|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "05 / 16" من تفسير سورة
هود (011)
: الآيات : 25 – 28 لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم
علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ،
وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا إتباعه وأرِنا الباطل باطِلاً
وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون
أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا
في سورة هود إلى قوله تعالى :

[
سورة هود
]
الإرسال أوَّلاً دليل
رحمة الله سبحانه وتعالى ، مُعَلِّمٌ يُدرِّسُ طلابه ، فإذا
وجَدَ في أحدهم تَقصيرًا هل يدَعُهُ إلى الامتحان كي يرْسب ؟
لا بدّ من أن ينْصحَهُ ، ولا بدّ من أن يضيّق عليه فَمُجرّد
إرسال الأنبياء للعِباد دليل رحمة الله سبحانه وتعالى ، إنَّ
الله أمر عباده تخييرًا ، ونهاهم تَحذيرًا وكلَّف يسيرًا ،
ولم يُكَلِّف عسيرًا وأعطى على القليل كثيرًا .
أما كلمة أرسلنا بِضَمير الجَمع ، معنى
ذلك أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى تدخل فيها كلّ أسمائه ،
فأيّ فِعْلٍ لله عز وجل فيه رحمة ، وفيه لُطْفٌ وفيه عَدْلٌ ،
وفيه غِنًى ، وفيه تَقْديرٌ ، وفيه عِلْمٌ ، وفيه خِبْرةٌ ،
إذا تحدَّث الله سبحانه وتعالى عن ذاته استخدم ضمير المفرد ، ،
قال تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ
لِذِكْرِي(14)
[
سورة طه
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
رحمة وعلم ، وخِبرة ، وحكمة ،
وقوّة ولُطْفٌ ، كلّ هذه الأسماء الحسنى مجتمعة في هذه ال نا
الدالة على الفاعلين ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
هذا الذي أرسله صَفْوَةُ القوم قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ
وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ(33)
[
سورة آل عمران
]
فالأنبياء هم صفوة الخلق كما قال الله سبحانه
وتعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ
الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ
مُكْرَمُونَ(26)
[
سورة الأنبياء
]
صَفْوَة الخلق الأنبياء ،
وصَفْوَةُ الصَّفْوَة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم ،
قال تعالى :

[
سورة هود
]
نُسِبوا إليه تشريفًا لهم
، قَوْمِهِ ، ونحن مِن أُمَّة سيّدنا محمَّد صلى الله عليه
وسلَّم نُسِبْنا إليه تَشْريفًا لنا ، تشَرَّفْنا به فإن
نُسْبْنا إليه ينبغي أن نكون عند أمره ونهْيِهِ ، قال تعالى

[
سورة هود
]
ما معنى الإنذار ؟ هو بيان الأخطار ،
وبيانُ طُرُق الوِقاية منها هذا هو الإنذار ، والإنذار لا يكون
بعد فوات الأوان ، لابدّ مِن أن يأتي في الوقت المناسب ،
فالإنذار بيان الأخطار ، ولكن هذا الإنذار مُبين !
أحيانًا ينهاك الطبيب عن المِلْح ويسكت ، أنت
لا تعرف لِمَ ينهاكَ ؟ فلو كان طبيبًا حكيمًا لبيَّنَ لك مضارّ
المِلح ، المِلح الزائِد يحْبس في الجسد سوائل زائدة ،
والسوائل الزائدة تجعل من الشرايين منتفخة ، يرتفع الضغطُ يجهد
القلبُ ، بالملح الزائد ، إذا أنذرتَ المريض بمغبّة تناوله
الملح و بيَّنت له كيف أن الملح يرفع الضغط و يجهد القلب فهذا
إنذارٌ مع تبيين ، فالإنذار وحده لا يكفي ، ربُّنا عز وجل
حينما ينذرنا يبيِّن لنا أخطار مغبَّة الذي ينذرنا ويحذرنا منه
، قال تعالى :

