|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "08 / 17" من تفسير سورة
يونس (010)
: الآيات : 31 – 36 لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق
الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت
العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا،
وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل
باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة
الأكارم ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى
:
أي أن في هذه الآية
مجموعة أدلة قاطعة على ألوهية الله سبحانه وتعالى وعلى ربوبيته
، من هذه الأدلة الرزق ، وكل إنسانٍ متعلقٌ برزقه ، فهذا الرزق
من السماء والأرض، فإذا كان الرجل يملك ثمن الطعام فهل يملك
خلقه ؟ هل يملك صُنْعَهُ ، من جعل أشعة الشمس المسلَّطة على
البحار منذ خمسة آلاف مليون سنة ؟ من جعل هذه البحار التي تزيد
مساحتها على سبعين بالمائة من مساحة الأرض ؟ من جعل هذا الماء
المالح يتبخر ماءً عذباً فراتاً ؟ من جعل الماء يعلق في الهواء
على شكل بخار ماء ؟ من جعل الفروق الكبيرة في درجات الحرارة
بين القطبين ، بين القطب الشمالي وخط الاستواء ؟ من خلال هذه
الفروق الشاسعة تحرَّك الهواء ، إذا كان هناك حرٌ تمدد الهواء
فتعرض المكان لضغط منخفض ، وإذا كان هناك بردٌ انكمش الهواء
فصار هناك ضغطٌ مرتفع ، وبين الضغط المرتفع والمنخفض يتحرك
الهواء ، من حرك الهواء ؟ من حركه حتى ساق هذا السحاب ؟ من
جعله ينقلب إلى أمطار تنزل في الأماكن المناسبة وفي الأوقات
المناسبة وفي الكميات المناسبة ، وفي الأنواع المناسبة ؟
قد تأتي الأمطار في أول العام فلا يستفاد منها
الفائدة المطلوبة ، وقد تأتي في آخره بكمياتٍ قليلة فلا يستفاد
منه ، وقد تقل الثلوج فلا تمتلئ الينابيع كما حصل في العام
الماضي ، أمطارٌ غزيرة في مطلع العام ، في أواخر العام توقَّفت
الأمطار ، نسبة الثلوج قليلةٌ جداً ، الينابيع معظمها جفَّ في
هذا العام ، من يملك إنزال الأمطار من السماء؟
ربنا عزَّ وجل
لحكمةٍ بالغة ووفق عدالةٍ مطلقة يمنع الأمطار عن بعض الشعوب ،
عن بعض البلاد ماذا يحصل ؟ بإفريقيا سبع سنواتٍ عجاف ماذا نتج
عنها ؟ كاد
الناس يموتون جوعاً ، استنجدوا بأمم الأرض ،
يبس النبات ، ومات الحيوان ، وكنت أرى في بعض الصور كيف أن
مئات ألوف الأبقار ملقاةً على الأرض وهي ميَّتة عطشاً ، رأيت
صورةً في أستراليا الأغنام تذبح وتلقى في الوديان لعدم وجود
الكلأ ، من يملك هذا الماء من السماء ؟ من يملك الأمطار ؟
الثلوج؟ من يبخِّر ؟ من يحرِّك ؟ .
وَأَنزَلْنَا مِنْ
الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا
وَنَبَاتًا(15)
(
سورة النبأ
)
نزل الماء من السماء بقدرة من ؟ من خلق هذه
الأرض وما فيها من معادن ؟ الأرض فيها كالسيوم ، وفيها فوسفور
، وفيها مغنزيوم ، وفيها حديد ، وفيها مواد آزوت ، وفيها كربون
، ومعادن وأشباه معادن ، ومواد لازمة لإنبات النبات ، من جعل
هذه التربة أنواعاً ، هذه تربة زراعية ، وتلك تربة كلسية ،
وأخرى تربة غضارية ، هذه تربة لحقية ، من جعل أنواع التُرَب ؟
كل هذه المواد التي نحتاجها كامنةٌ في هذه التربة إنها نعمة من
رب السماء والأرض وهذا هو الإمداد .
