تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "12 / 17" من تفسير سورة  يونس (010) :  الآيات : 53 – 59   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

      

      أي هذا الوعد الذي تعدنا ، وهذا الوعيد الذي تتوعدنا ، أحقٌ هو ؟ بمعنى أواقع ؟ أمُنْجَز؟ سوف نأتيه ؟

      

      أي أآمنتم أم لم تؤمنوا ، أعرفتم أم لم تعرفوا ، أصدقتم أم لم تصدقوا، أكنتم أقوياء أم ضعفاء، أأغنياء كنتم أم فقراء .

      

أي لن تستطيعوا أن تفلتوا من يد الله عزَّ وجل .

      

        أي أن هذا كلام خطير ، بعض المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمةً، قال : " لو أن محمداً صادقٌ فيما يقول لكنا أجهل من الحُمُر " ، لو كان صادقاً ، وهذا كلام ينطبق على كل مكانٍ وزمان ، إن كان هذا الكلام الذي يقوله الله عزَّ وجل حقاً ، وحدنا عنه ، فإذا هو في شك قاتلٍ ، مُدمّر فهذا منتهى البعد عن الموضوعية ، منتهى الغباء ، منتهى الشقاء، عذابٌ أليمٌ بيأسٌ أبدي ولا نتقيه ! بينما وعدنا الله جنةٌ عرضها السماوات والأرض وأفلا نعمل لها !! حياة الدنيا كلمح البصر ، كساعةٍ من ساعات النهار لذلك :

      

      فالذي أتمناه عليكم أن تحددوا موقفكم من هذا الكتاب ، إما أنه حقٌ من عند الله ، فمعنى هذا أن مخالفته شقاءٌ أبدي ، وإما أنه ليس من عند الله ، أين البرهان ؟

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ

( سورة المؤمنون : من آية " 117 " )

       كيف الإنسان تستقر نفسه ؟ كيف يتوازن داخلياً ؟ كيف ينام ملء عينيه وهو يعلم أن هذا الكتاب حق وأنه لا يطبقه ؟ كيف ؟ كيف يحقق توازناً داخلياً ؟ كيف يقول لك : الحمد لله ، ماشي الحال ؟ كيف تقول هذا الكلام ؟ وأنت تعلم علم اليقين أن هذا القرآن الكريم من عند الله تعالى وفيه من المواعيد ما فيه ..

وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6)

( سورة الذاريات )

       أي  ما جاء به من وعدٍ ووعيد إنه لحق ، كيف تقبل أن تأكل درهم ربا والله سبحانه وتعالى يقول :

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ

( سورة البقرة : من آية " 276 " )

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

(سورة البقرة : من آية " 279 " )

       كيف تطلق بصرك في الحرام والله سبحانه وتعالى يقول :

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

( سورة النور : من آية " 30 " )

      

         فملخص الكلام أن الإنسان يجب أن يأخذ موقفاً واضحاً ، فلم يعد خافياً أن هذا الكتاب من عند الله ، وهو حق اليقين ، وسوف يتحقق وقوعه في المستقبل ، فكل من حاد عنه قد شقي في الدنيا وشقي في الآخرة ، أما إذا كنت لست متأكداً من أنه من عند الله ، أو لا تعبأ بما فيه من مضامين ، وما فيه من تشريعات ، وما فيه من وعيد ووعد ، إن كنت كذلك أين البرهان ؟ إما أن تقبله على بينة ، وإما أن ترفضه على بينة ، أما أن تترك نفسك هكذا بشكلٍ غير واضح ، هذا ليس من الإسلام في شيء ، وليس من المنطق في شيء .

