|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "10 / 17" من تفسير سورة
يونس (010)
: الآيات : 39 – 41 لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق
الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت
العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا،
وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل
باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة
المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة يونس إلى قوله
تعالى
:
الحقيقة أن في الإنسان
صفاتٍ عديدة بعضها مقبول ، وبعضها جيد ، وبعضها مرذول ، من
صفات الإنسان العقلية المرذولة أن يُكَذِّبَ قبل أن يحيط
بالشيء علماً ، أي أن يحكم على الشيء قبل أن يعرفه ، كيف يتم
ذلك ؟ إن هناك صفات خُلُقِيَّة مذمومة ، وهناك صفات عقلية
مذمومة ، من الصفات العقلية المذمومة أن تكذِّب بالشيء قبل أن
تعرفه ، أن تستخف به دون أن تحيط به علماً ، أن ترُدَّهُ وأنت
جاهلٌ به، هذه صفةٌ عقليةٌ ذميمةٌ في الإنسان ، من صفات
السُذَّج ، من صفات عامة الناس ، من صفات الدَهْمَاء ، من صفات
المتخلِّفين عقلياً ، أما أن تكذِّب بالشيء قبل أن تعرفه ، قبل
أن تحيط به علماً ، قبل أن تدرك حقيقته، قبل أن ترى أبعاده ،
ربنا سبحانه وتعالى ذمَّ هؤلاء الذين كذَّبوا بالقرآن قبل أن
يعلموه ، كم من إنسانٍ في هذا العصر لا يعرف حقيقة هذا الكتاب
، يقول : هذا الكتاب ليس لهذا العصر ، فيه غيبيات ، لو عرف أن
سعادته كلها، لو عرف أن سعادته وسعادة مجتمعه ، والإنسانية
جمعاء منوطةٌ بتطبيقه لاختلف الأمر ، ربنا سبحانه وتعالى يقول
:
بهذه الآية شيئان هامان
بارزان .. الشيء الأول : إن الإنسان أحياناً يبادر مبادرة
ذاتية لمعرفة الحقيقة ، وأحياناً تُنْقَل إليه الحقيقة ، إذا
كان قد بادرها أو نقلت إليه ، وعقلها ، وطبقها فهو في خير ، أي
سواءٌ عليك أفكرت تفكيراً ذاتياً بربك وبآياته الكونية ،
واستنبطت من هذه الآيات أن لك رباً عظيماً ، خالقاً قديراً
حكيماً ، سوف يعيد الخلق مرةً ثانية ليجزي كل إنسانٍ بما عمل ،
سواءٌ عليك أبادرت أنت لمعرفة الحقيقة أم نُقلت إليك الحقيقة ،
لابدَّ من أن تعرف الحقيقة، إما فعن الطريق النظر ، وإما عن
طريق السمع ، عن طريق النظر قال تعالى :
قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض
(سورة يونسِ)
إنسان لم ينظر
، فإذا جاءه الحق عن طريق إنسان آخر وأسمعه إياه فقد صار هذا
الحق حجةً عليه
..
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ
خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ
(سورة الأنفال)
فإما أن
تفكِّر أنت ، وإما أن تنظر وإما أن تسمع ، وأما الكفار فقد
وصفهم ربنا عزَّ وجل فقال
:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ(6)خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
(سورة البقرة)
لأن منفذي القلب هما السمع والبصر
..
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ
غِشَاوَة
(سورة البقرة)
أي أن منفذ القلب عليه غشاوة وهو حب الدنيا ،
صار عندنا منفذان للحق : إما أن تنظر وإما أن تسمع ، أما هؤلاء
الذين كفروا بهذا الكتاب ، كذبوا به ، ولم ينظروا في آياته
ودلالاتها ، ولم ينظروا في نظامه الاجتماعي ونظامه الاقتصادي ،
ولم ينظروا في تشريعاته ، ولم ينظروا في دلالاته وآياته ، ولم
ينظروا في مضامينه ، ولا في إعجاز صياغته وبيانه ، ولا في
إعجازه الرياضي والحسابي والدلالي ، لم ينظروا في القرآن ،
وحينما نقل إليهم تفسيره الصحيح أيضاً لم ينظروا في هذا
التفسير .