[
سورة هود
]
الإرسال رحمة و "نا "دليل أن أسماء الله
الحسنى كلها داخلة في هذا الإرسال "نوحا" صفوة القوم " إلى
قومه إني لكم نذير مبين " يعني أن الله سبحانه و تعالى في
كماله مطلَق ، لذلك الكامل لا يقرِّب إليه إلا الكامل أما بنو
البشر لأسباب خاصة و لأسباب تتعلَّق بمصالحهم يقربون إليهم من
هم ليسوا في مستوى هذا التقريب ، لكنَّ الله سبحانه و تعالى لا
يقرِّب إليه إلا مَن كاملا رحيما لذلك فالنبيُّ عليه الصلاة و
السلام كان أرأفَ و أرحم الخلق بالخلق ، استخلف أبا بكر و قال
أرأف أمتي بأمتي أبو بكر واستخلف أبو بكر عمر و قال : أرحم
أمتي بأمتي ، هؤلاء الكُمَّل لا يقرِّبون إليهم إلا من كانوا
على شاكلتهم ، لذلك طرق القرب من الله عز وجل أسبابها الكمال
، أما الإنسان قد يقرِّب إليهم من كان شرِّيرا و من كان ناقصا
لمصلحة ما ، و لكن الله سبحانه و تعالى إذا اصطفى الأنبياء فهم
صفوة البشر ، لذلك دُعِي النبيُّ عليه الصلاة و السلام إلى
التمثيل بقتلى قريش لشدّة ما عاندوه حينما كانوا أحياء ،
ولشدَّة ما أساءوا إليه و لشدَّة ما ضيَّقوا عليه و لشدة ما
تآمروا على قتله و لشدة ما أخرجوه من بلده فقيل له : مثِّلْ
بهم ، فقال عليه الصلاة و السلام : لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله
بي ، ولو كنت نبياً ولقد جاءه جبريل و قد ردّه أهل الطائف
فقال يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك لو شئتَ لأطبَقت
عليهم الجبلين ، قال : اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لا
يا أخي عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللهَ ، هكذا
الأنبياء و هكذا الصدِّيقون و هكذا المؤمنون ، و لن يكون
المؤمن مؤمنا إلا إذا كان كاملا ، قال عليه الصلاة و السلام :
" مَن حدَّث الناسَ و لم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم و عاملهم
فلم يظلمهم فهو ممن كملت مروءته و ظهرت عدالته و وجبت أخوَّته
و حرمت غيبته ، صار مقياس الرفعة في سلَّم الإيمان الخلق الحسن
، ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن و لم يُوصف النبيُّ
عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم إلا بصفة واحدة و هي
الخلق الحسن ، قال تعالى : وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)
[
سورة القلم
]
وما جاء الأنبياء إلا ليرقوا بأتباعهم
إلى المستوى الرفيع ، قال عليه الصلاة و السلام : إنما بعثت
معلماً ، فَعَنْ مَالِك أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ *
[رواه
مالك]
فالخلق الحسن و
السُّموُّ النفسي هذا هو الهدف الأكبر من الدين ، تسمو نفوسنا
فنصبح أهلا لأن نكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، تسمو نفوسنا
كي نكون أهلا لجنة عرضها السماوات و الأرض ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
الإنذار تبيان الأخطار و تبيان
طرق الوقاية منها و تبيان مضار الأذى وأخطاره قال تعالى :

[
سورة هود
]
لم يقل الله عز وجل أن اعبدوا
الله هناك آيات أن اعبدوا الله ، أما الآية هنا :

[
سورة هود
]
هذا النمط الإزدواجي قد يعبد الإنسانُ
ربَّه و يعبد مع ربه جهةً أخرى هذا هو الشرك ، أما النهي هنا
: ألا تعبدوا إلا الله ، يجب أن تعبد الله و لا أحد مع الله ،
و العبادة الطاعة التي يسبقها معرفةٌ بالله عز وجل و تعقبها
سعادة بسبب القرب منه ، قال تعالى :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ(56)
[
سورة الذاريات
]
وقال تعالى :