      

        كثيراً ما نقرأ كلمات ونمر عليها هكذا ، دون أن يغيرها اهتماماً ، ولكنها قد تحمل في طياتها النذر أو تحمل البشائر ومثالنا الحي الواضح الآية السابقة إن متراً مربعاً ببعض الأسواق الرائجة ثمنه مائتان وخمسون ألف ليرة ، وإن كان ثلاثين متراً فهو محل تجاري له قيمته ، وقد يكون لك  محلان ، أو أنك قد تملك محلين وطابقين ، وإذا كان هذا الشارع كله لك من أول بناء لآخر بناء ، وعلى الطرف الثاني أيضاً ، وشارع آخر ، وشارع ثالث ، وشارع رابع ، ولك شارع مماثل له في مدينة أخرى رائجة، إذا كانت قيمة كل متر ربع مليون ليرة وعندك مجموعة شوارع ، وإذا كانت المدن الكبرى كلها ملكك ، مكاتبها ، ومحلاتها ، وأبنيتها ، والشركات الرائجة في العالم كلها ملكك ، جميع الفنادق ملكك ، كذلك وجميع شركات الطيران ملكك ، وجميع شركات الأسلحة ، هذه التي حققت أعلى ربح في العالم ملكك، وحينما يرى الإنسان العذاب يتمنى أن يتنازل عنها كلها وينجو ، ولكنه لا ينجو .

      

      إن التفصيل أحياناً يعمِّق المعنى ، أحياناً يكون الإنسان مزهواً بمستودع فيقول لك : أريد ثمناً له ستمائة ألف ، وقد يكون مزهواً بطابق ، يقول لك : أريد ثمنه مليونين ، تصور أبنية دمشق كلها لك ، جميع الأبنية السكنية ، والتجارية ، والسياحية ، دمشق ، ولندن ، وباريس ، وواشنطن ، وهذه العواصم الكبرى ، وجميع الشركات الكبرى في العالم لتنازلت عنها في ثانيةٍ واحدة لتنجو ، اقرأ قوله تعالى..

      

       العلماء قالوا : أن الكبراء الذين سببوا هلاك من كان حولهم ، أو سببوا هلاك أتباعهم ، حينما رأوا العذاب أسروا الندامة ولم يظهروها ، لأنهم إذا أظهروها فإنهم يصغرون في أعين أتباعهم ، فمثلاً إذا كان إنسان لا يحاسب وارتكب غلطة كبيرة لا يعبر عن ندمه أبداً ، يُسِرُّ ندمه ، أحياناً الأب في البيت يرتكب غلط ولا يجرؤ أحد على أن يحاسبه ، هو في أعماقه ندم لكنه لا يعترف بهذا الندم ، هذا يقع منهم قبل أن يأتي العذاب ، أما إذا مسهم العذاب وأسروا الندامة بمعنى أظهروها ، وهناك معنىً ثالث أسروا الندامة أي ظهرت الندامة على سرائر وجوههم ، أول معنى قبل أن يذوق العذاب أسر الندامة حفاظاً على مكانته أمام متبوعيه ، بعد أن مسَّه العذاب أعلن الندامة، وفي كل الأحوال علائم وجههم تفصح عن ندامتهم الشديدة .

      

نحن في دار عمل وغداً دار الجزاء ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

"عش ما شئت فإن ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به ".

       والله سبحانه وتعالى يقول :

اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ

( سورة فصلت : من آية " 40 " )

       ليس هذا من باب أن الأعمال كلها مباحة ، ولكن هذا من باب التهديد .

اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ

       كل عملٍ سوف تحاسبون عليه .

      

فحتى الشاة التي نطحت أختها يقتص منها يوم القيامة ، حتى العصفور الذي قُتِلَ من باب التسلية ، اصطيد من باب التسلية يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ فكل أعمال الإنسان سوف يحاسب عليها .

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)

( سورة الحجر )

       أما أن تدعو الله عزَّ وجل وتقول : يا ربنا لا تسألنا عن شيء ، هذا كلام مخالف لكتاب الله، هذا دعاء لا ينسجم مع كتاب الله ..

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)

( سورة الحجر )

       ما أكرم شابٌ شيخاً لسنه إلا سخر الله له من يكرمه عند سنه ، أي أنك لو وقفت في سيارةٍ عامة لشيخٍ كبير توقيراً لسنه وأجلسته مكانك فإن هذا العمل لا يضيع جزاؤه عند الله عزَّ وجل ، وأبلغ آيةٍ قول الله سبحانه وتعالى :

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)

( سورة الزلزلة )

 

        قال : " يا رسول الله عظني وأوجز " تلا عليه هذه الآية قال : "قد كفيت " ، قال : " فَقُهَ الرجل " .