أما التأويل فإنه يختلف
عن التفسير ، أحياناً تقول : الصَّبا الرياح الشرقية هذا تفسير
، ولكن التأويل إذا ورد النص فيما يعارض الواقع فعليك أن تؤول
النص بما لا يخالف الواقع ، فإذا قلت : في بيتنا بحرٌ ، البحر
لا يكون في البيت ، إذاً في بيتنا رجلٌ علمه كالبحر ، فانتقلنا
من الحقيقة إلى المجاز ، وكمثل على التأويل ربنا عزَّ وجل قال
:
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيهِمْ
(سورة الفتح)
الله
عزَّ وجل منزه
عن التبعيض ، ليس له شيء بعض منه ، منزَّه، عن التجزيء ، لكن
يد الله بمعنى قوته فوق أيديهم ، فالتأويل حينما يتعارض النص
مع الواقع عندئذٍ تحاول أن توفِّق بينه وبين الواقع ، هذا هو
التأويل ، ربنا عزَّ وجل قال
:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
(سورة آل عمران)
هذه
المتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم ،
لذلك أمرنا سبحانه قائلاً
:
فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59)
(سورة الفرقان)
ربنا عزَّ وجل
قال
:
التأويل هنا أي توضيح الآيات إيضاحَاً
، تفسيراً ، توفيقاً مع الكمال الإلهي ، لو فرضنا أن أحداً قال
لك : الله ضار ، طبعاً ، ضارٌ لينفع ، يضر لينفع ، يبتلي ليجزي
، يأخذ ليُعطي ، أنت أوَّلت هذا الاسم بشكلٍ يليق بكمال الله
عزَّ
وجل ، من
أسمائه الضار ، إذا اكتفيت وقلت : الله يضر العباد ، هذا فهمٌ
قاصر ، الله سبحانه وتعالى يضرُّهم لينفعهم ، هذا هو التأويل ،
أوَّلت الضرر لصالح العباد وبشكلٍ يتناسب مع كمال الله عزَّ
وجل ، إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام
:
"
لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ
وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
فَيَغْفِرُ لَهُمْ "*
( من صحيح مسلم : عن " أبي هريرة " )
هنا الذنب
بمعنى الإحساس بالذنب ، أي إن لم تحسوا بذنوبكم لم يكن فيكم
خيرٌ يرتجى
،
لذهب الله بكم
، وأتى بقومٍ يذنبون ، أي أنَّهم إذا خالفوا أدق مخالفة
، إذا وقعوا في أصغر ذنب ، اشتعلت نفوسهم فرقاً من الله عزَّ
وجل ، هؤلاء ناجون ، فحينما يَرِدُ النص بشكلٍ لا يتناسب مع
قائله ، تُؤوِّلُهُ ، هذا مذهب بعض العلماء في الفرق بين
التفسير والتأويل ، فهنا الآية :
أي أن الإنسان ليس له حق أن
يكذب بآية أو يأخذ بآية مكانها قبل أن يعرف تأويلها ..
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
(سورة آل عمران)
هنا الوقف عند
كلمة :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
وقال تعالى أيضاً :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ
(سورة آل عمران)
من علامات
العلماء الصادقين أنهم يشهدون للناس بعدالة الله عزَّ وجل
.
