|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "05 / 17" من تفسير سورة
يونس (010)
: الآيات : 12 – 17 لفضيلة الدكتور محمد
راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد
الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم
الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا
علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً
وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،
وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة
المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:
أما كلمة
الإنسان
تتكرَّر كثيراً ..
فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا
ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي
أَكْرَمَنِي(15)
(
سورة الفجر
)
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى
الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ
الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا(83)
(
سورة الإسراء
)
فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ
خُلِقَ(5)
(
سورة الطارق
)
إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ
كَفَّارٌ(34)
(
سورة إبراهيم
)
قال بعض
المفسِّرين : " حيثما وردت كلمة الإنسان مُعَرَّفةً بأل فإنها
تعني هذا الإنسان المُعْرِض ، هذا الإنسان الغافل ، أما
الإنسان إذا عرف الله صار اسمه مؤمناً ، المؤمن
..
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(سورة
التحريم : آية " 8 " )
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ
آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
(
سورة غافر : آية " 38
" )
الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ
(
سورة الحديد : آية " 12
" )
تبدَّل اسمه ، إذا كان ساهياً ، لاهياً ،
ضائعاً ، تائهاً ، شارداً فهو إنسان ، أما إذا عرف الله صار
مؤمناً ، فربنا عزَّ وجل يعطينا نموذجاً من الإنسان المُعرِض
..
انظر إلى كلمة مَسَّ ، أحياناً تمسَّ
التيَّار الكهربائي مَسْ بثوانٍ تقفز من على الأرض ، فكيف لو
وُضِعَت اليدُ على تيارٍ عالي ؟ يتفحَّم على الفور
..
فربنا عزَّ وجل حكيم
يمسُّ الناس بالضُر مساً ؛ آلام ، مغص ، نوبة رمل ، يصيح
ويستريح ، تأتي نوبات ، أحياناً تأتي حالات ضيق ، كل المصائب
التي يُصاب بها الإنسان تحت قوله تعالى :
ومن معاني مسَّ فيها
لطف ، وفيها تقدير دقيق ، وفيها عناية بالغة ، لو رفعنا
التيَّار يتفحَّم الإنسان ، لكننا نحن يجب أن نكهربه من دون أن
يتفحَّم ، نعطيه مسَّاً خفيف ..
قالوا : " هذه اللام بمعنى على " أي دعانا على
جنبه ، وهو مضَّجع يقول : يا رب
..
أي أنه دعانا في كل أحواله ، مضَّجعاً أو
قاعداً أو قائماً كقوله تعالى:
إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لآيَاتٍ لأولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
(
سورة آل عمران
)
معنى
قياماً
وقعوداً وعلى جنوبهم
أي في الأحوال كلِّها ، أما هذا الإنسان المُعْرِض ، الشارد،
التائه ، الغافل ، الضائع ..
الآن عرفتني يا عبدي ؟ فرعون عرف الله عزَّ وجل
حينما أصابه الغرق ، قال
:
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ
إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ
الْمُسْلِمِينَ(90)أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
(
سورة يونس : آية " 90
" )
حينما كنت
شابَّاً ، حينما كنت غنياً ، حينما كنت قوياً ، حينما كنت تقفز
على الأرض قفزاً ، نسيتنا ، غفلت عن ذكرنا ، لم تبال بكتابنا ،
حينما جاء المرض ، حينما جاء العجز ، حينما ألمَّت المصيبة قلت
: يا رب
،
لا بأس ادعني
، ولكن ليتك دعوتني حينما كنت في بحبوحة ، ليتك دعوتني حينما
كنت صحيحاً ، ليتك دعوتني حينما كنت قويَّاً ، ليتك دعوتني
حينما كنت غنياً ، ليتك دعوتني حينما كنت في الرخاء
..
"
عبدي اعرفني
في الرخاء أعرفك في الشدَّة
" .