       كتاب ستمائة صفحة لو تدبرت آيةً واحدة لكفتك ، لو تدبرت قوله تعالى :

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)

( سورة النساء )

       لكفتك .. لو تدبرت قوله تعالى :

أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18)

( سورة السجدة )

       لو تدبرت قوله تعالى :

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

( سورة الجاثية : من آية " 21 " )

       لكفيت ، لو تدبرت قوله تعالى :

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة القصص : من آية " 61 " )

       لكفيت ، فإذا كان الإنسان صادقاً في توجهه تكفيه آية ، يكفيه حديثٌ شريف ..

" أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " .

" لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه " .

" ابن آدم أطع ربك تسمى عاقلاً ولا تعصه تسمى جاهلاً " .

       هذا الحديث يكفي ..

" كفى بالمرء علماً أن يخشى الله " .

       هذا الحديث يكفي ، الصادق الإيمان لا يحتاج لكلام كثير ،و الصادق النية المخلص بها تكفيه كلمة ، أحياناً يكفيه لفت نظر من الله عزَّ وجل ، أي أن الله بعث له مصيبة وكان قبلها في ذنب ، انتهى ، العلم حرف والتكرار ألف ، فهذه المصيبة توضحت لك بسبب هذا المال الحرام ، أتقع فيها مرة ثانية ؟ إذا كان الإنسان لم يستفد من تجربته يكون أحمق ، ليست المصيبة أن يصاب المرء بمصيبة ، ولكن المصيبة كل المصيبة أن يصاب بمصيبة ولا يتعظ بهذه المصيبة ، لذلك قالوا : " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر".

      

       كل شيءٍ في السماوات والأرض ملك الله عزَّ وجل ، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً ، هو أوجده فهو ملكه ، وهو يتصرف بشؤونه .

يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

( سورة  الفتح : من آية " 10 " )

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ

      ( سورة الأنفال : من آية " 17" )

لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ

( سورة الأعراف : من آية " 54 " )

مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف )

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة  هود : من آية " 123 " )

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)

( سورة المدثر )

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا

( سورة  فاطر : من آية " 2 " )

       هذه :

      

        نحن لله خلقاً ، ونحن لله تصرفاً ، ونحن لله مصيراً ، خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، الأسباب بيده ، والوقائع بيده ، والنتائج بيده .

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)

( سورة القصص )

      

أي واقع ..

 

وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6)

(سورة الذاريات )

       الحقائق التي جاء بها القرآن واقعة وإن لم تؤمن بها ، عدم إيمانك بها لا يلغيها ، عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، فالأمر مستمر ..

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا(62)

( سورة الأحزاب )

وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا(77)

( سورة الإسراء )

       قوانين السقوط قائمة ، مطبَّقة ، منفَّذة ، إن آمنت بها وهبطت من الطائرة بالمظلة أنقذت نفسك ، وإن لم تؤمن بها وضربت بها عرض الطريق فإنك تموت ، قوانين الهندسة قائمة ، إذا استشرت المهندس ووضعت الكميات المناسبة ، والحديد المناسب ، ينجو بناؤك من الانهيار، فإن لم تستشر لابدَّ من أن ينهار ، لأنك إذا لم تعترف على علم المهندسين فعلمهم قائم ، وإن اعترفت على علمهم استفدت منه ، وإن لم تعترف فالحقائق التي يقولونها واقعة ، البناء قد ينهار .