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ
من خلال هذا الشرح السريع تبيَّن أن معنى
التأويل توجيه النص توجيهاً يليق بقائله .. فصحابي جليل يقول :
" أنا أصلي بغير وضوء ، وأحب الفتنة ، وأكره اليقين ، وأفر من
رحمة الله ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء " قالوا له : "
ما هذا يا فلان ؟! " ، فدخل سيدنا عليٌ كرم الله وجهه على أمير
المؤمنين عمر وقال له : " يقول فلان : كذا وكذا !! " ، قال له
إنه يعني: " أنه يصلي على النبي بغير وضوء ، ويحب الفتنة وهي
الحال لأن الله تعالى يقول :
إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
(سورة التغابن)
ويكره اليقين
، واليقين هو الموت
..
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى
يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)
(سورة الحجر)
ويفر من رحمة
الله يعني من المطر ، وله في الأرض زوجةٌ وولدٌ ما ليس لله في
السماء " ..
هذا التأويل
أي أنك أولت الكلام بما يليق بصاحبه ، الكلام لا يُحْمَلُ على
نَصِّهِ يحمل على قائله، إذا قال الله سبحانه وتعالى
:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)
(سورة العنكبوت)
الفتنة معناها دقيق جداً ويليق بكمال الله عزَّ
وجل ، فالفتنة هي الامتحان وإظهار ما في النفس ، إذا قال سيدنا
موسى لرب العزة :
إِنْ
هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ
(سورة الأعراف)
فيجب أن تُؤول هذه الآية ، بمعنى هذا امتحانك
وبلاؤك ، لتكشف الناس، لتفرزهم ، لتميز الخبيث من الطيِّب ،
هذا هو معنى الآية وإذا قال الله :
يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء
(سورة فاطر)
هذه تؤوَّل
بمعنى أنه من يشاء من العباد أن يهتدي فالله عزَّ وجل يهديه ،
والإنسان مخير في أن يسلك أياً من السبيلين
.
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
(سورة آل عمران)
لذلك
:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ
فَوْزًا عَظِيمًا(71)
(سورة الأحزاب)
هذه آية محكمة
لا تحتاج إلى تفسير ، ولا إلى تأويل ، ولا إلى كتاب تفسير ،
واضحة كالشمس ، معظم آيات القرآن الكريم من هذا النوع ، إن
الله لا يحب الكاذبين
.
لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ
مُخْتَالا فَخُورًا(36)
(سورة النساء)
هذه آيات
محكمات ، مثلاً
:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ(11)
(سورة الصف)
هذه آية محكمة
ليس فيها شيء غامض ، لكن
:
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا
كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ(1)
(سورة السجدة)
هذه آية
متشابهة
..
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه
(سورة آل عمران)
ُ
الله لم يشأ
لي الهدى ، هذه الآية تفسَّر ، الله لا يريدني أن أهتدي..
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا
(سورة آل عمران)
فالإنسان إما أن يعرف التأويل أو أن يحضُر
مجالس التأويل كي يكون على بينةٍ من ربه، البارحة كنت مع شخص
قال لي : يا أخي :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ
(سورة التغابن)
أي ببذل الحد
الأدنى من استطاعتكم ، قلت له : لا ليس كذلك بل معناها
:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ
ببذل الحد
الأقصى ، هو أولها على الحد الأدنى ، أي على قدر ما تستطيع ،
وتأويل هذه الآية على الحد الأقصى والدليل الآيات الأخرى
:
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ
(سورة آل عمران)
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
جِهَادِهِ
(سورة الحج)
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا
كَثِيرًا(41)
(سورة الأحزاب)
هذه الآيات
كلها تتناقض مع هذا التأويل الذي يطابق هوى نفسه أي ببذل الحد
الأدنى من الاستطاعة ، إذاً التأويل أن توجِّهَ النصَّ توجيهاً
يتناسب
مع قائله ،
يجب أن تفسِّر الانتقام كاسمٍ من أسماء الله بما يليق مع
أسمائه الحسنى
.
وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
(سورة الأعراف)
فالمنتقم ، والجبَّار ، والضار ، والقابض ، هذه
كلها أسماءٌ لله حسنى ، يجب أن تؤولها تأويلاً يتناسب مع عظمة
الله عزَّ وجل ، ومع كمالاته اللامحدودة ، هؤلاء تسرَّعوا ،
كذَّبوا بهذا القرآن قبل أن يتأملوا في آياته ، في مضامينه ،
في كل ما ينطوي عليه من حقيقة ، وما ينطوي عليه من منهجٍ رشيد
.
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
(سورة الإسراء)
كذبوا .. قال لي صديق كان يعمل بعمل إداري
وَّزع بلاغاً على من دونه .. كان مدير ثانوية .. البلاغ خال من
أية كلمة ، ورقة بيضاء ، وضع فوقها ورقةً كتب عليها : إلى
السادة المدرسين يرجى تبلغ البلاغ المُرْفَق .. يطلب التوقيع
على البلاغ المرفق .. قال لي : فوجئت بأن معظمهم وقَّع ، و
البلاغ المرفق كان ورقةٌ بيضاء ، أي أنه وَقَّعَ على الورقة
ولم يقرأ مضمونها ، هذه صفةٌ عقليةٌ ذميمة ، أن تكذِّب بالشيء
قبل أن تحيط به علماً ، أو أن تصدقه قبل تحيط به علماً ، هذه
صفةٌ ذميمة ، والأذم منها أن يأتيك التأويل الصحيح الذي يليق
بحضرة الله عزَّ وجل وبعدها تنبذ هذا القرآن وراء ظهرك ولا
توليه أي اهتمام .
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ
إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)
(
سورة الفرقان
)
فنبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ، إذاً :
أي لم يحيطوا علماً به ،
وقبل أن يستمعوا إلى التأويل الصحيح كذبوا به ، وهناك تفسيرٌ
آخر لهذه الآية لا يقل عن الأول ، تأويل القرآن الكريم يعني
وقوع وعده ووعيده ، فإذا الله عزَ وجل وعد المرابي بحربٍ من
الله ورسوله ، أي تدمَّر أمواله وتصادر هذا تأويل هذه الآية..
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِه
(سورة البقرة)
ِ
هذه آية ، متى يأتي تأويلها ؟ إذا صودر المال
كله ، أو احترق ، أو تلف ، أو دمِّر ، تدمير هذا المال تأويل
الآية ، إذاً : هم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لكن تأويله لم
يأتِ بعد ، هذه ( لما) ، حرف جزم مثل لم ، وعندنا في
علم النحو : لما ، ولام الأمر ، ولا
الناهية ، حوف جزم تجزم الفعل المضارع ، و تختص لما بوضع دقيق
فمثلاً إذا قلت : لم يحضر المدرس ، فهذه (لم) تنفي
الفعل المضارع وتجعله ماضياً ، يُسَمّونها حرف جزمٍ ، ونفيٍ ،
وقلب ، نفت حدوث الفعل ، وجزمته ، وقلبت معناه من المضارع إلى
الماضي ، لم يحضر المدرس .
أما إذا قلت
:
لن
يحضُر المدرس فهذه (لن) تنفي المستقبل مع أنها حرف ناصب ،
ولكنك إذا قلت : لما يحضر المدرس ، أي حتى هذه الساعة
لم يحضر لكن احتمال حضوره قائم ، مثلاً الساعة التاسعة يبدأ
درسه ، صار الوقت الآن التاسعة وخمس دقائق مثلاً ، لا تقل :
لم يحضر ، هذا غلط باللغة ، وإذا قلت : لن يحضر
أيضاً غلط ، كأنك علمت الغيب بهذه الطريقة ، لو أنه خبَّر وقال
: لن أحضر هذه الساعة تكتب للطلاب : لن يحضر المدرس لأداء
الدرس هذه الساعة، لن للمستقبل ، وإذا كان عدم حضوره في الماضي
تقول : لم يحضر بعد ما مضت الساعة بكاملها، والساعة انشطبت ،
تكتب : لم يحضر المدرس ، يوقع الموجه ، تغيّب المدرس ،
أما إذا كان تأخره لمدة خمس دقائق فلا تقل : لم يحضر ، ولا تقل
: لن يحضر ، ولكن ماذا ؟ تقول : لما يحضر ، أي حتى الآن
لم يحضر مع أن احتمال حضوره لا يزال قائماً .
