تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "07 / 17" من تفسير سورة  يونس (010) :  الآيات : 23 – 27   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

      الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة يونس إلى قوله تعالى :

      

أي في سفينةٍ ..

      

هنا الآية :

     

       البغي : التجاوز ، العدوان ، الاغتصاب ، الإسراف ، هذا البغي عائدٌ عليكم، حجم البغي منصبٌ عليكم ..

      

انتهى المعنى ، الآن جاءت فقرة أخرى وهي :

      

       أي إن ثمار البغي إن كانت له ثمار ، ثمار البغي لا تستفيدون منه إلا في الحياة الدنيا ، والحياة الدنيا موقَّتة ، لو أن إنساناً اغتصب أرضاً ، يزرعها ، ويفلحها ، ويجني ثمارها ويبيع الثمار فلا يستفيد منها إلا في الحياة الدنيا ، فإذا جاء الموت انقطعت عنه وحُوسِبَ عليها ..

     

       أتستأهل هذه الدنيا أن تأخذ ما ليس لك ثم تُعَذَّب إلى الأبد ؟ سألت مرَّة رجلاً قلت له : أجبني وأنصِف ، لو أعطيناك مبلغاً من المال كبيراً جداً إلى درجة أنه يصعب إحصاؤه ، وقلنا لك: تمتَّع فيه خلال خمسة أعوام في أي مكانٍ تشاء ، وانغمس في كل الملذَّات والشهوات ، ولا تدع مكاناً إلا وتروده ، ولا ملهىً إلا وتسكنه ، ثم لابدَّ من عذابٍ أليمٍ بئيسٍ لأسبوعٍ فوق طاقة التحمُّل ، هل ترضى ؟ قال : لا والله ولا ساعة ، ولكن كيف ترضى العكس ، أن تكون الحياة الدنيا محدودة ، ومتعتها محدودة ، والعذاب الذي تسبِّبه أبدي ؟ لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

      

      البغي كلُّه عليك ، عائدٌ عليك .. أحد الناس كان بحالة سُكْرْ شديد .. هكذا قرأت قصَّة في جريدة .. وهو سكران ذبح امرأته وخمسة من أولاده ، أنا تصوَّرت أن أحداً لم يدر به ، وأن أحداً لن يحاسبه ، وأن أحداً لن يقبض عليه ، بعد أن ذهب السُكْرُ وصحا ورأى هذه الزوجة المخلصة الأمينة الوفيَّة ، الطيّبة الطاهرة ، وهؤلاء الأولاد كالملائكة كلُّهم غارقون في دمائهم ، فتصوروا حالته عندئذٍ مثل هذا السكير لو أن أحداً لم يحاسبه ، نفسه تحاسبه .. وعندما يصحو لقد اعتدى إنسان على قريبته ذات يوم فأخذوه للسجن فذبح نفسه داخل السجن، قطع الوريد ومات منتحراً لشدَّة ألمه النفسي ..

      

       الإنسان أحياناً يفعل أفعالاً لا تحتملها نفسه لو صحا ، الآن هو في غيبوبة ، الآن في سُكْر، الآن في نوم غفلة .. " الناس نيامٌ إذا ماتوا انتبهوا".. يفعل ، ويترك ، ويأكل ما ليس له ، ويعتدي ، ويؤذي ، ويسبِّب تعاسة فتاة إلى ما شاء الله من أجل لذَّةٍ طارئة ، حينما يصحو ضميره، حينما تنقطع عنه الدنيا ، حينما يواجه الحقيقة ، حينما يصبح بصره حديداً وثاقباً عندئذٍ لا تحتمل نفسه تبعات عمله ، نفسه وحدها تحاسبه ويحكم على نفسه بالانتحار كما رأيتم مع الذي اعتدى على قريبةٍ ، لذلك :

" إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدَّة العذاب " .

       هذا فضلاً عن عذاب النار المُحرِق ، وعن العذاب الجسدي الذي أكَّدته الآيات ، هذا الذي قتل زوجته وأولاده الخمسة لو لم يُحاسَب ، لو لم يُقبَض عليه ، لو لم يُساق إلى السجن ماذا تفعل فيه نفسه ؟ إنها تُهلِكه ..

      

       الواحد يجب ألا يكون مسرفاً ، من الممكن أن يتمنى في ساعة الغفلة وغمرة الشهوة أن يأخذ ما ليس له ، فإذا صحا وعرف حجم بغيه وعدوانه عندئذٍ يذوب ألماً قبل أن يعذِّبه الله عزَّ وجل ..

      

       فهذا البغي متى تستفيد منه  ؟ في الدنيا فقط ، كما قلت قبل قليل : لو أخذت أرضاً ليست لك ، فإذا جاء الموت ، انقطعت منفعتها وجاءت تبعتها وهو سبت عليها وذاق ويلاتها ، لو أن إنساناً سرق مبلغاً كبيراً وصرف جزءاً منه ، صرف مثلاً واحد بالمائة منه ، ثم ألقي القبض عليه وسيق للمحاكمة ، وصدر القرار بإعدامه، وهو يصعد درجات المشنقة تكون المنفعة قد انقطعت وبدأت التبعة ، المسؤوليَّة ، وهذا هو الجزاء ..

    

       يجب على الإنسان ألا يطغي على زوجته ، ولا على جيرانه ، ولا على صانع عنده في المحل ، ولا على إنسان أدنى منه ، ولا على إنسان أضعف منه ، ولا على صغير لا يقوى على مناقشته ..

      

علامة النضج الخوف من الله ..

      

أي أن هذا البغي لن تستفيدوا منه إلا في الحياة الدنيا فقط ، وحدها، حصراً ..

      

      الآيات القرآنيَّة مترابطة يأخذ بعضها برقاب بعض كأنَّها عِقْدٌ نفيس، فما هي هذه الحياة الدنيا ؟ الله سبحانه وتعالى ساق لنا صورةً عن الحياة الدنيا فقال :

      

        هذا النبات له جذور روّاها الماء ، فانتعشت ، نمت ، أزهر النبات فلبست الأرض حلَّةً قشيبة ، فانظروا إلى بستان في الربيع إنه مثل الجنَّة ..

      

بعضهم قال :

      

أي اختلط الماء بالأرض ثم .. الاستئناف وتتمة الآية ..

      

        أي أن نبات الأرض بسببه ، أو اختلط الماء بالنبات اختلاطاً ، أي أن المواد الموجودة في التربة ذابت في الماء ودخلت إلى الجذر عن طريقه..

      

      أي أن شجرة التفَّاح أزهرت ، وشجرة المشمش أزهرت ، والقمح نما وبسقت أسواقه ، والشعير مثله ، والحمُّص والعدس كذلك ، والفول ظهرت بوادره ، والبندورة والكوسا والباذنجان، وجميع أنواع الخضراوات ، وأنواع الفواكه ، والثمار، والبرسيم طعام الأنعام أيضاً كلها آتت أكلها، والحشائش الخضراء ، وأنواع الأزهار تفتحت والأعشاب تطاولت وارتفعت ..

      

      ففرح بها صاحبها .. وصار بستانه كالجَّنة ، أرضه خضراء ، أشجاره مورقة مثمرة ، مياهه عذبة ، أزهاره فوَّاحة نضرة..

      

أي أن الزخرف هو تمام الكمال ..

      

       أي أن البستان أصبح مزَّيَّناً بالأزهار ، وغدا بهجة للناظرين ، مخضوضراً بالحشائش وتنوعت فيه الثمار وتنافت فيه طعومها ..

      

       أي قادرون على جنيها ، وعلى قطافها ، وعلى توضيبها .. كما يقولون .. وعلى تسويقها ، وعلى بيعها ، وعلى قبض ثمنها ..

      

      هذه الآية من الآيات البليغة ، أي أن الحياة الدنيا كأرضٌ يأتيها ماءٌ المطر فتنبت الحشائش والأزهار والثمار ، ويصبح البستان مزداناً قشيب الحلة يأخذ بالألباب ، يفرح صاحبة ، تغمره النشوة ، يتخيَّل كيف سيبيع محصوله بأغلى الأسعار ، ويقبض ثمنه ، ويشتري بثمنه .. مثلاً .. قطعة أرضٍ ثانية ، أو بيتاً في الحي الفلاني ، أو سيارةً فارهة ، وهو في أحلامه ، وهو في خواطره المسعدة ..

      

      وكمثال آخر : قد يشتري إنسان محلاً يزيِّنه ، يُدَوكره ، يعتني فيه ، يفتتح المحل فترسل إليه باقات الورد تعبيراً عن التهنئة ، يداوم فيه شهراً أو شهرين،  تُلصق النعوة على المحل ، ومازالت أول ميزانيَّة لم تظهر عنده بعد ، ما عرف أرباحه عن هذه السنة ، ما عرف حجم أرباحه ، ما قبض المسحوبات، جاءته المنيَّة فعاجلته ، فالحياة الدنيا هذا شأنها ومثلها.. هذه الآية متعلِّقة بمتاع الحياة الدنيا ..

      

      أي أن محصِّلة هذا البغي لن تستطيعوا أن تستفيدوا منها إلا في الحياة الدنيا ، وهذه هي الحياة الدنيا ، أمطارٌ ، أعشابٌ ، أزهارٌ ، رياحين، أشجار مثمرة ، فرح ثم يأتي أمر الله عزَّ وجل فيجعل عاليها سافلها ، ويقبض صاحبها فلا يستطيع الاستفادة منها بل يدفع ثمن عتوه وانحرافه فيها غالياً ، وكأن الله سبحانه في هذه الآية نفسها قد أنبأنا عن ظروف الدنيا آخر الزمان فقال :

      

      أي المدن مزيَّنة ، مزدانة ، شوارع ، حدائق ، ناطحات سحاب ، جسور معلَّقة ، أنفاق تحت الأرض ، أبنية فخمة ، مطاعم من الدرجة الأولى ، فنادق من الدرجة الأولى ، متنزَّهات، حدائق حيوان ، حدائق للإنسان ، أي أن الأرض فيها البهارج الجميلة جداً تأسر القلوب وتستبد بالعواطف الإنسانية ..

      

      كل شيء جميل ، كل شيء مزيَّن ، كل شيء مزخرف يتلألأ ، لم يعد أحد يرضى أن يسكن في بيت من دون جبصين ، لا يُسْكَن فيه ، لماذا لم تدوكره ؟ تنقبض قسمات وجهه وتتغضض جبهته علامة كبرى على رفضه  ..

     

هؤلاء كبراء العالَم الذين يملكون الأسلحة الذرِّيَّة ، النَّوويَّة ..

      

أي أن بيدهم مصير العالَم ، إن قامت حربٌ نوويَّةٌ انتهى العالَم ..

      

عندئذٍ جاءتهم الساعة ..

      

        فليلاً أو نهاراً هذه متعلِّقة بكرويًّة الأرض ، إذا كان أمر الله عامَّاً على مستوى الكرة الأرضيَّة فلابدَّ من أن يأتي قوماً ليلاً وقوماً نهاراً ، الآن في ساعة واحدة نكون نحن في الليل وفي أوروبا وأمريكا في النهار..

      

       أي أن ربنا عزَّ وجل يُطلعنا على نماذج مصغَّرة ، هذه الزلازل ، مدينة فخمة ، ناطحات سحاب ، أبنية من أجمل الأبنية ، وفترة زلزال قد تكون ثلاث ثوان ،وقد تطول إلى ثلاثين ثانية وهذا طويل جداً، وأنت لتتابع بناية تُعَمَّر عندك ، تصوَّر عندما حفروا الأساسات ، عندما وضعوا العضادات ، عندما صبَّوا الخليطة تصوَّر كم سنة لكي ترتفع البناية على العظم ويفرغوا من بنائها؟ وكم سنة كسوتها ؟ وكم سنة زخرفتها ؟ وكم سنة فرشها ؟ والله تحتاج إلى عشرات السنين، أطول زلزال لمدَّة ثلاثين ثانية ، وبعض الزلازل ثلاث ثوان كالذي جاء في أغادير ..

فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا

( سورة الحجر : من آية " 74 " )

       فهذه الآية لها تفسير آخر ..

      

        أي أن كل شيء صار جميلاً جداً ، كل شيء علته الزخارف وأنواع الزينات وألوانها الأخاذة ، كل شيء مريح للعين ، ألوان جميلة ، حاجات متقنة ، وسائل رفاه منقطعة النظير ، حياتنا كلِّها أزرار ، فإذا لم يكن لدى أحدهم في سيَّارته زر ليرفع البلور ينزعج ، هكذا سيبذل جهداً كبيراً ، لا يستطيع أن يرفع زجاج أبواب السيارة بيده هذا تخلف صناعي يورث مشقة لصاحب السيارة ..

      

       لأن هذا الرفاه على حساب الآخرين ، لأن هذا الرفاه مبنيٌّ على جوع الإنسان وعلى ظلمه ..

 

      

قد يقول الإنسان بعد قيام الساعة : هنا كانت لندن ، هنا في هذا المكان ..

      

       هذه الأبنية الشاهقة ، وهذه العمارات الفخمة ، وهذه الفنادق الرائعة، وهذه المتنزَّهات ..

      

لأنه ..

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

( سورة الروم : من آية " 41 " )

       أي أن الفساد في العالَم تفشى بشكل منقطع النظير ، أي أن كل شيء صار مسخَّراً لشهوة الإنسان ولانحرافه ، على كلٍ الآية وحدها إذا نزعتها من بين أخواتها فهي صورة من صور نهاية العالم ، مشهد أخَّاذ من مشاهد قيام السَّاعة، إن نزعتها وحدها ، وإذا قرأتها مع أخواتها فلها معنى آخر ، أي أن هذا البغي الذي يبغيه الإنسان من أجل قطعة أرضٍ ، من أجل بيتٍ ، من أجل متجرٍ، من أجل شيءٍ تافهٍ فإنه لا يستفيد منه إلا في الحياة الدنيا فقط ، ومصيره في الحياة الدنيا إلى زوال محتم ..

فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ(17)صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ(18)

( سورة البقرة )

       انظر الآن إلى الناس ، فأحدهم يشتغل في عمل مضنٍ لكي يجمِّع دريهمات فيشتري بها هذا البيت ، ويزيِّنه ، يجعل نوافذه كلُّها من الألمنيوم وزجاجه بلور عاكس ، وكله تركيبات ، ثم تجده لم يتمتَّع فيه إلا قليلاً فيذوي عوده ويموت يكن قريب  .. لي قريب جاره يسكن في منزل فوقه له محل تجاري، راجت بضاعته كثيراً فزيَّن بيته إلى درجة متناهية في التزيين ، بعد أن انتهت زينة البيت بشهرين وافته المنيَّة .. وآخر قال لجيرانه في البناية ، مدخل البناء غير لائق ، وقد يكون عنده أحد سكان البناء لازمة ، كعزاء مثلاً ، أو فرح ، فدعا إلى اجتماعين أو ثلاثة لسكان البناء ، وجمعوا مبلغاً معيناً من كل بيت ، دهَّنوه ووضعوا باب حديدٍ فخمٍ ، ووضعوا أنترفون ، رتَّبوا ، بعدما انتهت العمليَّة بأسبوعين صاحب المشروع توفي .. صار عنده لازمة ، طبعاً هو يعرف ماذا أمامه ، جاء الناس فوجدوا المدخل فخماً ودهانات وأنترفون ورخامات ، لكنه قد فاته القطاف هكذا الحياة الدنيا ، هكذا نهايتها ، لذلك :

      

إن قرأناها مع أخواتها ..

      

      أي قادرون على جني الثمار ، وعلى بيعها ، وعلى استثمار مالها في مجالات أخرى هذا معنىً ، وإن أخذناها وحدها ..

      

أكابر الأرض وقتها أنهم قادرون عليها ، عندئذٍ ..

      

أمرنا لا أمرهم ، أمرنا نحن ..

      

يدعو مَنْ ؟ سؤال ، يدعو فعل مضارع ، والله سبحانه وتعالى هو الفاعل ، ولكن المفعول به مَنْ ؟ يدعو مَن ؟ قال : لأن الله عزَّ وجل أغفل المفعول به فالدعوة عامَّة ، يدعو كل خلقه إلى دار السلام ، أي أنه خلقهم لدار السلام ، أي أنه خلقهم للجنَّة  ، أي أنه خلقهم ليرحمهم فقط ..

      

     الإنسن ، والجنَّ ، جميع بني البشر ، أسودهم ، وأبيضهم ، وأحمرهم ، وأصفرهم ، غنيُّهم وفقيرهم ، قويهم وضعيفهم ، مدنيُّهم وقرويُّهم..

      

      لكن الذي يطلب دار السلام وحده يهديه إلى صراطٍ مستقيم ، قال المفسِّرون : " الصراط المستقيم هو القرآن الكريم " . وقال بعضهم : "الصراط المستقيم هو دين الإسلام " ..

      

        وهذا واقع ، أقول لك : ضرع إلى الله قائلاً : يا رب اهدني إلى طريق الحق ، قلها بصدق تر أن الله سبحانه وتعالى جمعك مع أهل الحق ، وانشرح صدرك لكلامهم ، ويسَّر لك تطبيق الحق ، وتجلَّى على قلبك بعض من تجليَّاته ، فسعدت بهذا التجلي وكنت من قبل شقيَّاً ، كل هذا جمعك مع أهل الحق ،و أسمعك كلامهم ، وانشرح صدرك لهم ، وطبَّقت دلالتهم ، وسعدت بتطبيقك ، كل هذا بفضل سؤالك لربِّك : يا رب دلني عليك ، دلني عليك ودلني على من يدلَّني عليك ، اللهمَّ ارزقنا حبَّك ، وحبَّ من يحبُّك ، وحبَّ عملٍ صالحٍ يقرِّبنا إلى حبِّك ..

 

      

يقول  بعضهم : أنا مكتوب عليَّ بالأزل أنني شقي ، هذا كلام فارغ ، هذا كلام الشيطان ..

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا

(سورة الأنعام : من آية " 148 " )

      أما نحن فنقول له : أنت مخيَّر ..

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا

( سورة يونس : من آية " 19 " )

       أي أنه خلقهم وفق فطرةٍ واحدة ، ووفق بنيةٍ واحدة ، وفق استعداداتٍ واحدة ، ووفق حقيقةٍ واحدة ولهدفٍ واحد ، أي أن الإنسان خُلِق ليسعد ، أي إنسان ، فربنا عزَّ وجل قال :

      

        فشتَّان بين الدنيا وبين دار السلام ، أحد الناس لديه مبلغ اشترى به سيَّارة ، وآخر مثله اشترى أرضاً ، الذي اشترى السيَّارة بهذا المبلغ الضخم بحادث واحد أصبحت أثراً بعد عين ، لكن الأرض تضاعفت خمسين ضعفاً ، باع جزءاً منها بسيطاً وعمَّر بجزء منها فيلا فخمة ، ثم باع جزءاً ثانياً واشترى بالثمن سيَّارة .. مثلاً .. فهذا الإنسان الأول لم يوفَّق في اختياره ، لكن الثاني وفِّق في اختياره ، فعندما يختار الإنسان الدنيا فالدنيا كلها تنتهي إذا توقَّف القلب ، يقول أحدهم أخي هذه البناية كلها لي ، مؤلفة من ثلاثين طابقاً ، ما دام القلب يدق ضع السمَّاعة عليه ، مادام يخفق إذاً هي لك ، وقَّف القلب إذاً لم تعد لك ، هذه لي ، متى لك ؟ ما دام هذا القلب ينبض فإذا توقَّف عن النبض ليست لك .

        فإذا اختار الإنسان الدنيا هناك احتمال أن تتركها بعد ثانية واحدة ، وهناك احتمالٌ آخر أن تتركك هي ، عنده مال صُودِرَ ، عنده محل احترق، له مصلحة وقَّفت ، له زوجة توفِّيت ، له شأن اجتماعي فعزل من مكانه ، كل ذلك ممكن ، فإما أن تتركك وإما أن تتركها ، على كلٍ هي مغامرة ،  بثوانٍ تنتهي الحياة كلّها ، ولا سيما في هذه الأيَّام حيث أن ضغط الحياة لا يحتمله القلب ، تجد الأب بالسابعة والأربعين والله جاءته جلطة ، وذاك سكتة قلبيَّة ، وثالث انفجار بالدماغ ، هذا تضخُّم في القلب ، هذا عدم تروية للعضلة القلبيَّة ، أسماء كثيرة وكلَّه بالأربعينات ، فهذه الحياة الدنيا سريعة الزوال ، قال عليه الصلاة والسلام :

" إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدُّكم استعداداً لها ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزوِّد لسكنى القبور ، والتأهُّب ليوم النشور " .

        والواحد يفكِّر ، إذا فكَّر الإنسان في اليوم خمس دقائق بالموت بعد صلاة الفجر ، أو بعد السُّنة وبين السنَّة والفرض وقت قصير ، فكَّر هل نبقى في هذا البيت ؟  الله أعلم ، هل أدرك السنة الثانية ، الآن نحن بالخامسة والثمانين هل نلحق التسعين ؟ لا أعرف ، هل سأكتب ألف وتسعمائة وتسعين ؟ يمكن لن أكتبها، يمكن إلى التاسعة والثمانين ، يمكن بالسادسة والثمانين ألا نعيش لوقتها ، الإنسان يفكِّر في النهاية لكي يهون عليه الإقبال على طاعة الله عزَّ وجل ، ويهون عليه ترك البغي والعدوان ..

               

         الصراط هو القرآن الكريم ، فلماذا لم يشأ الله ؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا يهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم إلا إذا كان صادقاً في طلبه ، وإلا إذا دفع الثمن ، لابدَّ من أن تكون صادقاً في هذا الطلب السامي ، ولابدَّ من دفع الثمن ، ودفع الثمن الاستقامة على أمر الله، فمن كان صادقاً وعلامة الصدق الاستقامة يأخذ الله بيده ويهديه إلى الصراط المستقيم ، أي أنه يفتِّح قلبه لمعاني كتابه ، يفهمها ، يتفاعل معها ، يطبِّقها ، يسعد بها ، يقول لك : أنا أسعد الناس ..

      

      فإذا أجريت موازنةً بين دار السلام ، لماذا سمَّاها الله دار السلام ؟ لأن في الجنَّة سلامٌ في سلام ، لا نغص ، ولا هم ، لا يمكن أن تخلو حياة الإنسان من منغصات ، فإذا مرض ابنه تجد أنه شعر بضيق ، وكذلك إذا كان له تعويض في دائرة عمله وصدر قرار بإلغائه ، أو إذا كان يدخل عليه ألف ليرة فوق راتبه وتوقف صرف الألف له ، وصعب عليه أن  يدبِّر معيشته بالراتب فقط ، شعر بضيق ، وكذلك إذا كان في منصب مرموق فشعر بمن ينافسه عليه ، ولن يتركوه بالمنصب فإنه يحس بضيق يملأ عليه نفسه ، عَمِلَ تخطيطاً لقلبه فوجد فيه تسرُّعاً ، فإنه يشعر بضيق كذلك إذا عمل فحص دم فوجد أن هناك مادَّة مرتفعة عن حد المعدل يشعر بالضيق ، ساكن في بيت فظهر أنه مُعرّض للاستيلاء عليه من قِبَل المحافظة فهذه مشكلة تملأ حياته كدراً وهمّاً ، أي أن الحياة كلها متاعب ، إما من طرف البيت ، و إما من طرف الصحَّة ، وإما من طرف الزوجة ، وإما من طرف الأولاد ، له قريب يمدَّه ببعض الحاجات فتوفي هذا القريب وانقطع رفد ذلك القريب إنها مشكلة ، وهكذا فالحياة كلها ضيق وتعب ، ورحم الله القائل : تعبٌ كل الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد ..

" إن هذه الدنيا دار التواءٍ لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء " .. لأن الرخاء موقَّت .. إذا ركب رجلٌ أفخر سيَّارة لينقلوه إلى المشنقة فهل يفرح بمقاعدها ؟ يقول : انظروا المقعد ما أجمله ! أي مقعد هذا ؟! يكون أحمق إذا فرح فيها .. لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء .. كذلك الشقاء موقَّت .. هذه الدنيا قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي " .

        إذاً معنى دار السلام أي أنه ليس في هذه الدار لا نغص ، ولا قلق، ولا حزنٌ ، ولا غمَّ، ولا همَّ ، ولا خوف ، ولا اضطراب ، ولا حسرة ، ولا ندم ، جميع المتاعب التي تنتاب الإنسان في الدنيا معافى منها في الجنَّة، جميع المُقْلِقات ، جميع المنغِّصات ، جميع المخاوف ، جميع الأحزان التي تنتاب الإنسان في الدنيا فالله سبحانه وتعالى عافى أهل الجنَّة منها ..

وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48)

 ( سورة الحجر )

       جاء البرد يحتاج إلى وقود ، والوقود ارتفع سعره ، يشعر بضيق ، جاء الحر ، موجة حر شديدة ولا يوجد عنده أجهزة تكييف في البيت ، بيته آخر طابق ، يشعر بانقباض ، لا حر، ولا قر ، ولا خوف ، ولا  مرض ، ولا أثر لأي بلاء فيه ولكن ظهر بعض من الشعر الشائب في رأسه ، وبعد هذا بصره ضعُف ، ظهره انحنى كذلك شعر بالضيق ، معنى هذا قرَّبت أسباب المنيّة ، هناك في الجنة لا شيء يدعو للقلق أو الهلع ، شبابٌ دائم ، صحَّةٌ دائمة، حيويةٌ دائمة، الفواكه لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة ، نهر من لبن ، ما الذي يزعجك من اللبن في الدنيا ؟ إنه يحمِّض، قال :

لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

       ما الذي يحبِّبك في العسل ؟ أن يكون مصفَّى رائقاً ، شفَّافاً ، له سيولة معيَّنة ، قال :

وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى

وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ

( سورة محمد : من آية " 15 " )

       في الخمرة لذَّة ولا أثر للحرقة ، لا تغتال العقول ، الفاكهة ما الذي يزعجك في الدنيا منها ؟ أنها غير متوافرة أحياناً ، فلو أن أحداً ذا يسر وغنى لكن الموسم انتهى وانقضى ، كالعنب مثلاً .. فإنه يستطيع أن يبتاعه مهما غلا الثمن حتى ولو كان من بلد آخر ، أما في الجنة فهي لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ(33)

( سورة الواقعة )

فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ(42)

( سورة الصافات )

       فهذه الجنَّة التي قال الله عزَّ وجل عنها في الحديث القدسي :

" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " .

       أهذه الجنَّة يزهد فيها ؟ أتضعها وراء ظهرك ؟ لا تلتفت إليها ؟ بل تلتفت للدنيا ؟! هذا من تعاسة الإنسان أن يرضى بالدنيا ويُعْرِض عن الدار الآخرة ..

      

الآن السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل ، أي أن هذه الجنَّة داره..

      

      الله عزَّ وجل مصدر السلام في الكون ، إذا كنت معه ، وهذا المعنى لا يعرفه إلا من ذاقه ، إذا أنت كنت مُقْبِلاً عليه ، ولا ئذاً بحماه ، ومعتزاً به تشعر بسلام في نفسك عجيب ، لا يخيفك إنسان في الأرض ، ولا تخيفك كلمة تسمعها ، ولا تهديد يُلقى عليك أبداً ، في سلام ، أنت عبد السلام ، الله هو السلام ، مصدر السلام .. " اللهمَّ إنك أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام " .

       أول معنى أنها دارٌ لا قلق فيها ، دار السلام ، والمعنى الثاني : أنها دارٌ الله سبحانه وتعالى الذي هو السلام ويتجلَّى فيها على عباده المؤمنين فيسعدون به.

        والمعنى الثالث : السلام هو التحيَّة ، أي أن الإكرام في الجنة منقطع النظير ، أحياناً الإنسان يأتيه ضيف فيقول له كل دقيقتين : يا أهلاً وسهلاً ، هذه مبالغة بالإكرام ، قلتها له أول مرَّة ، والثانية ، والثالثة ، بعد ربع ساعة يا أهلاً ، أنور البيت ، يرحِّب فيه بألوان الترحيب ، إذاً هذا من الإكرام .

        فالمعنى الثالث أن هؤلاء المؤمنين في الآخرة وهم في الجنَّة يتلقَّون تحيَّاتٍ من ربِّهم بشكلٍ مستمر ، هنيئاً لكم ..

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)

( سورة الحاقة )

        هنيئاً لكم ..

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)

( سورة الذاريات )

       إلى آخر الآيات ، فالمؤمن يوم القيامة موضع كل تكريم.. إذا وضع أحد لك طعاماً شهياً نفيساً ولم يرحِّب بك ،فإنك تنزعج ، ولعل الترحيب عندك أغلى من الأكل ، قال لك : تفضل كل ، أأنت جئت لتأكل ؟ أم جئت لتزوره  .. لكن إذا إنسان آخر رحَّب بك ، آنستنا ، والله البيت أنور بوجودك ، هذه الكلمات يمكن أن تدغدغ لك عواطفك ، تشعر بنشوة عجيبة جداً ، سيدنا إبراهيم عندما قرَّب الطعام للضيف فقرَّبه منهم فقال :

أَلا تَأْكُلُونَ(27)

( سورة الذاريات : آية " 27 " )

       تفضَّلوا ، هذه من آداب الضيافة ، إن أول آداب الضيافة البِشر و الاستعداد ..

فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)

( سورة هود )

       فهيَّأ حاله ، الكرماء يهيِّؤون حالهم ، عنده كمية من الخبز احتياطاً ، عنده حاجات مدخرة للضيافة ،و إذا ضيف طرأ فيجب أن يقدم له وجبة عشاء مع الاحتفاء والترحيب ..

فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)

فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ

( سورة الذاريات : من آية " 27 " )

       كذلك تقريب الطعام للضيف من السُنَّة ، إذا كان الصحن بعيداً فإنه يستحي أن يقول لك : أريد أن آكل من الصحن الفلاني ، إنه جالس ينظر إليه وهو مستحٍ ، وجعله منه قريباً ..

فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ

       بعد هذا ، تفضَّلوا كلوا ..

قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(27)

       الاستعداد ، وتقريب الطعام للضيف ، ودعوته للطعام هذا من آداب الضيافة ، إذاً :

      

     الآن : عرفنا أن دار السلام هي الجنَّة ، والعباد كلُّهم مدعوَّون ، أحياناً يقول لك : الدعوة عامَّة كل من يحب يشرِّفنا حضوره ، أحياناً توجد بطاقة بيضاء ، البيضاء أي أول صُفْ ، الحمراء ثاني صف ، الخضراء ثالث صف ، توجد درجات ، لكن أحياناً يقول لك : الدعوة عامَّة، أي كلكم مدعوَّون لدار السلام لكن في لا بد من الثمن ، الثمن أن تكون صادقاً في طلب دار السلام وأن تدفع الثمن وهو الاستقامة على أمر الله ، إذا أنت فعلت هذين الشرطين عندها يأخذ الله بيدك ويهديك إلى صراطٍ مستقيم  ، يجمعك مع أهل الحق ، يشرح صدرك لكلامهم ، يهدونك لتطبيق كلام الله ، يمسِّكونك بالكتاب ، تطبِّقه ، تسعدُ به ، لذلك :

        هم الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا   

                              فليس لي عنهم معدلُ وإن عدلوا

        والله إن فتتوا في حبهم كبدي

                              باقٍ على حبِّهم راضٍ بما فعلوا.

*  *  *

       أي إذا صار للإنسان مع الله عزَّ وجل مودَّة وانعقدت أواصرها فلابد من أن يذوب محبَّة في الله عزَّ وجل ، ففي قلب المؤمن سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .. " لو يعلم المُلُوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف " .. هكذا قال إبراهيم بن الأدهم رضي الله عنه : " لو يعلم الملوك ما نحن فيه .. " هو مع الله وكل شيءٍ بيد الله ، هو الجميل ، هو الغني ، هو الحميد ، هو القوي ، هو العزيز .. " سبحانك إنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ولك الحمد على ما قضيت  " ..

      

وإليك معنى آخر : يهدي من يشاء هو سبحانه ، ومشيئته مرتبطة بصدق العبد وباستقامته .

       والمعنى الآخر : ويهدي من يشاء منكم حسب اختياره للهدى أيها العباد جميعاً ..

      

     والدعوة أيضاً عامَّة ، لك أن تفهم هذه الآية بأن تعزو المشيئة إلى الله عزَّ وجل بمعنى : أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي هذا الإنسان إلى صراطٍ مستقيمٍ إلا إذا دفع الثمن ، والثمن استقامته على أمره .

       والمعنى الآخر : ويهدي من يشاء من العباد كلِّهم بمعنى أن العباد مخيَّرون ..

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى

( سورة فصلت : من آية " 17 " )

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ

( سورة البقرة : من آية " 148 " )

       هذا المعنى الآخر ..

      

      أحسنوا بماذا ؟ قال : هذا من إعجاز القرآن الكريم ، قال : الذين أحسنوا النظر ، فكَّر فرأى أن الدنيا موقَّتة والآخرة أبديَّة ، فكَّر فرأى أنه إذا أطاع فلاناً ، وفلان عبد مثله ضعيف لا ينفعه ، لكنَّه إذا أطاع الله عزَّ وجل فإن الله عزَّ وجل الله حيٌّ لا يموت ، قال :

      

     أي أنهم أحسنوا النظر في العاقبة ، أو أحسنوا النظر في أمر الآخرة، أي أحسنوا التفكير

      

     بعضهم قال للذين أحسنوا في العمل ، والذين أحسنوا في الدعوة إلى الله ، الآية مطلقة ، فعل مطلق في إشارته للإحسان ودلالته عليه ..

      

       في تفكيرهم ، وفي تعبيرهم ، وفي محاكمتهم ، وفي نظرهم ، وفي قولهم ، وفي عملهم ، وفي دعوتهم ..

      

هي الجنَّة ..

      

        ما هي الزيادة ؟ هي النظر إلى وجه الله عزَّ وجل ، قال : ينظر المؤمنون إلى وجه الله عزَّ وجل نظرةً يغيبون معها خمسين ألف سنةٍ من نشوة النظر ، الزيادة ، والدليل على ذلك قوله تعالى :

     

      أي أنَّ هذا الوجه الذي نظر إلى الله عزَّ وجل فسعِد بهذه النظرة لا يرهقه قترٌ ، القتر هو الغم ، أحياناً يقول لك أحدهم : ما بك ؟ وجهك غير طبيعي ؟ ومرَبّد وجهك ، كامد ، كأنك في هم وقلق ، طبعاً الإنسان حينما يتألَّم يظهر ألمه القلبي على صفحة وجهه ، نتابع الآية الأخيرة :

      

        في الحياة الدنيا كل آلامه النفسيَّة تنعكس على صفحة وجهه ، تنعكس قلقاً ، يقول لك : علائم وجهه حزينة ، يوحي وجهه بانقباض ، نفسه كما يوحي  بخوفٍ يؤرقه ، هذا هو القتر ، وأحياناً الإنسان يخون  شريكه ، وحينما يكتشف شريكه خيانته يُحِسُ بالذلِّ والعار ، مثلاً : أحياناً طالب صغير يأخذ قلماً ليس له ، فيظهر أن القلم في جيبه ، فالمعلِّم قبل أن يعنّفه ، أو قبل أن يُحاسبه فإن هذا الطفل يُحسُّ بالخزي والعار ، يترجم ه هذا الإحساس علائم ذلَّة مسحت وجهه ، أما أهل الجنَّة في الجنَّة لا  قتر يعلو الوجوه  ، ولا ذلَّة ..

       

       لماذا لا توجد الذلَّة ؟ أطاعوا الله في الدنيا واعتزُّوا به ، وها هو قد كافأهم على طاعتهم بجنِّةٍ عرضها السماوات والأرض ، لماذا القلق والحزن ؟ هم آمنون من كل شيء ، في طمأنينة ما بعدها طمأنينة ..

       

        إلى الأبد ، اعمل موازنة بين دار السلام وبين الحياة الدنيا ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

" من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً " .

      

وبالمُقَابِل ، لا عقاب فوق طاقتكم ، مائة ضعف ، لا ..

      

       وإليك على عز الطاعة، أحد التابعين كان يمشي مشيةً فيها اعتزاز ، فظنَّها بعضهم أنها كِبْر ، فقالوا : " يا فلان أَكِبْرٌ ؟ " قال : " لا هذا عزُّ الطاعة " ، الشاب المطيع لله عزَّ وجل يشعر بعزَّة وبمكانة لا يعلمها إلا الله ، يحس أنه في رعاية الله ، فإنك بأعيننا ، يحس أن الله معه ، أن الله آخذٌ بيده كلَّما عثر ، أن الله يدافع عنه ، أن الله يسدد خُطاه ، يسدِّد أقواله وأفعاله ، هذا عزُّ الطاعة ..

      

      والنظر إلى ذلَّة المعصيَّة ، سيدنا يوسف خرج في موكبه بعد أن صار عزيز مصر ، وكانت قد رأت الموكب امرأة العزيز بعد أن شاخت وخارت قواها وتبدل حالها فقالت هذه الكلمة الشهيرة : " سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ، يعني يوسف كان عبداً فصار عزيزاً ومن جعل الملوك عبيداً بمعصيته " يعني نفسها ، إذاً إن كان أحد يريد عزاً لا يفنى فليطع الله عزَّ وجل، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يديِ الله أوثق منك بما في يديك ..

      

     أي لا مجال للالتجاء لأحد أيا كان ، فإن هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله عبادٌ أمثالكم، ضعاف ، مثلاً : عصابة سرقةٍ لها زعيم له سلطة على أفراد العصابة وهيمنة وشأن ، فلمَّا أُلقي القبض عليهم جميعاً صار زعيمهم واحداً مثلهم ، اقعد يقعد ، ازحف يزحف ، هرول يهرول الخ .... هذا الذي كان ذا هيمنة عليهم ، صار كأحدهم هكذا الشركاء في الدنيا ..

 

      

لهم وجوه أسود من الليل لشدَّة بعدهم ومعصيتهم  وطغيانهم وما اقترفوه في حقِّ العباد ..

      

درسنا آيتين ، فيهما موازنة بين الحياة الدنيا التي تذهب في لمحة البصر وتتلاشى..

      

والآيتان معلَّقتان بوشائج محسوسة مع الآية السابقة عليهما :

      

      أي أن ثمار البغي لن تفيدكم إلا في الحياة الدنيا ، والحياة الدنيا موقَّتة ، وسريعة الزوال ، وشيكة التحوُّل ، أما دار السلام ، من اسمها دار السلام ..

سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73)

( سورة الزمر )

       إلى أبد الآبدين ، ولنجر موازنة بين الحياة الدنيا ودار السلام ، إن دار السلام الدعوة لها عامَّة ، وإذا كان أحد يريد تفصيلات ، فأحياناً يحوّل إلى دفتر شروط ، هذه المناقصة لكل المواطنين ، ودفتر الشروط يؤخذ