
1 – كل سورة تعالج قضية الخَلق
من زاوية محددة
:
أيها الإخوة الكرام ، هذه الآية والتي تليها
تعالج مسألة الخَلق ، وقد تقدمت هذه المسألة في سورة البقرة
،
وعولجت في سبعة مواضع من القرآن الكريم ، في
سورة البقرة والأعراف ، والحج ، والإسراء ، والكهف ، وطه ، وص
، ولكن في كل سورة تعالج هذه المسألة من زاوية ، هناك من يتوهم
أن في القرآن تكراراً ، والحقيقة لو تتبعت الموضوعات المتكرر
في القرآن الكريم لوجدت أن كل رواية في كل سورة لها زاوية خاصة
، فهذا من إعجاز القرآن الكريم ، وفوق ذلك هناك قضايا أساسية
جداً في العقيدة ، القرآن الكريم من أسلوبه الحكيم أنه يأتي
بها في أماكن كثيرة كي تترسخ .
لا يعقل أن يقول الأب لابنه في
كبر عمره : اجتهد مرة واحدة ، هذا الكلام يقوله له كل يوم ،
وفي كل مناسبة ، وعقب كل حادثة ، وإبان كل تصرف ، يا بني انتبه
، اجتهد .
2 – تكرار القصص في القرآن
لفائدة بلاغية :
أولاً : التكرار في القرآن
الكريم له تفسير بلاغي ، أن كل رواية أتت على الموضوع من زاوية
، وبمعنى آخر أن التكرار من مهمته القصوى البلاغية أن يؤكد
المعنى الذي هو أساسي .

كلكم يعلم أيها الإخوة أن في
حياتنا موضوعات أساسية ، وهناك موضوعات ثانوية ، بتعبير آخر
هناك موضوع مصيري ، فالإنسان مثلاً صحته موضوع مصيري ، لأن
خللاً في قلبه ينهي حياته ، الصحة موضوع خطير ، لأنه قد ينهي
حياة الإنسان ، الإيمان موضوع خطير ، قد ينهي سعادته .
فالموضوعات الخطيرة التي لها
أثر مستقبلي ، أو الموضوعات المصيرية ، هذه موضوعات يعتني بها
القرآن كثيراً ، لذلك في حياتنا موضوعات برأي الفقهاء فرائض ،
تتوقف سعادتنا على تحقيقها ، بل تتوقف سعادتنا وسلامتنا على
تحقيقها ، إذاً هي فرائض ، وهناك موضوعات تحت باب المحرمات ،
هذه سبب شقائنا وهلاكنا في الدنيا والآخرة ، إذاً على طرفي
الأحكام الفرائض والمحرمات ، بينهما في الوسط المباحات ، وهو
موضوع حيادي ، طريقة جلوسك في البيت ، على الأرض ، على الكرسي
، على فراش معين ، ألوان ثيابك ، هناك ملايين الموضوعات حيادية
، ليس لها أثر إيجابي ولا سلبي في إيمانك .
لذلك الأنبياء والمرسلون عليهم
صلوات رب العالمين الموضوعات التي لها أثر إيجابي أو سلبي في
علاقتك بالله عز وجل جاء ذكروها بشكل واضح ، والأشياء التي
سُكت عنها هي الأشياء التي ليس لها أثر إيجابي ولا سلبي في
حياتك الإيمانية .
لذلك الأنبياء ما من شيء يقرب
إلى الله عز وجل إلا وأتوا على ذكره ، وما من شيء يبعد عن الله
عز وجل إلا أتوا على ذكره ، والذي أُغفل ذكره هناك حكمة من
ذكره لا تقل عن حكمة التي ذكره الله عز وجل ، وهذا معنى قوله
تعالى :

( سورة المائدة الآية : 3 ) .
الإتمام عددي ، والإكمال نوعي
، أي أن مجموع القضايا التي عالجها القرآن الكريم والسنة
المطهرة تامة عدداً ، وأن طريقة المعالجة التي عالجها القرآن
الكريم في القضايا التي عرضها كاملة نوعاً ، فهذا الدين توقيفي
، لا يضاف عليه ، ولا يحذف منه ، لأنه من عند الخالق ، الخالق
الذات الكاملة ، من عند الحكمة المطلقة ، والرحمة المطلقة ،
والعلم المطلق ، والعدل المطلق .
إذاً : الدين لا يضاف عليه ،
ولا يحذف منه ، وهو عند بعض المشككين تراث ، الدين ليس تراثاً
، الدين وحي ، وحي من السماء والمعصوم بينه ، وحي من عند الله
، والنبي الكريم بيّنَ دقائق هذا الوحي ، أما الحضارة والثقافة
والتراث فهذه أشياء أرضية ، أما أن يوصف الدين بأنه تراث فلا ،
الدين وحي ، ووحي السماء هو خطاب السماء للأرض ، هذا الخطاب لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لكن الذي يقول : لا بد
من تجديد الدين ، الدين لا يجدد ، الدين توقيفي ، لعل
الخطاب الديني يجدد ، الخطاب ، الخطاب الدعوي يجدد ، وإذا
أصررنا على أن هناك تجديد بالدين فهو كما يلي :
أن ننزع عن الدين كلما علق به
من ما ليس منه .
لذلك يقولون : الأشياء الأصل فيها الإباحية ،
ولا يحرم شيء إلا بالدليل القطعي الثبوت والدلالة ، بينما
العبادات والعقائد الأصل فيها الحظر ، ولا يضاف على العقائد
والعبادات أشياء إلا بالدليل قطعي الثبوت والدلالة
.
(( إن هذا العلم دين فانظروا
عمن تأخذون دينكم )) .
[ أخرجه الحاكم عن أنس ،
السجزي عن أبي هريرة ] .
(( يا ابن عمر دينك
، دينك ، إنما
هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ الدين عن الذين استقاموا ،
ولا تأخذ عن الذين قالوا
)) .
[ عن ابن عمر ] .

أيها الإخوة الكرام ، قصة
الخَلق وردت في القرآن الكريم ، في سور عديدة وفي مواضع
عديدة ، ومن زوايا عديدة ، ولكن يعنينا من هذه القصة أن الله
سبحانه وتعالى هو الخالق ، قال تعالى :

( سورة البقرة الآية : 21 ) .

من هي الجهة الوحيدة في الكون
التي تستحق العبادة ؟ إنها الجهة الخبيرة ، قال تعالى :

( سورة فاطر ) .
فالإنسان حينما يتوجه إلى الله
يكون عاقلاً ، أما إذا توجه إلى غير الله يكون غير عاقل لأنه
قد قيل : أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .
لكن أنت في حياتك اليومية إذا
اقتنيت آلة بالغة التعقيد ، غالية الثمن ، عظيمة النفع ،
وأصابها عطب أو عطل ، لا يمكن أن تذهب إلى من تحبه ، تذهب إلى
من هو الخبير في إصلاحها ، وفي صيانتها ، وفي معرفة أسباب
سلامتها ، وحسن مردودها .
إذاً الله عز وجل بخاطبنا
ويقول :
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ .
من معاني هذه الكلمة أنه ينبغي
أن تستمعوا إلى بيان الله عز وجل ، ينبغي أن تنصاعوا لأمره ،
ينبغي أن تطبقوا تعليماته ، لأنها تعليمات الخبير ، تعليمات
الخالق ، تعليمات الرب ، تعليمات أسباب سلامتنا وسعادتنا .
﴿ ثُمَّ
صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ .
بعضهم يقول : المخلوقات كلها
خلقت في عالم الذر ، استناداً لقوله تعالى :

( سورة الأحزاب الآية : 72 ) .
هذا عالم الذر ، النفوس مجردة
من الصور ، في عالم الذر بعض ما في هذا العالم قبل حمل الأمانة
، وبعض من في هذا العالم أشفق من حمل هذه الأمانة ، لأننا بشر
لأننا من صنف الإنسان نحن حتماً قبلنا حمل الأمانة .
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ
ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ في الحياة الدنيا هي عالم الصور ،
فالحصان أخذ صورة ، والشمس لها صورة ، والقمر له صورة ،
والإنسان له صورة ، وأنواع النباتات لها صورة ، والحيوانات لها
صور .
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ
﴾
في عالم الذر ، عالم النفوس المجردة ، وفي عام
الدنيا علم الصور .

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان
قبِل حمل الأمانة ، ما الأمانة ؟ الأمانة في رأي العلماء ، بل
في رأي جمهور العلماء نفسك التي بين جنبيك ، هذه أمرها بيدك ،
مصيرها إليك كُلفت حملها ، أي كُلفت أن تعرفها بربها ، كُلفت
أن تحملها على طاعته ، كُلفت أن تزكيها كُلفت أن تأهلها للجنة
، كُلفت أن تسمو بها ، لذلك الذي يؤكد هذا المعنى قال تعالى :

( سورة الشمس ) .
﴿ قَدْ أَفْلَحَ
﴾ ، الفلاح هو النجاح ، هو التفوق ، هو الفلاح ، هو تحقيق
الهدف ، والإنسان يحب النجاح ، والناجح سعيد جداً ، الناجح هو
الذي يحقق الهدف .

من هنا يمكن أن أقول : متى
تحقق الهدف ؟ الجواب إذا صح عملك ، ومتى يصح عملك ؟ إذا عرفت
سبب وجودك في الدنيا ، كلام دقيق ، الآن الناس في ضياع ، هناك
من يتوهم أنه يعيش ليأكل ، أو يعيش ليستمتع ، أو يأكل ليعيش ،
أو يعيش ليعرف الله عز وجل ، اسأل نفسك هذا السؤال سؤال دقيق
وخطير ، وسؤال فلسفي ، لماذا أنت في الدنيا ؟ يعني أنت سافرت
إلى بلد وسألتنا ماذا أفعل ؟ نقول لك : سؤالك عجيب
، لماذا جئت لهذا البلد ؟ إن جئت طالب علم
فالطريق واضح إلى المعاهد والجامعات ، إن جئت تاجراً فالطريق
واضح إلى المعامل والمؤسسات ، إن جئت سائحاً فالطريق واضح إلى
المقاصف والمتنزهات ، فلا تصح حركتك في مكان ما إلا إذا علمت
لماذا أنت في هذا المكان بالضبط ، هذا معنى فرعي .
حينما تعلم لماذا أنت في
الدنيا أن تعرف الله ، أن تستقيم على أمره ، أن تتقرب إليه
بالأعمال الصالحة ، الآن ما دام الهدف واضح جداً تختار له
ملايين الوسائل التي تعينك على بلوغ الهدف ، ولأضرب على هذا
مثلاً :
أنت في باريس تحمل شهادة
ثانوية ، وقد أرسلت لبعثة لنيل الدكتوراه ، هذا الهدف ، كل
حركاتك ، وسكناتك ، ونشاطاتك ، واهتماماتك متعلقة بهذا الهدف ،
الآن أنت مضطر أن تستأجر بيت ، الهدف وهو الدراسة يُحتم عليك
أن تختار بيتاً إلى جانب الجامعة يوفر لك المال والجهد والوقت
، إذاً : اختيار البيت متعلق بالهدف ، الآن تشتري مجلة متصلة
باختصاصك ، من أجل أن تحقق الهدف ، تصاحب طالباً يتقن اللغة
المحلية ، كي يعينك على الحديث بهذه اللغة ، تأكل طعاماً يعينك
على الدراسة ، تحتاج إلى دخل تعمل عملاً بوقت قصير جداً حتى
يتيح لك هذا العمل وقتاً كافياً للدراسة ، كلامي دقيق جداً .
حينما تعرف لماذا أنت في
الدنيا ، من أجل أن تعرف الله ، ومن أجل أن تستقيم على أمره ،
ومن أجل أن تتقرب إليه ، ومن أجل أن يكون إعدادك لنفسك تمهيداً
وثمناً لدخول الجنة .
فيا أيها الإخوة ، ولا أبالغ
إذا قلت : إن الذين يعرفون أهدافهم في الحياة الدنيا لا يزيدون
بحسب الإحصاءات الرسمية على 3 % ممن يعرف هدفه ، الآن يختار
آلاف الوسائل لتحقيق الهدف ، أما الذي لا يعرف هدفه فهذا هو
الإمعة ، والإمعة ؛ هو مع الناس ، إن أحسن الناس ، ومع الناس
إن أساءوا ، هو تابع لصرعات الأزياء ، تابع للمفاهيم السائدة ،
تابع للكلام المطروح ، تابع للإعلام ، تابع لكل مؤثرات البيئة
، هذا على هامش الحياة .

أما المؤمن حينما يعمل عقله ،
ويقرأ كتاب ربه ، ويعرف سر وجوده ، فيكتشف أنه مخلوق للعبادة .

( سورة الذاريات ) .
وأن العبادة سر وجوده ، وأن الإنسان يرقى إلى
أعلى مقام حينما يكون عبداً لله ، فلما وصل النبي صلى الله
عليه وسلم إلى سدرة المنتهى قال تعالى
:

( سورة النجم ) .
وحينما جاءته الرسالة ، وهي
أعلى مهمة ينالها إنسان لقول النبي الكريم :
((
سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ ،
فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ
مِنْ عِبادِ اللّه وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُو
))
.
[ رواه مسلم عبد اللّه بن عمرو
بن العاص ] .
هذا المقام هو العبودية :

( سورة الجن ) .
إذاً العبودية سر وجودنا ،
وغاية وجودنا ، والعبودية خضوع لله خالص ، ومحبة لله خالصة ،
وحرية خالصة ، وطاعة خالصة ، وعمل صالح خالص ، وتضحية خالصة
فالعبودية علة وجودنا ، وغاية وجودنا ، قال تعالى :
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ ﴾
.
هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة
قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، فيها
جانب معرفي ، وجانب سلوكي ، وجانب جمالي ، تعرفه فتطيعه ،
فتسعد بقربه في الدنيا والآخرة ، في الدنيا جنة من لم يدخلها
لم يدخل جنة الآخرة ، تعرفه فتعبده فتسلم ، وتسعد بقربه في
الدنيا والآخرة .

أيها الإخوة ، هذه العبادة ،
لكن الذين يفهمون العبادة فهماً ضيقاً يتوهمونها صلاةً فقط ،
وصياماً وحجاً وزكاة ، العبادة منهج كامل يغطي كل حياتك ، وكل
أطوار حياتك ، وكل شؤون حياتك ، وكل اهتماماتك ، يبدأ من
الفراش الزوجية ، إلى العلاقات الدولية ، أكاد أقول : المنهج
التعبدي في القرآن الكريم وفي السنة فيه مئات ألوف الموضوعات .
مرة ثانية : من أخص خصوصياتك
من فراش الزوجية ، وينتهي بأضخم العلاقات بين الأمم العلاقات
الدولية ، هذه العبادة ، أما نصلي ، ونصوم ، ونحج ، وانتهى
الأمر ، وبيوتنا كسب أموالنا ، إنفاق أموالنا ، علاقاتنا
المالية ، والنسائية ، وأفراحنا ، وأتراحنا ، وسفرنا وفق
المنهج العربي ، وعلى التقليد الغربي ، هذا هو ليس الإسلام .
فلذلك حينما طبقنا ظاهر
الإسلام خسرنا قيمة الإسلام ، وخسرنا ثمار الإسلام وخسرنا
وعود الواحد الديان .
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ
ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .
الله عز وجل كلفنا أن نعبده ،
أو كلفنا حمل الأمانة .
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
﴾ .
كلفنا حمل الأمانة ، والأمانة
هي النفس البشرية .
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ .

الآن مع موضوع من لوازم هذا
الموضوع ، ما كلفنا الله حمل الأمانة إلا وأعطانا مقوماتها ،
ما مقومات حمل الأمانة ؟

أعطاك الكون ، الدليل :

( سورة الجاثية الآية : 13 ) .
تسخير تعريف وتكريم ، الكون
مسخر للإنسان ، وأنت أيها الإنسان علمت أو لم تعلم أكرم
المخلوقات على الله ، أنت المخلوق الأول رتبة ، لأنك قبلت حمل
الأمانة .
﴿ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ .
تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ،
تسخير التعريف يقتضي أن تؤمن به ، وتسخر التكريم يقتضي أن
تشكره ، فإذا آمنت به وشكرته حققت الهدف من وجودك ، قال تعالى
:

( سورة النساء الآية : 147 ) .
فإذا شكرتم وآمنتم ، أو آمنتم
وشكرتم فقد حققتم علة وجودكم ، وحققتم الغاية من وجودكم ، أما
عامة الناس وهذا شيء مؤلم جداً فتغطيهم آية كريمة :

( سورة الكهف ) .

1 – السعادة والسلامة مطلبان
أساسيان لجميع الخَلق :
موضوع ثان أيها الإخوة ، من
لوازم هذا الموضوع ، متى يسعد الإنسان ؟ لأن السلامة والسعادة
مطلبان أساسيان لكل الخلق ، على وجه الأرض ستة آلاف مليون ،
أنا متأكد أنه ما منهم واحد إلا وهو يتمنى السلامة والسعادة .
2 – الشقاء سببُه الجهلُ :
فلماذا الشقاء ؟ قالوا :
الشقاء بسبب الجهل ، والدليل أن علة وجود الناس في النار الجهل
:

( سورة الملك ) .
والجهل أعد أعداء الإنسان ،
نحن كأمة من أعداءنا ؟ إياكم أن تظنوا أعداءنا هؤلاء الأعداء
التقليديون ، الذين نصفهم بالغدر والبطش ، والغطرسة ، والتدمير
، والإبادة والإفساد ، والاستغلال ، نحن أعداء أنفسنا .
أؤكد لكم مرة ثانية أن مصيرنا
ليس بيدهم ، بيدنا .



( سورة الأنفال الآية : 19 ) .


( سورة الرعد الآية : 11 ) .
من شأن الأعداء أن يعتدوا ، من
شأن الأعداء أن يستغلوا ، أن ينهبوا الثروات أن يفرقوا ، أن
يشتتوا ، هذا شأنهم ، لكن قوتهم أتت من ضعفنا ، من جهلنا ، من
تفرقنا .
3– السعادة تأتي مِ، تحقيق
الهدف :
أيها الإخوة ، أضرب لكم مثلا
بسيطا : أنت طالب جامعي في السنة الأخيرة وفي اختصاص جيد جداً
، عليك طلب بأهم مادة بالاختصاص ، وامتحانك بعد يومين ، ولك
أصدقاء تحبهم حباً جماً ، أخذوك عنوة قبل الامتحان بيومين إلى
الساحل ، ونزلت بأفخر فندق ، وتناولت أطيب الطعام ، واستمتعت
بأجمل المناظر ، كل شروط السرور محققة ، أصدقاء تحبهم ، مكان
جميل ، إطلالة جميلة ، طعام طيب ، لماذا تشعر بانقباض شديد ؟
لأن هذه الحركة لا تحقق هدفك ، لو جلست في غرفة قميئة ذات
رطوبة عالية ، والإضاءة خافتة ، ومعك الكتاب المقرر ، وقرأته
واستوعبته ، وشعرت أنك جاهز لأداء امتحان في هذه المادة يأتي
شعور بالفرح لا يوصف ، وأنت في غرفة قميئة ذات رطوبة عالية
والإضاءة خافتة ، لا مناظر أبداً ، والجدران ليست مطلية ، أنت
مسرور ، إذاً : سعادة تأتي من تحقيق الهدف في دليل آخر :
التاجر إذا كان له بيع كثيف ،
وإقبال شديد على البضاعة ، يمضي 12 ساعة لا يجلس ، ولا يأكل ،
وهو في نشوة السعادة ، إذا انعدم البيع ، وما إنسان يقول لك :
عندك مال ، وقاعد على مقعد وثير ، ومشروبات ، وقهوة ، وشاي ،
وصحف ، ومجلات ، وأصدقاء تشعر بانقباض شديد ، لأن هذا المحل لا
يحقق هدفه ، أما إذا حقق هدفه يغدو هذا المكان الضيق في سوق
مزدحم ، في ظروف صعبة ، لا تدفئة ، ولا تكييف ، ولا الجلوس
مريح ، ولا طعام ، وأنت في قمة السعادة .
لذلك نحن لا تصلح حركتنا في
الحياة إلا إذا عرفنا سر وجودنا ، كما أنه لا نسعد إلا إذا
جاءت حركتنا مطابقة لهدفنا .
﴿ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .
ولكن حينما كلفنا الله أن نحمل
الأمانة أو أن نعبده ، فهما معنيان يصبان في خانة واحدة ،
حينما كلفنا حمل الأمانة ، أو حينما كلفنا أن نعبده ، أعطانا
المقومات ، أعطانا الكون كما قلت قبل قليل ، سخر لنا ما في
السماوات وما في الأرض ، تسخير تعريف وتكريم ، إذاً : التفكر
في خلق السماوات والأرض أحد بنود العبادة .

( سورة آل عمران ) .

الآن البند الثاني : أعطاك
عقلاً ، العقل ميزان .

( سورة الرحمن ) .
هذا العقل إذا أعملته أعطاك
النتائج ، تماماً : عندك بيت ثمنه خمسون مليونًا ، ودُفع لك
ثمنه بالعملة الصعبة ، وفي الجيب الأيمن جهاز إلكتروني يكشف
العملة المزورة ، وفي الجيب الأيسر فيها أرقام العملة المزورة
، في الجيب الأول جهاز إلكتروني ، وفي الثاني أرقام أوراق
العملة المزورة ، وأنت قبضت ثمن هذا البيت بالعملة الصعبة ، لم
تستخدم الجهاز الأول الإلكتروني ، ولم تدقق في أرقام العملة
التي في بجيبك ، وكان المبلغ كله عملة مزورة ، من هو الخاسر ؟
أنت ، أنت السبب ، معك عقل باليمين ، ومعك منهج قرآني باليسار
، فلا عقلك استخدمت ، ولا القرآن الكريم استخدمت ، فشقي
الإنسان .
الله عز وجل قال لك : افعل ولا
تفعل ، تحب أنْ تحكم عقلك ، العقل ينطبق مع النقل ، لأن العقل
مقياس أودعه الله فينا ، والنقل كلامه ، فمعك عقل لو أعملته
بتجرد من دون انحياز ، من دون أسلوب تغطية ، تبرير ، تسويغ ،
لهداك عقلك إلى الله عز وجل ، لأن الآيات التي تتحدث عن العقل
، وعن التفكر ، وعن العلم تقترب من ألف آية ، أعطاك القرآن فيه
الحلال والحرام .
فلذلك الشقاء بسبب جهل الإنسان
، وعدم استخدام العقل والنقل معاً ، والعقل والنقل متطابقان
والحمد لله .

أعطاك فطرة ، لو أنك لم تعمل عقلك كما أنه لم
تقرأ كتابك ، أعطاك بنية نفسية جبلة ، فطرة تكشف لك الخطأ
ذاتياً .

( سورة الشمس ) .
((
الحَلالَ بَيِّنٌ ،
وَالحَرَامَ بَيِّنٌ
))
.
[ متفق عليه ] .
(( والإثم ما حاك في صدرك
، وكرهت أن يطلع عليه
الناس
))
.
[ أخرجه البخاري ، و مسلم
والترمذي عن النواس بن سمعان ] .
هل هناك إنسان يغش الحليب أمام
الشاري ؟ يقول له : لحظة لأصب عليه الماء ، مستحيل ، بالفطرة
تعلم أن هذا العمل غير صحيح أبداً .
فلذلك أعطاك كوناً ، أعطاك
عقلاً ، أعطاك فطرة .
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا
﴾ حينما تفجر أنها فجرت ، وألهمها حين
تتقي أنها اتقت ، ﴿ فَأَلْهَمَهَا
فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ .

الآن : أعطاك شهوة هي ثمن
الجنة ، ما أودع الله بالإنسان الشهوات إلا ليرقى بها مرتين ،
مرة صابراً ، ومرة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات ، هذا الميل
نحو المال نحو المرأة ، نحو العلو في الأرض ، أودع فيك الشهوات
، قال تعالى :

( سورة آل عمران الآية : 14 )
.
أعطاك الشهوات لترقى بها ، وهي
حيادية ، وما من شهوة أودعها الله فيك إلا وجعل لها قناة نظيفة
تسري خلالها ، فلا حرمان بالإسلام ، وما من شهوة أودعها الله
فيك إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .
لكن المحرمات ليست قيوداً
لحريتك ، بل هي ضمان لسلامتك ، المحرمات تاماً كلوحة كتب عليها
: حقل ألغام ممنوع التجاوز ، لا تشعر بحقد أبداً على من وضع
اللوحة ، بل تشكره من أعماق أعماقك ، لأنه ضمن لك بهذه
اللوحة سلامتك ، كما لو وضعت لوحة أمام تيار توتر عال : "
ممنوع الاقتراب خطر الموت " ، اللوحة رحيمة ، اللوحة فيها
علم ، فيها حكمة ، فيها رحمة ، فيها قيادة حكيمة للمواطنين ،
ممنوع الاقتراب خطر الموت ، لذلك أودع فيك الشهوات لترقى بها
صابراً ، أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات .
أعطاك كوناً سخره لك تسخير
تعريف وتكريم ، رد فعل التعريف أن تؤمن ، ورد فعل التكريم أن
تشكر ، أعطاك عقلاً كي تتأكد به من صحة النقل ، وكي تفهم به
النقل ، دون أن تلغي النقل بعقلك ، العقل ليس حكماً على النقل
، ولكن من تأكد من صحة النقل قبل النقل ولفهم النقل بعد النقل
، أعطلك الفطرة تكشف لك الخطأ ذاتياً .
الآن في أرقى الطائرات ما فيها
عدادات أبداً ، فيها لوحات عاتمة ، إذا حدث خلل يظهر على
الشاشة ، أن خللاً في المكان الفلاني .
وأنت عندك شاشة ، حينما تخطئ
تشعر أنك تخطئ ، وحينما تصيب تشعر أن مصيب ، لذلك متوافقة
توافق تاماً مع منهج الله عز وجل ، سواء عليك أأطعت أمر الله
عز وجل أم استجبت لنداء الفطرة ، الأمر سيان ، لأن منهج الله
متوافق تماماً مع فطرتك ، فأي شيء أمرك الله به نفسك تتوق إلى
تطبيقه دون أن تشعر أعطاك كوناً ، وعقلاً ، وفطرة وشهوة .

أعطاك حرية ، أنت حر .

( سورة الكهف الآية : 29 ) .

( سورة الإنسان ) .

( سورة البقرة الآية : 148 ) .
ما لم تكن حراً لا يثمن عملك
، ما لم تكن حراً فلا يمكن أن ترقى إلى الله عز وجل ، أنت حر
فيما كلفت به ، لكن الذي لست حراً فيه ما إن كنت ذكراً أو أنثى
، ومن أبوك وأمك ، وفي أي مكان ولدت ، وفي أي زمان ولدت ، هذه
لمصلحتك ، ومحض خير لك ، وليس في إمكانك أبدع مما أعطاك .
إذاً : أعطاك حرية الاختيار
ليثمن عملك ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ،
ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو تركهم هملاً لكان
عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً
، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ،
أنت حر ، مخير ، وأية آية يُشم منها رائحة الجبر يجب أن تحملها
على الآية المحكمة التي أصل في الاختيار .

( سورة الأنعام ) .
هذه الآية أصل في أنك مخير ،
وأنه لا يقول بالجبر إلا مشرك ، لا يقول في الجبر فيما كلفنا
إلا مشرك .
إذاً : أعطاك كوناً ، وعقلاً ،
وفطرة ، أعطاك شهوة ، أعطاك اختياراً .

وفضلاً عن كل ذلك أعطاك منهجاً
، لو أن الأمور التبست عليك ، هناك منهج ، وكتاب ، وسنة ، كتاب
عقائد ، كتاب سيرة ، كتاب أحكام فقهية ، افعل ولا تفعل ، هذا
المنهج قال عنه العلماء : الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما
قبحه الشرع ، والشريعة عدل كلها ، والشريعة رحمة كلها ،
والشريعة حكمة كلها ، والشريعة مصلحة كلها ، فأية قضية خرجت من
المصلحة إلى المفسدة ، ومن العدل إلى الجور ، ومن الحكمة إلى
خلافها ، ليست من الشريعة ، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل
.
إذاً : نحن قد خلقنا ربنا ،
ولأنه خلقنا أمرنا أن نعبده .
﴿ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .
وقد ورد في كتاب مدارج السالكين لابن القين
رحمه الله تعالى أثر قدسي :
(( إني والجن والإنس
في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري
))
.
[ أخرجه الحكيم البيهقي عن أبي
الدرداء ] .
((
خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي
وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من
أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ومن أعرض عني منهم ناديته من
قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي أهل
معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم
يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من
الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة
بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها
))
.
أيها الإخوة الكرام ، الآية
الكريمة :

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ
ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾
.
لأن جنس البشر أعلى صنف عند
الله ، رُكب الملك من عقب بلا شهوة ، ورُكب الحيوان من شهوة
بلا عقل ، ورُكب الإنسان من كليهما ، فإن سما عقله على شهوته
أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهواته على عقله أصيح دون الحيوان
.

( سورة البينة ) .
إذاً :
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ
ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا
إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ
﴾ .
والحمد لله رب العالمين