تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

تفسير سورة الأعراف 07– الدرس 2 – الآيتين : 2 + 3 " مخاطبة الله لمقام النبوة " لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

رقم الــدرس : [ 2 | لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

رقم الشريـط  : 15/265

تاريخ الشريط  : 01/ 12 / 2006 .

الموضــوع  : تفسير سورة الأعراف الآيتين : 2+3 " مخاطبة الله لمقام النبوة ".

مفرغ الشريط    : م . م . حسان العودة .

مراجعة النص مع الشريط :

تـدقيق لغوي  :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الثانية وهي قوله تعالى :

( سورة الأعراف ) .

أيها الإخوة ، ﴿ كِتَابٌ ﴾ أي القرآن الكريم ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

( سورة الأنعام الآية : 1 ) .

الكون .

( سورة الكهف الآية : 1 ) .

القرآن .

الكون في كفة والقرآن في كفة ، الله عز وجل خلق السماوات والأرض ونور السماوات والأرض بالهدى .

يعني للتقريب : يُشق الطريق ، ثم توضع الشاخصات ، هنا منعطف ، هنا تقاطع  هنا منحدر ، هنا طريق ذات اتجاه واحدة ، يشق الطريق أولاً ، وتوضع الشاخصات ثانياً .

لذلك :

( سورة النور الآية : 35 ) .

خلق السماوات والأرض ، وهداية الله نور السماوات والأرض ، وفي درس سبق بينت لكم أن الله سبحانه وتعالى قال :

( سورة الرحمن ) .

والترتيب ليس الترتيب زمنياً إنما هو ترتيب رتبي ، بمعنى أنه لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، من دون منهج يَشقى ويُشقي ، في شهوات يندفع من خلالها ، هذا الاندفاع من دون منهج يسير عليه يسبب شقاء للبشر .

لذلك ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ ﴾ إذا سمعت كلمة أنزل إي من الأعلى ، الأرض فيها مبادئ وفيها اتجاهات ، وفيها فلسفات ، وفيها تصورات ، وفيها مذاهب ، وفيها اتجاهات ، لكن هذا الكتاب أنزل من أعلى ، من عند خالق السماوات والأرض ، كلمة أنزل يعني ليس من صنع البشر ، ليس من ثقافة البشر ، ليس من تصورات البشر ، ليس من معطيات البشر ليس من اختراع البشر ، هذا من إله البشر ، من خالق السماوات والأرض ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يا محمد .

أيها الإخوة ، يعني من نعمة الله الكبرى أنك تتبع منهجاً ليس من ند لك ، ليس من مساوٍ بك ، حينما تتبع منهجاً من صنع إنسان مثلك هذا المنهج يحابي مصالحه ، يحابي حظوظه ، يحابي حاجاته ، لذلك إذا وضع الإنسان التشريع حابى نفسه ، إذا وضع الإنسان التشريع كان نظره قاصراً ، إذا وضع الإنسان التشريع رأى من زاوية واحدة .

لذلك ما من تشريع أرضي إلا ويعدل ، ثم يعدل ، ثم يعدل ، ثم يلغى ، أبداً ، لأن الإنسان ليس مؤهلاً أن يشرع ، لأن علمه قاصر ، وأهواءه تتحكم فيه ، يأتي التشريع منعكساً لضعفه في النظر ، ولضعفه في النفس .

لذلك من نعم الله الكبرى على المسلمين أن التشريع ليس من بعضهم ، ليس من صنع فئة منهم ، ليس من صنع طرف آخر ، التشريع من عند خالق السماوات والأرض      ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

شيء آخر : ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ الحرج ؛ الضيق ، يا محمد لا تضق ، ولا تُحرج بهذا الكتاب ، ما المعنى ؟

هناك لفتة رائعة جداً لهذه الآية ، أن النهي لا يتوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدم الحرج لكن النهي كما يرى بعض المفسرين يتوجه إلى الحرج بألا يدخل على قلب محمد .

(( قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن )) .

[أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ] .  

