أيها الإخوة
الكرام
،
مع الدرس
الأول من سورة الأعراف ، والأولى أن نقف وقفة
متأنية عند مضامين هذه السورة :
ـ هذه السورة مكية ، إلا أنها
أطول السور المكية على الإطلاق .
ـ وهذه السورة المكية الطويلة
تضمنت قصص الأنبياء بشكل مفصل .
ـ وكما تعلمون أن السور المكية
تركز دائماً على عقيدة التوحيد ، والإيمان الحقيقي هو التوحيد
، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ،
أن تعلم علم اليقين أن يد الله تعمل في الخفاء ، وأنه :

( سورة الزخرف الآية : 84 ) .
وأنه :

( سورة الكهف ) .
وأنه :

( سورة فاطر الآية : 2 ) .
وأنه :


( سورة هود الآية : 123 ) .

( سورة الأعراف الآية : 54 ) .
يعني أن أمره متوافق توافقاً
تاماً مع خلقه .

( سورة الزمر ) .
السور المكية في الأصل تركز
على التوحيد ، لأنك إذا آمنت بالله خالقاً ، هذا شأن الوثنيين
.


( سورة الزمر الآية : 3 ) .
فأن تؤمن بالله خالقاً شأن
الوثنيين أيضاً ، بل إن إبليس آمن بالله ، قال :

( سورة ص الآية : 82 ) .
وقال :

( سورة الأعراف الآية : 12 ) .
وقال :

( سورة الأعراف ) .
لذلك هذه السورة الأعراف أطول
سورة مكية ، عرضت لقصص الأنبياء بشكل تفصيلي ، ومهمتها كشأن كل
السور المكية أن تركز على التوحيد ، الإيمان هو التوحيد ،
وبالتوحيد تخلص ، بالتوحيد تستقيم ، وتركز أيضاً على البعث
والجزاء ، فإنه ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن
كركن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر ، إذا آمنت بالله هو
معك ، ويراقبك ، وإذا آمنت باليوم الآخر هو سيحاسبك ، ولمجرد
أن تؤمن أن الله يعلم وسيحاسب ، وسيعاقب تستقيم على أمره .
ـ فالسور المكية أيضاً تركز
على الإيمان باليوم الآخر ، بيوم الجزاء ، بيوم الدينونة بيوم
تسوية الحسابات ، بيوم الواقعة الرافعة الخافضة ، وتركز أيضاً
على الوحي ، ديننا الإسلامي دين وحي ، التلقي من الله ، الوحي
كيان مستقل عن رسول الله ، لا يملك أن يجلبه ، ولا أن يوقفه ،
ولا أن يصرفه ، فديننا دين توحيد ، ودين إيمان باليوم الآخر ،
ودين تركيز على الوحي والرسالة ، هذا شأن السور المكية ،
والأعراف من أطول السور المكية .

شيء آخر : في هذه السورة
الطويلة ، بل هي تعد من أطول السور المكية في هذه السورة إشارة
إلى إعجاز القرآن .
1 – ما هي المعجزة ؟
أيها الإخوة الكرام ، كلكم
يعلم أن كل نبي معه معجزة ، ما المعجزة ؟ إنسان يقول : أنا
رسول الله ، ومعه منهج افعل ولا تفعل ، والكفار ألفوا الحركة
من دون منهج ، من دون قيد أو شرط ، من دون حسبان لحساب أو جزاء
، فلذلك حينما يأتي إنسان ويقول : أنا رسول الله موقف هؤلاء
المعرضين الشاردين هو التكذيب .

( سورة الرعد الآية : 43 ) .
2 – المعجزة شهادة الله
لأنبيائه :
فكيف يشهد الله لأنبيائه ورسله
أنهم أنبياءه ورسله ؟ لا بد من أن يشهد لهم شهادة الله لهم
بالمعجزات ، فيُجري على أيديهم خوارق للنواميس ، لا يستطيعها
إلا خالق الأكوان .

1 ـ معجزة موسى عليه السلام :
سيدنا موسى :

( سورة الأعراف ) .
سيدنا عيسى أحيا الميت .
2 ـ معجزة إبراهيم عليه السلام
:
سيدنا إبراهيم لم تستطع النار
أن تحرقه .
هذه معجزات إثبات للناس أن
هؤلاء الرجال أنبياءه ، أو شهادة الله للبشر أن هؤلاء الأنبياء
والرسل هم أنبياءه ورسله ، إلا أن المشكلة أن الأنبياء
السابقين هو أنبياء لأقوامهم فقط ، كل نبي له قوم .

( سورة الرعد ) .
لذلك المعجزات كانت حسية ، أي
مادية ، ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ
مُبِينٌ ﴾ .

( سورة الأعراف ) .
معجزات حسية كتألق عود الثقاب
، تألقت مرة واحدة وانطفأت ، وأصبحت خبراً يصدقه من يصدقه ،
ويكذبه من يكذبه ، إلا أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام لكل
الأمم والشعوب ، بل هو :

( سورة الأنبياء ) .
فلا يمكن أن تكون معجزته حسية
منقطعة خبراً يصدق أو يكذب ، لا بد من أن تكون معجزته مستمرة
إلى نهاية الحياة .
3 ـ معجزة النبي عليه الصلاة
والسلام :
لذلك كانت معجزة النبي صلى
الله عليه وسلم معجزة علمية ، في القرآن الكريم 1300 آية تتحدث
عن الكون ، بل فيها سبق علمي إشارات قرآنية إلى قوانين ، وإلى
حقائق اكتشفت بعد 1400 عام ، قبل أن يرتاد الإنسان الفضاء ،
ماذا يعلم ماذا في الفضاء ؟ هو في الأرض ، لما ارتاد الفضاء ،
وتجاوز طبقة الهواء ، وانعدم تناثر الضوء صاح الرائد الفضائي :
لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، ثم نفتح القرآن الكريم لنجد
آية تقول :

( سورة الحجر ) .
أما أن تصل بحوث علم الجنين
بعد ألف عام وزيادة إلى أن نوع الجنين لا علاقة للبويضة به
إطلاقاً ، الذي يحدد نوع الجنين النطفة فقط ، وتأتي آية لتقول
:

( سورة النجم ) .
أن يكتشف العلم أن كل شيء مؤلف
من ذرات وفيها نواة ، وفيها كهارب ، وفيها مدارات ، وكل شيء
يدور في الكون ، الصخر ، الحجر ، الخشب ، كل شيء ، أما أن نقرأ
قوله تعالى :


( سورة يس ) .
الحديث طويل ، 1300 آية في
القرآن الكريم فيها سبق علمي ، هي أدلة قاطعة يقيناً 100 % أن
الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، ففي هذه السورة
إشارات كثيرة إلى الإعجاز العلمي في القرآن الكريم .
ذلك أنك تؤمن بالله بواسطة
عقلك من خلال الكون ، فالكون مظهر لأسماء الله الحسنى ، وصفاته
الفضلى ، وتؤمن بالقرآن من خلال إعجازه .
أنت راكب طائرة ( 777 ) ، أحدث
طائرة في العالم ، أو قبل أحدث طائرة على ارتفاع 40 ألف قدم ،
على مقعد وثير ، الجو مكيف ومدفأ ، تتناول كل الأطعمة النفيسة
، والشربات النفيسة أمام قنوات عديدة جداً تتابع الأخبار ، وكل
شيء على ما يرام ، وتفتح القرآن الكريم لتقرأ قوله تعالى :

( سورة النحل الآية : 8 ) .
وأنت تركب طائرة .

أما حينما تتابع الآية :

( سورة النحل ) .
يقشعر جلدك ، دخلت الطائرة في
كلمة : ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ، ودخل
القطار ، ودخلت السيارة ، ودخلت الحوامة .
أما أن تشاهد على موقع
معلوماتي وردة جورية بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، وردة
جورية بأوراقها الحمراء الداكنة ، بوريقاتها الخضراء الزاهية
، بكأسها الأزرق في الوسط ، ثم يكتب تحت هذه الصورة صورة
انفجار لنجم يبعد عنا 3000 سنة ضوئية ، اسم هذا النجم عين القط
، يبعد عنا 3000 سنة ضوئية ، والأربع سنوات ضوئية لو أردنا أن
نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام
300 سنة ضوئية ، ثم تفتح القرآن الكريم لتقرأ قوله تعالى :

( سورة الرحمن ) .
إذاً : في هذه السورة سورة
الأعراف تركيز على إعجاز القرآن الكريم ، وأنت تؤمن بأن هذا
الكتاب كلام الله يقيناً من خلال إعجازه ، والآن الإعجاز
العلمي في القرآن والسنة أقوى علم يرد به على من يشكك بالدين ،
يقيناً ، وعقلاً ، وفطرة ، وبديهة ، هذه الإشارات العلمية في
القرآن الكريم لا يمكن أن تكون إلا من عند خالق الأكوان ، وكأن
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هو أن تقتنع أن الذي خلق
الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن .

شيء آخر ، في هذه السورة سورة
الأعراف بيان إلى أن الإنسان مكرم .

( سورة الإسراء ) .
الإنسان مكرم ، والإنسان هو
المخلوق الأول تفضيلا .

( سورة الأحزاب الآية : 72 ) .
الإنسان مكرم ، والإنسان هو
المخلوق الأول ، والإنسان هو المخلوق المكلف .

( سورة الذاريات ) .
والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة
بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

وفي هذه السورة تبين أن حكمة
الله وإرادته شاءت أن يكون في العالم حق وباطل مؤمن وكافر ،
محسن ومسيء ، منصف وجاحد ، مخلص وخائن ، هذه المفارقة ، أو هذه
الاثنينية في الحياة تقتضي صراعاً بين الحق والباطل ، وكنت
أقول دائماً : كان من الممكن أن يكون الطرف الآخر في كوكب آخر
، إذاً : ليس هناك مشكلة ، وكان من الممكن أن يكون الطرف الآخر
في قارة أخرى ، وكان من الممكن أن يكون الطرف الآخر في حقبة
أخرى ، ولكن شاءت حكمة الله أن يجتمع المؤمنون مع الكافرين ،
أهل الحق مع أهل الباطل ، أهل الدنيا مع أهل الآخرة ، أهل
العقل مع أهل الشهوة ، أهل القيم مع أهل المصالح ، أهل المبادئ
مع أهل الغرائز .

إذاً : لا بد من معركة أزلية
أبدية بين الحق والباطل ، لا بد ، لذلك يعلمنا ربنا جل جلاله
درساً بليغاً في هذه السورة ، حينما مثل إبليس طرف الباطل ،
طرف الإغواء ، طرف المعصية ، طرف الشهوة ، طرف الإباء تأبي
طاعة الله عز وجل ، ويمثل آدم عليه السلام طرف الإيمان والتقوى
والقرب والطاعة ، وكيف استطاع إبليس مستغلاً فطرة آدم السليمة
وطيبه ، فاستطاع أن يخرجه من الجنة ؟ هذا درس بليغ لنا .
إذاً : وطنوا أنفسكم أن
الشيطان عدو مبين ، لذلك ينبغي أن نحذره ، هذا أيضاً من مضامين
سورة الأعراف .

ومضمون آخر في هذه السورة وهو
: أن المصير الخلائق يوم القيامة مؤمنون وكافرون ، الكافرون
ضحكوا أولاً ثم بكوا كثيراً ، وشقوا إلى أبد الآبدين ، وخسروا
أنفسهم وأهليهم ، أما المؤمنون فتكلفوا طاعة الله عز وجل ، وهي
ذات كلفة ، ومنه التكليف .

( سورة النازعات ) .
هؤلاء المؤمنون استقاموا على
أمر الله عز وجل ، وبذلوا الغالي والرخيص والنفس والنفيس حتى
استحقوا جنة الله عز وجل التي فيها :
(( ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت
، ولا خطر على قلب
بشر
)) .
[ البخاري عن أنس ] .
استحقوا الجنة ، فلذلك هناك
مؤمنون وكافرون .
وتنفرد هذه السورة بأن هناك
زمرة ثالثة ، هم الأعراف ، وسميت السورة باسمهم ، سورة الأعراف
، ولها بحث طويل يأتي في مكانه من دروس هذه السورة إن شاء الله
تعالى .

1 – الرسل مبلِّغون :
وهي أول سورة مكية تبين مقام
النبوات ذكرت قصة سيدنا نوح ، وهود وصالح ، ولوط ، وشعيب ،
وموسى ، بالتفصيل ، وكيف أن الأنبياء قمم البشر ، وأن الله
اصطفاهم على علم ، اصطفاهم ليكونوا مبلغين للبشر ، مبلغين
بألسنتهم ، ومبلغين بأفعالهم فالنبي عليه الصلاة والسلام
مثلاً أقواله تشريع ، وأفعاله تشريع ، وإقراره تشريع ، هو قدوة
لنا .
2 – ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب :
بالمناسبة : هناك قاعدة جليلة
أنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، مثل ذلك الوضوء ، الصلاة
لا تتم إلا به ، ولأن الصلاة فرض ، ولأنها لا تتم إلا بالوضوء
، فالوضوء فرض ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ، لذلك إذا
قال الله عز وجل :

(
سورة الحشر الآية : 7 ) .
أنه لا بد من أن تعلم ما الذي
آتانا ، ما الذي أتى به رسول الله ، ما لا يتم تنفيذ هذه الآية
، وهي : ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، هذه
الآية لا تطبق ، ولا تصبح موضع التطبيق إلا إذا عرفت ما الذي
آتانا ، إذاً كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وكل أمر
لا يتم تطبيقه إلا بشيء الشيء الثاني أصبح واجباً ، إذاً : يجب
علينا جميعاً ، بل مفروض علينا جميعاً سنة النبي القولية ،
﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، كيف آخذه إن لم
أعلم ماذا آتاني ، وعن أي شيء نهاني ؟ .
3 – الرسل قدوة للبشر :
الآن للنبي رسالة ثانية ،
الثانية :

( سورة الأحزاب الآية : 21 ) .
كيف يكون النبي أسوة حسنة إن
لم نعرف سيرته العملية ، حياته في بيته ، مع زوجاته ، مع
أولاده ، مع جيرانه ، مع أصحابه ، مع إخوانه ، في سلمه ، في
حربه ، في إقبال الدنيا ، في إدبار الدنيا ، في انتصاره ، في
عدم انتصاره .
إذاً ومعرفة سيرة النبي صلى
الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم ، فلذلك هذه السورة جاءت
بقصص الأنبياء ، نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، وموسى .
4 – العلم لا يؤخذ من العلماء
:
بالمناسبة أيها الإخوة ، لو
كان من الممكن أن يتعلم الإنسان من كتاب فقط فلا داعي إطلاقاً
لإرسال الأنبياء إطلاقاً ، لو كان من الممكن أن يتعلم الجيل من
دون معلمين فلا داعي أن نفتح المدارس ، نوزع كتبًا فقط ، لكن
العلم لا يؤخذ إلا عن معلم متحقق ورع ، لذلك لا بد من إرسال
الأنبياء ، والأنبياء الذين ذُكروا في القرآن الكريم عددهم
محدود .


( سورة غافر الآية : 78 ) .
قرأت في بعض الكتب أن العدد
التقريبي بالآلاف ، لكن نحن في كتابنا الكريم ذُكرت قصص بعض
الأنبياء .
إذاً الأنبياء قدوة ،
والأنبياء لهم مهمتان مهمة التبليغ ، ومهمة القدوة ، ولعلي أرى
مهمة القدوة أعظم بكثير من مهمة التبليغ ، سهل جداً أن تتكلم
بالفضائل ، لكن البطولة العظمى أن تتمثل هذه الفضائل ، أن تكون
حليماً ، البطولة أن تواجه بلدة ناصبتك العداء عشرين عاماً ،
ونكلت بأصحابك ، وتفننت في حربهم ، وفي إزعاجهم ، وفي هجائهم ،
وفي التنكيل بهم ، ثم تنتصر على هذه البلدة مكة ، ومعك عشرة
آلاف سيف متوهج ، هذه السيوف رهن إشارتك ، ويكفي أن تعطيهم
إشارة ليبيدوا هؤلاء حرب إبادة ، تقول لهم :
(( ما تظنون أني فاعل بكم ؟
قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال اذهبوا فأنتم
الطلقاء )) .
[ السيرة النبوية لابن هشام ]
.
هذه البطولة ، أن يذهب إلى
الطائف ليهدي أهلها إلى سواء السبيل ، يكذبونه يسخرون منه ،
يتلذذون في تعذيبه ، وتأتيه ملك الجبال ، ويقول : يا محمد ،
أنا طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، فيقول : لا
يا أخي ، اللهم اهدِ قومي ، فإنهم لا يعلمون ، ما تخلى عنهم ،
قال : قومي ، ودعا لهم بالهدى ، واعتذر عنهم ، فإنهم لا يعلمون
، ورجا الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده ، هذا هو الكمال .
لذلك الأنبياء والمرسلون
يعلموننا بكمالاتهم أضعاف ما يعلموننا بألسنتهم ، لذلك قال
بعضهم : إن دلالة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على فهمه
لكتاب الله أبلغ من دلالة كلماته ، لأن الكمال يؤول أما السلوك
حدي ، السلوك لا يؤول ، هكذا فعل مع جاره وهكذا .
إذاً : في هذه السورة الكريمة
إشارة أيضاً إلى أن الأنبياء هم قمم البشر ، وقد اصطفاهم الله
على علم :

( سورة أل عمران ) .
اصطفاهم على علم .

شيء آخر ، في هذه السورة أيضاً
شرح لإنسان تاجر بهذا العلم ، اشترى به ثمناً قليلاً ، وصدقوا
أيها الإخوة ، ما من مثل يقفز إلى ذهني كهذا المثل :
لو أنك وجدت على الطاولة ورقة
مستطيلة بيضاء ، وظننتها ورقة من سخط المتاع ، كتبت عليها بعض
الكلمات ثم مزقتها ، ثم اكتشفت أنها شيك بمئة مليار دولار ،
فلما مزقتها خسرت المبلغ كله ، كم هو الندم ؟.
هذا الذي يتاجر بالدين ، هذا
الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً ، هذا الذي يتقرب إلى
الناس باتجاه ديني كاذب .
لذلك يقول الإمام الشافعي : "
لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين " .
لذلك :

( سورة الأعراف الآية : 176 )
.
إذاً : في هذه السورة أيضاً
إشارة إلى من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً .

آخر موضوع في هذه السورة ، أن
هذه السورة تثبت أخيراً التوحيد ، وأنه ما تعلمت العبيد أفضل
من التوحيد ، بدأت بالتوحيد ، وانتهت بالتوحيد ، وأن التوحيد
نهاية العلم وأن التقوى نهاية العمل ، و أنه يمكن أن نضغط
رسالات الأنبياء جميعاً بكلمتين :

( سورة الأنبياء ) .
وحد اعتقاداً ، وأطع ربك
سلوكاً ، هذا هو الدين كله .
أيها الإخوة الكرام ، الآية
الأولى في هذه السورة سورة الأعراف :


شيء يلفت النظر ، يقول عليه الصلاة والسلام
:
(( مَنْ قَرَأَ حَرْفَاً مِنْ
كِتَابِ الله فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ
أَمْثَالِهَا ، لاَ أَقُولُ : آلم حَرْفٌ ، وَلَكِنْ أَلِفٌ
حَرْف ، ولامٌ حَرْفٌ ، وَميمٌ حَرْفٌ )) .
[ رواه الترمذي والدارامي عن
ابن مسعود ] .
هذه الحروف أيها الإخوة ،
تختلف عن بقية الحروف ، بقية الحروف حروف بناء ليس لها كيان
إطلاقاً ، الباء ما لها معنى ، أما أكلتُ بالملعقة ، لها معنى
، الحرف كلمة ليس لها معنى إطلاقاً إلا إذا اقترنت مع غيرها ،
من ، ما لها معنى ، أما ذهبت من دمشق إلى حلب ، فالحروف البناء
، والحروف بمعنى الأدوات ، ليس لها معنًى تستقلّ به ، إلا أن
معانيها من ارتباطها من بقية الكلمات ، إلا أن هذه الحروف
الأربعة عشر حرفاً ، التي افتتحت بها بعض سور القرآن ، هذه
حروف لها كيان مستقل .
مثلاً : لماذا قرأ النبي عليه
الصلاة والسلام ؟ :

( سورة الفيل ) .
لماذا قرأ ؟

( سورة الشرح ) .
أما حينما قرأ البقرة قال :

( سورة البقرة ) .
أولاً : هي حروف مقطعة ،
ثانياً : تسكن ، ألف : سكون ، لام ، ميم ، ثالثاً ينبغي أن
نفصل فيما بينها ، ألف ، لام ، ميم ، حروف مقطعة ، تُسكن ، نقف
عليها ، نفصل بينها وبين الحروف التي بجانبها .

1 – الله عزوجل هو الذي علم
النبي النطق بالقرآن :
شيء آخر ، هذه الحروف هي
مسميات وأسماء ، تتميز هذه الحروف بأنها مسميات وأسماء ، كيف ؟
مسميات ، با ، أو كتب ، ك ، مسمى ، ت ، مسمى ، با ، مسمى كتب ،
أما الأسماء : كاف ، ك ، ا ، ف ، كاف مفتوحة هذا اسمها ، وتاء
مفتوحة ، وباء مفتوحة ، صار الحرف له مسمى ، يعني صوته ، وله
اسم ، ألف ، باء ، جيم ، دال ، تاء ظاء ، عين ، غين ، قاف ،
كاف ، من الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ ﴿ الم
﴾ وأن يقرأ في سورة أخرى : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
صَدْرَكَ ﴾ ﴿ أَلَمْ ﴾ نطق بالمسميات ، أما : ﴿ الم ﴾
فقد نطق بالأسماء .
الشيء الذي يلفت النظر أن
النبي أُميّ ، وأميته وحده وسام شرف له ، لأن الذي تولى تعليمه
هو الله ، العلم المطلق ، أما نحن فلو كنا أميين أميتنا وصمة
عار بحقنا نحن ليس عندنا وحي نتعلم منه ، ولما تلقى الوحي من
الله ، ولما تولى الله تعليمه كان أعلم العلماء ، فقد تأخذ بعض
الأحاديث ، تدرسها ، تحللها ، تنال دكتوراه ، أنت دكتور ، لأنك
درست بعض الأحاديث ، فكيف بصاحب الأحاديث ؟ العلماء في الأرض
عالة على علمه .
فلذلك من علّم النبي أن يقرأ :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ، ﴿ أَلَمْ تَرَى
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾ ، ومن علمه
أن يقرأ في البقرة ﴿ الم ﴾ .
2 – استنباط لطيف :
لذلك هناك استنباط أول في قوله
تعالى :

يعني عليك :

( سورة القيامة ) .
﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
﴾ ، يعني قرأه جبريل عليك ، ﴿ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ،
لذلك استنبط أن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي ، والقرآن فضلاً عن
هذا الكتاب الذي فيه آيات القرآن ، القرآن نقل لنا جمعاً عن
جمعٍ من رسول الله إلى اليوم ، فهو منقول بالتواتر ، والتواتر
ما رواه جمع غفير ، عن الجمع الغفير من نزول هذا القرآن عن
رسول الله ، عن جبريل ، عن الله ، فهذا الكتاب الذي بين أيديكم
هو الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتمام
والكمال ، وهذه قضية إيمانية .

( سورة الحجر ) .
3 – الحروف المقطّعة في القرآن
نصف حرف اللغة العربية :
أيها الإخوة ، شيء آخر : هذه
الحروف حروف المعجم 28 حرفاً ، الحروف المقطعة 14 حرفاً ، نصف
الحروف بالتمام والكمال ، والحروف لها صفات في علم التجويد
الهمس ، والتفخيم ، والترقيق ، والصفير ... إلخ .
نصف خصائص الحروف في هذه
الحروف الـ14 ، بعض الآيات أو بعض السور تبدأ بحرف واحد :

( سورة ق ) .

( سورة ص) .

( سورة القلم ) .
بعض الحروف المقطعة حرفان ،
حاء ، ميم ، بعض هذه الحروف ثلاثة حروف ، ﴿ الم ﴾ ،
بعض هذه الحروف أربعة حروف كسورة الأعراف : ﴿ المص ﴾ ،
بعض هذه الحروف خمسة .

( سورة مريم الآية : 1 ) .
4 – المعنى الراجح للحروف
المقطّعة :
مجموع الحروف أربعة عشر ،
التفسير السهل والمريح أن الله أعلم بمراده والتفسير الآخر ،
كما يقال : الرأي والرأي الآخر ، والتفسير الآخر أنها أوائل
أسماء الله الحسنى ، ألف : الله ، لام : لطيف ، ميم : محمود .
وبعضهم قال : إنها أوائل أسماء
رسول الله لأنه جاء بعدها في الأعم الأغلب كاف الخطاب .

( سورة طه ) .
يا طاهر من الذنوب ، يا هادياً
إلى علام الغيوب .

( سورة طه الآية : 2 ) .
المرجح أنها أوائل أسماء رسول
الله ، لأن كل هذه الحروف يأتي بعدها كاف الخطاب .
بعضهم قال وهو ورأي وجيه : أن
هذه الحروف بين أيديكم ، وأنها قوام لغتكم ، وهذا القرآن
يتحداكم ، المادة الأولية عندكم ، بين أيديكم ، وهذا القرآن لن
تستطيعوا أن تأتوا بسورة منه ، بل ولا بآية ، هذا هو التحدي ،
المادة الأولية بين أيديكم ، هي حروف ، إذاً لك أن تقول الله
أعلم بمراده.
إخواننا الكرام ، تصوروا لو أن
النبي فسره لانتهى القرآن ، وهو سيد الخلق ، لأن لا يعرف الله
إلا الله ، ولا يعرف كلام الله إلا الله ، نجتهد نحن جميعاً.
لذلك القرآن ليس ملك أحد ،
فالذي قال : الله أعلم بمراده معه الحق ، ومعها وجهة نظر ،
الذي قال : أوائل أسماء الله الحسنى مقبول ، والذي قال : أوائل
أسماء النبي لوجوب كاف الخطاب ، والذي قال : هذا القرآن المعجز
من هذه الحروف ، فأتوا بمثله إن استطعتم لا تستطيعون .
وبعض علماء القلوب قال : ألف
من أقصى الحلق ، واللام من وسطه ، والميم من الشفتين ، يعني
هذه الحروف تغطي كل مخارج الحروف ، من أقصى الحلق ، إلى أوسط
الفم ، إلى الشفتين ، والصاد لأن في هذه السورة قصص الأنبياء ،
كلٌ يدلو بدلوه ، وكلام الله معجز ، لك أن تختار من هذه
التفسيرات ما يروق لك.
أيها الإخوة الكرام ، في درس
قادم إن شاء الله نتابع تفسير الآية التي تلي هذه الآية.
والحمد لله رب العالمين