[
سورة هود
]
يعني إذا تورَّطتم في عبادة غير الله فلا
بد من يوم فيه عذاب أليم ، لكنَّ الحبل مرخى ، و الجاهل يغترُّ
بإرخاء الحبل ، و لكن إذا أزفت الآزفة ليس لها من دون الله
كاشفة ، يُشدُّ الحبلُ و يقع الإنسان فريسة عمله السيئ ، قال
تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ
يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)
[
سورة هود
]
العاقل هو الذي يحتاط
للأمور قبل وقوعها ، و الجاهل هو الذي يعيش لحظته ، يعيش وقته
يعيش عصره كما يقولون ، مع الناس و مع ضلالاتهم و مع
انحرافاتهم مع علاقاتهم المشبوهة التجارية مع أكلهم الحرام
مع أكلهم الربا مع الاختلاط ، يقول : أنا مع الناس ، و
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ
أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا
أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ
أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا *
(رواه الترمذي)
و ما أنا إلا من غزِية إن
غوتْ غويتُ و إن ترشد غزيةُ أرشدِ
هذا الذي يقول : أنا
مع الناس ، مع العادات التقاليد مع ظروف البيئة ، مع معطيات
الحياة ، مع تيارات الحياة مع عصر العلم مع عصر الانفتاح ، هذا
الذي يضع الشَّرعَ وراء طهره و يضع هذا الكتاب الذي أنزله
ليكون دستورا لنا يضعه خارج اهتمامه و يعيش وقته و لحظته و
يأخذ و يعطي و يفعل ما يحلو له من دون ضابط من كتاب الله و من
دون أن يكون وقَّافاً عند كتاب الله ، أمره خطير فسيِّدنا عمر
رضي الله عن عمر كان وقَّافا عند كتاب الله ، و المؤمن طوال
ليله و نهاره يطرح على نفسه هذا السؤال ، هل هذا العمل الذي
أفعله مطابق للشرع ؟ و هل يرضى الله عنه ؟ و هل فيه زيغٌ ؟ و
هل فيه انحراف ؟ و هل فيه تقصيرٌ و هل فيه تجاوزٌ ؟و هل فيه
بغيٌ و هل فيه عدوانٌ ؟ هل فيه خروجٌ و هل فيه فسقٌ ؟هذا الذي
لا يسأل لا يبالي و إذا بالَ فمِن بال يبول ، ولا يبالي ، يعني
إذا كان عمله صحيحا أم غير صحيح أكان مستقيما أم غير مستقيم
أكان عمله مطابقا للشرع ام غير مطابق ، كلمته الثابتة يعني لا
يبالي ، فالله سبحانه و تعالى يقول

[
سورة هود
]
إذا كنت تصلي و تصوم و تحج و تزكي فأنت
لا شك تعبد اللهَ ، و لكن هل : لا تعبدوا إلا الله ، إن فعلتَ
هذه العبادات فأنت تعبده و لكنَّ المهمَّ النهيُ : ألا تعبد
إلا الله ، هل تعبد مع الله جهةً أخرى ؟ ، إنه من ضعف اليقين
أن ترضيَ الناسَ بسخط الله ، هذا من ضعف اليقين، ربُّنا عز وجل
و صف حالتين مرضيتين الحالة الأولى ، وهي قوله تعالى
: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ
النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ
رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ
اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ(10)
[
سورة العنكبوت
]
دقة الآية متناهية ، قال تعالى :
فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ
النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ
[
سورة العنكبوت
]
يعني جعل ما يفعله الناسُ معه تضييقا
عليه كعذاب جهنم فعندئذٍ يُحجِم عن الطاعة خوفا من الناس يحجم
عن حضور مجلس علم لكلمة قالها أحدُهم يحجم عن عمل صالح لكي لا
يُظنَّ به كذا كذا ، يحجم عن قول المعروف لئلا يُظنَّ به كذا
كذا ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام أثنى في بعض الأحاديث على
الرجل الذي إذا تكلَّم غنِم و إذا سكت سلم ، و لكنَّ أهل
الدنيا يتكلمون فيأثمون و يسكتون فيأثمون ، يتكلمون بالباطل
فيأثمون و يسكتون عن الحق فيأثمون، لكن المؤمن هذا حاله : رحم
اللهُ عبدًا تكلم فغنم أو سكت فسلم ، و قال تعالى :
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ
أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى
إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(57)
[
سورة القصص
]
يعني هذا الذي يقول مثل هذا الكلام هو
منافق لا شك ، هذا الذي يقول إذا طبَّقتُ الشرع أخاف على نفسي
أو أخاف على دخلي أو أخاف على رزقي ، و لو حضرتُ معكم مجلس علم
أخاف على رزقي أن ينقطع ، هذا الذي يقول هذا منافق و ربِّ
الكعبة ، قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ
نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ
ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(57)
[
سورة القصص
]
هكذا يجب أن تكون أخلاق عباد الله عز
وجل ، هذا الذي أطاعه هذا الذي استقام على أمره وهذا الذي دخل
بيته ليتعلم شرعه و ليتعلم قرآنه أيفعل الله به ما تظنون قال
تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمْ
الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ
وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)
[
سورة آل عمران
]
لا تخافوهم ، ألا تعبدوا إلا
الله فرقٌ كبير بين أن يقول الله سبحانه و تعالى أن اعبدوا
الله و بين أن يقول سبحانه و تعالى :

[
سورة هود
]
فرق كبير بين أن تقول نعبد اللهَ وبين
أن تقو ل : إياك نعبد " حينما تقدَّمت إياك على نعبد أفادت
الحصرَ ، يعني لا نعبد إلا الله ، قال تعالى
:قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا
أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا
أَعْبُدُ(3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ
دِينِ(6)
[
سورة الكافرون
]
لا بدَّ من التمايز،
إذا كنتَ مختلطًا مع الكفار فهذا يذيب الإيمانَ كما يذوب
الملح في الماء ، تذوب فيهم تتعلم منهم يسحبونك إلى صفهم
يقلِّبونك كما يريدون ، أنت كمؤمن يجب أن تبقى متميِّزا عنهم ،
و لا تذهب حيث يذهبون و لا تجلس حيث يجلسون و لا تخض في حديث
كما يخوضون و لا تنظر كما ينظرون و لا تسمر كما يسمرون ، هذا
معنى قوله تعالى :
لَا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3)وَلَا
أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا
أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)
[
سورة الكافرون
]
إن تميِّزت عنهم حفظك الله عز وجل ، قال تعالى
: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ
لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ
أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)
[
سورة الكهف
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
يعني إذا تورَّطتم و عبدتم غير
الله ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
الملأ هم علِيَّة القوم الذين يملئون
السمع و البصر قال تعالى : وَإِذَا
رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا
تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
[
سورة المنافقون
]
ثيابهم فاخرة و بيوتهم واسعة و
مركباتهم فارهة و حياتهم ناعمة هؤلاء علية القوم ، الأغنياء
منهم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
أي أنت واحدٌ منا تأكل
كما نأكل و تشرب كما نشرب و تمشي في الأسواق و تأكل الطعام ،
ومن قال إن الأنبياء لا يأكلون الطعام و لا يمشون في الأسواق ،
يعني هم مفتقرون إلى الطعام و من أجل تأمين الطعام هم مفتقرون
إلى العمل ، هذا الإنسان ، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ،
بشريتهم حجبتهم عن حقيقتهم ، إذا التقيتَ بأكبر جرَّاح قلب في
العالم ما ذا سوف تُريك عيناك منه؟ أترى له رأسين ؟ لا سترى
رأسا واحدا ، أربع أيدي ؟ لا بل يدين اثنتين ، مثلك ، نعم إنه
مثل أيِّ إنسان آخر إنه أكبر جرَّاح قلب في العالم ، وقد أجرى
مائة ألف عملية قلب مفتوح و نجحت كلها ، وهو الذي امتلأ علما و
خبرة في القلب ، لكنه له عينان كعيني فلان ، له أذنان كأذني
فلان ، له رأس كرأس كل إنسان ، له قامة منتصبة ، إذاً هو كغيره
من الناس ، امتاز عنهم بعمله وخبرته ، وكذلك الأنبياء هم في
أجسامهم كغيرهم من الناس ، لكنهم امتازوا برسالتهم ونبوتهم ؟!
هؤلاء الكبراء هؤلاء علية القوم هؤلاء الذين يملئون عين أهل
الدنيا ، هؤلاء الملأ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
أنت مثلنا ، الله سبحانه و تعالى قال
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[
سورة فصلت
]
بمعنى أن في جوانحي
عواطف و أحاسيس ، اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر و أرضى
كما يرضى البشر، يجوع و يعطش و يشعر بالحرِّ و يشعر بالقرِّ و
يشعر بالدفء ويتزوج و يأتيه أولاد ، إنه بشر و لكن لا كالبشر ،
محمدٌ بشرٌ و ليس كالبشر بل هو جوهرة و الناس كالحجر ، الجوهرة
حجر هي حجَر و ليست كالحجر ، حجر كريم قطعة الألماس بحجم
الحِمصة يزيد ثمنها عن سبعين ألف ليرة ، و اذهب إلى سهول حوران
و انظر كم فيها من أحجار ؟ محمَّدٌ بشر و ليس كالبشر ، بل هو
ياقوتة و الناس كالحجر
فإن تفُقِ الأنامَ فأنت
منهم فإن المسكَ بعض دم الغزال
أي أنت منهم ولكنك فقتَهم ،
قال تعالى :

[
سورة هود
]
فإذا قال لك فلان مؤمن كبير ماذا ترى فيه
؟ له جسد كسائر الناس، سيدنا ابن مسعود كان أسمر اللون قصير
القامة صعد شجرةً فخفق الريحُ بثوبه فبدتْ ساقاه نحيلتين
فتبسَّم بعض الصحابة ، انتبه النبيّ عليه الصلاة و السلام فقال
عليه الصلاة و السلام : أتعجبون من دقَّة ساقي ابن مسعود إنهما
يوم القيامة كأحُد وزناً ، سيدنا ابن الوليد رضي الله عنه أبو
سليمان خالد بن الوليد كان قصير القامة أسمر اللون لكنه خاض
مائة معركة أو زُهاءها و ما في بدنه كما يقول وهو على فراش
الموت موطن شبر إلا و فيه ضربة بسيف أو طعنة برمح ، عزلَه
سيدنا عمر فجاءه إلى المدينة فقال : يا أمير المؤمنين لِمَ
عزلتني ، خاف أن يكون قد اقترف إثمًا ، أو فعل شيئًا لأنَّ
رضاء عمر مِن رِضاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ورِضاءُ
رسول الله مِن رِضاء الله ، هكذا قال سيّدنا عمر : كنتُ سيف
رسول الله المَسْلول ، وكنتُ جِلْوازهُ وخادمه ، فكان يُغْمدني
إذا شاء ، وتُوُفيّ وهو عنّي راضٍ فالحمد لله على هذا كثيرًا
فهذا رأى رِضاء رسول الله عنه أكبر ثَرْوَة
يَحْمِلها ، ثمّ جاء أبو بكر وكنت خادمه وجِلوازه ، وسيف الله
المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء ، وتُوفّي وهو راضٍ
عنّي فالحمد لله ، لقد صَعِد عمر المِنبر
لِيَخطب بعد أبي بكر ، انتبَهَ الناس أنَّه هبط درجة ، ثمّ قال
: ما كان الله لِيَراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر ، فكان
يقف على درجة أدنى من آخر درجة ، لأنّ هذه الدرجة الأخيرة هي
مقام سيّدنا أبي بكر ، فما بالك في الأيام هذه ؛ فعلى الناس
أن يحفروا خندقًا إذا قاموا خطباء! ما كان الله لِيَراني أن
أرى نفسي في مقام أبي بكر ! علماء حكماء كادوا أن يكونوا مِن
فقهِهم أنبياء ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
معنى كلمة أراذلنا ، هذه الكلمة لها
معنى لغوي ؛ تعني ضعفاءنا وفقراءنا ، وهذه الكلمة فيها
استعلاء ، هؤلاء الذين اتَّبعوك من الطبقة الدنيا في المجتمع
فقراء أصحاب مصالح، أصحاب حِرف ، يكسبون قوت يومهم ولا شأن لهم
، بيوتهم صغيرة ، أموالهم قليلة ، حياتهم خشنة هؤلاء لا نرضى
أن نجلس معهم ، ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا قال عليه
الصلاة والسلام وقد دخل عليه صحابيّ فقير : أهْلاً بِمَن
خبَّرني جبريل بقُدومه ! قال : أَو َمثِلْيِ ؟! قال : نعم ، يا
أخي هو خامل في الأرض ، علَمٌ في السماء ، وربّ أشعث أغبر ذي
طمرين مدفوعٍ بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبرَّه ! قال تعالى
: إِذَا وَقَعَتْ
الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ
رَافِعَةٌ(3)
[
سورة الواقعة
]
قال : أتُحِبّ أن تكون نبيًا ملِكًا ،
أم نبيًّا عبْدًا ؟ فقال : بل نبيًا عبْدًا ؛ أجوع يومًا
فأذْكُره، وأشبعُ يومًا فأشكرهُ ! دخل عليه عمر رضي الله عنه
فرآه مضطجعًا على حصير وقد أثَّر في خدِّه الشريف ، فقال :
رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ينام على الحرير ، فقال: يا
عمر ، إنّما هي نبوّة وليْست ملكًا ، أما ترضى أن تكون الدنيا
لهم والآخرة لنا ، أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا
أُذن سمعَت ولا خطر على قلب بشر ! قال تعالى :
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)
[
سورة السجدة
]
وقال تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا
تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)
[
سورة محمد
]
قال تعالى : لَا
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)
[
سورة آل عمران
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
هؤلاء ضِعاف ، فقراء
ولهم حِرفٌ قميئة لا نرضاها ، ولا نجلس معهم وليْسُوا في
مستوانا ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ
تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي
لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ كانت تَأْكُلُ
الْقَدِيدَ *
[رواه
ابن ماجه]
ودخل سيدنا عمر المسجد فداس على يد أحد
المصلين ، و يبدو أنه تألَّم فقال : أأعمى أنت ؟ قال : لا فقال
له مَن معه أيخاطبك هكذا ؟ قال : سألني فأجبته ، والنبيُّ عليه
الصلاة والسلام كان متواضعا كان يجلس جلسة العبد و كان يخصف
نعله و يرفو ثوبه و يحلب شاته و كان في مهنة أهله و كان يصغي
الإناء للهرة و ربما أخذت بيده الجارية الصغيرة فقادته في
أطراف البيت ، هكذا كان الأنبياء أما الذين يستعلون في الأرض
فإنهم ينبذون ، فقال تعالى : تِلْكَ
الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ(83)
[
سورة القصص
]
سيدنا بلال عبدٌ حبشي ،
كان عبدا مملوكا عند أمية بن خلف و كان يعذِّبه لأنه آمن ويقول
أحد أحد ، أراد الصدَّيق رضي الله عنه أن يشتريه و يعتقه فذهب
إلى سيِّده ونقده الثمن و أراد أن يعلن عن أخوَّته فوضع يدَه
الكريمة تحت إبط بلال ، و أن تضع يدك تحت إبط أخيك هذه رمز
المودَّة و الأخوَّة و التساوي ، فاغتاظ أمية والد صفوان و قال
: و اللهِ لو دفعتَ به درهما واحدا لبِعتُكَهُ فأراد الصدِّيقُ
أن يرفع من شأن بلال ، قال : واللهِ لو طلبتَ له ثمنا مائة
ألفٍ لأعطَيتُكَها ، هذا أخي حقًّا ، هذا الإسلام ، طبقة
واحدةٌ ، الطبقية غير موجودة بين المسلمين ، قال تعالى

[
سورة هود
]
لا طبقية في الإسلام ،
مقياس رفعة الإنسان عند الله طاعتُه لله كان يقول عليه الصلاة
و السلام إذا دخل عليه سعد ، هذا خالي ، توَدُّدا له ، أروني
خالًا مثل خالي عيَّنه سيدُنا أبو بكر قائدا لجيش القادسية
و قال له : يا سعدُ لا يغُرَّنك أنه قد قيل : إنك خال رسول
الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه و بينهم قرابة
إلا طاعتهم له ، على جنب النبيِّ الأيسر كان يجلس رجل عظيم
الشأن في قومه ، جاءه ملَكُ الموت طلب قميص رسول الله فقال :
أعطوه قميصي ، الآن استقرَّ في جهنم كأنه حجرٌ يهوي سبعين
خريفا إلى قعرها مهما كنتَ قريبا جسميا من رسول الله لا ينفعك
إلا عملُك ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
بادي الرأي ، يعني هم
تسرَّعوا و آمنوا ، بدا لهم أن دعوتك حقٌّ فآمنوا بها ، لم
يتعمّقوا ولم يحلِّلوا النوايا ولم يتفهموا ، هؤلاء الكفار
الماكرون يشوّهون كلَّ شيء و يظنون السوء بكلِّ شيء ، كلما
دعوتَهم إلى الله عز وجل قالوا : ماذا يريد من هذه الدعوة ، و
ماذا يبتغي منها ، أن يعلُوَ علينا و أن يستعليَ في الأرض ، و
أن يخضعنا ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
يعني هم اتّهموا هؤلاء الرَّعاع على
حدِّ زعمهم أن رأيهم متسرِّع ، بدا لهم سريعا أن هذه الدعوة
على حقِّ فآمنوا بها ، لم يحلِّلوها و لم يتريَّثوا و لم
يتدبَّروا ، لذلك هؤلاء الذين حلَّلوا و قالوا : هذا النبيُّ
رجلٌ ذكيٌّ يريد أن يجمع قومَه وأن يستعليَ علينا فكفروا به
كانوا في جهنم و بئس المصير ، إذا دُعِيتَ إلى الحقِّ فاستجِبْ
، قال تعالى :يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ
لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)
[
سورة الأنفال
]
باديَ الرأي يعني أنهم قالوا :
اتخذوا هذا الرأي السريع و اعتنقوه ديناً وعقيدة لم يكن رأيهم
متعمِّقا ، و لم يحلِّلوا و لم يشكِّكوا ، بادي الرأي ، قال
تعالى :

[
سورة هود
]
دائما هذه كلمة الكفر ، و الكفار يعلنون
دائما ، أن المؤمنين ليسوا أفضل منهم ، يقول أحدهم : صحيح أنا
لا أصلِّي و لكن قلبي نظيف ونسي أن الصلاة عماد الدين من
أقامها أقام الدين ، قال تعالى :أَرَأَيْتَ
الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)
[
سورة العلق
]
راقِبْه أين يسهر ، و كيف معاملته للناس ، إذا
اقترض منهم مالا فهل يؤديه لهم ؟ نفسُه الدنيئة و مواعيده التي
يخلفها ، حبُّه لِذاته ، استعلاؤه و أنانيته ، قال تعالى :أَرَأَيْتَ
الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)
[
سورة العلق
]
قال تعالى :

[
سورة هود
]
من صفات الكفار أيضا
التحفُّظ والتشكيك في التعبير ، يعني أن أحدهم يقول : يبدو لي
أن هذا القول منطقيٌّ و لكنَّني مُتشكِّك ، ويقول : أنا متفائل
، ولست متفائلاً يعني بين بين ، ولستُ متفائلا ، كيف أنت إذًا
لقد حيَّرتَنا ، دائما يقول عبارات لا تستطيع أن تفهم منها
شيئا عن موقفه و لا أن تفهم منها شيئا عن حاله ، قال تعالى

[
سورة هود
]
يعني معي هذا الكتاب ومعي هذه
الحجّة ، ومعي هذا المنطق ، قال تعالى

[
سورة هود
]
تجلَّى على قلبي ، أسعدني
رفعني رفع ذِكري ، قال تعالى

[
سورة هود
]
لم يقل الله عز وجل :
فعمَّاها الله عليكم ! لا ، فَعُمِّيَتْ عليكم أيْ حبّكم
للدنيا حجَبَكم عن هذه الحقيقة وحبّكم للعلوّ في الأرض
حجَبَكم عن هذه الحقيقة ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
المؤمن في سعادة ينكرها
عليه المنافق ، أو الكافر ، لِسان حال المؤمن أن يقول : أنا
سعيد بِهذا الدَّخْل القليل ، وبهذا البيت الصغير ، وبهذه
الزوجة ، وبهذا العمل المتواضع ، مالي حلال وأنام مطمئنًا ، لم
أبنِ ثروتي على فقر الآخرين ، ولم أبْنِ مجدي على أنقاضهم ،
ورفعتي على تعاستهم ، وحياتي على موتهم ، وأنا سعيد راضٍ عن
الله ، والله راضٍ عنِّي ! لا ، قال تعالى

[
سورة هود
]
فهذا الزَّعم الذي يزعمه الكفار لأنَّهم
يروا أنفسهم في مستوى أرفع من عامة الناس هو زعْمٌ باطل ،
كلّكم لآدم وآدم من تراب ، والناس رجلان برّ تقي كريم على الله
، وفاجر شقيّ هيّن على الله ، قال تعالى :يَاأَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)
[
سورة الحجرات
]
اسمعوا وأطيعوا ولو تولّى عليكم عبْد
رأسُه كالزبيبة ، وأنا جدّ كلّ تقيّ ولو كان عبداً حبشيّا ،
تروي السيرة عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ
أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى
غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي
سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِيَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ
فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ
اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ
يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا
يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ
كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ *
[رواه
البخاري]
كلّنا لآدم ، وهذا هو الإسلام
، فأبو ذرٍ ساوى غلامه بنفسه عندما ألبسه مثل حلته .
قال تعالى :

[
سورة هود
]
على بيّنة ، تركتكم على
بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك والأمور واضحة
جدًّا في الدِّين ، أين كنَّا ؟ وما سِرّ وُجودنا في الأرض ؟
وما الشيء الذي ينفعنا في الدنيا ؟ وماذا ينبغي أن نكون ؟ وإلى
أين نحن ذاهبون ؟ ماذا بعد الموت ؟ الأمور واضحة ، تركتكم على
بيضاء نقيَّة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك قال تعالى
:

[
سورة هود
]
المؤمن مرحوم ، رحم الله
عبْدًا سَمحًا إذا باع ، سمحًا إذا اشترى ، سمحًا إذا قضى ،
سمحًا إذا اقتضى ، ورحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى ، الله
سبحانه وتعالى يرحمه ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
لا يعرف رحمة الله إلا
من كان محسنًا ولا يعرف رحمة الله إلا من كان مستقيمًا ، ولا
يعرف رحمة الله إلا من كان مقبلاً ومخلِصًا اسْتَقِم واعْمَل
صالحًا وأخْلِصْ وأقْبِل ، عندئذٍ قل لي ما الرحمة ؟ من أخلص
لله أربعين صباحًا تفجَّرَتْ ينابيعُ الحِكمة في قلبه ،
وأجراها الله على لِسانه ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
أنتم لا تريدونها ، أنتم
آثرتم الدنيا ، آثرتم جمْعَ الدِّرْهم والدِّينار ، آثرتم
بيتًا بالحرام ، ومحلاً تِجاريًا محرَّماً، وبضاعة محرّمة ،
وعلاقة ماليّة محرّمة وآثرتم الاختلاط وسرتم في مسارب أهل
الغرْب ، وتقليد الأجانب ، وآثرتم شهواتكم ، و آثرتم عاجل
دنياكم ، قال تعالى :

[
سورة هود
]
عندما يدخل شخص عند
الطبيب يجد عنده حوالي ثلاثين مريضاً ، وكلّ مريض تخطيط وكشف
بمائتي ليرة ، يجمع ويطرح ، فيجد دخله باليوم أربعة أو خمسة
آلاف ليرة ! فلعله يحسده ولكن لما كان هو يدرس ليل نهار ، أنت
أين كنت ؟! هو آثر العِلم ، وأنت ماذا آثرْت؟ الكسل والخمول ،
قال تعالى :

[
سورة هود
]
لا إكراه في الدِّين !
يجب أن تأتي إلى مجلس العلم طواعِيَة ، ومبادرةً منك ، وأن
تؤثر رضاء الله ، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى وأن تؤثر طاعة
الله ، فإذا آثرت هذا رحمك الله .
قال تعالى :

[
سورة هود
]
هذه علامة الصادقين ، قال تعالى
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا
وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)
[
سورة يس
]
قال تعالى : إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً
وَلَا شُكُورًا(9)
[
سورة الإنسان
]
علامة الإخلاص الترفّع عن
الدنيا ، لا تبتغي أجرًا ولا شكرًا ، ولا ذِكرًا ولا تنويهًا
، ولا تلميحًا ، ولا تصريحًا ، ولا إشادةً ، ولا شيئًا من هذا
القبيل ، فهذه قصّة من قصص الأنبياء اطلعنا عليها ، ولكنّ قصص
القرآن الكريم كلها وقائع و نحياها ، لأنَّ الإنسان هو الإنسان
، والكافر هو الكافر ، والمؤمن هو المؤمن ، والحق هو الحق ،
والباطل هو الباطل ، وقديمًا قالوا : التاريخ يعيد نفسه ، فأنت
إن دعوتَ إلى الله أصحاب المال المتْرفين عارضوك و أما إن دعوت
المفكِّرين الصادقين المستبصرين اتَّبعوك ، وهذه سنَّة الخلق ،
سنَّة الله في خلقه وقيمة الإنسان بإيمانه ، وأخلاقه ، ولو
كان من أراذل القوم أي من فقرائِهم ، ولو كان من كبرائهم وكان
بعيدًا عن الله عز وجل فهو في أسفل سافلين .
والحمد لله رب العالمين |