لكنك إذا دعوت
الله في
الشدَّة دعاء
المُضطر لا دعاء العارف ، دعاء الذي تحت وطأة السيف لا الذي
تحت وطأة العقل ، العقل يقول لك : اعرف الله في الرخاء ، لذلك
النبي الكريم قال
"
اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحَّتك
قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل
موتك " .
والنبي الكريم
اللهمَّ صلي عليه قال
:
"بَادِرُوا
بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا
مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ
هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ
فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ
أَدْهَى وَأَمَرُّ " *
( سنن الترمذي : عن " أبي
هريرة " )
أي إلى أن
عُطِبَ الجسد تقول : يا رب ، كنت مستعلياً على الناس، كنت لا
تنظر إلى أحدٍ دونك ، حينما جاءت الأزمة القلبيَّة صار في
تواضع، أخي ادعُ لنا ، أستاذ ادعُ
لنا ، الآن
تقول : ادعُ لنا ؟! كيف كانت حالك قبل أن تُصاب بهذا المرض ؟
..
طائرة تطير دخلت في عاصفة
مكهربة فاضطربت وكادت تسقط ، وهبطت ، وجنحت ، لم يبق في
الطائرة واحدٌ إلا ويقول : يا الله ، فلمَّا هبطت على الأرض
عُرِفَ أن هذه الطائرة تحمل أناساً لا يؤمنون بالله إطلاقاً ،
لكن مسَّهم الضر فدعوا الله مخلصين له ..
أي أن البطولة وأنت في
الرخاء ، لا يوجد شيء ، الصحَّة طيّبة ، الزوجة ممتازة ،
الأولاد أبرار ، الدخل وفير ، المكانة جيدة ، وأنت في قمَّتك ،
وأنت في قمَّة مجدك ، وأنت في الوظيفة وليس بعد التقاعد صار في
تواضع ، يجب أن تكون متواضعاً وأنت على رأس عملك ، والناس
أمامك ينتظرون ..
الإنسان بالمال يستعلي
، وبالقوَّة يستعلي ، وإذا كانت له وظيفة يستعلي فيها ، وإذا
كان مقتدراً يستعلي ، وإذا كان معه شهادة عالية والناس بحاجة
له يستعلي ولا يكلِّم أحداً ، لكن إذا جاءت المصيبة فإنه
يتواضع ، ليتك تواضعت قبل المصيبة ، ليتك عرفت الله وأنت في
الرخاء ، ليتك عرفت الله وأنت في بحبوحة ، ليتك عرفت الله وأنت
قويٌّ نشيط ، لكن متى ؟! بعد فوات الأوان ! بعد أن ضيَّعت ما
ضيَّعت ! ..
لكن ربنا عزَّ وجل لإلحاحه
بالدعاء ، يا رب ، يا رب ، يا رب ، ما لي سواك ، أنقذني قال :
هذه الأزمة زالت ، هذا المرض انحسر ، هذا القلق
تبدَّد ، هذا الخوف تلاشى
..
يقول لك : والله هذا الطبيب مستواه عالٍ كثيراً
، من ثاني حبَّة طبْتَ والحمد لله ، فلان ذهبت إليه وقلت له :
أنا
قريبك ،
تدخَّل وخلَّصني، أين الله عزَّ وجل ؟ لا يوجد الله عزَّ وجل
..
أما كلمة
مرَّ
فيها بلاغة رائعة ، سيل عارم مندفع وضعت أمامه حاجز ، فلمَّا
أزلت الحاجز مرَّ وتابع اندفاعه ، أي أن الإنسان أحياناً
تتعقَّد معاملته فيأتي إنسان ويأخذها منه ويوقِّعها من فلان،
وفلان ، وفلان ويقول له : تفضَّل ، جاء هذا الإنسان مسك هذه
المعاملة نظر وذهب ، قال له : شكراً ، فهذا الذي وقف وعاونك
ساعة ، وتجاوز الدور ، وكانت المعاملة تحتاج إلى خمسة أيَّام ،
وفيها تعقيدات ، وقد يوافقون أو لا يوافقون ، أخذها بنفسه
ومشَّاها لك ، وناولك إياها ، نظرت فيها مع الموافقة ، التوقيع
بالأخضر ومشيت من فورك ، أين يا أخانا ؟ مرَّ ، مرق ، أين
مرَِّيت ؟ كما قال عليه الصلاة والسلام : " تمرقون من الدين
" . أي أنه يمر ..
قل : يا ربي لك الحمد ،
يا ربي لك الشكر ، هذا توفيقك ، هذه عنايتك ، هذا فضلك ، هكذا
يقول الإنسان ، منتهى اللؤم ، منتهى الجحود ، منتهى الكفر ،
ابنه حرارته واحد وأربعين فحصه الطبيب فقال له : عنده التهاب
سحايا ، إنه على وشك الموت ، يا رب ليلاً ونهاراً ، وبعد هذا
الحرارة انحسرت والله عزَّ وجل عافاه له ، اسجد سجود الشكر
لله عزَّ وجل ، قل له : يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضا
، هذا فضلك يا رب ، لا إنه مرَّ شيء مادي وقف في طريقه
ثم فتحت له المجال فاندفع ، من دون إحساس ، من دون قِيَم ، من
دون شعور ، من دون اعتبارات ..
هذا نموذج اللئيم ، إذا
وقع تحت الشدَّة قال : يا رب ، فإذا انحسرت الشدَّة نسي الله
عزَّ وجل ، ونسي أنه دعاه ، ونسي أنه تذلَّل له ، ونسي
التضرٌُّع ، لكنه رأى ما عنده من إنجاز..
النبي اللهمَّ صلي عليه
كانت تعظم عنده النعمة مهما دَقَّت ، لو شرب كأس الماء ، تعظُم
عنده النعمة مهما دقَّت ، حينما دخل مكَّة فاتحاً دخلها مطأطئ
الرأس تواضعاً لله عزَّ وجل ، هكذا الإنسان ، النبي عليه
الصلاة والسلام قدوةٌ لنا ..
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
(
سورة الأحزاب : آية " 21
" )
إنسان لبس ثياباً جديدة ، دخل إلى بيته ، يقول
: الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له، أكل طعاماً يحبُّه
، الحمد لله الذي أطعمني وأسقاني ، وجد أن له زوجة في البيت ،
وله أولاد ، بيته نظيف ، له دخل يقول : يا ربي لك الحمد .. "
الحمد على النعمة أمانٌ من زوالها ".. الحد الأدنى في الشكر أن
تعرف أن هذه النعمة من الله ، والحد الأعلى أن تُقابِل على
النعمة بخدمة العباد ..
اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ
شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)
(
سورة سبأ
)
لكن أنا لا
أتصوَّر إنساناً يشكر الله على نعمه ، على حواسِّه الخمس، على
عقله ، على زوجته ، عندما يتزوَّج الإنسان
..
فشُرَيْح القاضي لقيه صديقه قال له : " يا
شُرَيح كيف حالك في بيتك ؟ " قال له : "والله يا فلان .. اسمه
الشَعْبي .. والله منذ عشرين عاماً لم أجد ما ينغِّص حياتي أو
يعكِّر صفائي " ، قال له : " وكيف ذلك ؟ " قال له : " خطبت
امرأةً من أسرةً صالحة فلمَّا دخلت بها وجدت كمالاً وصلاحاً ،
أي أنه وجد عقلاً وأدباً وجمالاً ، فقمت وصَلِّيت ركعتين شكراً
لله على نعمة الزوجة الصالحة ".. وفي بالصلوات ، أي في بحث
الصلاة في الفقه توجد صلاة الشكر ، إنسان اشترى بيتاً يدخل إلى
بيته الذي هو ساكن فيه أول عمليَّة يتوضَّأ ويصلي ركعتي الشكر
، نجح في شهادته الجامعيَّة أول عمليَّة صلاة الشكر ، تزوَّج ،
اشترى محلاً ، في صفقة باعها وربح فيها ، صلاة الشكر مشروعة ،
ربنا عزَّ وجل قال :
"
إني والإنس والجنُّ في نبأٍ عظيم أخلق ويُعْبَد
غيري ! وأرزق ويُشكَر سواي ! خيري إلى العباد نازل وشرُّهم
إليَّ صاعد ! أتحبَّب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ،
ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليَّ ، من أقبل
عليَّ منهم تلقَّيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من
قريب " .
هكذا مرَّ ، الصحَّة طيّبة ، والأكل في البيت
من كل الأنواع موجود ، لست محروماً من شيء ، نعمة الزوجة
موفورة ، نعمة السكن موفورة ، الماء فُرات ، فلا ينقصك شيء ..
شعرت بوضع غير طبيعي فعملت فحص فوجدت أنك
سليم ، يا ربي لك الحمد ، كان احتمال لورم خبيث فظهر أنه ورم
عادي
..

هكذا المؤمن ؟ هذا حال
الإنسان العادي ، هذا حال الإنسان الكافر، هذا حال الإنسان
الجاهل ، المُعْرِض ، المُقَصِّر ، اللئيم ، سيدنا علي قال : "
والله والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في
يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين
أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليَّ من طلبِ حاجةٍ من لئيمٍ
لوفاء دين " .. أُعلِّمه الرماية كل يومٍ فلمَّا اشتدَّ
ساعده رماني
وكم علَّمته نَظْمَ القوافي
.. فلمَّا قال قافيةً هجاني
* * *
هكذا !! تسمع أحياناً أن صانعاً كان عند
معلِّمه ، فتح محلاً فتجده يتكلَّم عليه ، إنه علَّمك المصلحة
، وأكرمك ، ودلَّلك ، وعندما صار معك إمكانيَّات تفتح محلٌ لك
، ماشي الحال افتح مثلما تريد ، لكن تقول : هذا معلمي غشَّاش
لا تذهبوا إليه ، هكذا اللؤم ؟! والله يوجد اللؤم في الأرض
الآن كأنه طوفان ، من علامات قيام السَّاعة أن يكون المطر
قيظاً ، والولد غيظاً ، ويفيض اللئام فيضاً ، ويغيض الكرام
غيضاً ، أول أنواع اللؤم مع الله عزَّ وجل ..
كنت تولول قبل ساعة ، ظهر بالتحليل أنه
لا يوجد شيء ، يالله سوف أعمل سهرة اليوم، أي سهرة هذه ؟ كان
المصير أسود ، أين السهرة اليوم ؟
..
ربنا عزَّ وجل قال
:
والله توجد آية قرآنيَّة يقشعر
لها البدن ، الله قال :
وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ
مِنْ عَهْدٍ
(
سورة الأعراف : آية " 102
" )
يذهب إلى الحج
يعاهد ربَّه عند الحجر الأسود ، يا رب لا أُعصيك أبداً ، فيأتي
بعد سبعة أيَّام يعصيه ، يا أخي معوَّد ، قال لي واحد
:
تبنا يا أخي ،
كنَّا نشرب فتبنا ، ذهبنا إلى الحج وعاهدنا الله ، جلس مع
رفاقه فقالوا له : اشرب ، فقال لهم لا أنا معاهد ، فقالوا له :
خذ منا ثمن الحِجة واشرب ، فقال : والله شربت فماذا أفعل ؟
..
وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ
مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ(102)
فاسق
..
انظر إلى دقَّة القرآن
الكريم ، لا يوجد هلاك بلا سبب ، أخي الطبقة الأرضيَّة هشَّة ،
على مقياس رختر كانت الدرجة ثمانية فتهدَّمت المكسيك ، ما هذا
؟ الموضوع على رختر فقط ، أم هي إهلاك من الله عزَّ وجل ؟
إهلاك من الله ، أي من السُخف أن تفسِّر هذه الظواهر الخطيرة
في العالَم تفسير أرضي ، مع أن التفسير الأرضي مقبول إذا جمعته
مع التفسير الإلهي ..
قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ
لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)
(
سورة النحل
)
ممكن تفسِّر أنه عندما أراد ربنا عزَّ وجل
إهلاك قرية فاسقة ، فاجرة ، تتاجر بالأفيون ، توزِّع الأفيون
لجميع أنحاء العالَم كان ممكن أن تفسِّرها أنها إهلاك من الله
عزَّ وجل عن طريق هزَّة أرضيَّة ، قد تجمع التفسير الإلهي مع
التفسير العلمي ، والتفسير الإلهي والتفسير العلمي لا يتناقضان
إنما يتكاملان ، أما أن تقول : فقط هزَّة أرضيَّة على مقياس
رختر فقط ، معنى هذا : " من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً
فمصيبته في نفسه أكبر " أصبحت نفسه هي المصيبة ..
لما ظلموا
.. ما دام يوجد ظلم فهناك هلاك ، لذلك حينما يعمُّ الفساد في
آخر الزمان ..
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
(
سورة الروم : آية " 41
" )
قال الله عزَّ
وجل
:
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا
نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ
مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ
مَسْطُورًا(58)
(
سورة الإسراء
)
لكن العلماء قالوا : " الهلاك نوعان ؛ هلاكٌ
مُبرَم وهلاكٌ بطئ " أي ضعف الموارد ، شُحُّ السماء ، قلَّة
النبات ، ازدياد الحاجات ، قلَّة الدخل ، الضغط الاجتماعي هذا
أحد أنواع الهلاك ، هذا يسمونه موت بطئ ، إما موت بضربة قاصمة
أو موت بطئ ، فالهلاك هلاكان ، عندما يجد الإنسان أن ليس معه ،
أموره ليست بيده ، الله عزَّ وجل قال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ
الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنًا
(
سورة النور : آية " 55
" )
أي أنه إذا لم يستخلفنا الله في الأرض بل
استخلف أعداءنا ، ولم يمكِّن لنا ديننا الذي ارتضى لنا ، ولم
يبدِّلنا من بعد خوفٍ أمناً فهذا أحد أنواع الهلاك ، لكن ليس
هلاك قاصم بل إنه هلاك ببطء ، لكن السبب :
يَعْبُدُونَنِي
العبادة لم تحصل ، فلمَّا أخلَّ العباد بما
عليهم فالله سبحانه وتعالى في حلٍّ من وعده ..

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)
(
سورة مريم
)
العلماء وقفوا عند هذه الآية ، لماذا
..
لأن نفي الإيمان شيء ،
ونفي الإمكانيَّة شيءٌ آخر ، مثلاً تقول : فلان لم يسرق ، إنك
نفيت عنه حدث السرقة ، لكن تقول : فلان ما كان له أن يسرق ،
إنك نفيت عنه إمكانيَّة السرقة ، ورغبة السرقة ، واستعداده
للسرقة ، نفيت عنه كل ما يتصل بالسرقة ، هذا يسمُّونه النفي
المُبالَغ ، ما كان لي أن أفعل ، ما فعلت شيئاً ، أنا ما أفطرت
، والله صائم يا أخي لم أفطر ، لكن ما كان لي أن أفطر أي
مستحيل ، شيء ولا يخطر في بالي إطلاقاً ، لا يوجد عندي استعداد
أن أفطر ، ولا توجد عندي نيَّة لأفطر ، ولا توجد عندي
إمكانيَّة لأن أفطر ، ولا أرضى أن أفطر، مهما دعوتني لا أفطر ،
ما كان لي أن أفطر ، هذه ما كان تفيد نفي الإرادة ، ونفي
الإرادة أبلغ من نفي الحدث ، فلان ما كان له أن يسرق أي مستحيل
، لكن لم يسرق أي قد يكون عنده إمكانية لأن يسرق ولكن ما سرق ،
لكن ما كان له أن يسرق أي مستحيل ، ربنا عزَّ وجل قال :
لماذا ربنا سبحانه
وتعالى جعل إيمانهم مستحيلاً ؟ أي إذا كان إنسان هدفه حلب فمشي
باتجاه درعا فماذا تقول ؟ تقول : ما كان له أن يصل ، إذا كان
ذاهباً إلى حلب ووقف في حمص ولم يُكمِل تقول : لم يصل بعدُ ،
أما إذا كان ماشياً بعكس الاتجاه تقول : ما كان له أن يصل ،
كلَّما مشي كلَّما بعد عن هدفه ، فعندما يمشي الإنسان في طريق
الدنيا ويتوغَّل فيها ، ويقع في الظلم والبغي والعدوان ،
والدنيا أكبر همِّه ، وينغمس في شهواته ، لا نقول : هذا لا
يؤمن بل نقول : هذا ما كان له أن يؤمن بهذا المعنى ، فطالب لم
يداوم إطلاقاً هل تقول : لم ينجح ؟ لا إنك تقول : ما كان له أن
ينجح ، أما إذا داوم ولم يجتهد تقول : لم ينجح ، أما إذا لم
يداوم ولا يوماً ولا فتح كتاباً ولا اشترى كتباً تقول : لم
ينجح ؟ إنك تقول : ما كان له أن ينجح ، ربنا عزَّ وجل قال :
لكن لماذا أهلكهم الله
عزَّ وجل ؟ لأنهم ما كانوا ليؤمنوا ، ربنا عزَّ وجل ما دام
يوجد أمل بالإيمان فلا يوجد هلاك ، ما دام هناك بقيَّة أمل
وليس أمل ، فلا يوجد هلاك ، إلى أن يسير الرجل في طريقٍ معاكسٍ
للإيمان بزاوية مائة وثمانين درجة ، أي نصف دائرة .. فليس هكذا
والإيمان هكذا في اتجاه آخر .. عندئذٍ يستحقُّ الهلاك ، لأنه
..
الهلاك أمر من الله عزَّ وجل مدروس ، فليس
هناك هلاك عشوائي، أو هلاك من دون مبرِّر، أهلكهم الله عزَّ
وجل لأنهم
:
جاءتهم الرسل أعرضوا عنهم ، تجاوزا الحدود
، غرقوا في الدنيا ، وقعوا في الظلم فأهلكهم الله عزَّ وجل ،
كلام ربنا عزَّ وجل دقيق
..
كلمة كذلك خذها قانون
..
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا
قال
:
وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ(14)
(
سورة القصص
)
هذا قانون ، تعريف القانون في العلم : علاقةٌ
ثابتة بين متحوِّلين ، أي أنك عندما تُحسن يؤتيك الله العلم
والحكمة ..
"
من أخلص لله
أربعين صباحاً تفجَّرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على
لسانه
" .
قانون
..
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ
أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ
الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ
الْغَمِّ
القصَّة انتهت
، القانون
:
وَكَذَلِكَ نُنْجِي
الْمُؤْمِنِينَ(88)
(
سورة الأنبياء
)
كن مؤمناً
واستحقَّ النجاة في كل عصر ، في كل عصر كن مؤمناً تستحقَّ على
إيمانك أن تنجو من كل شيءٍ تخافه ، قانون
..

وقبل ظلمهم
..
فكذَّبوا
بها
..
