|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "17 / 17" والأخير من تفسير سورة
يونس (010)
: الآيات : 94 – 109 لفضيلة الدكتور محمد راتب
النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق
الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت
العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا،
وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل
باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة
المؤمنون ... وصلنا في تفسير سورة يونس إلى قوله تعالى
:
بالتأكيد ليس الخطاب لرسول صلى الله
عليه وسلَّم ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن في لحظةٍ
واحدة في شَكٍّ
مما أُنْزِلَ
إليه ، ولكن هذه الطريقة في التعبير القرآني فسَّرها بعض
المفسِّرين : أي قل لهم يا محمَّد
:
المعنيّون بهذه الآية
هم عبدة الأوثان في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان أهل
الكتاب في ذلك الزمن يتمتَّعون بمكانةٍ مرموقةٍ عند هؤلاء ..
عند عبدة الأصنام .. لأنهم أصحاب كتاب ، فأُمِرَ النبي عليه
الصلاة والسلام أن يخاطبهم بأنهم إذا كانوا في شكٍ من هذا
القرآن الكريم، فليسألوا أهل الكتاب : ألم يرد في كتبهم هذا
الذي جاء به القرآن الكريم من قصص الأنبياء ، ومن الوَعْدِ
والوعيد ، ومن الجنَّة والنار ؟ ..
لا تكونَنَّ من الممترين
أيضاً النهي قُصِدَ به هؤلاء الذين في شك ، والحقيقة الشك
حالةٌ خطرة ، الشَّاكُّ لا هو مؤمنٌ فيفيد من إيمانه ، ولا هو
ملحدٌ كافرٌ فيُضْرَبُ اسمه من قائمة المؤمنين ، لا هو مؤمنٌ
فيفيد ، ولا هو غير مؤمن فيُقْطَعُ الأمل منه ، إنه بينَ بينْ
، هذه الحالة من أخطر حالات الإنسان ، إنه متردِّد ، فمثلاً لو
أنك متأكِّد من أنه لو افتتح اكتتابٌ لبناء البيوت وثمن البيت
لا يزيد عن مائة ألف ، بيت صحّي ممتاز بمائة ألف ، والمبلغ
معك، لو كنت مُتَيَقِّناً من أن هذا المشروع سوف يُنْجَزْ في
الوقت المناسب ووفق المواصفات التي أُعْلِنَ عنها ، وأن هذا
المبلغ لا يعدل خُمْسَ ثمنه الحقيقي، ماذا تعمل ؟ إنك تبادر
إلى دفع المبلغ ، هذه حالة اليقين .
فكل إنسان لم ينطلق إلى العمل فهو في شَكٍ من
هذا الكتاب ، ما دام الإنسان يقف موقف المتفرِّج ، ما دام
الإنسان متردِّداً يقول لك : والله شيء يحيّر ، تجلس مع أخوة
الإيمان فتقتنع ، تجلس مع أهل الدنيا فتقتنع ، معنى هذا أنك في
شك ، الذي يعيق حركتك هو الشك ، لذلك قالوا : " اقطع الشكَّ
باليقين " ، أَيَّةُ حالةٍ أفضل من هذه الحالة ، إما أن تقول :
ما جاء في هذا الكتاب حقٌّ من عند الله إذاً انطلق إلى تطبيقه
، وإما أن تأتيني ببرهانٍ على أنه ليس من عند الله ..
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ
عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)
(
سورة المؤمنون
)
حالة الشك حالة خطيرة ، والإنسان عندئذٍ عزيمته
مثبَّطة ، قدراته معطَّلة ، نشاطه موقوف ، إمكاناته مُفَرَّغة
، اهتماماته أرضيَّة ، أهدافه ضبابيَّة ، هذه هي حالة الشك ،
وهذا الحال يصيب معظم المسلمين ، قل لمسلمٍ : هل أنت موقنٌ أن
هذا العمل فيه معصيةٌ للنبي ؟ يقول لك : الله يتوب علينا ، قل
له : هل هناك حسابٌ دقيق ؟ يقول لك : طبعاً ، فماذا تفعل ؟ كيف
توقن أن هناك حساباً ، وأن هناك جنَّةً وناراً ، وأنَّ هذا
العمل غير صحيح، وكيف إذا أنت مقيمٌ عليه ؟! شيء عجيب ، لذلك
أسعد الأشخاص هم المتوازنون عقليَّاً ، هذا المسلم الذي يعصي
الله هو مسلم مختل ، عنده اختلال داخلي ، ما حقَّق توازناً في
نفسه ، يوجد عنده انفصام شخصيَّة ، عقيدته في واد ، وعمله في
واد آخر ، تمنيَّاته في واد ، وواقعه في واد ، عنده انفصام
شخصيَّة ، وعنده خلل داخلي .
فمثلاً على مستوى الصحَّة ، عندما يكون عند
الإنسان مرض عُضال ، ويعطيه الطبيب أوامر مشدَّة مثلاً ألا
يأكل المِلح إطلاقاً ، عندما يكون عنده مرض عُضال وهذا المرض
يزيده تناول الملح ، فعندما يأكل الإنسان صحناً واحداً فيه ملح
يشعر بانقباض نفسي لأن هذا الصحن سوف يُسْهِم في تفاقم المرض ،
عندما يمتنع عن الملح إطلاقاً يشعر براحة نفسيَّة لأن الامتناع
عن الملح سوف يُسْهِم في شفائه من هذا المرض ، فالإنسان عندما
يقنع أن الملح سوف يؤذيه أذىً كبيراً ثم يأكل الملح فهذا أمره
عجيب ، فإما عنده انفصام في شخصيَّته ، أو غير متوازن، أو عنده
خلل، أو تمنيَّاته في واد ، وواقعه في وادٍ آخر ، هذه
الشخصيَّة الازدواجيَّة هي الشخصيَّة السائدة في العالَم
الإسلامي ، عواطف المسلم مع الدين ، تمنيّاته دخول الجنَّة ،
مخاوفه دخول النار ، وعمله يؤدِّي به إلى النار ويبعده عن
الجنَّة ، وينام قرير العين ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
"
عجبت لثلاث :
عجبت لغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وعجبت لمؤمِّلٍ والموت يطلبه ،
وعجبتُ لضاحكٍ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ عنه الله أم راضٍ
" .
فجزء كبير من السعادة يتحقَّق من الانسجام بين
عقيدة الإنسان وبين عمله ، إذا حصل انسجامٌ ، تناسق تحصل
السعادة ، وكل مسلم مقصِّر يوجد عنده انفصام في شخصيَّته ،
يوجد عنده خلل داخلي ، توجد عنده صراعات مزمنة ، والصراعات
المزمنة تؤدِّي إلى حالةٍ أخطر من الصراع وهي اللامبالاة .
فليكن موقفك
واضحاً ، هذا الكتاب إما أن تتأكَّد أنه من عند الله ، وأن ما
فيه من وعدٌ حقٌ
،
وأن ما فيه من
وعيدٌ حقٌ ، وإما أن تأتي ببرهان قاطع على أنه ليس كتاب الله ،
عندئذٍ افعل ما تشاء ، أما أنك معتقد أنه من عند الله وعملك لا
ينطبق عليه ، معتقد أن ما فيه هو الحق وتخالفه ، كيف تستسيغ
هذه الحالة ؟
والحقيقة هي أن الله
سبحانه وتعالى بيّن أن سبب الخسران الكبير هو التكذيب بآيات
الله ، و التكذيب بآيات الله يعيق الإيمان بالله ،و سبب
الخسارة التكذيب بآيات الله ، والمعنى المعاكس المُسْتَفَاد من
هذه الآية : طريق الإيمان بالله هو الإيمان بآيات الله ..
إِنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ(104)
(
سورة النحل
)
هذه الآية دقيقة جداً
، بعضهم قال : " أي أن هذا الذي كتب الله عليه أن يكون كافراً
منذ الأزل فلن يؤمن في الدنيا " . فما ذنبه ؟ لكنَّ بعضهم قال
في تفسير هذه الآية : " كلمات الله هي القواعد الأساسيَّة التي
يبني الله على أساسها تعامله مع الخلق " . الآن طلاب الجامعة
ما الذي ينظِّم العلاقة بينهم وبين إدارة الجامعة ؟ النظام
الداخلي ، لو بلغ الغياب عن هذا المقرَّر مثلاً عشر مرَّات
يُحْرَم من أداء الامتحان ، لو أدخل ورقةً فيها بعض الإجابات
يُحْرَم ست سنوات ، تنظيم العلاقة بين الطلاب وبين إدارة
الجامعة يتم عن طريق نظام داخلي ، فالعلاقات واضحة فيه ، فكل
مخالفةٍ لهذا النظام تقتضي العقوبة .
ولكن العلاقة بين العبد وربِّه ما الذي
ينظِّمها ؟ كلمات الله ، آيات الكتاب تنظِّم العلاقة ، فإذا
أَخَلَّ الإنسان بهذه القوانين فلن يؤمن ، من هذه القوانين أنه
يجب أن تفكِّر بآيات الله ، إن لم تفكِّر فلن تؤمن ، من هذه
القوانين أنه يجب أن تستقيم على أمر الله ، إن لم تستقم فلن
تؤمن، من هذه القوانين أنه يجب التقرُّب إلى الله بالعمل
الصالح إن لم تفعل ذلك لن تؤمن..
أي إذا انطبقت حالةٌ
على مخالفةٍ لكلمات الله فالنتيجة اليقينيَّة أن هذا الإنسان
لن يؤمن، فمثلاً : لن يصبح الطالب طبيباً إلا إذا دخل في
كليَّة الطب ، فالذي لا يدخل في هذه الكليَّة لن يكون طبيباً ،
هذا هو الطريق ، طريق الطب أن تكون طالباً في كليَّة الطب ..
لإعراض نفوسهم عن الله عزَّ وجل ،
ولاختيارهم الدنيا مهما أريتهم من آية لن يؤمنوا بها، لكن
العذاب الأليم هو الذي يخيفهم وهو الذي يحرِّكهم ، كما قلنا في
درس سابق
:
فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى
يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ(88)
(
سورة يونس
)
من طبيعة
الكافر أنه حسَّي ، يتعامل مع المحيط بحواسِّه فقط ، وليس
عقليَّاً ، فحتى تقع الخيانة في بيته يوقن أن الاختلاط مخالفةٌ
لقواعد الدين ، حتى يُتلف_ ماله كلُّه يؤمن بقوله تعالى
:
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا
(
سورة البقرة : من آية " 276
" )
حتى يرى النتائج المؤلمة رأي العين ، وحتى تكون
النتائج مدمِّرةً له عندئذٍ يؤمن ، فتعامل الكافر مع الأشياء
تعامل حسّي ، لكن المؤمن يتعامل مع الأشياء تعاملاً عقليَّاً ،
يرى النتائج قبل أن يصل إليها فيتلاءم معها في الوقت المناسب ،
العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، والغبي والأقل عقلاً يحتاط
للأمور حين وقوعها ، والعاجز هو الذي لا يحتاط للأمور لا قبل
وقوعها ، ولا حين وقوعها ، ولا بعد وقوعها ، لذلك قال عليه
الصلاة والسلام :
"
الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا
بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ
هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ"*
( سنن الترمذي : عن " شداد بن
أوس " )
الكافر حسي في تعامله مع المحيط ، والمؤمن عقلي
يعرف النتائج قبل أن يصل إليها
..
أي أن قوم يونس نموذج
لقومٍ كانوا في تيهٍ ، وفي ضلالٍ ، وفي عصيانٍ لله عزَّ وجل،
وضلالهم وعصيانهم وظُلْمهم أوردهم موارد الهَلَكَة واستحقّوا
به العذاب الأليم ، عذاب الخزي في الحياة الدنيا ، فلمَّا
آمنوا كشفنا ما بهم من ضر ..
وإذا انطبقت هذه الآية
على قوم يونس فإنها تنطبق على كل مسلمٍ مؤمنٍ في أي مكانٍ
وزمان ، إنسان معذَّب ، دخله قليل ، عنده أمراض، في بيته شقاق
زوجي ، بين أولاد من هو عاق ، لديه منغِّصات في العمل ، يعاني
من متاعب صحَّية ، و متاعب اجتماعيَّة : متاعب مع الجيران ،
أزمات خانقة ، لو أن هذا المُسْلِمَ تاب توبةً نصوحاً ، وأخلص
لله إخلاصاً تامَّاً ، واستقام على أمره ، وفعل الصالحات ،
عندئذٍ لابدَّ من أن يبدِّل الله له حياته تبديلاً جذريَّاً ،
لذلك أنا أقول دائماً : هؤلاء الذين يلتصقون بالدين التصاقاً
شديداً ، يتمسَّكون به ، يحرصون عليه ، لماذا هم كذلك ؟ لا
لأنهم قانعون بأن ما جاء به الدين هو الحق فحسبُ بل لأنهم رأوا
رأي العين النتائج الباهرة لمن يتَّبع قواعد الدين .
فأحياناً يكون هناك قناعة أن هذا المحل التجاري
الموجود في هذا الشارع الفلاني ، بهذه البضاعة سوف يربح
أرباحاً طائلة ، هذه قناعات ، لكن الذي يفتح هذا المحل ويملؤه
من هذه البضاعة ، ويباشر البيع والشراء، ويرى غلَّته كل يومٍ
خمسين ألفاً ، والتمسُّك الشديد بهذا المحل ليس لقناعاته فحسب
ولكن لهذه الغلَّة الكبيرة التي يجنيها كل يوم ، لذلك يحرص
عليه كحرصه على روحه ، فعندما يستقيم المؤمن على أمر الله
ويتبع قواعد الدين ، ويجد أن حياته تبدَّلت تبدُّلاً جذرياً ؛
صار سعيداً في بيته بعد أن كان شقيَّاً ، صار في عمله مطمئناً
بعد أن كان قلقاً ، صار في صحَّته متوازياً ومتوازناً بعد أن
كان مضطرباً ، إذا تبدَّلت حياة الرجل تبدُّلاً جذريَّاً فهذه
علامة صحَّة إيمانه وصدقه في طلب الحق ..
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ
بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
(
سوءة النساء : من آية " 147
" )
"
إن تابوا فأنا
حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب
لأطهِّرهم من الذنوب والمعايب
" .
إذاً قوم يونس عندما آمنوا بما جاء به يونس
عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام ، واتَّبعوه بإحسانٍ
وصدقٍ ..
أي أنك أيها المؤمن موعودٌ من قِبَل
الله عزَّ وجل خالق السماوات والأرض أن يمتِّعك إلى حين ، أن
يمتِّعك بصحَّتك ، أن يمتِّعك بسمعك ، أن يمتِّعك ببصرك ، أن
يمتِّعك بعقلك ، أن يمتِّعك بأجهزتك المختلفة ، أن يمتِّعك
بزوجتك ، بأولادك ، ببيتك
،
بعملك ، بدخلك
إلى حين ، إلى أن ينقضي الأجل ، لذلك لو وازنا بين حياة المؤمن
وحياة الكافر شتَّان ما بينهما
..
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)
(
سورة الجاثية
)
دع الآخرة ، دع ما بعد الموت وانظر لما قبل
الموت ، ما قبل الموت شتَّان بين حياة المؤمن وحياة الكافر ،
حياة المؤمن لها طعمٌ خاص ، لها مذاقٌ خاص ، تُخيِّم عليها
الطمأنينة، تخيِّم عليها السعادة ، ينعم المؤمن بالثقة بالله
عزَّ وجل ، تراه هادئاً ، مستسلماً ، متوكِّلاً ، مفوِّضاً ،
قانعاً ، راضياً ، راكعاً ، ساجداً ، صابراً ، متفائلاً ،
متطلِّعاً للآخرة ، زاهداً في الدنيا .
إذاً قوم يونس مثلٌ لكل قومٍ ضاقت بهم السُبُل
، واحْلَوْلَكَتِ الحياة في وجوههم ، وأصابهم ما أصابهم ، وكل
قومٍ في آخر الزمان يعانون من عذاباتٍ شتَّى ، يعانون من
أزماتٍ شتَّى ، إنهم لو فعلوا كما فعل قوم يونس لكشف الله عنهم
عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولمتَّعهم إلى حين ، وهذه الآية
تنطبق على الجماعات كما أنها تنطبق على الأفراد ..
فمثلاً : إذا كان مدرِّس
يدرِّس اللغة العربية ، وله ابن عنده في الصف ، وفي الامتحان
الحاسم وهو امتحان نهاية العام ، لو شاء هذا المدرِّس أن يملي
على ابنه الأسئلة قبل يوم وأن يعرِّفه بالأجوبة ، ألا يستطيع
هذا الابن أن ينجح نجاحاً باهراً في اليوم التالي ؟ لا شك ،
ولكن لو أنه أملى عليه الأسئلة والأجوبة وبقي جاهلاً في هذا
الكتاب وما فيه من حقائق هل هذا النجاح له قيمة عند الابن ؟ لا
، ولا عند الأب ؟ ولا ، عند الناس ؟ لا ، لو أن إدارة الجامعة
جاءت وأنعمت على أحد المواطنين بلقب الدكتوراه من دون أن يكون
أهلاً لها ، هل لهذه الشهادة قيمةٌ عند صاحب الشهادة ؟ لا
والله ، ولا عند أترابه ، ولا عند أقرانه ، ولا عند أهله، ولا
عند أصحابه ، ولا عند الناس ؟ ولا عند أحدٍ أبداً ، فالله
سبحانه وتعالى لو شاء لأكره الناس على الإيمان ولكن إكراه
الناس على الإيمان لا يُسْعِدُهم ، لذلك فالله سبحانه وتعالى
قال:
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
(
سوءة البقرة : من آية " 256
" )
هل القضية قضية إيمان أو عدم إيمان ؟
القضيَّة قضيّة سعادة أو شقاء ، الإيمان القسريُّ لا يسعد
الناس ، لا يسعدهم إلا أن يأتوا لله عزَّ وجل طائعين بمحض
اختيارهم ، لا يسعدهم
إلا أن
يحبُّوه ، فلو أكرههم فإنهم لا يحبُّونه
..
يا محمَّد
..
لا
..
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
(
سوءة البقرة : من آية " 272
" )
تعود كلمة يشاء على العباد ، أي أن العبد إذا
شاء الهُدى يهتدي ، أما أن تجبره على الهدى هذا مخالفٌ للسنَّة
، هذا مخالفٌ لسنَّة الله في الأرض ..
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
سوءة
البقرة : من آية 272
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
(سوءة القصص : من آية " 56 " )
إذاً كأن في
هذه الآية تسليةً للنبي عليه الصلاة والسلام
..
لا ، وهذا الكلام
أحياناً يوجَّه إلى الآباء ، قد تجد أباً يكاد قلبه ينفطر
حزناً لأن ابنه ليس على شاكلته ، نقول له : لا تحزن كل هذا
الحزن ، هُدَى ابنك ليس وفق مشيئتك بل وفق مشيئته هو ، فإن لم
يشأ الهدى لن تستطيع أن تلزمه أن يكون مهتدياً ، كل إنسان له
اختيار ، أنت وضِّح، وبيِّن ، وعرِّف ، وأنذر ، وحذِّر ، وراقب
فإذا أصرَّ الابن على موقفه فهذا اختياره وسوف يُحَاسَب عليه ،
إذاً :
أيضاً هذه الآية من
الآيات المتشابهات ، أي أن هذه النفس لن تؤمن إلا إذا سلكت
السبيل التي رسمها الله ، بهذا المعنى ، إذن فالله ليس عمله
اعتباطيَّاً ، إذن فالله ليس تصرفه مزاجيَّاً ، إذاً فالله
يقضي وفق خطَّةٍ دقيقةٍ رسمها للإنسان..
إِنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ(104)
(
سورة النحل
)
فلذلك
..
والله لا يأذن لنفس أن تؤمن إلا إذا
دفعت ثمن الإيمان وكانت أهلاً للإيمان ، إن كانت أهلاً للإيمان
ودفعت الثمن يأذن الله لها أن تؤمن ، فمثلاً نقول للطلاب الذين
تخرَّجوا حديثاً
من الشهادة
الثانويَّة : قدِّموا الأوراق للجامعة ، واختاروا الفروع التي
ترغبونها علماً بأن المعدَّلات هكذا ؛ الطب علامته كذا ،
الهندسة ، الصيدلة ، العلوم ، الرياضيات ، فهذا الذي نال مجموع
مائة درجة أو مائة وخمس درجات كتب في استمارة القبول طب ، هو
اختار الطب
،
ولكن تأتي
مشيئة الجامعة فترفض هذا الطلب ، لماذا ؟ لأنه لم يحقِّق
المجموع الذي يؤَهِّلَ صاحبه أن يدخل كلية الطب ، إذاً
:
فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلا(19)
(
سورة المزمل
)
وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ
(
سوءة الإنسان : من آية
" 30 " )
أي أن مشيئة
الإنسان مشيئة اختيار ، لكن مشيئة الله عزَّ وجل مشيئة فحصٍ
واختبار ، هل هو أَهْلٌ لهذا الفرع الذي كتبه ؟ هل حقَّق
المجموع الذي يناسب هذا الفرع ؟ إن كان كذلك تأذن إدارة
الجامعة بدخول هذا الطالب ذلك الفرع ، وإن كان ليس كذلك
يُرْفَض
الطلب ، إذاً
الأمر كله ينفذ
بإذن الله
وهذا الإذن وفق قواعد ثابتة ، ليس إذناً مزاجيَّاً ، ولا
اعتباطيَّاً ، ولا كيفيَّاً ولكنَّه إذنٌ مقنَّن .
هذا التعقيب فسَّر صدر
الآية ، أي أن هؤلاء الذين يعقلون يأذن الله لهم بالإيمان ،
وهؤلاء الذين لا يعقلون هم الذين يرفضهم الله عزَّ وجل ولا
يأذن لهم إطلاقاً بدخول الجنَّة ..
هذا هو الإذن قد وضِّح ، فإذن الله متعلِّقٌ
بالعقل فإن عقلت أذِنَ الله لك ، وإن لم تعقل لم يأذن الله لك
، لمَّا خلق الله العقل قال له
:
"
أقْبِلْ
فأقْبَل ثمَّ قال له : أدْبِر فأدْبَر ، قال : وعزَّتي وجلالي
ما خلقت خلقاً أحبَّ إليَّ منك بك أعطي وبك آخذ " ..
من استخدمك فأحسن استخدمك يستحقُّ سعادة الدنيا والآخرة ، ومن
عطَّلك وأساء استخدامك يستحقُّ شقاء الدنيا والآخرة ..
إذاً
:
إذا الإنسان لم يعقل الحقائق سوف يلتفت
إلى الشهوات
،فليس هناك
إلا هاتان الحالتان ، إما أن تكون مع المعقولات ، أو أن تكون
مع الشهوات، فالذي لا يعقل لابدَّ من أن ينغمس في الشهوات إلى
قمَّة رأسه ، عندئذٍ يستحقُّ لعنة الله ويناله رجسٌ من الله
عزَّ وجل ، أين الطريق إذاً؟ جاء الطريق
:
أي أن الإنسان إذا
دخل إلى محلٍ تجاري ويريد منه حاجةً ليست في هذا المحل ، كل
البضاعة في المحل لا يراها ، لأن هذه البضاعة ليست متصلة
بحاجته ، فأحياناً ترى ولا ترى، ترى الشيء ولا تراه لأنك
مشغولٌ عنه بغيره ، أحياناً يزورك زائر فتقول : زارني فلان ،
اسأل نفسك ماذا كان يرتدي من الثياب ؟ والله لا أتذكَّر ، لا
تذكر لا نوع الثياب، ولا لونها ، ولا بعض مظاهره إطلاقاً ، أنت
ملتفت لذاته ، زارك وتحدَّثت معه وتحدَّث معه وتركك ، ألم ترَ
ثيابه حينما كان عندك ؟ كنت تراها ، فلِمَ لمْ تذكرها ؟ لأنك
لم تكن مهتماً بالثياب بل كنت مهتماً به ، إذاً أنت رأيت
الثياب وكأنَّك لم ترها .
إذا التفت الإنسان للشهوات ، التفت
للدنيا ، انغمس في حمأتها ، جعل إلَهَهُ هواه ، لو رأى الشمس ،
ورأى القمر ، ورأى المجرَّات والمذنَّبات ، وعرف أن الأرض
كرويَّة ولها محور مائل، ولها دورة حول نفسها ، ودورة حول
الشمس
،
والشمس والقمر تجريان إلى أجلٍ مسمّى ، لو رأى
كل هذا لا يراه إلا كما ترى ذلك البهائم ، لو وضعت أمام
دابَّةٍ حجراً لحادت عنه ورأته ، رؤيتها لهذا الحجر كرؤيتك له
؟ لكن لو وضعت أمام دابَّة فلَّةً تقضمها .. تأكلها .. هل عرفت
أنها ليست للأكل إنما هي للشمِّ ؟ لا ، فعندما يكون الإنسان
بعيداً عن الحقائق لا يرى الأشياء على حقيقتها..
أي حينما يُعْرِضُ
الإنسان عن الإيمان ، وحينما لا يبالي بقواعد الدين ، ولا
يتَّبع لتعليمات الدين ماذا ينتظره ؟ تنتظره العلاجات التي
عالج الله بها الأقوام السابقة ، هذا الذي يدير ظهره للدين
ماذا ينتظره ؟ ينتظره علاج ربِّ العالمين ؛ التضييق إما بدخله
، أو بصحَّته، أو بحياته الزوجيَّة، أو بعمله ، لابدَّ من ذلك
، وإذا أصرَّ على موقفه لابدَّ من إهلاكه ، كما أهلك الله قوم
عادٍ وثمود وقوم فرعون من بعدهم ..
إذاً كأنَّ الله سبحانه
وتعالى يَعِدُ الكفَّار المصريّن على كفرهم بالهلاك الشامل ،
لكنَّ هذا الهلاك الشامل ليس شاملاً كل الناس قاطبةً بل
الكفَّار حصراً ، والدليل قوله تعالى :
أي أن الله عزَّ وجل
لو قرَّر تدمير قرية تدميراً شاملاً وفيها رجل مؤمن ، لابدَّ
من أن يجعل له حاجةً خارج القرية ، فإذا ما خرج منها جاء
التدمير ، أبداً اطمئن ، لن يؤخذ الطائع بالعاصي كما يفعل
الناس أحياناً ..
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى
(
سوءة الأنعام : من آية " 164
" )
وَكَذَلِكَ نُنْجِي
الْمُؤْمِنِينَ(88)
(
سورة الأنبياء
)
فَأَخْرَجْنَا
مَنْ
كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36)
(
سورة الذاريات
)
ثم دمَّرنا ،
إذاً البلاء خاصٌّ والرحمة خاصَّة ، ولن يؤخذ إنسان بجريمة
إنسان
..
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى
فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
(
سوءة العنكبوت : من آية " 40
" )
وَهَلْ نُجَازِي إِلا
الْكَفُورَ(17)
(
سورة سبأ
)
اطمئنَّ
، كن مؤمناً واستحقَّ حفظ الله لك
..
أطع
أمرنا نرفع لأجلك حُجبنا فإنَّا منحنا بالرضا من أحبَّنا
ولذ
بحمانا واحتمي بجنابنا... لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *
جاء الفعل ننجي بصيغة المضارع ، ومن
معاني الفعل المضارع الاستمرار ، أي إلى نهاية الحياة ، في كل
مكانٍ على وجه الأرض ، في كل زمان ، في كل عصر ، في كل مصر، في
كل صقع ، في كل بلد ، في كل قرية ، على اليابسة ، على ظهر
البحر ، على
مَتْنِ الجو ،
في أيّ مكانٍ كنت إن كنت مؤمناً تستحقُّ النجاة من الله عزَّ
وجل
.
إن كنتم في شكٍّ من ديني فلكم دينكم
ولي دين ، لا تحمِّل نفسك مشقّة تقنع الجاحد والمكابر بالدين ،
إن كنت في شكٍ من هذا الدين فلك دينك ولي ديني ، هذا جوابٌ
حاسم ، إن كنت في
شكٍ مما أعبد
فلك ما تعبد ولي ما أعبد ، لن أُسأل عنك ولن تُسأل عني ، لك ما
كسبت ولي ما كسبت ، لي عملي ولك عملك
..
أي أن الإنسان أحياناً
إذا شكَّك بمعتقداتك ، أو شكَّك بقيمك ، هل معنى ذلك أنك
تتخلَّى عن هذه القيم ؟ أو تتخلَّى عن هذه المعتقدات ؟ أو أن
تغيِّر خطَّ سيرك في الحياة ؟ أو أن تتنكَّب الصراط المستقيم ؟
هذا منتهى الغباء، إن شكَّ فليشك ، عدم الوجدان لا يدلُّ على
عدم الوجود ، إن كان عمىً في قلبه ماذا أفعل له ؟ ..
قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ
إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً
مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا
وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)
(
سورة هود
)
إذا كان الله
يرحمك وهذه الرحمة عُمِّيَّت على بعض الناس وأنكروها عليك فهل
تتخلَّى عنها؟
..
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)
رجعوا من المقبرة
وتركوك ، رجعوا إلى البيت وتناولوا على روحك ما لذَّ وطاب ،
وأظهروا الحزن والألم ولكنَّ قلبهم يرقص فرحاً ، وما هي إلا
أيام أو أسابيع حتى نزعوا ثياب الحزن ، وحتى تمتَّعوا بهذا
المال ، وشرَّقوا به وغرَّبوا وأنت تُحَاسب عنهم ، كيف جمعت
هذا المال وكيف أنفقته ؟ هنا المصيبة .. " رجعوا وتركوك ،
وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا
أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت " ..
لو تعاملت مع مائة ألف
رجل وكلُّهم لا علاقة لهم بوفاتك ، لا شأن لهم فلن تفيد منهم
شيئاً، عليك أن تتعلَّق بمن يتوفَّاك ، بمن مصيرك إليه ، بمن
نهايتك عنده ، بمن إليك مرجعه ، بمن بيده الموت ، اعبُدِ الله
..
شيء جميل ، أي أنك عليك
أن تعبد الذي يتوفَّاك ، أما الإنسان لا يملك أمر وفاتك ولا
أمر حياتك ، ولا أمر رزقك ، ولا أمر سعادتك ، ولا أمر شقائك ،
فلمَ تعبده إذاً ؟ .. أحد الناس دخل إلى دائرة حكوميَّة ومعه
معاملة تحتاج إلى توقيع ، والتوقيع من حقِّ المدير العام ،
أليس من الغباء أن يتجه إلى مستخدم ويرجوه أن يوقِّعها له ؟
ليس بيده توقيع هذه المعاملة ، فمن الغباء أن تتجه إليه ، أو
أن ترجوه ، أو أن تستجير به ، أو أن تكرمه ، لا ، اذهب إلى من
بيده التوقيع ، اطلب من الله عزَّ وجل ..
هذه آية دقيقة جداً ، أنا أنظر إلى هذه
الجهة جهة اليمين قليلاً ، هذا النظر إلى جهة اليمين مثلاً مع
أن صدري بهذا الاتجاه جهة اليسار لا يقال عن هذا إقامة الوجه
لهذه الجهة ،
جهة اليمين التي مثلنا بها أي يجب أن تتجه لا بعينيك ولا برأسك
ولكن بكلِّك إلى الدين
..
أحياناً قد يتجه
إنساناً إلى الدين اتجاهاً يسيراً ، يحضر درس الجمعة ، يحضر
الخطبة، يقول لك : هناك درس في الساعة الثالثة حلو حداً فأحب
أن أسمعه .. ماشي الحال .. لكن له نشاطاته المخالفة للدين ، له
نزهاته ، له اختلاطاته ، له حركاته ، له انغماسه في الدنيا، لا
يقال عن هذا الإنسان : إنه أقام وجهه للدين ، لو نظر إلى الدين
بعينيه ما أقام وجهه، لو نظر إليه بوجهه لا يكفي ، لابدَّ من
أن يقيم وجهه كلَّه ، والوجه هنا بمعنى وجْهَتَهُ ، والوجهة أي
جسمه بكامله يجب أن يكون باتجاه الدين ، أي أن الدين لا يعطيك
بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .
هناك شركٌ في القلب ،
وهناك شركٌ في الجوارح ، وهناك شركٌ في الوجهة ، وهناك شركٌ في
الاعتقاد ، وهناك شركٌ في النيَّة ..
لا تكن مشركاً بأي نوعٍ من أنواع الشرك
.
أي أنه غباءٌ ، و سخفٍ ، و ضلالٍ ، و سوء
تقديرٍ ، و ضيق أفقٍ أن تدعو من دون الله ما لا ينفعك ولا
يضرُّك
..
لنفسك ، إن دعوت من دون الله
ما لا ينفعك ولا يضرُّك إنك إذاً من الظالمين ..
أتمنَّى عليكم أن تدقِّقوا في هذه الآية
:
لماذا قال الله عزَّ وجل في موضوع الضر
:
يمسسك
، وقال في موضوع الخير : يردك؟ قال بعض المفسِّرين : "
إن كل إرادةٍ لله عزَّ وجل لابدَّ من أن تقع " ، الإنسان قد
يريد وهذه الإرادة قد لا تقع ، ولكن الله إذا أراد وقع ما أراد
، فالتبديل بين المَس وبين الإرادة تبديل يعني أن كلاً منهما
يغني عن صاحبه ، لو أنَّ الإرادة وقعت لنُفِّذَتْ ، ولو أن
شيئاً وقع على وجه الأرض لكان بإرادة الله ، الذي وقع إنما وقع
بإرادة الله ، وإذا أراد لشيءٍ أن يقع وقع ، التبديل إذا أراد
الله لشيءٍ أن يقع فلابدَّ من أن يقع ، وإذا وقع شيءٌ ما كان
له أن يقع إلا بإرادة الله ، هذا المعنى الأول للمفارقة بين
المسِّ وبين الإرادة .
المعنى الثاني
: الضُرُّ ليس مقصوداً لذاته من قِبَل الله عزَّ وجل ، إنما هو
وسيلة للخير
..
الخير
مقصودٌ لذاته
، والضُرُّ ليس مقصوداً لذاته إنما هو وسيلةٌ لردِّك إلى الحق
، الخير من قِبَل الله ، والشرُّ من الله تنفيذاً بسبب أفعالنا
إرادةً ، فالخير مقصودٌ لذاته ، أما الشر فمقصودٌ لغيره ،
فمثلاً متى يستخدم المعلِّم العصا ؟ هل ضرب التلاميذ مقصودٌ
لذاته ؟
لا ، تعليمهم
وتأديبهم ورفع مستواهم هو المقصود لذاته ، فإذا قصَّروا نضربهم
والضرب وسيلة وليس غاية ، نضربهم كي يجتهدوا ، ونضربهم كي
يتأدَّبوا ، إذاً
:
الخير لك ثماره ، والشر عليك وزره
..
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
إِلا عَلَيْهَا
(سوءة الأنعام : من آية " 164
" )
لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
(
سوءة البقرة : من آية " 286
" )
واتبع ما يوحى إليك أمرٌ من عند الله
..
فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا
يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)
(
سورة طه
)
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)
(
سورة البقرة
)
أي إلى أن تتحقَّق النتائج
عليك أن تصبر ، الله وعدك بالعطاء ، ووعد العصاة بالعذاب ، أنت
تصبر على وعد الله ووعيده ، لابدَّ من مسافةٍ بين الوعد
وتنفيذه ، وبين الوعيد وتنفيذه لينكشف الإنسان على حقيقته ، من
كان مُصَدِّقاً ، ومن كان مُكَذِّباً ..
أي أن العاقبة للمتقين
..
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)
(
سورة البقرة
)
قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ(1)
(
سورة المؤمنون
)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
تَزَكَّى(14)
(
سورة الأعلى
)
وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)
(
سورة الأحزاب
)
لكنَّ هذا الفوز قد لا تراه رأي العين ساعة
البدء بالاستقامة ، لكن اصبر فلابدَّ من تكون النهاية لك ،
لابدَّ من أن تدور الأمور لمصلحتك ، لابدَّ من أن تسعد في
الدنيا والآخرة ..
لأن حكمه يعود بالخير على كل الناس ، وبهذا
انتهت سورة يونس
.
والحمد لله رب العالمين
* * * |