مرابٍ قال لك
: مضى علي زمن وأنا أرابي ولم يصيبني شيء من ضرر ، هذه أموالي
تزداد وآخذ فوائدها بالمائة ثمانية عشر ، أودعت مائة ألف دولار
ببنك أجنبي
،
فصار المبلغ
الآن مائة ألف وثمانية عشر ألف دولار ، وما اعتراني ضرر ولا
خطر مرتاح من كل هموم الحياة ، مبلغ ضخم يأتيني كل شهر، أصرفه
، ولست مسؤولاً أمام أحد ، لا أعطي لأحد فاتورة ، ولا أريد
بياناً ، ولا أريد إيضاحاً للحسابات ، نقول له
:
تأويل هذه الآية
،
آية الربا ،
لما يأتِ بعد لكنه سوف يأتي ، أحد الناس مثلاً تجاوز حدوده في
علاقته مع النساء ، قال لك : ماذا جرى ؟ نقول له : هذه الآية
لما يأتِ تأويلها ، إذا وجد الرجل رجلاً آخر في بيته فقد وقع
تأويل الآية
:
مَن يزنِ يُزن
به ولو بجداره
...
إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ
التأويل صار
بمعنى آخر أي تحقق وعد الله ووعيده
..
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ
(سورة النور)
لو أن الله استخلفهم في الأرض لكان استخلافه
لهم تأويلاً لهذه الآية.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)
(سورة طه)
إذا رأيت إنساناً ضاقت به الدنيا وقال لك :
الحياة لا تطاق ، همومٌ تكاد تمزِّق قلبي ، وحالي كما قال
الشاعر :
رماني الدهر بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
كل نبل مصيبة
.
فكنت إذا أصابتني سهامٌ
تكسَّرت النصال على النصالِ
يعني لم يَخلُ
مكان في جسمي من رمية سهم
.
إذا قال لك إنسان : الحياة شاقة أهون شيءٍ فيها
الانتحار ، قل هذا تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)
(سورة طه)
وإذا التقيت
بمؤمن وقال لك : ليس في الأرض من هو أسعد مني ، الحمد لله ،
غارقٌ في نِعَمِ
الله ، فهذه
الحالة تأويل قوله تعالى
:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ
الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا
(سورة فصلت)
ما هو التأويل
إذاً ؟ تحقق وعد الله ووعيده في الحياة
،
حيثما تحقق
وعد الله ووعيده في الحياة فهذا تأويل الآية ، إن رأيت صاحب
مالٍ عريض صودرت أمواله كلها ، ورأيته على وشك الانهيار ، هذا
تأويل قوله تعالى
:
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
(سورة البقرة)
هذا التأويل ، اقرأ القرآن الكريم ، حيثما وردت
آيةٌ فيها وعدٌ أو وعيد ، حيثما وردت آية تأخذ شكل قانون أي
علاقةٌ ثابتة بين متحولين ، ثم رأيتها تقع في الحياة ، فهذا هو
التأويل، فالبطولة ليست بأن تصدِّق بالشيء بعد أن يحدث ، مثلاً
: بناء في وضع خطر براعة المهندس أن يكشف لك الخطورة قبل أن
يقع البناء ، فإذا وقع هل لك أن تكذِّب وقوعه ؟ انتهى الأمر ،
من منا يكذب أن بناء وقع . لكن العلم يفيد قبل أن يقع البناء
عندئذٍ تخلي البيت من السكان ، والحقيقة أنها إذا وقع التأويل
فلم يبقَ ذكاء ينفع ، انتهى الأمر ، فرعون نفسه لما أدركه
الغرق قال :
حتى إِذَا أَدْرَكَهُ
الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي
آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
(سورة يونس)
فقال له الله
تعالى
:
أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
قَبْلُ
(سورة يونس)
هذا الإيمان
جاء بعد فوات الأوان ، جاء في وقتٍ غير مناسب ، هذا الإيمان لا
يجدي
..
وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ
أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ
(سورة النساء)
هذه ليست توبة ، التوبة أن تكون وأنت صحيحٌ
شحيحٌ تخاف الفقر وتأمل الغنى أن تدفع من مالك الحلال لله عزَّ
وجل ، هذا الوقت المناسب ، فمثلاً عندما أتنبَّأ بشيء بحسب
فهمي لكتاب الله، فهي بطولة ، لكن بعد أن يأتي الموت ، كما فعل
فرعون عند الغرق ، إذ صار الأمر يقيناً ، ولا مجال للتوبة
عندئذٍ ..
فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)
(سورة ق)
انتهى الأمر ،
فإذا جاء تأويل الآيات انتهى الأمر ، فإذا آمنت أو لم تؤمن
فأنت مرغمٌ على الإيمان ، تأويل القرآن بمعنى وقوع وعده ووعيده
..
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً
(سورة النحل)
إذا صادفت أخوين ، أحدهما مستقيم والآخر غير
مستقيم ، الأول طاهر النفس والآخر دَنِسٌ غير طاهر ، الأول
كسبه حلال ، والآخر كسبه حرام ، وزرتهما بالعيد في يوم واحد ،
وسمعت من الثاني شكوى ليس لها حدود ، وهو في ضيق ، وتبرُّم ،
وينتهي قائلاً لك : الحياة تعيسة ، وسمعت من الأول حمداً ورضىً
من دون حدود ، فهاتان الحالتان تأويل قوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)
(سورة الجاثية)
إذاً بهذه الأمثلة انفهم معنى التأويل وهو تحقق
وعد الله ووعيده ، والتكذيب بعد وقوع التأويل مستحيل ، هذا
المهندس بما أوتي من فهمٍ دقيق ، وإدراكٍ عميق ، كشف أن في
البناء خطراً ، وأنذر أصحابه بوقوع البناء ، انتهت مهمته ، وهم
إن كذَّبوه وقع البناء فوق رؤوسهم وقتلهم جميعاً، وإن صدَّقوه
نجوا ، لكن إذا كذَّبوه ثم وهم نائمون رأوا فجأةً البناء ينهار
عليهم، فهم خلال ثوانٍ يصدقون قوله ، لكن متى صدقوه ؟ بعد فوات
الأوان ، فالبطولة أن تصدِّق قبل أن يأتي التأويل ، أما بعد أن
يأتي التأويل فلن تجد مكذباً إطلاقاً ، لم يبق على وجه الأرض
مكذِّب ، البطولة إذا رأيت ما يشبه القنبلة أن تسارع لمعرفة ما
إذا كان فيها فتيل أم ليس فيها فتيل ، لكن إذا جربتها بنفسك لا
سمح الله ووقع انفجار ، فإنك خلال ثانية تعرف ، لكن متى ؟ بعد
أن أطاحت بصاحبها ، عرف أنها قنبلة ، هل استفاد من هذه المعرفة
؟ لا ، إن البطولة أن تعرفها قبل أن تنفجر ، هذا التأويل ، أن
تعرف ما سيكون قبل أن يكون ، أن تعرف أن هناك يوماً آخر ، فيه
ساعة اللقاء مع الله عزَّ وجل ، فيه حساب دقيق ..
"
لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ
وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ
اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ
فِيهِ "* .
(
من سنن الدارمي : عن " معاذ بن جبل
" )
هل أصبحنا
بمستوى معلوماتنا خلال كذا درس ، خلال سنة من الدروس ، لقد صار
لدينا معلومات دقيقة جداً فهل نحن في مستواها ، وهل كل شيء
عرفناه طبقناه ..
عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ
جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ
اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ
فِيهِ "* ..
هذا كلام رب العالمين ،
فما علاقة الظلم بالتكذيب ؟ وإليك بعض الأمثلة قالوا لك : حصل
بركان وثار في كلومبيا قتل من جرائه خمسة وثلاثون ألف نسمة ،
قال : آخر لا خمسة وعشرون، وأحدهم كذب الخبر ، فماذا يحصل ؟
هناك أشياء إذا كذبتها لا يحصل شيء، كما في الخبر السابق ، و
قال أحدهم : ليس من المعقول أن يكونوا قد صعدوا إلى القمر ،
حجمه صغير لا يتسع لمركبة فضائية ، كذب بارتياد الفضاء الخارجي
فليس لتكذيبه عواقب وخيمة لا عليه ولا على غيره .
أما بعد
فاستمع لقوله تعالى
:
ما علاقة التكذيب
بالظلم ؟ إن كل مكذبٍ بمنهج الله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن
يقع في الظلم ، فإذا كذبت بغض البصر ، يعني كذبت بهذا التشريع
، و أطلقت البصر كما تشاء فإطلاق البصر هذا لابدَّ من أن يبذر
في النفس بذور الهوى ، ويثير كوامن الشهوة ويلهبها ثم لابدَّ
من أن تعتدي على أعراض الآخرين ، والتكذيب بغض البصر لابدَّ من
أن ينتهي بك إلى العدوان على أعراض الناس ، ومثله التكذيب بأن
الربا محرم لابدَّ من أن يحملك على أكل الربا ، وأكل الربا ظلم
، الفكرة دقيقة ، فعلاقة التكذيب بالظلم علاقة إيجابية مسلم
بها .
إذا كذبت
بالمنهج الصحيح فالعاقبة وخيمة ، لو أن إنساناً كذب يكون
الوقود السائل وقوداً للسيارة ، ووضع ماء مكانه ، هل تسير
السيارة ؟ لا تسير ، هذا تكذيب له
مضاعفات ، وضع الماء فبقيت السيارة في مكانها
واقفة ، لما كذب أن الوقود بنزين ، فوضع مكان البنزين ماء ،
معنى ذلك بقي في أرضه ، جمد ، فليس كل تكذيب خطر ، إذا كنت لم
تصدق أنه قضى خمسة وثلاثين ألفاً ، بل قلت : لا خمسة وعشرون
ألفاً فالأمر سيّان ، هذا تكذيب غير خطر ، لكن إذا كذبت بمنهج
الله عزَّ جل ، هذا تكذيب خطر ، تكذيب مدمر ، ينتهي بصاحبه إلى
الظلم ، والظلم ظلماتٌ يوم القيامة ، هذه دقة الربط بالقرآن .
كذب الذي من قبلهم فانظر ، هذه الفاء
للترتيب على التعقيب ، أي لابدَّ من أن تأتي النتيجة عقب
السبب ، كذب
بالآيات
..
أشخاصٌ كثيرون يحلفون يميناً غموساً في
المحاكم ، لا تنقلهم أقدامهم مترين إلا ويقعوا في حالاتٍ
مرضيةٍ وبيلة
..
ما علاقة الفساد هنا
بعدم الإيمان ، أي إن لم تؤمن بهذا الكتاب فلابدَّ من أن تكون
مفسداً في الأرض ، تفسد العلاقات بقولك ، بنظراتك ، بتعاملك مع
الناس ، ما دمت لا تؤمن بهذا القرآن فلابدَّ من أن تكون
مفسداً، إما أن تكون مصلحاً ، وإما أن تكون مفسداً ، كأن الله
سبحانه وتعالى في هذه الآيات يبين لنا ما ينتج عن الإيمان به
وما ينتج عن عدم الإيمان به .
إن لم تؤمن بهذا الشرع الحنيف
بهذا المنهج القويم .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
(سورة الإسراء)
فلابدَّ من أن
تكون مع المفسدين
.
عندك بالبيت كيلو من معدن ، قلت للناس :
هذا ذهب ، قالوا لك : كذب هذا تنك ، وهو ذهب فعلاً ، من الخاسر
؟ هم ، من الرابح ؟ أنت ، ولو أن عندك كيلو تنك
قلت للناس : هذا ذهب، وهو تنك ، فصدقوك ، كلهم صدقوك ، لكن من
الذي يخسر ؟ أنت ، علاقتك مع نفسك، كل محاولات الدجل ،
والاستعراض ، وعرض العضلات ، أشياء سخيفة ليس لها وزن عند الله
عزَّ وجل ، لك حقيقة عند الله ، لا تجرحها إساءة ظن الناس بك ،
ولا يرفعها ثناء الناس عليك ، الشيخ محي الدين رضي الله عنه ،
قال عنه بعضهم : زنديقٌ كافر ، وقال عنه بعضهم : سلطان
العارفين ، لا قول بعضهم سلطان العارفين يرفع مكانته عند الله
، ولا قول بعضهم أنه كافر يخفضه عند الله ..
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ
(سورة البقرة)
علاقتك مع
نفسك ، فأرح نفسك من أقوال الناس لا تستجدي ثناء الناس
.
"
أَمْسِكْ
عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى
خَطِيئَتِكَ
" *
(من سنن الترمذي : عن " عقبة بن عامر " )
طوبى لمن شغله
عيبه عن عيوب الناس
،
طوبى لمن وسعه
بيته وبكى على خطيئته
.
هذه النصيحة
الإلهية
..
"
مِنْ حُسْنِ
إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ
" *
(
من سنن الترمذي : عن " أبي هريرة
" )
هذا المثل لا تنسوه أبداً ، معك كيلو من المعدن
، الناس جميعاً ظنوه تنكاً ، وهو ذهب ثمنه مائة وثمانية وخمسون
ألفاً ، فهم واهمون وأنت مصيب ، معك كيلو تنك ، أوهمت الناس
بأنه ذهب ، وصدقوك وهو تنك فأنت الخاسر المخادع .
عملي ملكي ، وكل شيء غيره عارية مستردة
،
فالإنسان ماذا
يملك ؟ هل يملك البيت ؟ لا يملكه ، لابدَّ من أن يخرج منه
بشكلٍ أفقي ، أبداً ، إذا كان الواحد بيت يقول : أين سوف
يغسلوني، له غرفة خاصة فهل يغسلوه فيها أم ، بالحمام ، بالمطبخ
، بالممشى ، لابدَّ من أن يخرج منه ، دخل إليه ثم يخرج منه بعد
أن سكنة
لفترة عشرة
سنوات مثلاً ، هناك خرجة ما بعدها رجعة ، فالبيت ليس لك ،
السيارة ليست لك ، تؤخذ مفاتيحها ويركبها أناس آخرون ، وعندك
خزانة فيها مقتنيات ثمينة ، ليست لك ، وعندك أرض ارتفع سعرها
مائة ضعف ، ليست لك ، ليس لك إلا عملك
..
"
يا قُيَيس
إن لك قريناً تدفن معه وهو حي ، ويدفن معك وأنت ميت ، فإن كان
كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ، ألا وهو عملك
" .
وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ
الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ
(سورة العصر)
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ
بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
(سورة الكهف)
لا تبالِ
..
"
من عرف نفسه
ما ضرته مقالة الناس به
"
أي
..
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى
(سورة فاطر)
كل إنسان
محاسب على عمله ، لن تحاسبوا على عملي ، ولن أحاسب على أعمالكم
.
طبعاً هذه الآيات تحتاج إلى شرحٍ تفصيليٍ إن
شاء الله ننتقل إلى تفصيلها في درسٍ قادم
.
والحمد لله رب العالمين
* * * |