من خلق أنواع
البذور ؟ بذور الأشجار المثمرة ، بذور المحاصيل ، القمح ،
الشعير ، العدس، الحمص ، بذور الخضروات ، الكوسا ، الباذنجان ،
اللوبياء ، الفاصولياء ، أنواع
النباتات، الخضروات ، الخضروات الصيفية ،
والشتوية ، والمحاصيل ، والأشجار المثمرة ، هذه البذرة الصغيرة
، من أعطاها هذه القدرة الكامنة ؟ لتكون شجرة لها شكلٌ خاص ،
لها وظائف خاصَّة ، لها إثمارٌ في وقت خاص ، لثمرتها شكلٌ خاص
، وطعمٌ خاص ، ولونٌ خاص ، من خلق هذه البذور وأودع فيها
خصائصها المتعددة ؟ من جعل الرشيم وهو الكائن الحي في البذرة ؟
من ؟ أإله مع الله ؟
خلق البحار ،
وخلق الشمس ، وخلق القطب ، وخط الاستواء ، وخلق قانون التبخر ،
من الذي جعل الماء يزداد حجمه إذا برد على خلاف عناصر الأرض
كلها ولولا هذه
الظاهرة لمات
الإنسان والحيوان ولانعدم التبخُّر ؟
إذا كنت يا أخي الكريم
تملك ثمن الفاكهة تذكَّر أنك لا تملك خلقها ، ولا تملك صنعها ،
أنواع منوَّعة ، ليس هناك مجالٌ واسع للحديث عن أنواع
الخضراوات ، هذه فيها فيتامين سي، وتلك فيها مواد مقوية ، هذه
فيها ألياف سيلولوزية ، وأخرى فيها مادة مخاطية ترمم الجهاز
الهضمي .. الملوخية .. كل غذاء ، كل نبات ، هذه فيها فوسفور
تفيد أصحاب الأعمال الفكرية ، فأنواع الخضراوات ، والنباتات ،
والفواكه ، والثمار ، القمح ثلاثة آلاف وستمائة نوع فالله عزَّ
وجل الذي خلقه ونوّعه وجعله ، ينبت في كل أماكن الأرض ، ينبت
في الجبال، وفي السهول ، وفي الأغوار ، وفي الصحارى ، وفي
المناطق الحارة ، والباردة ، والمعتدلة ، والجافة ، والرطبة ،
من ؟ أإله مع الله ؟
والأرض أودع فيها هذه المواد الأساسية ،
أودع فيها المعادن ، أودع فيها أشباه
المعادن ، أودع فيها هذه البكتريات ، حينما
ألقيت القنبلة الذريّة على كل من هروشيما ونكازاكي تعقَّمت
التربة بمعنى أن الأحياء الدقيقة ماتت ، فلم تنبت شيئاً ، من
خلق الكائنات الدقيقة ؟ من خلق ديدان الأرض ؟ قرأت عن ديدان
الأرض مقالةً رهيبة ، لو أن ديدان الأرض ماتت لمات معها
الإنسان، لأنها عنصرٌ أساسيٌ في إنبات النبات ، ديدان الأرض ،
من ؟ أإله مع الله ؟
فحينما تأكل هل ترى الله من
خلال طعامك ؟
قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
(
سورة يونس : من آية " 101
" )
فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى
طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ
شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا
حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا
وَنَخْلا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً
وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ(32)
(سورة عبس )
بدءاً من الشمس والقمر ، والرياح ،
والحرارة ، والبرودة ، وتبدُّل الطقس ، والبحار ، واليابسة ،
وهطول الأمطار ، من جعل الجبال مستودعاتٍ للأمطار ؟ من جعل
الثلوج مغذِّياتٍ لهذه المستودعات ؟ من خلق أنواع النباتات ؟
من خلق البذور ؟ أإلهٌ مع الله ؟!
هذا الذي يرزقنا ألا يقتضي أن نعبده ، هذه الذي
يمدنا بالطعام والشراب ، هذا الذي ينزل علينا الأمطار ألا
يستحق العبادة ؟ نعبد من دونه أُناساً مثلنا لا يملكون ضراً
ولا نفعاً ولا حياةً ولا موتاً ولا نشورا ؟ من اعتز بمن يموت
فإن عزَّه ميت ، لأن هذا الذي تعتز به إذا مات مات عِزُّك،
لكنك إذا اعتززت بالله الحي القيوم فإنك عزيزٌ كريم .
فموضوع الرزق ، موضوع
الطعام والشراب موضوع كبير جداً ، وهذا ما نتعامل معه كل يوم
ثلاث مرات ، إذا جلست إلى مائدة الصباح تفكَّر فيما على
المائدة صنفاً صنفاً ، صحناً صحناً، الجبن ، البيض ، اللبن ،
الزيت ، من أين جاء الزيت ؟ من هذه الشجرة المباركة ، من
الزيتون ، تفكَّر في الخبز ، في كأس الماء ، في كأس الحليب ،
في لعقة العسل ، في كل شيءٍ تأكله آيةٌ على أنه هو الخالق ، هو
المربي ، هو المسيِّر ، هذه فقرةٌ أولى في الآية .
من شق لنا السمع والبصر
؟ فهذه الأذن ، لماذا جعل الله لنا أذنين ولم يجعل لنا أذناً
واحدة ؟ سؤال ، لنا أنفٌ واحد ، ولنا أذنان ، لأنه لولا
الأذنان لما عرفت مصدر الصوت ، بوجود أذنين والصوت من خلفك
أودع الله سبحانه وتعالى جهازاً دقيقاً دقيقاً معقداً في المخ
يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ، فإذا وصل الصوت إلى هذه
الأذن قبل هذه الأذن بواحد على ألف وستمائة وخمسين جزء من
الثانية يحكم الدماغ البشري على أن جهة الصوت من اليمين ،
من جعل هذا الصيوان ؟ هذا الصيوان يُجَمِّع الأصوات ،
ولو تصورنا إنساناً بلا صيوان لكان سمعه ضعيفاً جداً ، إذاً
بهذا الصيوان يقوى السمع ، أؤكد لكم هذه الحقيقة ، إذا وضع
أحدكم يده هكذا يصله الصوت بشكلٍ أضخم ، وأقوى ، فهذا الصيوان
من خلقه ؟ من خلقه بهذه التجاعيد ، هذه التجاعيد أي صوتٍ جاء
من أي جهةٍ لابدَّ من أن يلقى سطحاً يعكسه إلى الداخل ، هذه
التجاعيد من صنعٍ حكيمٍ عليم ، إن جاء الصوت بزاوية ثلاثين ،
يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ، وعلى الزاوية ستين هناك سطح
يتعاكس معه ، إن لهذا الصيوان سطوحاً من كل الاتجاهات، فأي
صوتٍ جاء إلى الأذن لابدَّ من أن يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ،
فلو جعلنا هذا الصيوان أملس لضاع علينا صوتٌ كثير ، وضعف
سمعنا.
من جعل ممر الأذن ضيِّقاً ؟ ولو كان أوسع من
أحد أصابعنا لفقد الأطفال سمعهم لأتفه سبب، لكن الله سبحانه
وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل قناة السمع أضيق منفذاً من أصغر إصبع
في الإنسان ، ثم جعلها مِعْوَجَّة ، لو جعل غشاء الطبل في
صدرها والخط مستقيم ، فقلم أو عود يفقد الإنسان سمعه ، لكن
الله سبحانه وتعالى جعلها ضيقةً وجعلها معوَجَّةً ، وجعلها
تنتهي بغشاء الطبل، ما هذا الغشاء الذي يتجاوب مع أي صوت ؟
ويهتز اهتزازاتٍ قدرها العلماء بأرقام مائة وثلاثين اهتزازة
بالثانية أو أكثر .. الرقم لا اذكره، لكن هناك عتبات للسمع
دقيقة جداً .. يهتز ثم يستعيد استقراره ليتلقى صوتاً جديداً ،
من ؟ ومن ربط هذا الغشاء بعظامٍ سمعيةٍ أربع تضخم الأصوات إلى
أن يصل الصوت إلى الأذن الداخلية حيث العصب السمعي الذي يلتقط
الأصوات ويرسلها إلى الدماغ ليدرك الإنسان فحوى الكلام ، من؟
يرن جهاز الهاتف ترفع السماعة يقول لك : هل
عرفتني ؟ تقول له: أنت فلان ، كيف ؟ من زودك بذاكرةً للأصوات ؟
في مخ الإنسان ذاكرةٌ صوتية ، لاشك أن كل واحدٍ منا في حياته
أكثر من مائة شخص يعرف أصواتهم واحداً واحداً ، من ؟ لا يزال
علماء الجسم البشري في حيرةٍ من أن هناك صوتاً يسبب انزعاجاً
سموه الضَجيج ، وأن هناك صوتاً يسبب ارتياحاً سموه النَغَم ،
وما الفرق بين النغم والضجيج ؟ لا أحد يعرف سر هذا ، لماذا خلق
الله سبحانه وتعالى الأذن مفتوحةً دائماً ، الإنسان بإمكانه أن
يغلق عينيه ، الإنسان يغضُّ بصره عن المحارم ، لكنه لا يستطيع
أن يغلق أذنه عن الأصوات ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
"
من استمع إلى
صوت قينةٍ صب في أذنيه الآنك قيل : وما الآنك يا رسول الله ؟
قال : الرصاص المذاب
"
.
من استمع ، لم يقل من سمع ، أي جلست إلى جهاز
اللهو واستمعت إلى الغناء وأنت تقصِدُ ذلك ، لكن إذا طرق سمعك
نغمٌ لا يرضي الله وأنت لا ترضى عنه ، أغلب الظن أن هذا معفوٌ
عنه ، والله وحده يعلم إن كنت راغباً في سماع هذا الصوت أو لست
راغباً فيه ، ربنا عزَّ وجل قال :
فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ
فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11)
(
سورة الكهف
)
لماذا قال على
آذانهم ؟ لأن الأذن مفتوحة ، مفتوحةٌ دائماً ، ولماذا جعلها
مفتوحةً دائماً ؟ لأنها دائرة أمنٍ للإنسان ، الإنسان إذا أغمض
عينيه قد يأتيه الخطر من أقرب الناس إليه ، من أقرب شيءٍ إليه
، لكن الصوت يحذِّرُهُ
،
فسائق السيارة قد لا يرى ماذا يحدث لكن صوتاً
غريباً يجعله يقف ، فالأذن مفتوحةٌ دائماً ، رأيت مرةً جهازاً
للهاتف له ضوء ، فبدل الجُلْجُل يتألَّق الضوء أي أن هناك في
مخابرة ، فقال صاحب هذا الجهاز لو أنني لفتُّ وجهي هكذا أحدث
إنساناً وجاءت مخابرة لا أدري ، لكن الصوت له وظيفة أخرى ،
كيفما كنت يأتيك الصوت وهذا من حكمة الله عزَّ وجل .
وهذه العين ،
المَحْجَر ، الحاجب ، كرة العين ، عضلات أنسيةٌ ، عضلاتٌ
وحشيةٌ ، عضلاتٌ علويةٌ ، عضلاتٌ سفليةٌ ، عضلات مائلةٌ
تحرِّكها في كل الاتجاهات ، هذه هي العين، ثم القَرنية ذلك
الجسم الشفَّاف شفافيةً تامة ، كيف تتغذى القرنية ؟ أين
الشعريَّات ؟ أين الشرايين ؟ قال هذه القرنية لها سمةٌ خاصة
تتغذى عن طريق الحلول ، أول خليةٍ تأخذ غذاءها وغذاء جارتها،
وينتقل الغذاء من خليةٍ إلى أخرى عَبْرَ الجدار الخلوي من دون
أن يكون هناك شبكة شرايين وأوردة تعيق الرؤية وتحجبها، هذه هي
القرنية .
من جعل بعد
القرنية القزحية ، عين فلان زرقاء اللون ، وتلك سوداء ، وأخرى
عسلية ، هذه القُزَحية ؟ من جعل فيها هذه العضلات تتسع وتضيق
من دون أن تشعر ؟ إذا جاءها الضوء الكثيف ضاقت وأخذت من الضوء
حاجتها
،
وإذا قل الضوء اتسعت ، وأخذت من الضوء حاجتها،
فإذا نظرت إلى شيءٍ بعيد اتسعت أيضاً حتى تنضِح الرؤية وأنت في
غفلةٍ عن هذا ، من جعل هذه العين ؟ من جعل هذا الجسم البلوري
عدسة لكنها ذات حياة ؟ عدسةٌ مرنة يزداد أحديدابها أو يزداد
انبساطها بحيث يقع خيالها في الشبكية دائماً ، وهذا من الأشياء
المعجزة ، كيف ترى الأشياء المتحرِّكة وتأتي جميع أخيلتها على
الشبكية تماماً ؟ سمى العلماء هذه الظاهرة المطابقة ، وهي من
أعقد ما يجري في العين ، هذا يعجز عنه أكبر علماء الأرض ، لأنك
لو كنت تشاهد كرةً تتحرك في كل ثانيةٍ لها بعدٌ عن العين ، من
يقيس هذا البعد ؟ ومن يضغط على الجسم البلوري ضغطاً يجعل خيال
هذه الكرة تقع على الشبكية تماماً؟ الله سبحانه وتعالى وهو
معكم أينما كنتم، ظاهرة المطابقة لا يمكن أن تشرح في مسجد
لأنها تحتاج إلى صور ورسومات ، إلى توضيحات .
