أيها الإخوة ، ما من ركنين من
أركان الإيمان تلازما في القرآن كركن الإيمان بالله واليوم
الآخر ، فالإيمان بالله عز وجل هو أصل كل أنواع الإيمان ، لكن
ما لم تؤمن أن الله يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب لن تستقيم على
أمره .

وقد وردت في القرآن الكريم آية
هي أصل في الاستقامة :

( سورة الطلاق الآية : 12 ) .
اللام لام التعليل .

( سورة الطلاق ) .
حينما تعلم أن علم الله يطولك
، وأن قدرته تطولك ، وأنه يعلم ، وسيحاسب وسيعاقب ، وأنه في
اليوم الآخر تسوى فيه الحسابات ، يؤخذ للضعيف من القوي ،
وللفقير من الغني ، وللمظلوم من الظالم ، هذا اليوم حينما تؤمن
به تنزاح عن صدرك هموم كالجبال .

( سورة الحجر ) .

( سورة آل عمران ) .

( سورة إبراهيم ) .

( سورة إبراهيم ) .

1 – الميزان الشرعي :
أيها الإخوة ، هناك موازين في
الأرض ، هناك آلاف الموازين ، لكن الله عنده ميزان ، البطولة ،
والذكاء ، والتوفيق ، والتألق ، والفلاح ، والنجاح أن يكون
ميزانك وفق ميزان الله ، والحمق ، والغباء ، وضيق الأفق ،
والجهل أن تتوهم أن ميزانك الذي هو بعيد عن ميزان الله يكفي .
مثلاً : حينما تعتقد أن المال
هو كل شيء ، وأنك بالمال تصل إلى كل شيء ، وأن المال قيمة
ثابتة في كل العصور ، وأن الذي معه المال معه كل شيء ، ودنياه
جنة ، وأن الذي فقَد المال ما ذاق شيئاً من طعم الحياة ،
وديناه جهنم ، حينما تعتقد كذلك فهذا الإنسان هو أغبى الخلق ،
لأنه اعتمد ميزاناً ما أقره الله عز وجل ز
2 – ميزان العلم والعمل :
الله عز وجل اعتمد ميزانين ،
اعتمد ميزان العلم ، وميزان العمل ، فقال :

( سورة الزمر الآية : 9 ) .
وقال :


( سورة المجادلة الآية : 11 )
.
هذا العلم ، وميزان العمل :

( سورة الأنعام الآية : 132 )
.
حجمك عند الله بحجم عملك
الصالح ، أما موازين الأرض ، القوي معظّم ومبجّل ، والناس
ينصرفون إليه ، وينصرفون عن الضعيف ، والغني مبجل ، ومعظم ،
والناس ينصرفون إليه ، وينصرفون عن الفقير ، والإنسان الوسيم
مبجّل ومعظّم ، وينصرف الناس إليه ، وينصرفون عن الدميم .
الأحنف بن قيس كان قصير القامة
، أسمر اللون ، أحنف الرجل ، مائل الذقن غائر العينين ، ناتئ
الوجنتين ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ،
وكان مع ذلك سيد قومه ، كان إذا غضب غضبَ لغضبته مئة ألف سيف ،
لا يسألونه فيما غضب ، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما
شربه .
3 – من السعادة موافقة ميزان
الشرع :
حينما تأتي موازينك مطابقة
لموازين خالق السماوات والأرض فأنت أسعد الناس ، أنت الموفق ،
أنت الذكي ، أنت العاقل ، أنت الفالح ، أنت الناجح ، أما إذا
اعتمدت ميزاناً ساقطاً عند الله عز وجل فلا تعجبك أموالهم ،
ولا أولادهم .


( سورة الفرقان ) .

( سورة الجمعة الآية : 5 ) .


( سورة المنافقون الآية : 4 )
.
4 – تقييم النفس والناس بميزان
الشرع :
أيها الإخوة ، البطولة أن يكون
ميزانك في تقييم نفسك ، وتقييم من حولك مطابقاً لميزان الله ،
أما إذا كان ميزانك أرضياً ، وشركياً ، ودنيوياً فهي الطامة
الكبرى .
لذلك البطولة أن تأتي يوم
القيامة وفق موازين الله ناجحاً .
من هو الغني بميزان أهل الأرض
؟ من كان عنده أموال طائلة ، من هو الغني بميزان الله ؟ من كان
له عمل صالح .

( سورة القصص ) .
لما سقى للفتاتين سيدنا موسى
قال : ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ ﴾ أنا مفتقر للعمل الصالح ، لذلك قال سيدنا علي :
<< الغنى والفقر بعد العرض على الله >> .
إذاً : الله عز وجل اعتمد
ميزانين فقط ، اعتمد ميزان العلم ، واعتمد ميزان العمل العلم :
﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
﴾ .
والعمل : ﴿ وَلِكُلٍّ
دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ .
وأنت في الحياة الدنيا اعتمد
هذين الميزانين ، في تقييم نفسك ، إذا كنت مؤمناً يجب أن تتمتع
بمعنويات عالية جداً ، والمال لا تعبأ به ، إن لم يستوِ عندك
التبر والتراب فلست مؤمناً .
(( والله يا عم ، لو وضعوا
الشمس في يميني ، والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر ما
تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) .
[ السيرة النبوية ]
ابحث عن ميزان الله يوم
القيامة ، أنت بقدر استقامتك على أمره ، وبقدر خدمتك لخلقه
ترقى عند الله ، أما عند الناس بقدر ولاءك للأقوياء ، ومدحك
لهم ، وانبطاحك أمامهم ترقى عندهم ، لذلك المؤمن يعتز بإيمانه
، ولا يعبأ بأهل الدنيا :

( سورة الدخان ) .

( سورة الشعراء ) .

( سورة الدخان ) .
أيها الإخوة ، هذا شيء مهم جداً ، أن تعتمد على
ميزان الله في تقييم نفسك ، وفي تقييم خاطب ابنتك
.
(( إذا أتاكم من ترضون خلقه
ودينه فزوجوه )) .
[ رواه الترمذي وابن ماجة
والحاكم ، عن أبي هريرة ] .
وفي تقييم شريكك عنده خبرات
عالية جداً لكن دينه رقيق ، هذا يدخلك في المال الحرام ، أنت
بحاجة ماسة إلى ميزان دقيق جداً تزين به كل شيء .
5 ـ ميزان الله هو عين العدل :
هذا الميزان يوم القيامة هو
عين الحق ، لا بد من أن أوضح :
فرق بين أن يكون الميزان
عادلاً ، وبين أن يكون عين العدل ، فرق كبير ، لا بد من مثل :

( سورة التوبة الآية : 28 ) .
لم يقل : نجسون ، لأن الإناء
إذا كان نجساً يُطهر ، أما النجس فهو عين النجاسة ، لا تطهر
أبداً ، الفرق بين الصفة والمصدر كبير .
ولله المثل الأعلى : ميزان
الله عز وجل ليس عادلاً ، إنما هو عين العدل ، هو العدل ، لذلك
بعض العلماء قال : " الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه
الشرع " ، الشرع هو الميزان على كل شيء ، مهما طرح مع المعصية
من فلسفات ، ومرغبات ، وزخارف لفظية ، ومنطلقات نظرية ،
وتطبيقات عملية ، والاختلاط حضارة ، والاختلاط يعمل تهذيب
للمشاعر ، الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع ، ابحث
عن ميزان الله .
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ﴾
ما معنى ؟

﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ
مَوَازِينُهُ ﴾ الحقيقة أن العمل له وزن .
1 – مثال تقريب لمعنى الآية :
هذا مثل للتقريب : إذا أنشأت ( سيركًا )
نصبته في بعض المصايف ، وجاءك دخل وفير ، إذا كنت في دولة
إسلامية مضطهدة ، وتمكنت أن تخترع القنبلة النووية ، فأصبحت
هذه الدولة قوية ، منيعة ، مرهوبة الجانب ، هل هذا الذي أنشأ
سيركاً كالذي اخترع قنبلة يرفع بها شأن المسلمين ، مثلاً ؟ أي
العملين أثقل في الوزن ؟ العمل الثاني ، في هذه الظروف الصعبة
أنا أتكلم ، أنت تنشئ جامعة لتخريج قادة للأمة ، أو أن تنشئ
ملهى ليليا ؟ بينهما فرق كبير جداً .
2 –
كل عمل له عند الله وزن
:
فكل عمل له عند الله وزن ،
تطعم إنسانًا عمل صالح ، أم أن تدله على الله عمل أعظم ، فكل
عمل له وزن ، بر الصديق عمل طيب ، لكن بر الوالدين عمل أطيب ،
أن تعتني بأولاد أصدقائك لباقة وذوق ، لكن أن تربي أولادك
الذين ليس لهم إلا أنت عمل أعظم ، كل عمل نعمله له عند الله
وزن ، العمل يوزن بنيته ، قد يبتغي الإنسان من عمله أن ينتزع
إعجاب الآخرين .
(( من طلب العلم ليجاري به
العلماء ، أو ليماري به السفهاء ، أو يصرف به وجوه الناس إليه
، أدخله الله النار )) .
[ أخرجه الترمذي عن كعب من
مالك ] .
كل عمل له ميزان ، أولاً بنيته
، ثانياً بحجمه ، ثالثاً بعمقه ، رابعاً بديمومته خامساً
باتساع رقعته .
العمل له وزن ، هناك إنسان
تطعمه وجبة واحدة ، وهناك إنسان تهيئ له عملا يعيش منه طوال
حياته ، هناك إنسان يغض بصره عن الحرام ، لكن هناك إنسان يأخذ
بيد زوجته إلى الله فيجعلها مؤمنة كبيرة .
3 – النية والعقبات والصوارف
تحدّد وزن العمل :
الملخص كل عمل يعمله له وزن ،
فتحت حانوتك ، نويت أن تربح من أجل أن تقتني سيارة ، وأن تذهب
إلى المصيف يوم الجمعة ، وأن يرتدي أولادك ثياباً جديدة تتباهى
بهم ، أو من أجل أن تسكن بيتا له إطلالة جميلة ، ومساحته واسعة
، فيه تزينات رائعة ، وقد تفتح حانوتك من أجل أن تخدم المسلمين
، وأن تعطيهم بضاعة جيدةً بسعر معتدل ، الفرق كبير ، كل عمل له
وزن ، وزن بنيته ، وزن بقدر العقبات الموضوعة أمامه ، وزن بقدر
الصوارف التي تصرف عنه ، وزن بقدر التضحية من أجله ، وزن بقدر
المتاعب التي حصلها الإنسان من هذا العمل ، وزن بقدر المعارضين
له ، كل عمل له وزن .
إذاً أيها الإخوة :

( سورة الأنبياء الآية : 47 )
.

هنا تعليق لطيف : كل إنسان له
ميزان ، وكل عمل له ميزان ، معالجة المرضى هذا عمل طبي ، له
ميزان ، بين أن تعالجه ، وتعتني به عناية فائقة ، وأن تسأله كل
ساعتين عن صحته إذا كان من الأغنياء الميسورين ، وتنتظر أن
تأتيك منه مكافئة مجزية ، أن يضع لك في الصحيفة ثناء على علمك
، وعلى عمليتك الجراحية ، وبين أن تعتني بإنسان فقير جداً في
مستشفى عام ، لا أحد ينتبه إليه فتعتني به وكأنه في أرقى
مستشفى ، هذا وزن ، وهذا وزن ، كل عمل له وزن ، وكل إنسان له
وزن .

الذي تجاوز الخمسين لما يراهق
كالمراهقين الصغار :
(( أبغض العصاة وبغضي للشيخ
العاصي أشد )) .
[ ورد في الأثر ]
الشاب إذا أخطأ فهو خطأ ، لكن
الشاب غير محصن ، حوله نساء كاسيات عاريات ، زلّت عينه ، أخذته
عينه إلى منظر لا يليق به ، فتاب واسترجع ، هذا شيء ، والذي
عمره خمسون سنة ، وعنده زوجة وأولاد ، عنده خمس بنات ، وزوجهم
كلهم ، وهو مراهق ؟! يتحرش بالسكرتيرة ، هذه مشكلة كبيرة جداً
، هذا له وزن ، وهذا له وزن ، كل عمل له وزن وكل إنسان له وزن
.
ورد في بعض الآثار :
((
أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد
)).
[ ورد في الأثر ]
أول حياته ، كتلة حماس ، شهوات
مستعرة ، آمال ، طموحات ، وهو يغض بصره عن محارم الله ، إن
الله يباهي به الملائكة ، يقول : انظروا عبدي ترك شهوته من
أجلي .
أيها الإخوة ،
(( وأحب المتواضعين ، وحبي
للغني المتواضع أشد )) .
[ ورد في الأثر ]
غني جلس مع عماله ، أكل معهم ،
سألهم عن صحتهم ، عن أولادهم ، عن مشكلاتهم ، آنسهم ، طيب
قلبهم ، جبر خاطرهم ، هذا غني بإمكانه يتقوقع ببرجه العاجي
عنده سكرتير ، وسكرتار ، وسكرتور ، ممكن ، ولا أحد بإمكانه أن
يصل إليه ، لا اتصال هاتفي التلفون مغلق لأنه ، أو رقم خاص ،
لا تعرف رقمه ، بين مدير معمل غني قاعد مع عماله يؤنسهم ،
يتلطف معهم ، يحل مشكلاتهم .
(( وأحب المتواضعين ، وحبي
للغني المتواضع أشد ، وأحب الكرماء ، وحبي للفقير
الكريم أشد )) .
عنده برتقال قدمه لك .
((
أحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد
)) .
الآن :
(( وأبغض ثلاثاً وبغضي
لثلاث أشد ، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد )) .
والله أنا لا أتكلم من فراغ ،
والله تأتيني شكاوى من نساء مؤمنات طاهرات ، يشتكين على
أزواجهن 60 ، 65 ، 70 ، 58 ، مراهق ، هذه نكسة كبيرة جداً .
((
أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، أبغض المتكبرين وبغضي
للفقير المتكبر أشد
)) .
على ماذا ؟
(( وأبغض البخلاء ،
وبغضي للغني البخيل أشد )) .

كل إنسان له ميزان ، وكل عمل
له ميزان .
صدقوا أيها الإخوة ، موازين
الدولة عندها عشر مراتب ، وكل مرتبة ثلاث درجات ، مليونَا موظف
في ثلاثين درجة ، والله عز وجل يقول :
﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ
مِمَّا عَمِلُوا ﴾ .
إذا كان لله ستة آلاف مليون
إنسان فعنده ستة آلاف مليون ملف ، كل واحد له درجة ، بحسب وضعه
، بحسب شبابه ، بحسب سنه ، بحسب حجمه المالي .
دعا الخطيب إلى التبرع لصندوق
العافية ، دفع أحدُهم ألف ، ومعه مئة مليون وآخر دفع خمسين
ليرة ومعه مئة ليرة ، شاب صغير ، رُبّ درهم سبق ألف درهم ،
درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء ، درهم
تنفقه في حياتك خير من مئة درهم ينفق بعد مماتك .
مرة ثانية : كل عمل له وزن ،
له ميزان ، وكل إنسان له ميزان ، والموازين عند الله هي الحق
المطلق :
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ
الْحَقُّ ﴾ .
لا نقول : الوزن عادل ، الوزن
يومئذٍ عين العدل ، لا نقول : الوزن محق ، الوزن يومئذٍ عين
الحق ، هو الأصل .
أحياناً يكون مثلاً صنجات في
البلدية ، هذه مدروسة على الميلي غرام ، فأي صنجة عند بائع
مزورة تُفحص على الأولى ، أو أمتار ، هناك متر بالبلدية على
معشار الميلي هذا المتر ، فإذا شككنا بمتر ناقص سنتيمترين
نأخذه إلى المتر الأصلي ، والأصلي هو الميزان ، هو المقياس ،
يكل المقاييس الدولة عندها موازين ، ومقاييس ، وأطوال ، وعبواة
، ومكاييل نظامية ، هذه المكاييل والعبواة والأوزان والأطوال
هي الأصل في تقييم كل ميزان آخر .
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ
الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾

إذا زيّن أحدُهم بيته ، هذا
ليس حراماً ، لكن وزن العمل يوم القيامة ضعيف جداً ،
إنسان ضحى بحياته من أجل الحق ، هذا شهيد ، هذا له بهذا العمل
وزن كبير جداً .
العبرة أن كل عمل له وزن .
﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ
مَوَازِينُهُ ﴾ .
لكن إنسانا وضعنا في ميزانه
بيته ، وبيته جيد جداً ، ومركبته ، ورحلاته ، وسفرياته ،
ونزهاته ، ما له وزن يوم الآخرة ، الآخرة ما لها وزن ، أما
الوزن بالآخرة : يا رب أنا خدمت عبادك ، أخلصت لهم ما غششتهم ،
ما ابتززت أموالهم ، ما ألقيت في قلبهم الرعب ، أنا كنت محسناً
لهم ، عرفتهم عليك ، دعوتهم إليك ، مسكتهم بكتابك ، حببتهم
بسنة نبيك ، أطعمت الفقراء ، كسوة العراة ، دللت عليك ، خدمت
عبادك ، في الليل ناجيتك يا رب ، صليت الصلوات بأوقاتها ،
أقبلت عليك ، تواضعت للخلق ، كنت في خدمة خلقك ، هذه أعمال لها
وزن كبير .
لعلي استطعت أن أوصل لكم
الفكرة ، الأعمال لها وزن ، هذه الأعمال توضع في ميزان الإنسان
يوم القيامة ، فإن كانت أعمال جليلة :
﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ
مَوَازِينُهُ ﴾ .
طبعاً هناك وزن ثقيل ، وفي دم
ثقيل طبعاً ، الفرق بينهما كبير جداً .
إنسان يحمل ثلاث دكتورات ، يعد
مرجع أول في بلاده في الذرة مثلاً ، إنسان يحمل أربع شهادات في
الطب مثلاً ، إنسان أسس جامعة كبيرة ، إنسان له مئة مؤلف له
وزن .
مرة كنت في مسجد ، وهناك رجلان
يصليان ، فلما انتهيا من صلاتهما أنا هرعت إلى أحدهما ، وسلمت
عليه سلاماً في أعلى درجة من الأدب والود ، صديقي الذي معي ما
فهم ماذا فعلت ، إنسانان يرتديان ثوبا أبيض في الصيف ،
ومتقدمان في السن ، فلما هرعت إلى أحدهما ، وسلمت عليه بأدب جم
ما فهم صديقي من هما ، هذا الأول كان عميد كليتنا في الأدب
العربي ، كان أعلم علماء المنطقة بالنحو ، أنا درست على يديه
أربع سنوات ، أنا أعرف حجمه العلمي ، ومؤلفاته ، ومكانته
العلمية ، أما هو فيبدو إنسانا عاديا ، بخريف العمر لبس ثوبا
أبيض ، ويصلي المغرب في الجامع .
فكل إنسان له وزن ، لأن عمله
كبير ، إنجازه كبير ، فلذلك :
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ
الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ .

كل يوم اسأل نفسك : ماذا فعلت
؟ ماذا قدمت لآخرتك ؟ لون أن الله سألك يوم القيامة عبدي ماذا
فعلت من أجلي ؟ ماذا فعلت ؟
بلا تحفظ معظم أعمال الناس من
أجل دنياهم ، من أجل دخل يتمتع بالحياة ، يعيش مع الناس كواحد
منهم ، لا يعنيه لا هداية أمة ، ولا حل مشكلة ، ولا معرفة
بالله عز وجل ، فهذا الذي :
﴿ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي أنه ناجح ، والنجاح ممتع جداً ، ولا
شيء يسعد كالنجاح ، ﴿ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .
يجب أن تحاسب نفسك كل يوم ، أو
يجب أن نحاسب أنفسنا كل يوم ، اليوم ماذا فعلت ؟ هل تصدقت ؟ هل
دعوت إلى الله ؟ هل أمرت بالمعروف ؟ هل نهيت عن منكر ؟ هل
أطعمت حيواناً جائعاً ، هل رعيت أولادك ؟ هل كنت باراً بوالديك
؟ هل زرت فقيراً ؟ هل عدت مريضاً ؟ هل تصدقت على مسكين ؟ هل
نشرت حقاً ؟ هل رددت باطلاً ؟ ماذا فعلت ؟ .

أيها الإخوة ، الموازين لها
مستويات هناك ميزان يستعمل لوزن السيارات يمكن لو وضعت عليه
مئة كيلو ذهب لا يتحرك إطلاقاً ، صمِّم لأربعين طنًّا ، ثلاثون
طنًّا ومئة كيلو لا تفعل فيه شيئًا ، ولا يحركونه أبداً ، لكن
هناك ميزان لو وزنت به ورقة ، وكتبت عليها كلمة محمد ترجح
الكفة لوزن الحبر فقط ، وهناك ميزان لو وضعت يديك فوقه ،
وحركتها عشرة ميلي تتغير الكفة ، لأن الهواء ضغط على الكفة ،
هذه موازين حساسة جداً ، وكلما ارتقى الإنسان تكون موازينه
حساسة .
النبي رأى تمرة على السرير
فقال :
((والله
يا عائشة ، لولا أني أخاف أنها من تمر الصدقة لأكلتها
)) .
[مسند أحمد
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
اشتهى تمرة موجودة على السرير
، يبدو أنه طبق صدقة ، لعلها وقعت من هذا الطبق ، قال :
((والله
يا عائشة ، لولا أني أخاف أنها من تمر الصدقة لأكلتها
))
هناك إنسان عنده ميزان حساس ،
لدرجة أنه لو لم يرحب بفلان ترحيباً كافياً لألقى اللوم على
نفسِه ، الذي عنده ميزان حساس ذنبه كأنه جبل جاثم على صدره ،
والذي ما عنده ميزان حساس جريمته كالذبابة .
صدقوا أيها الإخوة ، والله
بميزان دقيق لم أرَ أشد غباء من الطغاة ، يقتلون آلاف ملايين ،
كيف ينامون ؟! كيف سيواجهون الله عز وجل ؟! شعوب تموت من الجوع
، وهم يستغلون ثرواتهم ، ينهبون أموالهم ، ينهبون بترولهم ،
يقهرونهم ، يميتون ، ساعة سلاح فسفوري ، ومرة قنبلة ذكية ،
ومرة عنقودية ، ومرة خارقة وحارقة ، ومرة قنبلة توجه بالليزر ،
ومرة قنبلة نابالم حارقة ، ومرة طائرة ، ومرة قنبلة تلغي
الاتصالات ، مرة قنبلة تبيد البشر وتبقي الحجر ، في موازين
دقيقة :
﴿ فَوَرَبِّكَ
لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
.
والله لا تغرق قطرة دم من آدم
إلى يوم القيامة إلا وسيتحملها إنسان يوم القيامة ، لا قتل
شعوب بأكملها .
قتل امرئ في بلدة جريمة لا
تغتفر وقتل شعب مسلم مسألة في نظر
***
شعب بأكمله يباد إبادة ، ويقال
: نتابع بقلق ما يجري هناك ، يتابعون بقلق هذا العمل ،
ويقولون : هذا العمل غير مقبول ، غير مقبول فقط ، أو يستنكرون
، هذا كلام مضحك :
﴿ فَوَرَبِّكَ
لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
.
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ .
يأتي على القاضي العدل يوم
القيامة ، أي قاضٍ ؟ العدل ، ساعة يتمنى فيها أن لو لم يقضِ
بين اثنين في تمرة :
(( يأتي على القاضي
العدل يوم القيامة ساعة يتمنى فيها أن لو لم يقضِ بين اثنين في
تمرة )) .
[ أحد عن عائشة ]
حقوق العباد ، قاضي يحكم بحسب
المبلغ الذي قبضه ؟ أخذه من أحد الخصمين ؟ .

هناك موازين حساسة ، وموازين
غير حساسة ، وكلما ازداد إيمانك يدق ميزانك ، تحاسب على النظرة
، تحاسب على الهمسة ، على تألق الوجه مع إنسان عاصٍ له مكانة ،
سلمت عليه باهتمام ، واحترام ، وتعظيم ، وتبجيل ، والذين حولك
رأوك مهتماً به أشد الاهتمام ، وهو غارق في المعاصي والآثام ،
وقد تسلم على مؤمن طيب ، ورع ، مستقيم ، لكنه فقير ، بسلام
متعجل ، ما سحب النبي يده من صحابي سلم عليه إلا كان النبي آخر
من يسحب يده من يد الصحابي ، والله أعطاك ميزان هو العقل ،
عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، وأعطاك ميزان الفطرة ، إذا
أخطأت تشعر بانقباض ، أعطاك ميزان العقل وأعطاك ميزان الفطرة
، ما في إنسان يرتكب خطأ كبير إلا يشعر بألم .
كتب على سرير بألمانيا بفندق :
إن تقلبت طوال الليل ولم تنم فالعلة ليست في فرشنا ، إنها
وثيرة ، ومريحة ، ولكن العلة في ذنوبك .

الإنسان أحياناً لا ينام الليل
، يرتكب خطأ ، وليس مداناً في الأرض إطلاقاً ، لكنه لا ينام
الليل ، والصلاة ميزان ، العمل الطيب تستطيع بعده أن تتصل
بالله عز وجل ، لكن العمل السيئ قد لا تستطيع بعده أن تقبل على
الله ، المؤمن عنده حساسية فائقة جداً ، تكون صلاته ميزانًا ،
هذا لمَ سخرت منه ؟ لمَ دخلت هذه المرأة إلى المحل التجاري ،
وأدرت معها حديثاً لطيفاً ؟ وملأت عينيك من محاسنها ، والظهر
أذن تفضل صلِ ، إذا ملأت عينيك من محاسنها ، وأدرت معها حديثاً
عاطفياً ، وأذن الظهر تشعر حالك في حجاب صار بينك وبين الله ،
لأنك ما كنت مع الموقف الكامل .

( سورة القصص الآية : 23 ) .
كلمة واحدة ، الآنسات ماذا
يفعلن هنا ؟ خير إن شاء الله ، لا ، ﴿ مَا خَطْبُكُمَا
﴾ هي ماذا قالت له ؟

( سورة القصص الآية : 23 ) .
لو وقفت هنا ، طيب لمَ ؟ قال :

( سورة القصص ) .
مباشرة ، أعطته الجواب بأقلّ
كلام .

( سورة الأحزاب ) .
فلذلك الصلاة ميزان ، وأقول لك
هي من أدق الموازين ، وحينما تعمل عملاً طيباً تقف بين يدي
الله مقبلاً ، إذا لم تستحِ بعملك أمام الله فافعل ما تشاء ،
الصلاة ميزان .
والعقل ميزان .

( سورة الرحمن ) .

لماذا لما تشتري القماش تكليه
بخط منحنٍ مع المتر ؟ أما إذا بعته تشده حتى يتمزق ، لماذا ؟
عندك ميزان مزدوج ، لماذا تعامل زوجة ابنك بميزان وابنتك
بميزان ، البنت ذنبها مغفور ، أما زوجة الابن ذنبها غير مغفور
أبداً ، لماذا تعامل هذا الموظف الذي في سن ابنك تماماً ،
لماذا تعامل هذا الموظف بميزان وابنك بميزان ؟ تحمله أول ثوب ،
والثاني ، والخامس ، لم يعد يستطيع أن يحمل ، فتقول له : أنت
شاب ، ثم يحمل ابنك أول ثوب والثاني فتقول له : بابا ظهرك ،
وأمام الصانع ، عندك ميزانان .
أمثلة واقعية من ازدواجية
المكاييل :
الحقيقة ليست فقط الدول القوية
المتغطرسة عندها مكيالان ، بل ثلاثة أرباعنا معنا مكيالان ،
تكيل لكل إنسان بمكيال ، فإذا كان عندك بضاعة فهي أفضل بضاعة
في الأرض ، إذا قال لك زبون : عندك بضاعة ، وهي ليست عندك ،
تقول له : ماذا تريد من هذه ؟ قد تكون أحسن من بضاعتك ، لكن
أنت عندك ميزانان ، البضاعة ما عندك ، إذاً تبخس فيها ، لو
أردت أن أضرب أمثلة لا تنتهي الدروس بأمثلة من يكيل بمكيالين .
قصة طريفة ، أن امرأة زوج
ابنتها أتى بغسالة من أرقى مستوى ، فدعت له ، وأثنت عليه بشكل
غير طبيعي ، من غرائب الصدف في اليوم نفسه ابنها أتى لزوجته
بغسالة أيضاً من نفس المستوى فغضبت عليه ، هذه مثل القردة
قاعدة في البيت ، بنفس اليوم مكيالان .
حينما تكيل بمكيالين تسقط من
عين الله ، ولأن تسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن تسقط من
عين الله ، لا تكل بمكيالين ، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك .

إخوانا الكرام ، مرة ثانية
الخطأ في الوزن لا يتكرر ، أما الخطأ في الميزان فلا يصحح ،
اجتهد ألا تخطئ في الميزان ، الميزان غير صحيح لو استخدمته
مليون مرة كل هذه الأوزان غير صحيحة ، أما حينما تتوهم أن
الكيلو كيلوين فهذا خطأ في الوزن لا يتكرر ، فالخطأ في
الميزان لا يصحح ، والخطأ في الوزن لا يتكرر .
الآن :

( سورة الأعراف ) .

أعماله كلها دنيوية ، أعماله
كلها لصالحه ، لرفاهه ، لزيادة ثروته ، لاستعلائه على الناس :
﴿ وَمَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ
بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ .
الخسارة يوم القيامة أكبر
خسارة على الإطلاق :
أكبر خسارة لا أن تخسر مالك
كله ، ولا أن تخسر بيتك ، ولا تجارتك ، ولا وكالة سحبت من يدك
، ولا منصب عُزلت منه ، أكبر خسارة أن تخسر نفسك يوم القيامة
.


( سورة الزمر الآية : 15 ) .
هذه أكبر خسارة :
﴿ وَمَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ
بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ لذلك بالقارعة :

( سورة القارعة ) .
يتجه إلى الهاوية إلى النار .

( سورة القارعة ) .
كل عمل له وزن ، يوزن بنيته ،
بحجمه ، بعمق تأثيره ، بامتداد أمده ، باتساع رقعته ، بالعقبات
التي أمامه ، بالصوارف التي تصرف عنه ، وهناك آلاف الموازين
للعمل الواحد ، وكل عمل له وزن ، وكل إنسان له وزن :
﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ
الْحَقُّ ﴾ .
الله هو الحق .
والحمد لله رب العالمين