فالإنسان أحياناً يمتلئ قلبه أمناً ، وقد لا يملك أسباب الأمن ، وقد يمتلئ قلبه خوفاً وقد يملك أسباب الأمن ، للتوضيح :

إنسان سافر ، والعجلة الاحتياط ليست صالحة ، طول الطريق في هلع وخوف شديد ، فلو فسدت عجلة تدور لتوقف عن السير ، لو أن ابنه في الليل أصلح العجلة الاحتياط ولم يخبره هذا الذي يقود مركبته في النهار ، وفي عنده عجلة احتياط فاسدة بزعمه والابن أصلحها ، ولم يبلغ أباه امتلئ قلبه قلق وخوف ومعه أسباب الأمن ، ولو أن هذه العجلة فاسدة لكن الذي يقود المركبة لا يعلم يمتلئ قلبه أمن ومعه أسباب الخوف .

إذاً الخوف والأمن يلقى في قلب الإنسان ، لذلك قال تعالى :

( سورة الأنعام ) .

فالإنسان حينما يتوجه إلى الله عز وجل لا يسمح الله للقلق ، والخوف أن يتسرب إلى قلب المؤمن ، في قلب المؤمن من الأمن مالا لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، والآية واضحة جداً ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ .

لذلك من نعم الله العظمى أن الله سبحانه وتعالى جعل فطرة الإنسان متطابقة تطابقاً تاماً مع منهج الله ، فأنت حينما تطيع الله تصطلح مع نفسك ، حينما تطيع الله يلقى في قلبك من الأمن ما لا لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، حينما تطيع الله تلقى في قلبك السكينة  حينما تطيع الله تعطى الحكمة .

( سورة البقرة الآية : 269 ) .

حينما تطيع الله تعطى الصبر ، تعطى الرضا .

أيها الإخوة الكرام ، ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ ينهى الله الحرج ، والضيق ، والقلق ، والخوف ، والألم ، أن تتسرب إلى قلبه صلى الله عليه وسلم .

لذلك قد يعيش إنسانان بظروف واحدة ، بصعوبات واحدة ، بعقبات واحدة  بصوارف واحدة ، بمشكلات واحدة ، الأول المؤمن قلبه ممتلئ طمأنينة ، ورضا ، وسعادة  وإقبال ، وتفاؤل ، والثاني يمتلئ قلبه بالضيق ، والقلق ، والخوف ، والحقد ، والتشاؤم .

بالمناسبة : أخطر جهاز يعمل بأجسامنا جهاز المناعة المكتسب ، هذا الجهاز أوكل الله إليه القضاء على معظم الأمراض السرطانية والجرثومية ، وهذا الجهاز يقويه الإحساس بالأمن ، يقويه الحب ، يقويه الود ، وهذا الجهاز يضعفه الخوف ، والقلق ، والحقد فأنت حينما تتعرف إلى الله وتتصل به ترتفع معنوياتك .

لذلك بشكل علمي بحت المؤمن أبعد عن الأمراض من غير المؤمن ، لأن جهازه المناعي بأعلى درجة بسبب الحب الذي في قلبه ، والأمن الذي ينعم به ، والطمأنينة التي يرتاح بها ، والتوازن الذي ينعم به .

لذلك : ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ بعض العلماء يقول : هذا نهي للحرج أن يتسرب إلى قلب النبي عليه الصلاة والسلام ، أنت مطمأن ، وهذه السعادة النفسية أيها الإخوة ، والله لا تقدر بثمن .

في معنى آخر : النبي بشر ، لولا أنه بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر .

( سورة فصلت الآية : 6 ) .

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط     بلال )) .

[ أخرجه أحمد ، والترمذي وابن ماجة وابن حبان ، عن أنس ] .

هو بشر ، يشتهي ، ويخاف ، ويرغب ، ويتمنى ، لأنه بشر ، ولأنه انتصر على بشريته كان سيد البشر .

أيها الإخوة ، لأنه بشر يتألم أشد الألم إذا اتُهم بأنه ساحر ، هو ليس بساحر ، لأنه بشر يتألم أشد الألم إذا اتُهم بأنه مجنون .

( سورة القلم ) .

هو بشر ، ولأنه بشر يتألم أشد الألم إذا اتهم بأنه كاهن ، اتُهم أنه ساحر ، وأنه كاهن ، وأنه مجنون ، لكن السؤال :

يا رب هذا نبيك ، هذا سيد الخلق ، هذا حبيب الحق ، هذا سيد ولد آدم ، هذا صفوتك من خلقك ، فكيف تثبت في القرآن الكريم الاتهامات الظالمة التي اتُهم بها ؟ كنا نتوقع أن هذه التهم الظالمة الجاحدة أن لا تُذكر في كتاب الله ، كتاب الله يتلى إلى يوم القيامة ، نتعبد الله بقراءاته ، قال بعض العلماء : الحكمة من هذا أن كل من دعا إلى الله ، إلى نهاية الحياة سيلاقي متاعب كثيرة ، لأن معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أسوة للمؤمنين ، أسوة للعلماء ، أسوة للدعاة إلى الله ، هذا سيد الخلق ، وحبيب الحق كُذب ، وعورض ، واتُهم ، اتُهم بأنه مجنون ، وبأنه ساحر ، وبأنه كاهن ، وهو فوق هذه الشبهات كلها ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .

إذاً كأن هذه التهم التي أثبتها الله في القرآن الذي نتعبد الله بتلاوته إلى يوم القيامة هي تسلية ، وتعزية ، ومواساة ، وتطييب قلب لكل من دعا إلى الله بعده ، ولاقى من المتاعب ما لاقى .

ولا يغيب عن أذهانكم أن إرادة الله شاءت أن يجتمع المؤمنون وغير المؤمنين في هذه الأرض ، واجتماع المؤمنين وغير المؤمنين ينتج عنه معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل ، فليوطن المؤمن نفسه أنه في معركة ، معركة الحق والباطل ، معركة الخير والشر معركة الظلم والعدل ، معركة الرحمة والقسوة .

لذلك هذه الآيات التي تثبت التهم الظالمة التي اتُهم بها النبي عليه الصلاة والسلام  هي تسلية لكل مؤمن من بعده ﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ .

شيء آخر : هناك معنى ثالث : أن الله سبحانه وتعالى يطيب قلبه ، مع أنهم اتهموك لكنك عندي من المقربين ، لا حرج عليك ، مع أنهم اتهموك إنك من منأى عن كل هذه التهم ، وأنت فوق كل هذه التهم ، وأنت النبي الأول ، وأنت الرسول الأول ، وأنت الحبيب الأول ، وأنت المقرب الذي بلغ مرتبة عند الله لم يبلغها نبي مرسل ولا ملك مقرب حين بلغ سدرة المنتهى .

 

( سورة النجم ) .

أيها الإخوة ، ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ كأن الله سبحانه وتعالى يشير في هذه الآية الثانية من سورة الأعراف أن البشر حينما تأتيهم رسالات السماء ينقسمون ، ينقسمون على فريقين ، فريق يؤمن بها ، وفريق يكفر بها ، فريق يتلقاها بالقبول والرضا ، وفريق يتلقاها بالمعارضة والتكذيب ، هكذا شأن الحياة ، بالحياة اثنينية ، فيها حق وفيها باطل ، فيها خير وفيها شر ، فيها جمال وفيها قبح ، فيها عدل وفيها جور ، فيها إحسان وفيها إساءة ، فيها رحمة وفيها قسوة ، كل الصفات السلبية صفات أهل الكفر والضلال ، وكل الصفات الإيجابية صفات أهل الإيمان والإسلام .

لذلك كيف أننا في الأحداث التي تحيط بنا أحياناً ينشأ حدث عظيم ينقسم به المجتمع كما ترون ، وكذلك الناس حينما تأتيهم رسالات الله ينقسمون إلى مؤمنين وإلى كافرين ، والدليل :

( سورة الرعد الآية: 43 ) .

يكذبونه ، ذلك بأن الطرف الآخر يتحرك بلا ضابط ، بلا منهج ، بلا تعليمات  بلا توجيهات ، بلا قيم ، بلا مبادئ ، تحركه شهوته ، دابة متفلتة ، تبحث عن إرواء شهواتها بأي طريقة ، بأي ثمن ، بأي أسلوب ، بلا رادع من قيمة أو مبدأ ، أو حياء ، أو خجل ، هكذا العالم اليوم ، انقسم إلى قسمين مؤمن وكافر ، مقسط وظالم ، القاسط هو الظالم ، أما المقسط هو العادل ، انقسم العالم اليوم .

لذلك المؤمن يتلقى هذه الرسالة بالقبول والإيمان ، والتصديق ، والبكاء ، والسعادة بينما غير المؤمن يتلقى هذه الرسالة بالتكذيب ، والسخرية ، والمعارضة ، والرد ، لذلك يقول الله عز وجل : ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ من ؟ الكافرين المكذبين ، الساخرين ، المعارضين ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ما معنى ذكرى ؟  

يعني أنت إذا ذهبت إلى بلد من البلدان وليكن إلى بلد ساحلي ، ورأيت صخرة مشهورة في هذا البلد ، ولتكن صخرة الروشة في بيروت ، رأيتها بأم عينك ، بعد بضع سنوات رأيت صورة لهذه الصخرة ، تقول : نعم كنت في هذا المكان ، ما معنى         ذكرى ؟ شيء رأيته ، شيء تعرفه لكن هذه الصورة ذكرتك به ، شيء رأيته ، شيء تعرفه  لكن هذه الصورة ذكرتك به .

فلذلك الله عز وجل حينما خلق النفوس قبل أن تصور ، خلقها في عالم الأزل  خلقها في عالم الذر ، هذه النفوس التي خلقها ماذا قال لها ؟ :

( سورة الأعراف الآية : 17 ) .

هذا عالم الأزل ، هذا عالم الذر ، كل المخلوقات كانت نفوساً مجردة من صورها    ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ هذا العهد جاء في العقل ، وجاء في الفطرة ، وجاء في رسالات السماء ، فأنت مؤمن في أصل خلقك ، أنت مؤمن في أصل فطرتك ، أنت مؤمن بحسب مبادئ عقلك ، أنت مؤمن بحسب ما أودع الله فيك من خصائص ، أنت مؤمن فإذا جاءتك الدعوة إلى الله تتذكر .

لذلك أينما قرأت في القرآن الكريم كلمة وذكرى يعني أنت مؤمن بالفطرة ، أنت مؤمن بحسب مبادئ العقل ، أنت مؤمن بهذا العهد الذي عاهدت الله عليه في عالم الأزل   أنت مؤمن ، فإذا جاءتك الرسالة ، أو جاءك الهدى تتذكر العهد الذي قطعته على نفسك في عالم الأزل .

إذاً : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ .

أيها الإخوة ، إذاً : ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ المكذبين ، الشاردين ، الذين اختاروا الشهوة ولم يختاروا الآخرة ، اختاروا حظوظ الدنيا ، ولم يختاروا :

( سورة القمر ) .

اختاروا العاجلة ، وكفروا بالآجلة ، اختاروا الحياة الدنيا ، وكفروا بالحياة الآخرة لهؤلاء تنذرهم من مغبة كفرهم ، تنذرهم من مغبة تقصيرهم ، تنذرهم من مغبة معصيتهم تنذرهم من مغبة انحرافهم عن الطريق الصحيح ، بينما الطرف الآخر المؤمنون أنت تذكرهم بما عرفوا في عالم الأزل ، تذكرهم بما أخذ الله عليهم من عهد حينما خلقهم في عالم الذر .

إذاً ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

إخوانا الكرام ، ماذا تعني كلمة الرسالة ؟ يعني هناك مرسل هو الله جل جلاله  هناك مرسل إليه هو النبي عليه الصلاة والسلام ، هناك مرسل إليهم هم البشر ، هناك موضوع الرسالة هو الكتاب ، في مرسل ، في مرسَل ، في مرسل إليه ، في موضوع الرسالة موضوع الرسالة هذا القرآن ، منهج الله عز وجل ، خاتم الكتب ، دستور حياتنا ، طريق سلامتنا ، طريق سعادتنا ، لذلك الآن جاء التوجيه :

( سورة الأعراف ) .

يعني يشكل مبسط تبسيط كبير :

عندك آلة غالية جداً ، عظيمة النفع ، معقدة التركيب ، معك كُتيب صغير فيه تعليمات التشغيل والصيانة ، فأنت بدافع من حرصك على هذه الآلة ، وعلى سلامتها ، وعلى حسن مردودها تقرأ الكتاب ، وتنفذ ما في هذا الكتاب ، يعني أنت أعقد آلة بالكون ، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم ، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فأنت بدافع من حبك لذاتك ، وحبك لسلامتك ، وحبك لكمال وجودك ، وحبك لاستمرار وجودك تنفذ تعليمات الصانع ، انظر إلى سلوكك إن اقتنيت مركبة جديدة ، تقرأ كيف أستخدم         المكابح ؟ كيف استخدم الماسحات ؟ كيف أستخدم ؟ كيف أملأ مستودع البنزين ؟ بشكل فطري وطبيعي حينما تشتري آلة وتحرص على سلامتها ، وحسن أداءها ، تتبع تعليمات الصانع .

لذلك جاء التوجيه الإلهي : أيها المؤمنون ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ طبق .

( سورة مريم الآية : 12 ) .

هذا من عند الخبير .

( سورة فاطر ) .

أنت حينما تمشي في حقل ثم تفاجئ بلوحة كتب عليها حقل ألغام ، ممنوع التجاوز لا تشعر بحقد على من وضعها ، بل تشعر بالامتنان ، لأن هذه اللوحة ليست حداً لحريتك بل هي ضمان لسلامتك ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ فنحن ربنا خلقنا .

دقق :

( سورة الأعراف الآية : 54 ) .

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ .

( سورة البقرة الآية : 21 ) .

من هي الجهة التي تستحق وحدها أن تطاع ؟ الله جل جلاله ، لا معبود بحق إلا هو .

لذلك ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ لسلامتكم ، لسعادتكم ، لأمنكم ، لنمائكم لتوفيقكم ، لنصركم ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ لكن لا يعقل أن يكون الله هو الخالق وتتبع منهج آخرين من أهل الأرض .

(( إني والإنس والجن ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، إني والجن والإنس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي  وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري ، أهل مودتي ، أهل شكري ، أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) .

[ ورد في الأثر القدسي ] .

لذلك : ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا ﴾ ينبغي ألا نستورد مناهج من أماكن أخرى ، من ثقافات أخرى ، في ثقافات مادية ، في ثقافات جمالية في ثقافات ملحدة ، في ثقافات نفعية ، ثقافات الأرض لا تعد ولا تحصى ، كلها باطلة إلا منهج الله عز وجل ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ يعني تذكروا قليلاً العهد الذي بينكم وبين ربكم في عالم الأزل .

( سورة طه ) .

لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه .

( سورة البقرة ) .

اجمع الآيتين ، من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت ، فماذا بقي من السعادة ؟ لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يندم على ما فات ، ولا يخشى مما هو آت .

أيها الإخوة ، الحقيقة أن آدم عليه السلام وهو في الجنة أعطاه الله درساً بليغاً   وأنت حينما تربي ابنك ينبغي أن تعطيه درساً بليغاً ، ينبغي ألا تعتني بجسمه فحسب ، ينبغي أن تعتني بجسمه ونفسه وعقله وإيمانه ، وسر وجوده ، أن تبين له سر وجوده ، وغاية وجوده لذلك ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ .

أيها الإخوة ، لكن البشر شأنهم يلزمون من حولهم إذا كانوا أقوياء بإتباع منهجهم هذا الذي ترونه بالعالم شرقاً وغرباً ، الشرق يفرض المنهج المبني على تقديس المجموع فيما سبق ، وجهة أخرى تدعو إلى مبدأ يعتمد على تقديس الفرد ، أما ربنا عز وجل منهجه لا شرقي ولا غربي ، ولكنه علوي ، لا يجوز أن تقال الإسلام يتطابق مع المنهج الفلاني ، أو مع المنهج الفلاني ، الإسلام نسيج وحده ، الإسلام من عند خالق السماوات والأرض   الإسلام علوي .

أيها الإخوة الكرام ، مع أن الإنسان أودع الله فيه فطرة تتوافق مع منهج الله توافقاً تاماً ، ومع ذلك منّ الله على البشر برسالات السماء من حين إلى آخر ، فكلما ضعف تمسك الناس بالهدى بمنهج الله عز وجل ، جاءت رسالة جديدة ، إلا الذي ينبغي أن يكون واضحاً تماماً هو أن كل جيل ينبغي أن ينقل إلى الجيل الآخر معالم الهدى .

لذلك ما لم تبنَ مناهج التربية على وحي السماء ، وعلى الهدى الذي جاء به الأنبياء فهناك خطر كبير ، خطر الفساد في الأرض ، خطر الشقاء ، فساد وشقاء .

لكن قد تشير بعض الحقائق إلى أن الأجيال ينبغي أن تتوارث نقل الهدى من جيل إلى جيل بمثل في جسم الإنسان :

في غدة صغيرة جداً لا تزيد عن حبة الحمص ، إلى جانب القلب ، كتب الطب من مئة عام أجمعت على أن هذه الغدة لا وظيفة لها إطلاقاً ، بسبب أنها تضمر بعد سنتين وتتلاشى كلياً ، في دراسات من عقد واحد من الزمن تؤكد أن هذه الغدة أخطر غدة على الإطلاق ، إنها مدرسة حربية ، تدخلها الكريات البيضاء المقاتلة ، وتتعلم فيها من هو الصديق ومن هو العدو ، الكريات البيضاء خمس فرق ، فرقة استطلاع ، وفرقة تصنيع السلاح  وفرقة المشاة المحاربين ، وفرقة الخدمات ، وفرقة المغاوير ، الحديث عن الفرقة الثالثة فقط فرقة المقاتلين ، هذه الكريات البيضاء المقاتلة معها سلاح فتاك ، لكنها جاهلة ، سماها العلماء الخلية التائية الهمجية ، تدخل هذه إلى هذه الكلية الحربية وقد كبرت هذه الكلية آلاف المرات بدت وكأنها مدرج ، وهذه الخلايا التائية الهمجية تجلس على مقاعدها في هذا المدرج ، أما كيف تُعلم هذه الكريات الهمجية من هو الصديق والعدو هذا لا يعلمه إلا الله .

تمضي هذه الكريات البيضاء في هذه المدرسة الحربية سنتين كاملتين ، تتعلم من هو الصديق ، ومن هو العدو ، ثم ينتهي العامان الدراسيان بامتحانين ، الامتحان الأول تعطى الخلية التي كانت همجية فأصبحت مثقفة تعطى عنصر عدو ، فإذا قتلته تنجح وتتخرج ، وإذا لم تقتله ترسب وتقتل ، الامتحان الآخر تعطى عنصر صديق ، فإن قتلته ترسب وتقتل ، وإن لم تقتله تنجح وتتخرج .

الآن مجموع الكريات البيضاء المقاتلة تتخرج بعد سنتين من هذه الكلية ، وتغلق الكلية أبوابها وتضمر وتتلاشى ، الآن الجيل المتخرج من هذه الكلية يتولى تعليم الأجيال اللاحقة ، إلى نهاية الحياة ، كل جيل يعلم الجيل القادم ، وذكرتني هذه الحقيقة العلمية بأن البشر ينبغي أن يكونوا كذلك ، أن ينقلوا إلى أجيالهم اللاحقة الهدى الإلهي ، مع التربية التي تناسب هذا الهدى ، بعد ستين سنة يضعف التعليم في جسم الإنسان ، يصاب الإنسان بشيء اسمه خرف المناعي ، التعليم ضعيف ، في جندي معه سلاح فتاك وجاهل فقد يضرب الصديق ، وقد يقتل الموالي ، لذلك ينشأ في جسم الإنسان بعد سن الستين حرب أهلية ، من خصائص هذه الحرب الأهلية :

التهاب المفاصل الرثوي ، الذي معه التهاب مفاصل الذي عنده حرب أهلية   يعني العناصر القوية بالجسم تضرب عناصر المفاصل ، في سبع أمراض خطيرة هي من نتائج الحرب الأهلية بين فرق المقاتلين المدججة بالسلاح ، وهم جهلة ، التعليم كان ضعيف  الحالة اسمها خرف مناعي .

فلذلك الأمة مسؤولة أن تنقل رسالات السماء إلى الأجيال الصاعدة .

( سورة العلق ) .

أيها الإخوة الكرام ، لا بد من التنويه بأن التعليم صنعة الأنبياء .

(( وإنما بعثت معلما )) .

[ أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ] .

(( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )) .

[ أخرجه ابن سعد البخاري ، والحاكم ، والبيهقي ، عن أبي هريرة ] .  

وإلى درس آخر إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين