تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "06 / 17" من تفسير سورة  يونس (010) :  الآيات : 17 – 23   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله العلمين ، وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي في سورة يونس إلى قوله تعالى :

      

      كلمة أظلم اسم تفضيل ، أي الأشد ظُلْمَاً ، أي أن هناك ظالمٌ وهناك أظلم ؟ من هو الأظلم ؟ من هو الأشد ظلماً ؟ من هو الأكبر ظلماً ؟ من هو الأكثر ظلماً ؟ قال : الذي يفتري على الله الكذب ، الذي يشرِّع من تلقاء نفسه ، الذي يقول : قال الله ولم يقل الله ، الذي يحرِّف، الذي يزوِّر ، الذي يؤوِّل تأويلات تغطي انحرافاته ، هذا الذي يفتري على الله الكذب، هذا الذي يضع حديثاً لا أصل له ، أو هذا الذي يأتي بتأويل لا أصل له ، أو هذا الذي يجر الآيات كي تتوافق مع انحرافاته هذا الذي يفتري على الله الكذب ، إنه الأشد ظلماً ، الأعظم ظلماً ، ظلم لمن ؟ لنفسه أولاً ، وللناس ثانياً .

      

أي هل في الأرض إنسان أشد ظلماً من هذا ؟ هذه :

      

       هل في الأرض كلها إنسانٌ أشد ظلماً من هذا الذي يفتري على الله الكذب ، من هذا الذي يقول : رأيت في المنام كذا وكذا ، رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام وقال لي : كذا وكذا ولم يقل له كذا وكذا ، الافتراء على الله عزَّ وجل سواء بتأويل آياته تأويلاً غير صحيح ، أو الافتراء على النبي عليه الصلاة والسلام بأنه قال ولم يقل ، أو بتوجيه الآيات والأحاديث توجيهاً مغايراً للحقيقة ، هذا الذي يفتري على الله الكذب هو الأشد ظلماً .

      

هناك ظالمان ، أو هناك مجرمان ، بدليل قوله تعالى :

      

      فهذا الذي يفتري على الله الكذب ظالمٌ مجرم ، وهذا الذي يكذب بالحق ظالمٌ مجرم ، ظالمٌ بحق نفسه ، مجرمٌ بحق الآخرين ، هذا الذي يصد الناس عن سبيل الله ، هذا الذي يستخف بآيات الله ، يكذبها ، يريد أن يطفئ نور الله عزَّ وجل ، هذا أشد ظلماً لنفسه ومجرمٌ في حق الناس .

      

        أي أن من العجب العُجاب أن تتجه إلى مخلوقٍ وتدع الخالق ، أن تعلِّق آمالك على إنسان وتيأس من روح الله ، من العجب العجاب أن تخشى فلاناً ولا تخشى الله ، أن ترجو ما عنده ولا ترجو ما عند الله .

"

ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا أهويت الأرض من تحت قدميه وقطَّعْتَ السماء بين يديه " .

      

       هذا القرآن ليس للسماع للتطبيق ، راقب نفسك هل تعبد أحداً من دون الله ؟ هذا الذي يطيع زوجته ويعصي ربه تنطبق عليه هذه الآية يعبدها من دون الله ، هذا الذي يطيع شريكه، ويأكل الربا ويعصي الله عزَّ وجل يعبده من دون الله ، هذا الذي يأمر بمعصية ويعصي الله إرضاءً لهذا الذي أمره هذا يعبده من دون الله .

      

سيدنا هود قال :

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)

( سورة هود )

       كمال التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً .

وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)

( سورة الرعد)

مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)

( سورة الكهف )

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(20)

( سورة غافر )

       هذا هو التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً ..

يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ

( سورة الفتح : آية " 10 " )

وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى

( سورة الأنفال : آية " 17 " )

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ

( سورة محمد : من آية " 19 " )

مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ

( سورة فاطر : من آية " 2 " )

" وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ " *

(سنن الترمذي : عن " ابن عباس " )

      إذا تيقَّنْتَ أن أمورك كلها بيد الله ، أنا أقول : كلها ، أمورك كلها لا بعضاً منها ، لقوله تعالى

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ

( سورة هود: من آية " 123 " )

       ما أسخف هؤلاء ، ما أحمقهم ، ما أشد غباءهم ، ما أضلهم ، ما أبعدهم عن الصواب ..

      

     يروي التاريخ أن أحد التابعين عاصر أحد الولاة من قبل يزيد بن عبد الملك ، فجاء هذا الوالي أمر لا يرضي الله عزَّ وجل فاستشار هذا التابعي فقال له كلمة ، قال له : " إن الله عزَّ وجل يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله " ، رجل أحد الولاة في عهد سيدنا عمر ، كتب إلى عمر بن الخطاب : " أن أُناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم ، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب ، فإن أذنت لي فعلت " ، فأجابه سيدنا عمر : " سبحان الله !! .. متعجباً .. أتستأذني في تعذيب بشر ؟ .. أنا !.. وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله ؟! وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البيِّنة فإن قامت فخذهم بالبينة ، ثم ادعهم إلى الإقرار ، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم ، فإن أنكروا فأدعوهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلق سراحهم ، وايم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم " .

        يروي التاريخ أنه في عهد عمرو بن العاص رضي الله عنه في مصر جفَّت مياه النيل ، والمصريون القدامى كان إذا جَفَّ نهر النيل ألقوا فيه فتاةً في ريعان الصبا حتى يرضى ويفيض عليهم بمائه ، فلما جف تكلَّم الناس في موضوع إلقاء فتاةٍ فيه بحسب تقاليدهم السابقة ، سيدنا عمرو بن العاص رأى هذا مخالفاً للشرع ، وتحت ضغطٍ شديد قال : " سأستشير أمير المؤمنين "، فلما استشاره بعث إليه سيدنا عمر بالرسالة التالية قال : " من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر .. للنيل رأساً .. يا نيل إن كنت أنت تجري فلا تجري ، وإذا كان الله يجريك فسوف تفيض " . وبعد هذه الرقعة فاض النيل ، توحيد ، إن كنت أنت تجري فلا تجري وإن كان الله يجريك فسوف تفيض ، وفعلاً بعد أيام هطلت الأمطار الشديدة وفاض نهر النيل ، أي أن الدين كله توحيد ..

اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ

( سورة الأعراف : من آية " 59 " )

       لذلك : " إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي " .

      

       كذلك أهل الفسق والفجور وأهل النفاق عندهم شيء من المنطق حسب رأيهم ، نحن معاذ الله لا نعبدهم إيَّاهم ولكننا نتخذهم شُفَعَاء ، فيا سبحان الله إن كانوا لا يملكون نفعاً ولا ضراً في الحال ، فهل يملكون الشفاعة في المآل ؟ إن كان الآن لا يملك نفعاً ولا ضراً فهل يملكها في المستقبل ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ؟ شيء آخر .. رد عليهم الله سبحانه وتعالى :

      

        أي أن إذا كان الله لا يعلمهم فهم غير موجودين ، الإنسان قد لا يعلم وجود هذا الشيء والشيء موجود ، قد تُمْسِك كأس ماء فتراه صافياً مع أن فيه ملايين الأحياء الدقيقة ، فعدم رؤيتك لهذه الأحياء لا ينفي وجودها ، عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود .. هذه قاعدة في الفلسفة .. لأن الإنسان محدود ، لكن الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيءٍ علماً ، الذي وسع كرسيه السماوات والأرض أي علمه ، الذي يعلم السر وأخفى ، إذا كان الله لا يعلم هؤلاء الشفعاء فهم بالتأكيد غير موجودين .

      

هؤلاء الشفعاء .

إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ

( سورة النجم : من آية " 23 " )

       هذا اختلاقٌ من عندكم ، هذا افتراءٌ على الله سبحانه وتعالى :

      

      هذه آية مهمةٌ ، الناس أمةٌ واحدة بمعنى أن فطرتهم واحدة ، إمكاناتهم واحدة ، إمكانات الناس كلِّهم واحدة ، أي أن كل الناس عندهم استعداد أن يؤمنوا بالله عزَّ وجل ..

 

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)

( سورة طه )

       لولا أن فرعون يملك إمكانية الهدى لما أرسل الله له موسى ، أرسل موسى تمثيلاً ؟ حاشى لله ، أرسله لأن فرعون يملك إمكانية الهدى ، الناس جميعاً أمةً واحدة بمعنى أن بنيتهم النفسية واحدة ، استعداداتهم واحدة ، إمكاناتهم واحدة ، فطرتهم واحدة ، قوانينهم النفسية واحدة، " جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها " .

إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)

( سورة المعارج )

وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)

      ( سورة النساء )

       وَ ..   

خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ

( سورة الأنبياء )

       هذه بنيته ، يخاف ، يقلق ، يحب الخير ، يحب السلامة ، يحب المحسن ، يحب العدالة ، وإن لم يكن عادلاً ، يحب الطهارة ، وإن لم يكن طاهراً، حتى المنحرفون ، حتى اللصوص إذا اقتسموا الغنائم يقتسمونها فيما بينهم بالعدل ، لأن فطرتهم هكذا ، فربنا عزَّ وجل قال :

       

     هذه من معاني أمة واحدة ، أي لا يوجد خلاف ، أي أن أي إنسان ، لو أحضرت إنسان من الأسكا ، من جنوب إفريقيا ، من جنوب استراليا ، من كندا ، من سيبيريا ، من اليابان ، من القطب الشمالي ، الإنسان هو الإنسان ، يحب السلامة ، يحب المحسن ، يحب الخير لنفسه، في قلبه محبةٌ لأولاده ، منطقي ، واقعي ، هذا هو الإنسان ، خلق الله عزَّ وجل الناس على فطرةٍ سليمة ..

فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ

( سورة الروم : من آية " 30 " )

       لذلك لا يوجد فواصل بين الأمم والشعوب ..

يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)

(سورة الحجرات )

       هذا المعنى الأول من معاني :

       

المعنى الآخر أن الناس جميعاً مدعوُّون للإيمان بالله عزَّ وجل ، قال:

قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ

( سورة الأعراف : من آية " 156" )

إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ

( سورة هود: من آية " 119 " )

       خلقهم ليرحمهم ، ورحمة الله مبذولةٌ لكل الناس ، بقي علينا أن نكون أهلاً لها ، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك ..

      

      أي يجب أن تكون البشرية أمةً واحدة ، لما بين كل إنسان من تواصل ، لأن كل إنسان فُطِرَ فطرةً سليمة ، ما الذي فرَّق الناس شيعاً ؟ وفرَّقهم أحزاباً ، وفرقهم قبائل ، وفرقهم تجمُّعات ؛ تجمعات عرقية ، وتجمعات إقليمية ، وتجمعات مذهبية ، وتجمعات بحسب العمل والمِهَن والطبقية، من الذي فرقهم ؟ قال :

      

الأهواء فرَّقتهم ..

لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ

( سورة الأنفال )

تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى

( سورة الحشر : آية " 14 " )

       ما الذي فرق بينهم ؟ الأهواء ، هؤلاء انغمسوا في الخمور ، هؤلاء انغمسوا في كسب المال الحرام ، هؤلاء انغمسوا في مباهج الدنيا الرخيصة، الانغماس في الدنيا جعلهم هكذا .

      

    أي أن الله سبحانه وتعالى قال كلمةً أن يوم الدين هو يوم الجزاء ، وأن الحياة الدنيا دار عمل ودار امتحان ، وأن يوم الدين هو يوم الجزاء ، لولا أن الله سبحانه وتعالى وعدنا بيوم الجزاء لحاسب المسيء في الدنيا وقضى عليه ..

      

      أي أحياناً يكون عشرة أشخاص على وشك الموت عطشاً ، واحد توهَّم النبع في هذا المكان، وواحد في هذا المكان ، وواحد في هذا المكان، وواحد أنكر وجود النبع ، وهناك نبعٌ واحد في مكان محدد ، الذي تطابق اعتقاده مع الحقيقة هو الذي ينجو ، وما سوى ذلك يهلك ، وفي وقتٍ محدود تعرف صدق هؤلاء العشرة ، هذا الذي ادعى أنه ليس هناك نبع وكان هناك نبع خسر حياته ، وهذا الذي ادعى أن النبع في هذه الجهة ولم يكن في هذه الجهة خسر حياته وخسر آخرته، وهذا حال الناس اليوم ، كلٌ يزعم أن السعادة في هذه الجهة ، بعضهم يراها في المال ، يكتشف بعد فوات الأوان أن المال شيء ولكنه ليس كل شيء ، بعضهم يرى السعادة في العلو في الأرض ، يكتشف بعد فوات الأوان أن العلو في الأرض شيء ولكنه وليس كل شيء .

" كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ *

" ( سنن الترمذي : عن " أنس بن مالك " )

       إذاً :

      

       فإذا اختلفت مع أخ لك في المذهب ، في المشرب ، في الأسلوب ، في الطريق ، في الهدف، وكنت أنت على حق فهنيئاً لك أولاً ، ونرجو أن يهتدي أخوك ثانياً ، لكن القضية قضية خطيرة ، قال لابن عمر:

" ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذي استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا "

وكلٌ يدعي وصلاً بليلى    وليلى لا تقِرُّ لهم بذاك  

       فالواحد ينظر إلى قيمه ومعتقداته ، عقيدته صحيحة أم لا ، هل يعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، شقيهم شقي من الأزل وسعيدهم سعيد من الأزل وانتهى الأمر ، تقول : فيم العمل إذاً ؟ العمل صار تضييع وقت، هذه عقيدة خطيرة جداً ، هل تعتقد أن الله خلق الكافر كافراً وليس هناك أي تعديل ؟ لماذا أرسل موسى إلى فرعون ؟ أرسله تمثيلاً ؟ فالإنسان يمتحن عقيدته ، الخطأ في العقيدة خطير جداً .

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا

( سورة الأنعام : من آية " 148 " )

       يمتحن ظنه بالله عزَّ وجل ربنا عزَّ وجل قال :

وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ

( سورة الأعراف : من آية " 180 " )

       فهل يقينك بأن أسماء الله حسنى كلها ؟ أين الدليل ؟ ماذا تعرف عن أسماء الله عزَّ وجل؟ ماذا تعرف عن رحمته ؟ ماذا تعرف عن حكمته ؟ عن لطفه ؟ عن غناه ؟ عن قوته ؟

      

      أي أن البشر جميعاً أبيضهم وأسودهم ، أحمرهم وأصفرهم مدعوُّون إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، وبُنْيَتُهم واحدة ، وإمكاناتهم واحدة ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، لا يوجد عذر ، أن تقول لا أستطيع ، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، النفس تستطيع أن تطبِّق أمر الله عزَّ وجل في كل زمانٍ وفي كل مكان ..

      

الكون كله آيات ، ربنا عزَّ وجل قال :

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)

( سورة الذارايات)

       جسمك كله آيات ، شعرك آيات ، مائتان وخمسون ألف شعرة ، بكل شعرة شريان ، ووريد، وعصب ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية، لكل شعرة .

       الدماغ آية ، مائة وأربعون مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، أربعة عشر مليار خلية قشرية تجري فيها المحاكمة ، والتخيل ، والتذكُّر ، وكل النشاط العقلي في هذه الخلايا .

     في العين توجد مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط بالشبكية ، العصب البصري أربعمائة ألف عصب ، الأذن ، اللسان ، المعدة بكل سنتيمتر مربع يوجد ثمانمائة عصارة هاضمة ، مجموع هذه العصارات تفرز لتراً ونصفاً من العصارة الهاضمة في كل وجبة طعام، والمعدة لا تهضم نفسها ، وحتى هذا التاريخ هناك سؤال كبير : كيف لا تهضم المعدة نفسها ؟ فأنت تأكل اللحم وتهضمها وهي من لحم ، الجهاز الهضمي ، البنكرياس ، الكبد ، بعضهم قال : الكبد خمسة آلاف وظيفة ، لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دون كبد أكثر من ثلاث ساعات ، والكبد يستطيع ترميم أي جزءٍ يقتطع منه في أسابيع ، الكبد آية ، مخبر كيماوي ، مخزن ، الكبد في عنده إمكانات يحول الدسم إلى سكر والسكر إلى دسم ، الكبد آية .

       الكلية مصفاة عاقلة ، الدم يمر فيها في اليوم الواحد مائة وثمانون لتراً من الدم ، أي برميل بكاملة يمر بالكلوة كل يوم ، فيها طريق طوله عشرون كيلو متراً ، يمر فيه الدم بالنهار خمسة مرات ، أي أن الدم يمشي في الكلوة كل يوم مائة كيلو متر ، تصفي الدم من السموم والسوائل الزائدة ، وتفرز ثلاث هرمونات ، هرمون مضاد لفقر الدم ، وهرمون ينظم ضغط القلب ، وهرمون ثالث ، فالذين يصابون بالتهاب في الكلاوي يرتفع ضغطهم فجأةً ، الكلوة وحدها لو توقفت عن العمل انقلبت حياة الإنسان جحيماً ، أثر الأسيد أوريك أو البولة في الدم مخيف ، هذا السم إذا زادت نسبته في الدم يشل النشاط العقلي ، يوتر الأعصاب ، يخرج الإنسان عن طوره ، تراكم السموم ، فلما الإنسان يفرِّغ المثانة يجب أن يشكر الله عزَّ وجل شكراً كبيراً ، الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وابقى لي ما ينفعني .

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)

 ( سورة الذاريات )       

        الآيات موجودة ، الشمس آية ، القمر آية ، الجبال آية ، المياه العذبة آية ، الأمطار آية، البحار آية ، أنواع النباتات آية ، أنواع الأطيار آية ، أنواع الأسماك آية .

        الآن ابنك آية ، ابنتك آية ، البنت تمسك بالمخدة وتضعها على صدرها وهي صغيرة ، بنيتها النفسية أُمّ ، والطفل يركب عصاه ، كأنها حصان يركبه ، بنيته النفسية رجل ، عندما يكبروا تجد أن الصفات قد اختلفت ، خشن صوته وبقي صوتها ناعم ، فصفات الذكور عندما تظهر عند البلوغ آية من آيات الله عزَّ وجل ، وصفات الأنوثة حينما تظهر آية من آيات الله ، لذلك :

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

(سورة الروم : من آية " 21 " )

       لم ينظر لخلقه ، لم ينظر لابنه ، لم ينظر لطعامه ، لم ينظر لشرابه  لم ينظر إلى السماء والأرض ، ويطلب آيةً فيها خرقٌ للقوانين الأرضية !

       

      أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم وحده ما إذا كانت هذه الآية تفيدكم أو لا ، لو أنها تفيدكم لأنزلها عليكم ، ولكن الذي لا يؤمن بهذا الحشد للآيات لم يؤمن بآية فيها خرقٌ لقوانين الكون..

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْملائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

(سورة الأنعام : من آية " 111 " )

       أي حتى يسلكوا الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل ، ما لم يسلكوا الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل لا يستطيعون أن يؤمنوا بآيات الله ، فهؤلاء على الرغم من الآيات التي بثَّها الله سبحانه وتعالى ..

أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)

( سورة الغاشية )

       الإبل تعيش في الصحراء ، عندها جفن إذا أطبقته ترى طريقها ويمنع الجفن رمال الصحراء الدقيقة من أن تؤذي عينيها ، الناقة ، ولها مستودعٌ يكفيها شهراً ، لو أنها لم تأكل شهراً ثلاثين يوماً بأكملها لكان مستودع الغذاء الذي وضعه الله في سنامها يكفيها عن الطعام  شهراً ، وعندها خزَّانات للمياه تكفيها عشرة أيام ، تستطيع الناقة أن تمتنع عن شرب الماء عشرة أيام بكاملها ، وجعل لها خفاً لا يغوص في الرمال ، يتناسب مع الرمال ، وجعل لها جلوساً نظامياً كي يسهل تحميلها ، جعل لها ثفينات ، ثفنة في بطنها ، وثفينات في أرجلها وأيديها ، إذا جلست يستطيع صاحبها أن يحمِّلها ، لو أنها تجلس كما يجلس الحصان على جنبه كيف يحملها ؟ إذاً :

أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)

( سورة الغاشية )

       ألم ينظروا إلى النحل ؟ هذا المخلوق الضعيف الذي يصنع لك شراباً لذيذاً ، شافياً ، مفيداً ، من منا يصدق أن كيلو العسل محصلة طيران أربعمائة ألف كيلو متر .. لو كلفنا نحلةً واحدة أن تصنع كيلو من العسل لكلفها أن تطير أربعمائة ألف كيلو متر .. أي حول قطر الأرض عشرة مرات ، كيف تختار النحلة رحيق الأزهار ؟ قال :

" المؤمن كالنحلة إذا وقعت لا تؤذي ولا تكسر " .

        لطيفة ، وإذا رحلت عن هذه الزهرة تركت رسالةً لأختها ، هذه الزهرة قد مصصت رحيقها فلا تتعبي نفسكِ بها ، من أعطى هذه المملكة نظامها ؟ عاملات حارسات ، يقفن على أبواب الخلايا ، فإذا جاءت نحلةٌ من غير هذه الخلية قتلنها ، أو تقول كلمة السر ، فإذا قالت كلمة السر دخلت ، من علَّمها هذا ؟ نحلاتٌ منظِّفات ينظفن الخلية ، فإذا عثرن على جسمٍ أو على حشرةٍ كبيرةٍ لا يستطعن نقلها غلَّفنها بمادةٍ شمعية ، لئلا تفوح منها رائحتها النتنة ، من علم النحل ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى ، نحلاتٌ مهمتهن تهوية الخلية ، فإذا كان الوقت شتاءً أغلقن أبواب الخلية بأجنحتها ، وإذا كان الوقت صيفاً فعلن بالأجنحة .. هكذا .. فنشأ تيارٌ في جو الخلية رطّب الجو .

        من علَّم النحلة أن ترقص لأخواتها رقصةً تعبِّر بها عن بعد الزهر عن الخلية ؟ هناك رقصة تشعر أن الزهر قريب ، هناك رقصة كأنها تقول للنحلات : استعدوا لسفرٍ طويل ، إذا كان عشرين كيلو متر فما فوق لها رقصة دائرية ، وإذا كان ربع دورة معنى ذلك أن الزهر قريب من الخلية، من علَّم هذه النحلات ؟ من علم النحلات صنع البيوت السداسية المنتظمة التي يعجز المهندسون عن رسمها ؟ فكيف عن صنعها ؟ هناك نحلات وصيفات مهمتها تأمين طعام الملكة ، هناك ملكة ، فإذا جاءت الخلية ملكةٌ أخرى قتلت لأن القيادة يجب أن تكون بيد واحد ، فأشياء وأشياء عن النحل، النحل آية من آيات الله .

       النمل .. النمل إذا خرج من وكره وسار ورأى في الطريق طعاماً يبث رسائل كيميائية في الطريق ، أي أنه يضع نقطة فيها رائحة بحيث أن النملات الأخريات خلال دقائق يسرن على الخط نفسه ، هناك رائحة تجذب النملات إلى الطعام ، وهناك رائحة تنفِّر النملات من المجيء ، إذا وجد خطر أو ماء ، أو شيء مخيف ، تعطي إشارات كيمائية معاكسة ، من علم النملة ذلك ؟ .

كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ

( سورة النور : من آية " 41 " )

       النمل آية ، النحل آية ، الفراش آية ، دود القز وحده آية ، تصنع خيطاً لا تستطيع الآلات الحديثة حتى الآن صنع خيوط بهذه النعومة وبهذا القطر الرفيع ، حرير ، كأس الحليب آية ، البيضة آية ، الدجاج ، البقر ، الجمل ، أنت محاط بالآيات ومع ذلك :

      

كل هذه الآيات لا تكفي ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

" حسبكم الكون معجزة " ، الكون وحده معجزة .

      

        لا يعلم الغيب إلا الله ، هذا المعنى الأول ، المعنى الثاني أنه إذا أنزل الله عليكم آية ، الله وحده يعرف ما إذا كنتم تؤمنون أو لا تؤمنون .. " علم ما كان ، وعلم ما يكون ، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ، لم تنزَّل عليهم آية ، الله وحده يعلم لو أنزلها عليهم ماذا يفعلون .

      

       الإنسان يكون ضعيفاً ، يكون مريضاً ، يكون فقيراً ، يكون مستضعف ، يقول : يا الله، يا الله ، فإذا أزال الله عنه كربه ومصيبته عاد يفكر في صد الناس عن سبيل الله .

      

       حدثني أخ كريم ، رجل عنده محل تجاري له ولأخوته الثلاث ، لكنه أكبرهم وقد وضع يده على هذا المحل ، جاءه مرض عضال ، نوبةٌ قلبيةٌ حادة كان على مشارف الموت ، ماذا فعل ؟ طلب آلة تسجيل وقال وهو يظن أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة : إن هذا المحل ليس لي إنه لأخي فلان وأخي فلان ، وأخي فلان ، خاف ، فلما زالت عنه هذه النوبة ، طلب هذا الشريط وأخفاه ، وتابع العمل في المحل ، ثم طوَّب المحل لنفسه وحدها ، ووافته المنية بعد ثمانية أشهر ، مات مغتصباً ، أي أن الإنسان أحياناً إذا شعر بدنو أجله يخاف ، فإذا رفع الله عنه الخوف ، عاد لينكر ، عاد ليظلم، عاد ليأخذ ما ليس له .

      

لأن الله عزَّ وجل بيده كل شيء ، أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد .

      

       فإذا شخص قال : أنا غداً أفعل بفلان كذا وكذا ، قلبك بيد الله عزَّ وجل قد يوقفه ليلاً ، مرة قاضٍ أراد أن يحكم لفلان ظلماً على فلان ، وصار الشيء بحكم المقرر ، وقف على قوس القضاء فإذا ألم في المعدة شديد أخذ على أثرها إلى المستشفى ، أين الحكم ؟ الدعوة تأجَّلت ، جاء قاض آخر فحكم بالعدل ، إذاً :

      

قال :

" من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت " .

     

      كله مسجل ، إذا الإنسان شعر أن صوته مسجل ، ينتقي أدق الكلمات، وإذا شعر أن صورته مسجلة أيضاً ، من حين إلى حين يحسّن وضعه ، لأنهم يقومون بتصويره ، فإذا كان مسجلاً صورة وصوت معناها تحت المراقبة ، فإذا الإنسان تيقَّن أن الله سبحانه  وتعالى يحصي عليه أنفاسه ، وحركاته ، وسكناته ، وأقواله ، ونظراته ..

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)

( سورة غافر )

       ماذا يفعل ؟ هو الفرق فرق علم وجهل فقط ، إما أن تعلم فتنضبط ، وإما أن لا تعلم وسوف تعلم بعد فوات الأوان .

      

         الإنسان يتحرك وفق خواطر ، الله عزَّ وجل يلهمه أن يسافر ، يكون يستحق العقاب ، يصير معه حادث فيفقد أحد أعضائه .

      

       انظر إلى الموقف اللئيم ، وهو على ظهر السفينة ، والسفينة كريشةٍ في مهبِّ الريح ، والأمواج تتلاعب بها ، والحياة أصبحت على وشك النهاية ، يا رب ، يا رب ..

      

إلى البر ..

      

        الإنسان في اليابسة يطغى ، أما في الجو ، طائرةٌ دخلت في غيمة مكهربة فاضطربت، وتعطَّلت بعض أجهزتها ، وكادت تحترق ، فقال ربان الطائرة لبعض المضيفين : أن بلِّغ الركاب كذا وكذا ، خرج ليبلغهم ، لا أحد من الركاب عنده استعداد أن يسمع شيئاً ، وهو يبتهل إلى الله ، هذا يصرخ ، هذا يولول ، هذا يبكي ، هذا يلطم وجهه ، فتوسَّم في الركاب لعله يرى واحداً يبلِّغهم، فنظر إلى واحدٍ هادئ ، فتوجه إليه ليبلغه أن يبلغهم فإذا هو مغمى عليه ، بالأرض قوي سأفعل كذا وكذا ، من أنت ؟ الخطر القائم في الجو ، أو الخطر القائم في البحر نفسه في البر ، لو علمت أن الله على كل شيءٍ قدير ، قلبك بيده ، حياتك كلها بيدك، لذلك :

      

     صنعوا في عام اثني عشر بعد التسعمائة باخرة من أضخم بواخر العالم اسمها التيتانيك ، هذه الباخرة طبعت نشرةٌ وزِّعت على ركابها ، " إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة " ، كتبت هكذا ، كانت مصنوعة بشكل مزدوج يوجد قواطع بين هذا الازدواج ، بحيث أي مكان ثقب تغلق الجدران المحيطة به فكأن الشيء لم يحصل ، وفي أول رحلة لها من لندن إلى بوسطن ، قال : ركب في هذه الباخرة أثرياء أوروبا ، الأثرياء ، وكانت قد أسست بأثاثٍ يزيد على أثاث القصور، وفيها ما لذ وطاب ، كل أنواع المتع المتوافرة في الأرض في هذه الباخرة، من مسابح ، إلى قاعات رقص ، إلى مطاعم ، إلى ، إلى .. أثرياء العالم ركبوا في هذه الرحلة الأولى .. وهي في عرض البحر ، في المحيط الأطلسي ، ارتطمت بجبلٍ ثلجي شطرها شطرين ، كانت ترسل إشارات استغاثة من حولها ، ما حولها ظنَّها تحتفل بتدشينها ، ولم يستجب إليها أحد ، ومات ركابها كلهم غرقاً ، قدَّروا أن الحلي التي على صدور النساء بألوف الملايين ، فقال بعض القساوسة وقتها : " إن غرق هذه الباخرة درسٌ من السماء لأهل الأرض " ، فما هذا إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة ؟ ربنا عزَّ وجل قال :

      

       ومما يقترب من هذا التشبيه ، أن الإنسان أحياناً يمرض ابنه ، تجده يصلي ، زوجته على وشك الولادة ، يخاف أن يأتي المخلوق مشوهاً ، يخاف أن تكون الولادة عسرة ، تحتاج إلى ولادة قيصرية ، ومستشفى ، تموت الزوجة أيضاً ، يا رب ، وصار يصلي ، قرأ قرآن الآن فقط ، بعد ما ولدت وجاءت له بالصبي ، عمل حفلة مباركة ودعا رجالاً ونساء ، واختلاط ، أين كنت ؟ ماذا كنت تفعل ؟ .

      

        فأجمل ما في هذه الآية أن بغيكم ليس على من تظلمونه هذا قد عالجه الله على يدكم ، وانتهى ، أما البغي واقعٌ عليكم ..

      

       أما هنا كلمة متاع منصوبة ، أي أن كل هذه الثمار التي تقطفونها من بغيكم إنما تستمتعون بها في الحياة الدنيا فقط ، فإذا جاء الموت ، لو أن إنساناً اغتصب بيتاً ، متى يستمتع به ؟ يستمتع في حياته فقط ، بعد الحياة يؤخذ منه ..

         الآية الأخيرة :

      

        لو أن أخاً كبيراً اغتصب من أخيه الصغير بيتاً ، إلى متى يستمتع بهذا البيت ؟ في الحياة الدنيا فقط ، لابدَّ من أن يموت ويتركه ، إذاً :

      

       أي أن ثمرات البغي لن تستهلكوها إلا في الحياة الدنيا فقط ، وبعد الحياة الدنيا هناك الحساب الدقيق وهناك العذاب ..

      

        إذاً الإنسان مهما كان الشيء ثميناً ، مهما كان المكسب كبيراً ، ما دام يستهلك في الحياة الدنيا فقط وسوف يموت ، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلما دخل إلى مجلسه .. مجلس الخلافة .. كان يتلو هذه الآية :

أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)

( سورة الشعراء )

       يتلو هذه الآية ويجلس ..

أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)

       إذاً متاع الحياة الدنيا ، لذلك :

" اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك " .

والحمد لله رب العالمين

*  *  *