      

إذا كان أكثرهم لا يعلمون ، فأنت مع من ؟ مع الأكثرية أم مع الأقلية ؟

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

( سورة  الأنعام : من آية " 116 " )

       فهل يقبل منك أن تقول : هكذا شأن الناس كلهم يا أخي ، وأنا واحد من الناس ، هكذا التقاليد الآن ، هكذا العادات ، هكذا ما تعارف عليه الناس ، هكذا نشأنا يا أخي ، هكذا العادات، هكذا التقاليد ، كل الناس غلطانين ؟ اسمع قوله تعالى :

وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49)

( سورة الزمر )

       يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، يعلمون التجارة والصناعة ، والزراعة ، وكسب المال، وانتهاز الفرص ، وأصول الحياة ، وكيف يتنعمون بها ، وكيف يشترون الأجهزة المتنوعة في البيت ، هذا كله يعرفونه ولكنهم يجهلون المصير ، يجهلون ساعة يوم يقوم الناس لرب العالمين ، فالعبرة أن تعرف الحقيقة كلها لا أن تعرف شطرها ، الله سبحانه وتعالى لم ينف عن الكفار شطر الحقيقة قال :

يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7)

( سورة الروم )

       قد تلتقي بدكتور يحمل شهادة بورد ومع ذلك لا يعلم عن الآخرة شيئاً ، يعيش لحظته ، يعيش حياته الدنيا ، لا يستطيع أن يفكر أبعد من الموت ، يظن الموت نهاية الحياة ، ولا شيء بعد الموت ، هذا ليس علماً ، هذه حرفة وليس علماً ، العلم أن تعرف الحقيقة كلها ، فقوام البناء حديد وإسمنت ، إذا تعلمت أن الإسمنت له نسب معينة وطبقتها و أغفلت الحديد ينهار البناء ، البطولة أن تعرف الحقيقة كلها من كل جوانبها .

وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49)

( سورة الزمر )

       لذلك أيها الأخ الكريم لا تستأنس إذا كان الناس جميعاً في ضلال يقول لسان حالك ، أخي أنا مثل هؤلاء الناس ، أنا ابن عصري ، قال بعض علماء النفس : صحيحٌ أن الإنسان ابن بيئته ، وصحيحٌ أنه ابن وراثته ، وصحيحٌ أنه ابن محيطه ، وصحيحٌ أنه ابن ثقافته ، وصحيحٌ أنه ابن دراسته ولكنه في النهاية ابن نفسه ، أي ابن اختياره ، لذلك قد نجد عظماء في بيئاتٍ متخلِّفة ، وعلماء في بيئاتٍ جاهلة ، الإنسان إذا اختار شيئاً لن يقف شيءٌ في طريقه، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام  إذا كان صادراً حقاً عن إرادةٍ وإيمان .

        أي أنَّك إذا أردت أن تكون مستقيماً في هذا الزمان كنت كذلك أن كلمة : لا أستطيع كلمة مضحكة ،قد يقولون لك استقم فهو خير ، فتقول لا أستطيع ، وهي كلمة مضحكة لأنك قد تفعل أشياء أخرى تبدو مستحيلة ولكنك بتصميمك عليها فعلتها ، ولو أنك صممت على أن تكون مستقيماً لبلغت الاستقامة ، لو صممت على أن تعرف كتاب الله لعرفته ، لو صممت على أن تصلي قيام الله لصلَّيته ، الذي تفعله صادقٌ فيه ، والذي تتوهم أنك لن تستطيع أن تفعله لست صادقاً في ادعائك ، التفسير العلمي لشيءٍ تقول عنه : أنا ليس بإمكاني أن أفعله ، هذا التفسير هو أنك لست صادقاً فيه ، ولو أنك صدقت في طلبه لحصَّلته .

      

        طبعاً القرآن كما سيدنا علي " حَمَّالُ أوجه ، يحيى هذا الجسد ويميته، لذلك تعريف الموت حتى الآن غير واضح عند الأطباء ، هل يكفي توقف القلب ليموت الإنسان ؟ لا هل يكفي توقف النشاط العصبي ليموت الإنسان؟ لا ، لا يزال تعريف الموت لغزاً من الألغاز ..

إن الطبيب له علمٌ يدل به     إن كان للناس في الآجال تأخير

حتى إذا ما انقضت أيام رحلته   حار الطبيب وخانته العقاقير.

       فالموت يخلقه الله عزَّ وجل ..

        

فكم من فتى مات من غير علةٍ وكم

                             ...  من عليلٍ عاش حيناً من الدهر 

         تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري ...

                             إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر ؟

         فكم من عروسٍ زينوها لزوجها ..

                             ... وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر

        وكم من أناسٍ يرتجى طول عمرهم

( أي أنهم ماتوا قبل الأوان ) .

      

       المعنى الآخر أن الله سبحانه وتعالى يحيي هذا القلب بأنواره ويميته بالبعد عنه ، في حياة من نوع آخر ، الحياة حياتان ، حياة الجسد وحياة القلب ، حياة الجسد معروفة ، ما دام هناك حركة وتفكير ، وتنفس ، وخفقان قلب ، وتناول الطعام والشراب ، هذه علائم الحياة ، الحركة ، وأما الموت معروف ، لكن حياة القلب من نوعٍ آخر .

         ليس من مات فاستراح بميتٍ

                              ..... إنما الميت ميت الأحياء

* * *

       أحد العلماء واسمه أنشتاين ، هو الذي جاء بالنظرية النسبية ، وهي من أدق النظريات في الفيزياء ، قال : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون ، رحيمةً هي أرحم ما تكون ، حكيمةً هي أحكم ما تكون، هو إنسانٌ حيٌ ولكنه ميت .

       " يا كميل : العلم خيرٌ من المال ، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا كميل مات خُزَّان المال وهم أحياء " .. خزان المال في أوج نشاطهم أموات .. ربنا عزَّ وجل قال :

أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ

( سورة النحل : من آية " 21 " )

       هذا الذي لا يعرف إلا الطعام والشراب وكسب المال والانغماس في الشهوات هذا ميت .

أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ

وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)

(سورة فاطر )

       وهذا الذي عرف ربه ، وأحبه ، وأقبل عليه ، وتقرَّب إليه ، وجعل حياته كلها في طاعته، وجعل طاقاته كلها مسخرةً لخدمة عباده هذا الحي ، لذلك : " يا كميل مات خُزَّان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة".

" كن عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً " .. " ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل " ..

        هناك رجل من الصالحين علم طلابه من سن السابعة عشرة إلى سن السابعة والتسعين ، أي ثمانين عاماً ، وكان إذا سار في الطريق ورآه أحد تلامذته يقول له : أنت فلان ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جَدُّك تلميذي، وكان يتمتع بصحةٍ جيدة ، من سمعٍ مُرْهَف ، إلى بصرٍ حاد ، إلى ظهرٍ مستقيم ، إلى أسنانٍ كاملة ، حتى إن خده كان متورِّداً ، وذاكرته قوية ، فكان تلامذته يقولون: يا سيدي ما هذه الصحة ؟ أتمها الله عليك ! كان يقول قولته الشهيرة : " يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً " ، هذا الذي يقرأ القرآن لن يصاب بالخرف .

" من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت " .

       فلذلك :

وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49)

( سورة الزمر )

      

قد يحيا هذا القلب إذا أقبلت عليه أحيا الله قلبك ، فإذا أدبرت عنه مات قلب الإنسان ، لذلك :

" من ترك الجمعة ثلاث مراتٍ من غير عذرٍ نكتت نُكْتةٌ سوداء في قلبه ثم يكون الرَّان وتلا النبي عليه الصلاة والسلام قوله تعالى :

كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)

( سورة المطففين )

       لما يسرف الإنسان على نفسه في المعاصي ، و ينغمس في الدنيا كأن هناك طبقةً تغطي قلبه، إلى أن يصبح قلباً مغلفاً ..

 

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ

( سورة البقرة : من آية " 88 " )

       يقول أحدهم : لم نتأثر ، هذه الحقائق لا تهز مشاعرنا ، نحب الدنيا ، قال الله تعالى :

بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ

( سورة البقرة : من آية " 88 " )

       لأنهم كفروا أصبحت قلوبهم غُلْفاً ، إذاً :

      

      بالمعنى الأولي يحيى هذا الجسد ، يبث فيه الحياة وهو في بطن أمه، فإذا جاء الأجل سلب الحياة فأصبح جثةً هامدة .

      

فالحياة متعبة ، والحياة فيها ثُقلات كثيرة ، فيها مزالق ، وفيها مواقف حرجة ، وفيها متاهات، فيها ظنون ، وفيها فساد ، فإن لم يعتصم الإنسان بالإيمان الصحيح فسوف يضيع مع الناس ، سوف تنزلق قدمه ، سوف تزل قدمه وتهوي به في مكان سحيق .

      

أحياناً تقرأ مقالة فتحس بضيق لا يعلمه إلا الله ، المقالة تأتي بإحصاءات عن مستقبل العالم ، ارتفاع أسعار ، شح في المواد ، أما المؤمن يقرأها ولا معنى لها عنده ، لأن له رباً كريماً يحبه ، غنياً قديراً ، الناس كلهم بيده ، هل يخشى عدواً .

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ

( سورة هود )

       يكون بيته صغير ، شمالي ، رطب ، يمر أمام بيت ، ثمنه خمسة أو ستة ملايين ، يطل على أربعة جهات ، يقرأ الآية الكريمة :

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ(198)

( سورة آل عمران )

       فتجده يرضى بهذا البيت ، وقد يكون ليس له أولاد فيرضى بقضاء الله :

يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا

( سورة الشورى )

       هذا من عند الله ، هكذا إرادته ، وهذه حكمته ، وهو يحبني ، وهذا أمثل شيءٍ إلي ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، فتنتهي مشاكله ، اقرؤوا القرآن ..

       

         لا تبقى لديه وسوسة ، ولا هم ، ولا حزن ، ولا ضيق ، ولا قَلَق ، ولا يأس ، ولا شيءٍ من هذا القبيل ، هذا التمزُّق الداخلي ، انفصام الشخصية ، الخَوَر ، الضعف ، الخنوع ، هذه الأمراض التي فتكت بالناس ، ونحن مع ما عندنا من إيمان ، مع قراءتنا لهذا الكتاب في نعمةٍ كبيرة ، عُقِد مؤتمر للأمراض النفسية في بعض المدن الأجنبية ، وذهب من سوريا دكتور في علم النفس ، فلما جاء دوره في إلقاء الكلمة قال : أقول لكم ببساطة ليس في شرقنا أمراضٌ نفسية بالشكل الذي تعرفونه ، وبالعدد وبالحدة التي تعرضونها ، والجواب على هذا بسيط : لأننا مؤمنون بالله ، فمثلاً هذه التي لم تتزوج ، تؤمن أن الله لم يكتب لها أن تتزوج ، تجدها تصلي وتصوم وتحج مرتين أو ثلاثاً ، مواظبة على وردها وصلاتها ، وتخدم أخيها وأولاد أخيها ، تعيش مع إيمانها بسعادة كبرى ، أما الثانية التي في بلاد الغرب فإنها تنتحر ، طبعاً :

 

لا يحزن قارئ القرآن " .

       لا يمكن أن تحزن إذا قرأت القرآن بشكل صحيح وفهم لآياته واضح ، إذا كنت تقرؤه ، وتعقله ، وتفهمه ، وتطَبِّقُهُ ، لا يمكن أن تحزن ، فهل من الممكن أن يحزن طفل أبوه ملك ، يخاف ألا يعطيه مصروفه كل يوم صباحاً مثلاً ، أو يخاف أن لا يجد بيتاً عندما يريد الزواج؟ أبوه ملك ، لا أفلا يجد غرفة يسكن فيها ، بل يعطى ما يشاء نعطيك القصر كله ، هل يخاف الطفل الصغير من ارتفاع بعض الأسعار إذا كان أبوه ملك مثلاً ؟ هكذا المؤمن ..

فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا

( سورة  الطور : من آية " 48 " )

        قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال له : يا رب لقد أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي أنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين فقال : يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك " .

       حتى إذا كنت مسافراً تقرأ دعاء السفر : " اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد " ، تبقى مطمئناً طيلة أيام غيابك  ، وإذا لم يقرأ أحد الدعاء ، عند سفره، يبقى قلقاً طيلة غيبته ، هل خرج ابني من البيت باندفاع شديد ، فمرت سيارة مسرعة فدُهِس ، هل أصابه مكروه ؟ كان يكون إبريق الشاي انقلب على وجهه فحرقه ، لا تعرف، يظل الإنسان قلقاً ، لكنه إذا سلم أمره لله عزَّ وجل ، فهو في راحةٍ نفسية واطمئنان من علامات الإيمان التوكل على الله ، والتفويض لأمر الله ، والتسليم لقضاء الله ، والرضا بقضاء الله ، توكل ، وتفويض ، وتسليم ، ورضا ، هذه كلها من علامات الإيمان مزيد من الاطمئنان ، قالوا لأبي الدرداء : يا أبا الدرداء لقد احترق دكانك ، قال : ما كان الله ليفعل ، يا أبا الدرداء لقد احترق دكانك قال : ما كان الله ليفعل، إلى أن جاءه الخبر الصحيح ، لم يحترق دكانك قال: أعلم ذلك ، فهو مطمئن، فقد فوّض أمره إلى الله سبحانه وتوكل عليه ثم غادر دكانه ، فكان الله خليفته في حفظ دكانه .

      

   للناس موعظة وشفاء ، أما للمؤمن فهو هدى ورحمة ، الهدى أي أن طريقه واضح ، طريق الحياة واضح ، هذه حرام ، هذه حلال ، هذه تجوز، هذه لا تجوز ، عنده نور بقلبه ، فالله عزَّ وجل قال :

اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ

( سورة  الحديد : من آية " 28 " )

       إذا آمنت بالله ورسوله يؤتك كفلين من رحمته ، أي ضمانة في الدنيا وضمانة في الآخرة، ويجعل لك نوراً تمشي به في الناس ، يريك الخير من الشر ، فالهدى ، هذا النور الإلهي الكشَّاف، والرحمة هذا التجلي الذي يتجلى به الله على عباده المؤمنين .

      

       طبعاً الله سبحانه وتعالى يحب الرجل المؤمن إذا فرح بعطاء الله ، أما إذا فرح بالدنيا فهذا دليل سخفه ، " ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب " ، علمه سخيفاً ، شهوانياً ، أرضياً ، يحب الدنيا ، يحب المُتَع الرخيصة ، مادياً ، أنانياً ، همُّه بطنه ، قبلته زوجته ، إن رآه كذلك عاقبه عقاباً أليماً ، ما مرضه ؟ لا ، لم أفلس ؟  لا ندري ، والحقيقة هي أن الله تركه وشأنه تقوده نفسه الأمارة بالسوء فحظر عليه العلم والأدب ، هذه ليست لك ، هذه اتركها ، اتركها لعبادي الصالحين ، لا علم ولا أدب ، غليظ ، وقح ، ساخر ، متكبِّر ، لئيم، لا علم ولا يفقه عن الآخرة شيئاً ، يأتي لك بكلام هراء من كلام العامة ويسألك : أهذه آية بالقرآن ، أي آية  هذه ، هذه آية ؟!! لا يفهم شيئاً ، لا يفهم الآية من الحديث من قول العامة ، يقول لك : خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود، ويقول لك : أليست هذه الآية بالقرآن؟ هذه آية ؟! ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ، جاهل ، تركه في عماية الجهل واللؤم ، أما قال قارون  :

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي

( سورة القصص : من آية " 78 " )

       قال له قومه :

قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)

( سورة القصص )

       طبعاً الآية لها تفسير ، لا يحب الفرحين بالدنيا لأنها مؤقتة زائلة ، لكنه يحب الفرحين بالآخرة ، فلما يحقق الإنسان هدفه الأخروي ويفرح فوالله معه الحق وإنه على الحق ، لكن قبل تحقيق هدفه الأخروي الفرح لا معنى له ، هذا فرح ساذج ، فرح الأطفال بلعبة ، لكن الكبار يفرحون بشهادة عُليا ، يفرحون بمنصب رفيع ، يفرحون بزوجة تقيه، يفرحون بمنزل واسع مناسب ، هذا شأن الكبار ، أما المؤمنون فإنهم يفرحون بعطاء الله ، يفرحون برضى الله عنهم ، إن رسول الله اللهم صلي عليه وسلم غادر مكة للطائف ثمانين كيلو متراً على قدميه ، وسمع كلاماً مز دولا ، واستخفافاً ، ورداً قبيحاً ، وسخرية ، وتكذيباً من أهل الطائف ما يهُزُّ الجبال ، اتجه إلى الله عزَّ وجل وقال :

" يا رب إني أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين إلى من تكلني أإلى عدوٍ ملَّكته أمري ، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي " .

       الطفل يفرح بالخشخيشة ، باللعبة ، يفرح بسكرة ، يفرح بملبسة واحدة ، تعطيها له فيفرح ، تكون دمعته عل خده فيضحك ، أخوه أخذ الملبسة فبكي ، أعطيته واحدة فضحك ، انتهى أمره ، الكبير يفرح ببيت ، بسيارة ، بوظيفة ، بزواج ، أما المؤمن يفرح برضاء الله عزَّ وجل ، فما هناك منصب أرفع عند الله من أن يقال : فلان رضي الله عنه .

 

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ

( سورة  الفتح : من آية " 18 " )

       ليس ثناء من الله أبلغ ولا أعظم من قوله تعالى :

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)

( سورة القلم )

       لم يكن في بيته شيء ، دخل عليه عدي بن حاتم فلم يجد شيئاً من متاع إلا وسادة ، قال عدي: " فقذف لي وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً " قال : " اجلس على هذه " ، قلت : " بل أنت "، قال : " بل أنت " ، فجلست عليها وجلس هو على الأرض ، ليس عنده شيء ، كان إذا صلى قيام الليل أمر السيدة عائشة أن تحوّل رجليها بعض الشيء لأن حجم الغرفة ضيّق ولا يتسع لنومها وصلاته ، قال له :

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)

       اضَّطجَعَ على الحصير فأثَّرَ في جنبه الشريف ، دخل عليه عمر رضي الله عنه فأخذ عمر يبكي قال له : " يا عمر لِمَ تبكِ ؟ " قال : " رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟ " قال : " يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً " أنا لست ملكاً ، هذه نبوة .. ثم إن أحد الخلفاء بني أمية سأل أحد التابعين فقال له : " أنا خليفةٌ أم ملك ؟ " قال له: " إن كنت قد جبيت درهماً من غير حقه ، وأنفقته في غير حقه فأنت ملك ، ولست خليفة " ، وقال له مذكّر إياه: إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً .

       في رواية ثانية :

" أما ترضى يا عمر أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا " .

" والله لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " .

       هينةٌ على الله يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب ، هناك ثماني آيات في كتاب الله ، ثماني آيات حصراً ، المترفون هم الكافرون .

كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة المؤمنون : من آية " 33 " )

       هذا المترف الذي يعيش في بحبوحة مذهلة ينفق أموالاً بغير حساب ، هؤلاء لا شأن لهم عند الله عزَّ وجل .

      

لذلك قال الله عزَّ وجل :

وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32)

( سورة الزخرف )

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)

( سورة المطففين )

لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)

( سورة الصافات )

       تعال أُلْهُ معنا يا محمَّد .. كان طفلاً صغيراً .. قال لهم : " لم أخلق لهذا " ، أنا خلقت لأعرفه وأتقرب إليه ..

      

      العلماء استنبطوا من هذه الآية ، أن الحرام ما حرَّمه الله ، والحلال ما أحلَّه الله ، ولا يحقُ لبني البشر أن يحللوا هم أو أن يحرِّموا ، بل إنه ليس تحريم الحلال بأقل ذنباً وافتراءً على الله من تحليل الحرام ، الحلال ما أحلَّه الله ، والحرام ما حرمه الله .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *