|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة البقرة (2) .
رقم الدرس : 6/9 .
عنوان الدرس : التكذيب القولي و التكذيب العملي- الآية 221 .
تدقيق لغوي : غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق
الوعد الأمين ، في سورة البقرة الآية الواحدة والعشرون بعد
المئتين وهي قوله تعالى:
أيها الإخوة الكرام ؛ هناك نوعان من التكذيب ؛ نوعٌ قولي ...
ونوعٌ عملي ، والتكذيب العملي أخطر من التكذيب القولي !!!
فلو أن مريضًا زار طبيباً ، وهذا الطبيب فحصه فحصاً جيداً ،
وكتب له وصفة ، و شكر المريض الطبيب ، وأثنى على علمه وصافحه
وعظمه وبجله ، لكنه لم يشترِ هذا الدواء ، فهو إذاً لم يعبأ لا
بعلمه ولا بتشخيص مرضه ولا بنوع دوائه .
فعدم شراء الدواء تكذيبٌ عملي لعلم هذا الطبيب ، رغم أنك أثنيت
عليه وصافحته بحرارة وشكرته .
فالتكذيب العملي هو شراء الدواء ، وهذا يدل على أنك لم تعبأ
بعلمه البتة .
كلكم يقرأ القرآن الكريم ، فإذا قرأتم القرآن الكريم وأنهيتم
القراءة فإنكم تقولون : صدق الله العظيم .
فإذا جاء خاطب لابنتكم ، دينه قوي ، لكن دخله المادي وسط ،
وجاء خاطبٌ آخر ، دينه رقيق ودخله كبير ، فإذا آثرتم الغني على
المؤمن فأنتم لا تصدقون كلام الله عز وجل ، ولو قلتم صدق الله
العظيم ، فالله عز وجل لا يرضى للعبد أن يتعامل معه بالشكليات
، فأنت تقول : صدق الله العظيم ، ويقول الله لك : ولعبد
مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم . ... فإنسان وسيم الطلعة
دخلُه كبير ، عنده معمل بيته ملكه بيته أربعمئة متر مربع ،
وسيارته على الباب ، لكن لا دين له ، فلا يصلي ، ويسهر يمنة
ويسرة بالفنادق، وخطب ابنته رجلٌ مسلم ، يقول والدُ الفتاة :
طيب هذا شيء مغرٍ ، وكان قد خطبها سابقاً رجل فقير ، لكنَّه
مؤمن إيمانا قويًّا ، فأنت آثرت الغني على الفقير ، آثرت رقة
الدين على قوة الدين ، فإذا قرأت قوله تعالى : ولعبد مؤمن
خير من مشرك ولو أعجبكم .
فأنت حينما اخترت الغني الفاسق على الفقير المؤمن كذَّبت هذه
الآية لا تكذيبًا لفظياً قولياً ، بل كذبتها تكذيباً عملياً ،
والتكذيب العملي أخطر من التكذيب القولي ، لأن الذي يكذب
بلسانه يُناقَش ، فتقيم عليه الحجة ، أما الذي يكذب بعمله ،
فلا تستطيع أن تناقشه، تسمع بعضهم يقول : أعوذ بالله ، ما في
مثل القرآن ، وعملُه يخالف ما في القرآن كلبة، ولننتقل إلى
مجال آخر ، هناك أٌناس كثيرون ، يذكرون أنهم يصدقون باليوم
الآخر ، ولكن في الحقيقة لا يعملون ولو عملاً واحدًا لليوم
الآخر ، لسانهم يكذب عملهم وعملهم يكذب لسانهم .
فيا أيها الإخوة الكرام ؛ القضية ، قضية الإيمان قضية مصيرية ،
وربنا عز وجل يقول: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان
الله معذبهم وهم يستغفرون
(سورة الأنفال : الآية : 33 )
لهذه الآية معنًى دقيق ، فما دام المسلم يطبق سنة رسول الله في
حياته ، ما كان الله ليعذبه : "ما
يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"
(
سورة النساء : الآية : 147 )
معنى الآية :
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
طبعاً سنتك مطبقةٌ في بيوتهم ، في أعمالهم ، في بيعهم وشرائهم
، في زواجهم وطلاقهم ، في تجارتهم ، وما كان الله ليعذبهم
وأنت فيهم ، فلِمَ يعذبهم وهم على المنهج الصحيح ؟ إنسان
يطبق منهـج الله ، يطبق سنة رسول الله في كل نشاطاته ، لماذا
العذاب ؟ والآية صريحة : "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم
وآمنتم وكان الله شاكراً عليما "، وهناك آية أخرى تؤكد هذا
المعنى: "وقالت
اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباءه "
(
سورة المائدة : الآية 18 )
وهذا مجرَّد ادعاء فردَّ الله عز وجل عليهم قائلاً : " قل فلم
يعذبكم بذنوبكم " انظُر " يعذبكم بذنوبكم " ، فقيَّد
العذاب : "بل أنتم بشر ممن خلق " ، ومن هنا استنبط الإمام
الشافعي أن الله لا يعذب أحبابه من هذه الآية ، فلو أن الله
أقرهم على أنهم يحبونه لما عذبهم ، "قل
فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق " .
إذاً :وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم
وهم يستغفرون.
المعنى الثاني دقيق ، يعني إذا كان المسلم قد زلت قدمه ، أخطأ
بأنْ سبقت منه مخالفة ، وندم أشد الندم ، واستغفر أشد
الاستغفار ، وأصلح وتاب إلى الله ، فإذا كان بهذا الوضع، فالله
عز وجل لا يعذِّبه أيضًا .
يعني إذا أب شاهد أنّ علامة ابنه أخذ بالرياضيات صفر وامتنع
الابنُ عن الأكل حزنًا ، ودخل الابنُ إلى غرفته واعتصم بها ،
فلما رأى الأب ابنه بالألم والضيق الشديد فهل يلجأ الأب إلى
ضرب ابنه ؟ لا .
فمتى يأتي العذاب ؟ إذا لم نطبق منهج الله ولم نعبأْ بهذه
المعصية ، وإن طبقنا المنهج فلا نعذب ، إن أخطأنا وندمنا فلا
نعذب ، لكن نتباهى ، ولا نطبق ما فيه ، ولا نعبأْ بهذه المعصية
، فعندئذٍ يأتي التأديب .
أخوانا الكرام ؛ بالعالم الإسلامي كله ، ليس مقبولاً أبداً من
إنساٍن ينكر الآخرة ، لكن الذي تراه بعينك ، أن أحًاد لا يعمل
للآخرة ، بل نعمل للدنيا ، فهذا التكذيب العملي أبلغ ألف مرة
من التكذيب اللساني .
مره ثانيه ؛ "ولا
تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو
أعجبتكم " .
هذا كلام خالق الكون ، يعني امرأة صالحة مؤمنة ، تحفظ لك نسلك
، وتعلم أولادك القرآن ، وتعلم أولادك سنة النبي العدنان ،
وترعاك في غيبتك ، فإذا نظرت إليها سرتك، إذا غبت عنها حفظتك
في مالك ونفسها ، وإذا أمرتها أطاعتك ، والله شيءٌ جميل ، فهذه
هي المؤمنة .
أما المشركة فهي عبءٌ عليك ، ولو أنها أعجبتك بادئ الأمر ،
لكنها عبءٌ عليك ، فلا تعبأ بك ، ولا تأتمر بأمرك ، ولا تستقيم
على أمر الله عز وجل ، ولا تربي لك أولادك كما تريد ، دائماً
أنت في شك منها ، وخالق الكون يقول لك:" ولأمة مؤمنة خير من
مشركة ولو أعجبتكم " ، وقال تعالى :
"ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم
" ولم يبقَ عبيدٌ في عصرنا ، لكن هناك إنسان فقير مؤمن ،
وإنسان غني لا دين فيه ، فكل الأسر الإسلامية يجب أن تراعي
مدلولات هذه الآية ، فإنْ لم تفعل ، فالمسلم يكذب إذًا كلام
الله ، وهو لا يشعر ، والله يعامل الإنسان لا على كلامه فقط ،
بل يعامله على فعله كذلك ، ولعل العقاب على الفعل أشد و أنكأ .
"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم
يستغفرون" .
فأنت اقرأ القرآن ، وما فيه من الأمر والنهي ، ثم إذا قلت صدق
الله العظيم ، وقبلت المصحف ست مرات ، من كل وجه مرة ، ولم
تطبق ما فيه ، فهذا لا يقدم ولا يؤخر ، ولا ينفعك عند الله
أبداً ، فالذي يقدم ويؤخر العمل ، فحينما تصدق كلام الله ، مِن
أن المؤمن أفضل من المشرك ، ولو أعجبك المشرك بوسامته وطلعته
وماله وبيته ومنطقة بيته ومركبته ، فيجب أن تؤثر المؤمن ، وإنْ
كان دون مواصفات المشرك ، لأن المؤمن إن أحبها أكرمها ، وإن لم
يحبها لم يظلمها ، بل يحافظ على دينها ، ويأخذ بيدها إلى الله
ورسوله ، والدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة .
فيا أيها الإخوة الكرام ؛ حذارِ من التكذيب العملي ، أن تصدق
بلسانك ويأتي فعلك ليكذب ما نطق به لسانك ، وربنا عز وجل كما
يعاملنا على ما نتفوّه به فهو كذلك يعاملنا على أفعالنا ،
والذي يمنعنا من عذاب الله أن نكون عند أمره ونهيه ، أو إذا
أخطأَ أن نندم أشد الندم ، ولا تنسوا هذه الآية : "وما
كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
" ، طبعاً أي سنتك موجودة في حياتهم ، فإذا طبقتم سنة رسول
الله ، والآية واضحة ، فأنتم في بحبوحة العيش ، وإن أخطأنا
وندمنا واستغفرنا وتألمنا ، فنحن في فسحة ، ويمنحنا الله عز
وجل فسحة كي نتوب ، أما إذا أخطأنا ولم نتب ، أخطأنا ولم نندم
، أخطأنا ولم نكترث ، عندئذ يأتي عذاب الله عز وجل قال تعالى :
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيًّا "
(
سورة مريم : الآية : 59 )
وقد
لقي المسلمون ذلك الغي وهو تحت سمعكم وبصركم .
فإذا أردنا من الله عز وجل أن يحفظنا وأن ينصرنا وأن يرحمنا
وأن يعزنا وأن يطمئننا وأن يستخلفنا فعلينا بطاعته ، وعلينا
بتصديق كتابه ، القرآن يقول : "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب
من الله ورسوله
"
(
سورة البقرة : الآية : 279 )
فإنْ لم يعبأ الإنسان بهذه الآية ، فهو يكذبه ، فحذارِ حذارِ .
أيها الإخوة الكرام ؛ تعاملوا مع القرآن بصدق وبإخلاص ، اقرؤوا
الآيات بتدبر ، فهي كلام خالق الكون ، وإذا كان عندك شك بكلام
الله فاسأل أهل العلم ، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهن إنسان ذرة
من شك في أنه ليس كلام الله ، لما فيه مِن إعجاز ، فالله خالق
الكون ، وهذه تعليمات الصانع ، فكما أنك حريص على آلة حاسبة
فتسأل الشركة الصانعة ، وكذلك مركبتك تأخذها إلى الوكالة
الخاصة لصيانتها ، لحرصك عليها ، فإذا كنت حريصًا على سيارتك
هذا الحرص فلتك أشدَّ حرصًا على نفسك ، على مستقبلك ، على
مصيرك بعد الموت ، فهذه الآية جديرة بتدبرها ، والعمل بمضمونها
، وموضوعها التكذيب العملي ... والتكذيب القولي ...
وليس في العالم الإسلامي من يكذب هذا القرآن ، هذا أمر غير
مقبول إطلاقاً ، لكن كثيرًا من الناس وقعوا في التكذيب العملي
.
والحمد لله رب العالمين |