من جعلك ترى الأشياء المتحركة وأنت مرتاح ؟ لو
أنك ترى الشيء بعد أربعين سنتيمتر فقط ما قيمة هذه العين ؟ بعد
الأربعين لا تراه ، قبل الأربعين لا تراه ، لكن هذه العين تنظر
إلى كل شيء ، وترى كل شيء وهي مرتاحة ، من جعل هذه الشبكية
فيها مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، الذي أحصى مخاريط العين
، وعصيَّاتها مُنِحَ جائزة نوبل في عام سبعة وستين وتسعمائة
وألف للميلاد ، في عام سبعة وستين هناك عالمٌ توصَّل إلى أن في
شبكية العين مائة وثلاثين مليون من المخاريط ومن العصيات ،
يستقبل بعضها الألوان كلها ، وبعضها يستقبل اللون الأبيض
والأسود فقط ، ثم من جمع هذه الشبكية في عصبٍ بصريٍ قوامه
أربعمائة ألف عصب ، تذهب إلى الدماغ ؟ من جعل لك عينين من أجل
أن ترى بهما البعد الثالث ؟ أن ترى الأشياء مجسَّمة ؟ أن ترى
طولاً وعرضاً وعمقاً ، من ؟ إنك لن تستطيع بعينٍ واحدة أن ترى
المسافات العُمقِية ، لن تستطيع أن ترى البعد الثالث في عينٍ
واحدة ، ولكن العينين تريانك الأشياء مجسمةً ، لا يزال هذا سر
، إنك إذا صورت شيئاً بآلة تصوير فالصورة حجمها صغير ، ولكنك
ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وعينك صغيرةٌ جداً ، كرةٌ صغيرة ،
ترى الجبل جبلاً ، والجمل جملاً ، والإبرة إبرةً ، والنملة
نملةً ، ترى الشيء بحجمه ، ولونه ، وبعده ، من خلق هذا ؟
ومن زوَّدك بذاكرةٍ
للبصريات ؟ .. هناك ذاكرة للمسموعات ، وذاكرة للمشاهد ، تقول
هذا المنظر رأيته من قبل ، هذا الوجه أعرفه ، هذا الكتاب قرأته
، هذا الطفل شاهدته من قبل مع أبيه ، من زودك بهذه الذاكرة؟
ألا يستحق منك العبادة ؟ ألا يستحق منك الطاعة ؟ ألا يستحق أن
تكون محباً له ؟ .
فبحسب تفكير الناس
البدائي الشيء الساكن ميِّت ، فالبيضة ميتة ، من أخرج منها
الدجاجة ، افتح بيضة الآن اقليها أو اسلقها وانظر ما فيها ؟
بياض وصفار ، هل من السهل أن تنقلب هاتان المادَّتان إلى صوص ؟
له سمع ، وله بصر ، وله شم ، وله فم ، وله لسان ، وله مريء ،
وله حُوَيصلة ، وله أمعاء ، وله قلب ، وله كبد ، وله بنكرياس ،
وله كليتان ، وله عضلات ، وله عظام ، وله أعصاب ، من ؟ .
الحيوان المنوي إذا
لقَّح بويضةً يصبح إنساناً سوياً ، من أودع في هذا الحيوان
المنوي وفي تلك البويضة خمسة آلاف مليون صفة ؟ سموها تعليمات ،
وسموها أوامر ، والعلماء قالوا : لو أن هذه التعليمات وهذه
الأوامر كُتِبَت في كتب لكان حجمها كحجم أكبر موسوعةٍ مؤلفةٍ
حديثاً ، الآن عندنا موسوعات ، دائرة معارف ، مؤلفة من أربعين
أو خمسين جزءاً، كل جزء ثلاثة آلاف صفحة ، لو أن هذه الأوامر
التي أودعها الله في الحيوان المنوي ، وفي البويضة ، أردنا أن
نكتبها بكتب لاستغرقت أكبر الموسوعات العلمية .
إنسان له شعر ، وهناك أنواعٌ منوَّعَةٌ من
الشعر ، هناك شعرٌ جَعِد ، وهناك شعر أملس ، وهناك شعر أسود ،
وهناك شعر أشقر ، وهناك شعر خشن ، وهناك شعر حريري ، أنواع
منوَّعة من الشعر ، في هذا الحيوان المنوي يكمن شكل الوجه ،
أهو كروي أم مستطيل أم كمثري الشكل، في هذا الحيوان المنوي
يكمن نوع العينين ، لونهما ، حجمهما ، نوع الحاجبين، أزجّين ،
مفترقين ، نوع الأنف أقنى ، طويل ، قصير ، نوع الشفتين ، نوع
الخدين، أملسين ، أسيلين ، قصيرين ، نوع العنق ، نوع اليدين ،
لون الجلد ، طبيعة الدم ، كيمياء الدم كلها كامنة في هذا
الحيوان المنوي .
