قال الله
تعالى :

( سورة الأحزاب ) .
لم يكن ظلوماً جهولاً حينما
قبِل حمل الأمانة ، ولكن حينما خان الأمانة ولم يؤدِ الأمانة ،
﴿ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ .
4 – مقوّمات حملِ الأمانة :
وذكرت في الدرس الماضي أن
الإنسان حينما قبل حمل الأمانة سخر الله له :

( سورة الجاثية الآية : 13 ) .
الكــون :
وأعطاه مقومات التكليف ، وذكرت
أن أبرز مقومات التكليف هذا الكون الذي سخر له ، وكان التسخير
تسخير تعريف وتكريم .
لذلك رد فعل التعريف أن تؤمن ،
ورد فعل التكريم أن تشكر ، وأنت حينما تؤمن وتشكر حققت الهدف
من وجودك ، قال تعالى :

( سورة النساء الآية : 147 ) .
العـقـل :
ثم أعطاه العقل ، كأداة لمعرفة
الله وهو مناط المسؤولية والمحاسبة ، وهو ميزان :

( سورة الرحمن ) .
والعقل مهمته التأكد من صحة
النقل ، ثم فهم النقل ، ولن يكون العقل حكماً على النقل .
الفـطرة :
ثم أعطاه فطرة سليمة تكشف له
خطأه ذاتياً .

( سورة الشمس ) .
الاختيـار :
ثم أعطاه اختياراً ليثمن عمله
:

( سورة الإنسان ) .
الشهــوة :
ثم أعطاه شهوة كقوة دافعة ،
وهي حيادية ، يمكن أن تكون قوة نافعة ودافعة ، ويمكن أن تكون
قوة مدمرة .
الشــرع :
ثم أعطاه الشرع ، وأنزل الله
على أنبيائه الكتب ليكون الشرع ميزاناً على ميزاني العقل
والفطرة .
ذكرت هذا في درس سابق ، وأنتقل
اليوم إلى تسلسل الإيمان بالله .


أيها الإخوة ، هناك الكون يعد
الثابت الأول ، لا يختلف عليه اثنان في الأرض ستة آلاف مليون
إنسان هذا الكون بين أيديهم ، وتحت سمعهم وبصرهم ، فيه شمس ،
وقمر ونجوم ، ومجرات ، وأرض ، وجبال ، وسهول ، وينابيع ،
وأنهار ، وبحار ، وبحيرات ، ونبات ، مليون نبع من النبات ،
وأطيار ، وأسماك ، وحيوانات ، ومعادن ، وأشباه معادن ، هذا
الكون هو الثابت الأول في الإيمان ، كل أسماء الله الحسنى
وصفاته الفضلى يمكن أن يشفَّ الكون عنها .
1 – كل
أسماء الله وصفاته يشفّ عنها الكون
:
كل أسماء الله الحسنى وصفاته
الفضلى ، يمكن أن تراها في الكون ، يمكن أن ترى في الكون علمَه
، يمكن أن ترى في الكون حكمته ، يمكن أن ترى في الكون لطفه ،
يمكن أن ترى في الكون رحمته ، يمكن أن ترى في الكون عدله ،
يمكن أن ترى في الكون قوته ، يمكن أن ترى في الكون بطشه ، كل
أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى يمكن أن يشف الكون عنها ، وفي
كل شيء له آية تدل على أنه واحد .
2 – مبادئ العقل :
السببية ـ الغائية ـ عدم التناقض :
وعقلك بني على مبادئ ثلاث مبدأ
السببية ، مبدأ الغائية ، مبدأ عدم التناقض والكون أنظمته
الأساسية لكل شيء سبب ، ولكل شيء غاية ، والتناقض لا وجود له
في الكون ، مبادئ عقلك مطابقة تطابقاً تاماً مع مبادئ الخلق .
لذلك هذا العقل إذا أعملته في
الكون يمكن أن تتعرف إلى الله من خلاله ، إذاً : العقل أداة
معرفة الله .
3 – الكون لغةٌ عالمية
:
أيها الإخوة ، ثم أن هذا الكون
لغته عالمية ، العربي يقرأ ما فيه ، والأعجمي يقرأ ما فيه ،
وأهل أوربا يقرؤوا ما فيه ، هذا قاسم مشترك ، لذلك قال بعضهم :
الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة
والسلام قرآن يمشي ، فأكبر ثابت من ثوابت الإيمان هذا الكون
الذي يشف عن وجود الله ، وعن كماله ، وعن وحدانيته ، وعن
أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى ، لكن العقل سأوضح لكم مهمته :
أنت دخلت إلى جامعة ، عقلك
وحده ، تجد منشآت تتناسب تناسباً رائعاً مع حقيقة الجامعة ،
مدرجات ، فيها عزل صوت ، فيها تدفئة ، فيها شاشات عارضة ، فيها
تهوية ، فيها مقاعد مريحة ، فيها مكتبة ، وحدائق ، وسكن للطلاب
، وسكن للأساتذة ، وإدارة جامعة ، ومخابر ، أنت بعقلك يمكن أن
تكتشف أن وراء هذا البناء تخطيطا ، وأدمغة ، ونظاما ، وخبرات
متراكمة ، لكن مهما كنت ذكياً ، مهما كنت حصيفاً فلا يمكن أن
تعرف ما اسم رئيس الجامعة ، لا يمكن أن تعرف ما اسم عمداء
الكليات ، لا يمكن أن تعرف ما الكليات التي في الجامعة ، لا
يمكن أن تعرف نظام القبول ، أو نظام النجاح والرسوب ، هذه
المعلومات لا يمكن أن تكتشفها بعقلك ، لا بد من كتيب ، هذا
الكتيب يتكامل مع عقلك ، هذا تمهيد .
الله عز وجل جعل هذا الكون
ينطق بوجوده ، بعلمه ، بقوته ، برحمته ، بعدله بلطفه ، بجماله
، لكن لماذا خلقك الله ؟ أنزل كتاباً هو القرآن الكريم ، قال
لك فيه :

( سورة الذاريات ) .
لماذا الحياة القصيرة ؟ لماذا
الحياة أربعون عاما ، خمسون ، ستون ؟ قال لك في كتابه :

( سورة الضحى ) .
لماذا يأتي الأنبياء ؟ يأتي
الأنبياء ليبينوا للناس علة وجودنا ، وطريق سلامتنا وسعادتنا .

( سورة الأنبياء ) .
فصار الكتاب يكمل العقل ، ما
عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به ، هذا الكتاب لعل قائلاً
يقول : إنه كلام إنسان عبقري بليغ في اللغة ، أعطاك مع الكتاب
شهادة الإله العظيم على أنه كلامه ، أكبر دليل على أن هذا
الكتاب كلام الله إعجازه ، يعني قبل 1400 عام نزل هذا الكتاب .

1 – ظاهرة تناثر الضوء :
وقبل عشرين عام تقريباً صعد
الإنسان إلى القمر ، وفي أثناء الصعود تجاوز طبقة الهواء ، وهي
تزيد عن 65 ألف كم ، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء صاح
أحدهم بأعلى صوته : لقد أصبحنا عميا ، التفسير العلمي أن
الهواء مع الشمس يشكل ظاهرة ضوئية اسمها التناثر ، أي أن أشعة
الشمس إذا سلطت على طبقات الهواء عكست هذه الذرات أشعة الشمس
على ذرات أخرى لم تصلها أشعة الشمس ، فصار في الأرض مكان فيه
أشعة شمس ومكان فيه ضياء الشمس ، وجود الضياء من دون أشعة هذه
ظاهرة اسمها تناثر الضوء ، فلما تجاوزنا طبقة الهواء ألغي
التناثر ، فصار الفضاء ظلاماً دامساً كالليل الأليل ، فصاح
رائد الفضاء : لقد أصبحنا عمياً ، افتح القرآن :

( سورة الحجر ) .
لا يمكن أن يكون هذا الكلام
كلام بشر ، مستحيل ، لأن الحقيقة التي كشفت بعد 1400 عام ذكرها
القرآن قبل 1400 عام .
2 – الوردة الجورية :
أكبر وكالة فضاء ( ناسا ) تعرض
صورة لوردة جورية ، وردة جورية ، أوراق حمراء داكنة ، حولها
وريقات خضراء زاهية ، في الوسط كاس أزرق ، كتب تحته صورة
لانفجار نجم اسمه عين القط ، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية ،
تفتح القرآن :

( سورة الرحمن ) .
3 – الحاجز بين البحرين :
يكتشف رواد الفضاء من سفينة
الفضاء أن بين كل بحرين خطا ، والخط تباين لونين ، هذا المنظر
يثير الفضول عند علماء البحار ، يتابعون هذه الظاهرة ، فإذا
بعد التحقيق والبحث ، والدرس ، والتجريب تبين لكل واحد ماءه ،
لكل بحر كثافته ، لكل بحر ملوحته ولا يمكن أن تختلط مياه
البحار مع بعضها بعضا ، حتى في بعض الصور لمكان التقاء البحار
كباب المندب ، أو كقناة السويس ، أو كمضيق جبل طارق ، أو كمضيق
بنما ، أو بمضيق البوسفور هناك جدار بين البحرين ، تفتح القرآن
الكريم :

( سورة الرحمن ) .
4 – النطفة هي التي تحدد جنس
المولود وليس البويضة :
بعد تطور علم الأجنة إلى أعلى
مستوى تبين أن الذي يحدد كون المولود ذكراً أو أنثى هي النطفة
وليس البويضة ، تفتح القرآن الكريم :

( سورة النجم ) .
5 – كل شيء في الكون يدور :
بعد اكتشاف علم الذرة أن كل
شيء في الكون يدور حتى الخشب ، حتى الصخر أي شيء في الكون مؤلف
من ذرات ، والذرة من نواة ، وكهارب ، ومسارات .


( سورة يس ) .
6 – أدنى الأرض : غور فلسطين :
بعد اكتشاف أشعة الليزر تبين
أن أعمق نقطة في الأرض هي غور فلسطين والآية الكريمة :

( سورة الروم ) .
في أدنى الأرض باكتشاف أشعة
الليزر تبين أن أعمق نقطة في الأرض غور فلسطين ، وتؤكد روايات
التاريخ أن المعركة التي تمت بين الفرس والروم كانت في غور
فلسطين .
7 –
وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
:
تركب طائرة أحدث طائرة 777 ،
وأنت على مقعد وثير ، والجو لطيف ، ومكيف ، وشراب متنوع ،
وأطعمة فاخرة ، ومجلات ، وصحف ، وقنوات ، تفتح القرآن الكريم
فتقرأ قوله تعالى :

( سورة النحل الآية : 8 ) .
كم هي المسافة بين الحمار
والطائرة ؟

( سورة النحل الآية : 8 ) .
لأنه كلام خالق الأكوان :

( سورة النحل ) .
الطائرة ، والباخرة ، والقطار
، والسيارة .

8 –
الحكمة من تذكية الحيوان وعدم قطع رأسه
:
النبي عليه الصلاة والسلام
يعطي أمراً تشريعياً بعدم جواز قطع رأس الدابة حينما تذبح ،
قال : اقطعوا أوداجها فقط ، هذا التوجيه لا يمكن أن يفسر في
مكان في العالم ، ما الفرق بين قطع رأسها وقطع أوعيتها الدموية
؟ لا أحد يعلم ، لا في عهد النبي ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد
مئتي عام ، ولا بعد 500 عام ، ولا بعد ألف عام ، ولا بعد 1400
عام هناك جهة في الأرض تفسر ما سر هذا التوجيه ، الآن انكشفت
الحقيقة ، لأن القلب أخطر عضو في الجسم ، ولأن القلب عليه مدار
الحياة ، لا يمكن أن يكون تحت رحمة الشبكة العامة الكهربائية ،
لا بد له من مولد ذاتي في مركز كهربائي ذاتي ، وهذا المركز إذا
تعطل في مركز ثان ، وإذا تعطل الثاني في مركز ثالث ، احتياطيان
، وأن هذا المركز الكهربائي يعطي أمر بالنبض النظامي 80 نبضة
بالدقيقة فقط ، والإنسان بحاجة أحياناً إذا هاجمه عدو أن يسرع
، أو إذا واجه حيواناً مخيفاً ، أو ثعباناً في بستان بحاجة إلى
جهد أعلى من 80 نبضة ، لكن العين بإدراك الخطر تنقل صورة الخطر
إلى الدماغ ، والدماغ عنده مفهومات الثعبان ، مفهومات الثعبان
تنبئ الدماغ أن هذا لدغته قاتلة ، فالدماغ ملك الجهاز العصبي
يعطي التماسا لملكة الجهاز الهرموني ، الغدة النخامية ، تعطي
أمر لوزير داخليتها ....... فيعطي أمرا إلى القلب ليرفع النبض
إلى 180 نبضة ، وأمرا إلى الرئتين ليزداد الوجيب ، فالخائف
قلبه ينبض سريعاً ، ورئتاه تخفقان سريعاً ، وأمرا إلى الأوعية
المحيطية بتضييق اللمعة فيصفر الخائف ، وأمرا إلى الكبد بإطلاق
كمية سكر استثنائية ، فالخائف سكره عالٍ ، وأمرًا إلى هرمون
التجلط بإطلاق كمية إضافية فدم الخائف لزج .
هذه الدابة إذا ذبحنها ،
وقطعنا رأسها يبقى القلب يعمل 80 نبضة ، الثمانون نبضة تخرج
ربع الدم فقط ، أما إذا أبقينا الرأس موصولا بالجسم يعمل
الجهاز الاستثنائي ، فالخروف أدرك الخطر ، ارتفع النبض 180
نبضة حيث يخرج الدم كله من جسم الدابة ، تجد اللحم الذي ذُبح
وفق الطريقة الإسلامية أزهر اللون ، شهي المنظر ، طيب الطعم ،
أما إذا ذُبح بقطع رأس الدابة يبقى أربعة أخماس الدم في الدابة
، يصبح لون اللحم أزرق ، ومؤذيًا ، واللحم بؤرة جراثيم ، ليس
هذا من علم النبي ، ولا من تجربة النبي ، ولا من ثقافة النبي ،
ولا من معطيات بيئة النبي :

( سورة النجم ) .
فالكون أكبر ثابت من ثوابت
الإيمان .

يليه في المصداقية القرآن
الكريم ، كلام الله ، الكون خلقه ، والقرآن كلامه ، ولكن هذا
القرآن معه شهادة من الله أنه كلامه .
لكل نبيٍّ معجزة :
إخواننا الكرام ، كل نبي معه
معجزة ، والمعجزة في حقيقتها شهادة الله للبشر أن هذا الإنسان
رسول رب البشر ، علامة ، إلا أن الأنبياء السابقين كانوا
لأقوامهم ، فالمعجزة حسية ، سيدنا موسى ألقى عصاه :

( سورة الأعراف ) .
سيدنا عيسى أحيى الميت ، وهذا
شيء فوق طاقة البشر ، سيدنا إبراهيم أُلقي في النار فلم تحرقه
، هذه معجزات ، لكن هؤلاء الأنبياء لأقوامهم فقط ، أما النبي
عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، هو لكل
البشر أجمعين ، هو رحمة للعالمين ، هو إلى نهاية الدوران ، هو
حتى قيام الساعة ، إذاً كتابه خاتم الكتب ، لا بد من أن تكون
شهادة الله للخلق من أن هذا القرآن كلامه مستمرة ، المعجزة
الحسية كتألق عود الثقاب يتألق مرة ، ثم ينطفئ فتصبح خبراً
تصدقه أو لا تصدقه ، بينما إعجاز القرآن شهادة الله المستمرة .
في القرآن 1300 آية كونية ،
سدس القرآن شهادة على خمسة أسداسه أنه كلام الله ، السدس شهادة
من الله .

( سورة يس الآية : 38 ) .
الآن ثبت أن الشمس تجري ، يعني
حقائق لا تنتهي ، والإعجاز يحتاج إلى سنوات ، والآن المادة
الأولى في الدعوة إلى الله الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

لكن القرآن كلي ، يحتاج إلى من
يفسره لنا ، فيأتي النبي الكريم ليبين للناس ما نزل إليهم ،
فبيان النبي الكريم هو شرح ، وتوضيح لمجمل القرآن الكريم ،
وكأن سنة النبي هي تفسير لكلام الله ، فعندنا كون الثابت الأول
في الإيمان ، وكتاب فيه كل شيء ، وإنسان سيشرح هذا الكتاب ،
دليل أن الله موجود ، وواحد ، وكامل الكون ، ودليل أن هذا
القرآن كلام الله إعجازه ، ودليل أن النبي رسول الله هو القرآن
.
لا زلنا في العقل ، لكن بعد
هذه المرحلة يأتي دور النقل ، أي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبر
الله به ، صار عندنا في ديننا معقولات ، ومسموعات ، وعندنا
تفكر ، ونقل ، وعندنا عقل ونقل ، وعندنا أبحاث يتولاها العقل ،
وعندنا أخبار تتلقفها الأذن .
1 – إخبار الله بوجود الملائكة
والجن والنار والجنة :
الآن القسم الآخر من الدين
الله أخبرنا أن هناك ملائكة .


( سورة التحريم ) .
ما الدليل ؟ ليس عندنا دليل
حسي ، بل هناك دليل إخباري ، هو إخبار الله لك .
أنت دخلت إلى بيت ، صاحب البيت
كل ذرة في دمك ، وكل خلية في جسمك تؤمن أنه صادق ، وهناك خزانة
مغلقة ، سألته : ما في هذه الخزانة ؟ قال لك : كتب قديمة ،
الدليل الخبر فقط ، لكن لو فتحت الخزانة ترى بعينك ، وتدرك
بعقلك أن هذه كتب قديمة ، أما هو فما فتحها لك ، لكنه أخبرك .
فأخبرنا الله عن وجود الملائكة
، وعن وجود الجن ، وأن هناك حياة بعد الموت فيها جنة وفيها
نار ، فيها نار لا ينفذ عذابها ، وفيها جنة يدوم نعيمها إلى
أبد الآبدين .
2 – إخبار الله بالماضي السحيق
:
أخبرنا عن الماضي السحيق ، كيف
خُلق الإنسان ، آدم وحواء ، وكيف كانا في الجنة ، فالشيطان
أخرجهما من الجنة ، وأخبرنا عن الأقوام السابقة عن عاد وثمود
وأصحاب الأيكة ، وقوم موسى وهارون ، ففي ماضي سحيق ، في مستقبل
بعيد ، في حديث عن الذات الإلهية .


( سورة البقرة الآية : 255 ) .
هذا الدين العظيم فيه معقولات
، ومخبرات ، عقل ، و نقل ، الذي عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله
به .

أيها الإخوة الكرام ، ﴿
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا
لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم ﴾ .
لأن الإنسان قبِل حمل الأمانة
كان أعلى المخلوقات ، لأنه قبِل حمل الأمانة صار أعلى
المخلوقات على الإطلاق ، فالملائكة دونه ، هنا السجود يعني
خذوا أمري من آدم ، المعنى الدقيق للسجود أن نأخذ الأمر أمر
الله عز وجل من آدم ، السجود هو الخضوع ، أنت حينما يأتيك
أحياناً إنسان عادي معه أمر من الملك ، فإذا أطعت هذا الإنسان
العادي هي في الحقيقة ليست طاعة له ، ولكنها طاعة للملِك ،
فهنا السجود الخضوع يعني أيها الملائكة أنتم أشفقتم من حمل
الأمانة ، لكن آدم قبِلها ، وحملها ، فكان أعلى المخلوقات ،
وسوف أُنفذ له أمري ، وأنتم عليكم أن تأخذوا أمرني من خلاله :
﴿ اسْجُدُوا لِآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ
﴾ .
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
﴾
.

قال الله عز وجل :

( سورة الحجر ) .
لكن إبليس رفض أن يسجد ، قال :

( سورة الأعراف الآية : 12 ) .
الآن بدأت معصية الكِبْر ،
المعاصي نوعان : معصية كبر ، ومعصية غلبة ، وأفضل ألف مَرة أن
تقع في الغلبة من أن تقع في الكبر ، لأن الكبر يتناقض مع
العبودية لله ، لذلك الذي يعصي الله غلبة ترجى له التوبة ، وهو
قريب من التوبة ، وربما معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من
طاعة أورثت عزاً واستكباراً .

أي عصى :

( سورة الكهف الآية : 50 ) .
لم يسجد ، هو طبعاً ليس من
الملائكة ، لكن قبل أن يؤمر كان متفوقاً ، حتى ظُن أنه فوق
الملائكة ، لكنه أبت نفسه أن يسجد استكباراً ، وعلواً في الأرض
:
﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ
يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ ﴾ .
﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
﴾ .
الآن أيها الإخوة ، قال الله
عز وجل :

( سورة الأعراف ) .

أنت أمام قضيب مستقيم ، وأمام
خطاف يستخدم للحمل ، خطاف منحني هكذا أيهما أفضل ؟ كلام ليس له
معنى ، حينما تحتاج إلى قضيب مستقيم القضيب المستقيم أفضل ،
وحينما تحتاج إلى خطاف تحمل به الأشياء فالانحناء أفضل ، فأن
تقول : أيهما أفضل الطين أم النار هذا كلام لا معنى له ، كل
صفة تؤدي مهمتها ، أيهما أفضل سيارة سياحية أم سيارة شاحنة
؟ كلام مضحك ، ماذا تريد أن تستخدم هذه السيارة ، لنقل الركاب
؟ السياحية أفضل ، لنقل البضاعة ؟ الشاحنة أفضل ، فكل صفة لا
يمكن أن تكون مفضلة إلا بحسب مهمتها ، لكن أنا أفاضل بين
شاحنتين ، أو بين سيارتين لنقل الركاب ، أما أنا أفاضل بين
مركبة مهمتها نقل الركاب ، ومركبة مهمتها نقل البضائع فهذا غير
مقبول .
قال : ﴿ أَنَا خَيْرٌ
مِنْهُ ﴾ .
لا ، الجن لهم مهمات تخطي
المسافات ، والحدود ، والسدود ، وسرعة الحركة ، والإنس لهم
مهمة ، أعطي كل مخلوق الصفات التي تؤهله لتحقيق هدفه .
طبعاً قال القرآن على لسان
إبليس :


( سورة الإسراء ) .
إذاً : جاء التوضيح :

( سورة ص الآية : 75 ) .

الله عز وجل يقول :
﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ
تَسْجُدَ ﴾ .
ما الذي منعك أن تسجد ؟
والحقيقة هنا نحتاج إلى وقفة
متأنية ، عندنا :
﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ
تَسْجُدَ ﴾ .
و:
﴿ مَا مَنَعَكَ أَلا
تَسْجُدَ ﴾ .
هذا يتوضح في الفرق بين المنع
و الامتناع .
أحياناً تريد أن تأكل تأتي قوة
قاهرة تشهر عليك سلاحاً ، فلا تأكل ، أنت الآن مُنعت أن تأكل ،
لكن الأكل أمامك ، وهممت أن تأكل ، فجاء طبيب تثق بعلمه ،
وأخبرك أن هذا الطعام يؤذي مرضك ، ويؤخر شفاءك ، الآن لم تمنع
من أن تأكل ، ولكنك أُقنعت ألا تأكل ، فامتنعت ، الفرق كبير
بين أن تُمنع بالقوة ، وبين أن تمتنع اختياراً .
دقة القرآن الكريم شيء عجيب :
﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ
تَسْجُدَ ﴾ .
هل هناك قوة قاهرة منعتك أن
تسجد ؟ وهناك آية ثانية توضح هذا المعنى :
﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾
، من الذي أقنعك ألا تسجد ؟
الفرق بين : ﴿ مَا مَنَعَكَ
أَنْ تَسْجُدَ ﴾ و : ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾
هو الفرق بين أن تقهر ، وبين أن تقتنع ، فيبدو أن إبليس
اقتنع أن النار خير من الطين ، فقال :

( سورة الحجر الآية : 33 ) .
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ .

1 – الهبوط من الجنة :
أيها الإخوة ، لما رفض إبليس
أن يسجد :

( سورة الأعراف ) .
2 – معنى الهبوط :
الهبوط له معنيان ، هبوط مكاني
، الطائرة هبطت على المطار الفلاني ، هذا هبوط مكاني ، وإنسان
كان مديرًا عاما بمؤسسة ، وباعتبار المؤسسة فخمة جداً مكتبه
الفخم في الطابق الأول ، فهبطت مكانته ، ووظفوه رئيس دائرة في
الطابق العاشر ، نقول : هبطت مكانته ، لكن كان هو تحت ، فصار
فوق ، لا ، مكانته هبطت هنا ، كان مكتبه في الطابق الأول ،
لأنه مدير عام ، أصبح رئيس فرع في الطابق العاشر ، هو لم يصعد
تحت ولكنه هبط ، هبطت مكانته ، هبطت سلطته ، هبط دخله .
لذلك : ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ
مِنْهَا ﴾ .
كنت مرشحاً أن تكون من أهل
الجنة حيث فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على
قلب بشر ، لكنك الآن تكبرت ، وأبيت أن تطيع الله ، وتوهمت أن
النار خير من الطين ، فتستحق الآن أن تهبط منها ﴿ فَمَا
يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ
الصَّاغِرِينَ ﴾ قيسوا على هذه الآية أوضاع البشر ، هذا
الذي يأبى أن يطيع الله ، يتكبر أن يصلي ، يتكبر أن يسجد لله ،
ترون أنتم في المناسبات الدينية المسئولون كلهم يسجدون ، هذا
وسام شرف لهم ، أليس كذلك ؟ للأرض .
قال :
﴿ إِنَّكَ مِنْ
الصَّاغِرِينَ ﴾ .
أما الذي يأبى أن يسجد لله فهو
صغير عند الله ، تتكبر على من ؟ على خالق السماوات والأرض ، مع
أن العلاقة مع الله كلما ازددت تواضعاً له وخضوعاً له أعزك
الله ، أنا لا أتصور على وجه الأرض إنسان أعز الله كسيدنا
محمد .
هل من المعقول لإنسان ليس
مسلماً يؤلف كتابا ، يدرس تاريخ البشرية ، ويبحث من هؤلاء
البشر على عظماء البشر ، عظماء البشر في كل القرون ، وفي كل
القارات ، وفي كل الثقافات ، ويختار من بين هؤلاء العظام
القادة العباقرة ألف إنسان ، ثم يصطفي من هذه الألف مئة ، ثم
يجعل محمد بن عبد الله على رأس هذه المئة .
مرة ذكرت أقوالا لمفكري الغرب
في هذا النبي الكريم ، رفعه الله عند المسلمين وعند غير
المسلمين .
أيها الإخوة الكرام ، قال
تعالى :
﴿ إِنَّكَ مِنْ
الصَّاغِرِينَ ﴾ .
لأنك استنكفت أن تسجد تنفيذاً
لأمر الله .
والحمد لله رب العالمين