ثمرة واحدة زيتونةٌ من خشب ترميها في
الأرض ، فتصبح
شجرةً لها
جذور، ولها جذع، ولها أغصان ، ولها أوراق ، تزرعها بعلاً تعطيك
زيتوناً ، ممتلئاً زيتاً ، تأكله ، وتستفيد منه
.
وكلما تقدم العلم
فُسِّرَت هذه الآية بحسب التقدم العلمي كيف تموت الخلايا وكيف
تولد الخلايا ؟ خلايا الأمعاء عمرها ثمانيةٌ وأربعون ساعة ،
خلايا القلب والدماغ عمرها يوازي عمر الإنسان ، خلايا الشعر
تبقى ثلاث سنوات حيّة ، الشعرة تعيش ثلاث سنوات ثم تسقط ، ينبت
مكانها شعرةٌ جديدة .
وقد تفهم هذه الآية بشكلٍ آخر ، قد يلد الكافر
مؤمناً ، وقد يلد المؤمن كافراً
.
هذا بعلم الله
..
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ
فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ
الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَانُوحُ
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ
(
سورة هود
)
عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ، أبوه أبو جهل
.
لا تقول بيئتي صعبة
..
قد يخرج عالمٌ من بيئةٍ جاهلة ، وقد يخلق
أخلاقيٌ كبير من بيئةٍ منحطة ، وقد يخرج رجلٌ فاسقٌ من بيئةٍ
صالحة ، لأن لكل إنسان اختيار..
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)
(
سورة القصص
)
والمجال يطول ، هذه آيةٌ دلالاتها واسعةٌ جداً
، يطبق مضمونها على الإنسان ، كما يطبق على الحيوان ، وعلى
النبات ، وبعد ذلك فهناك بحوث حديثة مفادها أن هناك مجَرَّات
تخلق ، ومجرات تتلاشى على شكل غازات ، حتى في الكون هناك خلقٌ
متجدد ، هناك خلقٌ جديد ، وهناك موتٌ لبعض الكواكب ، وهناك
مناطق سوداء في الفضاء الخارجي إذا دخلتها الأرض أصبحت بحجم
البيضة ، هناك كواكب غازية ، زحل غازي ، غازات متجمعة ، طبعاً
كثافته قليلة، من يحوِّل الصلب إلى سائل والسائل إلى غاز
والغاز إلى صلب ؟ ثم هناك نظرية تقول : إن هناك أجراماً غازيةً
تدخل في ثقوبٍ سوداء فتصبح كتلاً متراصَّة .
فأحياناً تجد أن الجو
ارتفعت حرارته بشكلٍ غير طبيعي ، هذا من أجل أن يتفتَّح الزهر
، يسميه العوام : ( عبوء الزهر ) ، من يدبِّر الأمر ؟ أحياناً
تأتي رياحٌ عاتية في أيام الربيع ، هذه رياحٌ لواقح من أجل
إلقاح النباتات ، من يدبِّر الأمر ؟ يأتي بردٌ شديد فيهلك كل
الكائنات الضارة في التربة ، يأتي حرٌ شديد فتكسب الفواكه
طعمها الحلو المذاق ، من يدبِّر الأمر ؟ مِن إشراق الشمس إلى
غروبها ، القمر ، الأرض ، يقول لك : منخفضات ، من يدبِّر الأمر
؟ منخفضات ، منخفض وراء منخفض ، هنا صقيع ، هنا برد ، هنا حر ،
هنا جو رطب ، هنا رياح شديدة ، يقول لك: رياح شرقية لها فوائد
، رياح غربية لها فوائد ، الشرقية باردة ، الغربية دافئة ،
الغربية يأتي معها أمطار ، الشرقية يرافقها صقيع ، هذا مفيد
وهذا مفيد ، ومن يدبِّر الأمر ؟ شيء آخر : أمر الإنسان من
يدبِّره ؟ إلى هنا تناولنا في شرحنا أمر الكون الذي تحدثت عنه
الآية الكريمة ، لكن الآية مطلقة ..
شاب يطلب الزواج ، يطلب العفة مثلاً ،
فالله عزَّ وجل يجمعه مع إنسان يلهمه أن يسأله عن
وضعه العائلي ، فيقول له الشاب : لست متزوجاً
فيؤمن له بيتاً ، فدّبر لهذا الشاب ، من يدبر الأمر ؟ أحد
الناس يريد أن يشتغل في عمل يدر عليه أسباب معيشية وعائلته ،
يلهمه مصلحة يشتغل فيها ، يأتيه الزبائن ، يبعثهم ربنا إلى
متجره ، يبيع يشتري ويربح ، ويشتري طعاماً لأولاده ، يدخل بيته
معه قوت عياله ، من يدبِّر الأمر ؟ الله سبحانه وتعالى ، هذه
أدلةٌ قاطعة على ربوبية الله ، وعلى ألوهيته ، وعلى حكمته ،
وعلى تسييره .
أمر عجيب
..
قال أعرابيٌ للنبي عليه
الصلاة والسلام : جئتك لتعلمني من غرائب العلم ، فقال النبي
الكريم: فماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم
؟ قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله ؟ قال :
فماذا صنعت في حقه ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال :
ما شاء الله ؟ قال : فماذا أعددت له ؟ فأدق نقطة بهذه
الآية هذه الكلمة ، إذا كنت تعرف هذا تماماً فلماذا لم تأخذ
حتى الآن موقف يتناسب مع هذا الإيمان ؟ إن كنت تقول : الله
يرزقني ، والله جعل لي السمع والأبصار ، والله يدبِّر أمري ،
فلمَ لا تطيعه ؟ ماذا تنتظر ؟
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمرك في المقال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته..
إن المحب لمن يحب مطيع
* * *
فإذا لم تأخذ
موقفاً عملياً تجاه ربك ، وإذا لم تتقصَّ سُبُلَ طاعة الله
عزَّ وجل ، إذا ما اجتنبت نواهيه ، فهذه المعرفة لا قيمة لها
.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى
يُهَاجِرُوا
(سورة الأنفال : من آية " 72 " )
إذا لم يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ،و يسمع
الحق ، ويعمل به ، فإيمانه إدعاء ليس أكثر فلماذا هذه المعصية
في البيت ؟ ماذا تنتظر ؟ ألا تحس بالتناقض ؟ هل تقول : هي حرام
، تجيبني : نعم حرام ؟ إذاً لمَ لا تزيلها فوراً ؟ كيف يرضى
الإنسان أن تركن نفسه وهناك خلل بين ما يعتقده وبين ما يفعله ؟
كيف يرضى عن نفسه وهو لا يتِّبع ما يقتنع به من سبيل الإيمان؟
.
أما هذه الآية ، والله
الذي لا إله إلا هو لو عرفنا دلالاتها حق المعرفة ، لو فهمنا
أبعادها لعقدنا التوبة من توِّنا دون تباطؤ أو تراخٍ ..
أي إذا كان خط مستقيم يمر بين نقطتين فهل
يمكن أن يمر بين هاتين النقطتين خطٌ آخر لا ينطبق عليه ويكون
مستقيماً ؟ مستحيل ، بين نقطتين لا يمر إلا مستقيمٌ واحد ،
فإذا قال ربنا عزَّ وجل
:
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
(سورة الأحزاب : من آية " 33 " )
فلو أن المرأة لم تفعل هذا وتستجب لدعوة ربها
وأمره لكانت في الضلال ، هذا هو الحق ، معنى الحق الشيء
الثابت ، حق الشيء أي استقر ، أي إذا بنيت جداراً على الشاقول
تقول : هذا جدار حق ، أي يستمر ، يبقى ، فإذا بنيته من غير
شاقول وكان مائلاً هذا سوف يقع ، فتعريف الحق أنه يثبت والباطل
يزول.
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ
(
سورة الإسراء : من آية " 81
" )
الحق الشيء الذي رسمه الله سبحانه وتعالى
منهجاً للبشر ، فأي منهجٍ آخر فهو باطل ، إن لم تعتقد بالله
رباً فعقيدتك مهما تكن باطلة ، إن لم تعتقد بالله إلهاً
فعقيدتك مهما تكن باطلة ، إن لم تصل فأنت مبطل ، ولو تفلسف
الإنسان وزعم أنه ذو فكرٍ مُنْفَتِح ، وأنه يقرأ ، وأنه يطالع
، ما دمت لا تصلي فأنت مبطل .
العلماء قالوا : " ليس
في الأرض منزلةٌ ثالثة بين الحق والباطل ، إما أنك على حق ،
وإما أنك مبطل " ، إن لم يكن اسمك في قائمة الناجحين فماذا
يعني هذا ؟ أنك راسبٌ ، فهل هناك قائمة ثالثة ؟ لا توجد قائمة
ثالثة، إما أن يكون اسمك في قائمة الناجحين ، وإما انك راسب ،
ولا توجد حالة ثالثة ، في بلد فيها جامعة واحدة ، إما أن تكون
من طلاَّب هذه الجامعة ، أو خارجها ، لا توجد حالة ثالثة ،
فالإنسان إن لم يعتقد بالله رباً ، إن لم يعتقد به خالقاً ، إن
لم يعتقد به إلهاً يعبد ، فعقيدته باطلة ، فالأرباب الذين
يزعمهم من دون الله مبطلون ، فالآلهة الذين يعتقدهم مبطلون .
أي إذا لم ينطبق سيرك على الخط المستقيم
فشيء قطعي أنك
مُبطل ولا توجد حالة ثالثة ، هنا لا مجال للمجاملة ، قضية
مصيرية ، قضية سعادة أبدية أو شقاء أبدي ، لا يوجد عندنا أنصاف
حلول ، الإسلام إما أن تأخذه كله أو تدعه أما أن تأخذ منه ما
شئت ، فأخذك منه ما شئت كأنَّك تركته كله ، فالأمر ليس هوىً
يتبع
.
الحق هو الذي حقَّه الله ، إنما الحق
هذا القرآن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى في الليل
كان يقول
:
"
اللهم إنك أنت
الحق ، ووعدك الحق ، وقولك الحق ، ولقاؤك الحق ، والجنة حقٌ ،
والنار حقٌ والساعة ، حقٌ والنبيّون حقٌ ، ومحمدٌ حقٌ
" .
هذه بعض مناجاته ربه في جوف الليل ، أي إن لم
تؤمن بهذا النبي فإيمانك باطل ، إن لم تؤمن بهذا القرآن
فعقيدتك باطلة ، ليس هناك شيء وضعي آخر يحل محله ، هذا هو الحق
، فلو أن التشريع الوضعي كان كالقرآن وانطبق عليه لكان حقاً ،
بل وكان قرآناً ، وإن خالفه فهو باطل، وهذا هو الحق ،ليس من
حالة ثالثة، غض البصر هو الحق ، العلاقة بالمرأة ، لها حق واحد
وهو الزواج وأي علاقة أخرى باطل .
وبالنسبة لكسب المال ،
فإن الشرع حدد سبل كسبه ، فالهبة جائزة ، والإنسان يتملَّك
المال حلالاً بالهبة ، وبالإرث ، وبالتجارة ، وبالكسب الحلال ،
أي طريق آخر فهو باطل .
والله قضية مصيرية
وخطيرة ، الإنسان يتفحَّص سلوكه اليومي ، يتفحَّص قِيَمَه،
لماذا يؤمن ؟ ماذا يفعل في اليوم ؟ هل يفعل شيئاً خلاف القرآن
؟ إذاً هو مبطل ، فربنا عزَّ وجل مرة قابل الحق بالباطل ومرة
أخرى قابله بالضلال ، إذا انطلق أحد باتجاه حمص مثلاً ، ولكنه
سلك طريقاً لا يؤدي إلى حمص ، بل يؤدي إلى بغداد مثلاً ، فإننا
نقول : ضل الطريق ، الضلال أن تسير في جهةٍ لا توصلك إلى هدفك
، فما هو الهدف الكبير ؟ السعادة ، فالضلال أي سلوكٍ يؤدي إلى
الشقاء فهو الضلال .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ
يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
(
سورة الإسراء : من آية " 9
" )
بالزواج تسعد ، وبغير الزواج تشقى ، بكسب المال
الحلال تسعد وبكسبه حراماً تشقى ، باتصالك بالله تسعد ،
وبانقطاعك عنه تشقى ، إذاً صار معنى الضلال طريقٌ لا يوصلك إلى
هدفك، هو ضلال ، لو عرف الضَّالون أنهم سائرون في طريق شقائهم
لما ساروا ، إذاً ما هي الأزمة ؟ أزمة معرفةٍ ، إما أن تعرف
وإما ألا تعرف ، لو عرفت حُلَّت القضية ، ليس على وجه الأرض
رجلٌ واحد يتمنَّى الشر لنفسه ، أو يتمنى الشقاء لنفسه ، فحب
السلامة فطرةٌ في الإنسان، إذاً بقي عليك أن تعرف أين طريق
السلامة ، إنه طريق الحق ، وغيره باطل ، باطل ، شيء آخر ربنا
عزَّ وجل قابل الحق بالضلال وقابله بالباطل ، الحق من خصائصه
الثبات والديمومة ، والباطل من خصائصه الإزهاق .
إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
زَهُوقًا(81)
(
سورة الإسراء
)
الإنسان
المبطل
يتلاشى هو
ومبدؤه ، لكن من دعا إلى الله عزَّ وجل ، من تمسك بكتاب الله
فهو خالدٌ خلود الحق ، إذاً من تعلق بالباطل زهق مع الباطل ،
ومن تعلّق بالحق خَلُدَ في جنةٍ عرضها السماوات والأرض مع الحق
.
تذكَّروا مثل الناجحين ، هناك قائمة واحدة
للناجحين ، إن لم
يكن اسمك في
هذه القائمة فهذا الطالب راسبٌ حتماً ، إذا لم ينطبق سلوكك على
القرآن فالحكم القطعي أن هذا الإنسان مُبْطِل وفي طريق الهاوية
والشقاء ، والسعيد من عرف الحقيقة قبل فوات الأوان ، لكن جميع
بني البشر سيعرفونها ولكن بعد فوات الأوان
..
يَقُولُ يَالَيْتَنِي
قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ
أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)
(
سورة الفجر
)
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ
الرَّسُولِ سَبِيلا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ
فُلانًا خَلِيلا(28)
(
سورة الفرقان
)
لكن متى ؟ بعد
فوات الأوان
.
قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
(
سورة يونس: من آية " 90"
)
فقال له : أي لفرعون
أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
قَبْلُ
(
سورة
يونس: آية " 91
" )
فالبطولة أن تعرف الحق في الوقت المناسب ، أن
تعرفه وأنت شاب، وأنت في مقتبل العمر، أن تبني مستقبلك وفق
الحق ، أن تبني زواجك على الحق ، أن تبني عملك على الحق، فإذا
عرف الإنسان الحق متأخراً وله أرب و مصلحة ، في أمر ما ولا
يستطيع أن يتخلى عن مأربه ، فالباطل يفترسه ، قال لي أحدهم :
دعوته للجامع مرتين وثلاثة وأربعة وخمسة ، فيقول لي : مصلحتي
لا تتناسب مع الجامع ، أتناقض مع نفسي ، قلت له : غيِّرها ،
قال لي : والله صعب أن أغيرها ، إذا عرفت الله عزَّ وجل في
وقتٍ مبكِّر تبني زواجك وكل مصالحك على أساسه ، قال لي أخ آخر
: إنه خطب امرأة أعجبه جمالها ، فلما اهتدى إلى الله أبت أن
تهتدي معه ، وظلت على طريقتها التي لا ترضي الله ، الآن هو
يشقى بها، يشقى بهذه الزوجة، فإذا عرفت الحق في وقتٍ مبكر تبني
زواجك على أساسه ، وتبني عملك على أساسه، فتسعد بزواج وبعملك .
هل بين الشركاء
المزعومين من يبدأ الخلق ، أي أنه يخلق ؟ فمن خلق الشمس ،
والقمر ،و الأرض ؟ من يعيد خلق الإنسان ؟ هذه الآية دقيقة جداً
، لو أن الله عزَّ وجل بدأ الخلق ولم يعده لكان في مبدأ الخلق
نقص ، المحسن لم يأخذ جزاءه ، والمسيء لم ينل عقابه ، لكن الله
عزَّ وجل بدأ الخلق وسوف يعيده لينال كل إنسان جزاء عمله ، هذا
يوم الدين ، بدأنا خلقاً وسوف يعيدنا مرةً ثانية ليلقى كلٌ منا
جزاء عمله .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا
(
سورة النساء
)
وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَاسِبِينَ(47)
(
سورة الأنبياء
)
هذه الآية جميلة الدلالة جداً
..
في إعادة للخلق ، إحقاق
للحق وإنصاف للعباد يتبعه تكريم للمؤمنين ، إذ يخلدون في جنة
عرضها السماوات والأرض فأنت خلقت وأعطيت سمع وبصر ، ودماغ ،
وتفكيراً ، وحرية اختيار ، وشهوات أودعها الله فيك ، وقال لك :
تصرف وسوف أحاسبك على كل حركةٍ وسكنة في يوم الدين ، مالك يوم
الدين ، فهنيئاً لمن عرف الله في الحياة ، المشكلة ليست الآن ،
لكن المشكلة بالخلق الثاني ، الطلاب جميعاً في العام الدراسي
متساوون ، لكن المشكلة بعد الامتحان ، بالامتحان ينفرز
الطُلاَّب إلى ناجحين وراسبين ، إلى أعزَّة وإلى أذلة، إلى
متفوقين يعلو وجوههم البشر ، وإلى مهزومين يعلو وجوههم القنوط
.
إذاً نستدل على الله عزَّ وجل بخلقه
.
الآن هناك
دليل آخر ، لا يقل عنه
:
فللتقريب مثلاً تجد
الدولة شقت طريقاً عريضاً ، بعد فترة وضعت عليه لافتات ، من
هنا للمكان الفلاني ، هنا ممنوع المرور ، هنا مسموح ، هناك
منعطف خطر ، أنت إذاً إزاء شيئين ، عملية بناء ، و عملية
إرشاد، باللافتات عملية إرشاد ، معناها الدولة حريصة أن يسلك
الناس هذا الطريق، وحريصةٌ على سلامتهم وعلى وصولهم إلى
أهدافهم ، فشقت لهم هذا الطريق وأقامت لهم العلامات على
جوانبه ، فدائماً بالنسبة لخلق الإنسان شيئان خلق وهدى ..
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
(
سورة فاطر: من آية " 1
" )
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
عِوَجَا(1)
(
سورة الكهف
)
خلق وهدى
..
سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ
فَهَدَى(3)
(
سورة الأعلى
)
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)
(
سورة الزمر)
فهنا
:
أين ذاهب ؟ فإذا كان الفحص غداً الساعة
الثامنة ، وغرفتك جاهزة، والكتاب مفتوح ، يقول الأب لابنه أين
ذاهب ؟ لابد من أن تجتهد يا بني وتذاكر ، أنت في مرحلة إعداد ،
الوقت ثمين جداً أين ذاهب ؟.
ما دام الله عزَّ وجل خلق
الخلق وينتظر منك أن تطيعه ، فأنى تصرف عنه ؟ إلى أين تلتفت؟
هذا الصنم ليس فيه ما يهديك ، لا يستطيع
أن يتحرك من دون أن تحركه ، هل يتحرك بذاته ؟ معنى
يَهِدِّي
يتحرك ، لا يستطيع أن يتحرك إلا أن تحركه أنت ، هذا يهديك ؟
أي أن عقائد معظم الناس
، وتفكيرها ، وتصوراتها ، وثقافتها ، معارفها ، معلوماتها من
نوع الظن ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .
قال عليه
الصلاة والسلام :
"
قيدوا العلم
بالكتاب
" ، أحدهم قرأ مقالة خلاصتها أن الدواء الفلاني يطيل العمر ،
هذا باطل ، لأن ربنا عزَّ وجل قال :
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(34)
(
سورة الأعراف
)
انتهى الأمر ،
فهذه المقالة باطلة ضع عليها إشارة ضرب ، كلام فارغ جزاف ،
أحدهم قال لك : أنا رأيت الجن ، كلام لا أصل له ، بل هراء.
إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ
وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
(
سورة الأعراف : من آية " 27
" )
يمكنك أن تلغي
مائة قصة بهذا الموضوع ، مائتي قصة ، مليون قصة، كله كذب ، صار
باطلاً
،
قيدوا العلم
بالكتاب
، فأي علم ، أي قصة، أي حادثة ، أي مقالة قرأتها وفق كتاب الله
حق، خلافه باطل ، فربنا عزَّ وجل سماه باسم ثالث ظن ،
ليس مؤكداً ، فإذا بنى إنسان مصيره على أشياء غير صحيحة أو غير
ثابتة ، فهو من أهل الظن والريب ، فإن مات وهو مسلم بالهوية،
أيريد بعد ذلك من رسول الله أن يشفع له ؟ هذا ظن ..بل وَهم .
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ
كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)
(
سورة الزمر
)
الشفاعة حق ولكن لمن دخل الجامعة مثلاً ، فإذا
دخل للجامعة فإنه يجد من يعاونه ، ويقدم له الكتب ، ويهيئ له
قاعة مطالعة ، ومكتبة عامرة، وقد يُعطى راتباً ، وغرفة
بالمدينة الجامعية ، كلها لمن ؟ لمن دخل الجامعة ، أما إذا كنت
خارج الجامعة الشفاعة ليست لك ، إذا ظن بعضهم أن الشفاعة لكل
واحد انتمى انتماء شكلياً للنبي عليه الصلاة والسلام ، انتماؤه
شكلي ، فهذا ظن ، والظن خطر ، معناها يأكل مال حرام، معناها
يغش الناس ، معناها يختلس النظر ، يصافح النساء، يتغزَّل ،
يجلس جلسات منكرة ، وظنه أن رسول الله يشفع له يوم القيامة ،
معنى ذلك أنه انخرب بيته وعاقبته البوار لا محالة.
أي أن الأمر خطير جداً ، تحقق من كل فكرة
تعرفها ، من كل قصة تسمعها ، هناك قصص غير صحيحة ، اجعل القرآن
إمامك
،
قيدوا العلم
بالكتاب
، فأي قصةٍ أو فكرةٍ أو عقيدةٍ ، وافقت كتاب الله فهي حق وإلا
فهي باطل .
والحمد لله رب العالمين
|