إذاً كلَّما رأيت قوماً أهلكهم الله عزَّ
وجل تأكَّد أنهم لا جدوى منهم ، لا أمل منهم ، لو كان فيهم
بقيَّة أملٍ في هدايتهم لما أهلكهم الله عزَّ وجل ، قال عليه
الصلاة والسلام
:
"
لا يهلك إلا
هالك
" .*
لا يهلك إلا من هلكت نفسه ، بعدت عن الحق .. "
لا يهلك إلا من شرد على الله شرود البعير " . ابتعد
وغاص كثيراً ، في ضلال مبين أي أن الخمر مثلاً تُذهِب العقل ،
تحطُّ المكانة ، تُضعف المَلَكَات ، تُثَبِّط الهمم ، فمن
شربها فهو في ضلالٍ مبين ، وفي ضلال بعيد ، الضلال البعيد ؛
واحد ماشي في طريق باتجاه حمص مثلاً ، وجد مفرقاً فمشى فيه ،
بعد ما مشي مائتي كيلو متر إذا به بطريق تدمُر ، وهو يريد حمص
، هذا اسمه ضلال بعيد أي أنه ابتعد كثيراً ، لو مشي عشرة كيلو
متر ورجع هذا ضلال قريب، أما مائتي كيلو متر هذا ضلال بعيد ،
يوجد ضلال مبين ، يوجد ضلال بعيد، أحياناً الإنسان يبعد كثير ،
يعتقد اعتقادات فظيعة ، أنه لا توجد غير الحياة الدنيا ، هذا
ضلاله بعيد ، هذه هي الدنيا فهي كل شيء ، من كان فيها غنياً
فهو في جنَّة ، ومن كان فيها فقيراً فهو في جهنَّم ، وليس بعد
الدنيا شيء ، هذا في ضلال بعيد ، ويوجد ضلال مبين ، فمن كان
مجرماً يستحقُّ الهلاك..
يكون في المحل ابن يعمل
عند أبيه ، وليس راضياً عن أبيه يقول لك : بيعه صعب ، أنا أحب
أن أبيع بسهولة ، أبي كذا أبي كذا ، يتوفَّى الأب ويأخذ الابن
المحل مكان أبوه ، فيأكل مال حرام ، ويغش ، كل الذي تنتقد فيه
أباك وقعت فيه وفي أشدَّ منه ، الله عزَّ وجل يمتحن الإنسان ،
يكون موظَّف في دائرة ينتقد الأعلى منه ، أُزيح فوضعوه مكانه ،
فتجده كذلك أغلق بابه عن المراجعين ، كيف كان ينتقده من قبل ،
وقع في نفس المرض ، ربنا عزَّ وجل قال :
الإنسان لا ينتقد ، وإذا
انتقد ينتبه ، عيون الناس مفتَّحة فإذا وقع فيما انتقد غيره
فقد وقع في أبشع شيءٍ وهو التناقض ، التناقض بشع جداً ، فأبشع
صفة بالعقل التناقض أي أن تقول شيئاً وتفعل عكسه ، أن تقيس
الناس بمقياسين : مقياس تقيس به نفسك ، ومقياس تقيس به الآخرين
، هذا تناقض ، هذا تفريق ، هذا خطأ ، خلل فكري ..
وهكذا ، الآن انظر ترى
السوق مشهوراً في الشام ، أما بعد ستين سنة كل هذا الطقم
يتغيَّر، إما أن يتسلَّم المحل ، أو أن يُباع ، أو يأتي الابن
مكان أبيه ، تجد وجوهاً جديدة ، ستين سنة أخرى تجد طقماً
جديداً ، هذا على مستوى المحلَّلات ، أما على مستوى البيوت ؛
هذا البيت يتوفَّى الأب فيُباع أو يسكن فيه ابنه ، وُجد وجه
جديد ومعاملة جديدة ، فربنا عزَّ وجل جعلنا خلائف في الأرض ،
الإنسان يخلف أباه ، يخلف شريكه ، يخلف موظَّف في دائرته ..
أنت تحت المراقبة ، عندما
يراقب الإنسانُ إنساناً آخر يربكه ، فكيف وأن الله سبحانه
وتعالى يراقبنا جميعاً ؟! ..
إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)
(
سورة النساء
)
حال المراقبة
قاله الصوفيّون ، الإنسان دائماً شايف الله ناظر إليه..
اعبد الله
كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك
.. واحد اغتسل عُريان عند النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال له
:
"
خذ أجارتك لا
حاجة لنا بك إني أراك لا تستحي من الله
"
.
حالة المؤمن
أنه تحت المراقبة ، مراقبة إلهيَّة ، مراقبة رحيمة ، مراقبة
خَيَّرة ، مراقبة فيها لطف ليس فيها إزعاج
..
إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)
أثناء البيع ، الله وكيلك ليس فيها ربح ، الله
على رأسك ، هل صحيح أنك لم تربح ؟ تحاكي نفسك بالمائة مائة أنت
رابح ، الله وكيلك ليست رابحة ، وأذَّن المؤذِّن فتقول : أخي
نريد أن نلحِّق بالصلاة الله يخليك ، أي صلاة هذه ؟ حلفت بالله
أنها ليست ربحانة وطلعت ربحان ، هكذا دين الناس الآن ، يقول لك
: كل شيء لحاله ، أي كل شيء لحاله ؟ كل شيء محاسب عنه..
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)
(
سورة الحجر
)
إذاً
:
لم يعجبه القرآن ، منع
الربا لم يعجبه ، يقول لك : هذا الربا ، مال تضعه من دون
فائدة، مجنون أنا فأضعه من غير فائدة ؟ غيري يستفيد منه ، لا
أنا أستفيد منه ، هذه الآية يا أخي ليست لهذا الزمن ، بعد هذا
الله قال :
لا تَأْكُلُوا الرِّبَا
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً
(
سورة آل عمران : آية " 130
" )
انتبه يا أخي النهي ليس عن بالمائة خمسة ،
النهي عن خمسة وعشرين بالمائة ، هكذا الله قال ..
لا تَأْكُلُوا الرِّبَا
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً
لم تعجبه هذه الآية ، وآية غض البصر لم تعجبه
كذلك ، أين أذهب بعيوني يا أخي ؟ أنا شغلي كلَّه مع موظَّفات ،
والله يا أخي الواحد يصبِّح عليها ويكلِّمها ، ماذا حصل إذا
نظر إليها، هذه بدّلها لنا يا أخي ..
هذا فيه تضييق كثير ، ثقيل
..
أو تعديلات طفيفة ، أي
ألغِ لنا آية النظر ، ألغِ لنا آية الربا ، ألغِ لنا آية
الاختلاط ، هكذا يكون في مرونة ، يقول لك : هذا شيخ عصري ، مرن
، لا يعقّدها كثيراً على التلاميذ ، فقط قلبك يكون مع الله يا
ابني افعل ما شئت ..
إذا كنت مهندساً وجاءك شخص وقال لك أريد
مخططاً ، عملت له المخطط ، قال لك : هذا الحديد اثنا عشر ميلي
هل يستبدل بثمانية ميلي فقط للعضايد ؟ والله لا يجوز ذلك يا
أخي ، هنا لا توجد مجاملة
،
عوض عن الستة أكياس ممكن نضع أربعة ،
(الدبسَّات مراق) ، هنا لا توجد مجاملة ، هذا بناء ثمانية
طوابق ، تضع أربعة أكياس يقع البناء ، المهندس مسؤول ، تضع
عوضاً عن اثني عشر ميلي ثمانية ميلي يقع البناء ، هنا لا توجد
مجاملة لأنه توجد قوانين ، هذا البناء مبني على علم ،
السنتيمتر مربَّع يتحمَّل مائتي كيلو ، إذا كان هناك أربعة
أكياس ولا بدل ستة لا يتحمَّل مائة وخمسين كيلو ، كلَّه في
حسابات ، هل توجد مجاملة بالموضوع ؟ لا توجد مجاملة ..
فهذه نفس بشرية ، فإذا سمحنا لها
بالاختلاط تعلَّقت بالنساء ، أي صلاة بقيت هذه ؟
انقطعت عن الله عزَّ وجل ، إذا سمحنا لها
بالربا وقعت في الحرام ، أصبحت خجولة ، أي أن القضية ليس معها
لعبة ، محطَّة وقود مكتوب عليها : ممنوع التدخين ، لا
تعقِّدوها كثير ، غير معقول هذا تعقيد ، التدخين يُذْهِب
بالكازيَّة كلها يفجرها ، هذا إعلان مصيري وليست قضيَّة سهلة،
فكل شيء الله عزَّ وجل نهى عنه أو أمر فيه ليس فيه مجاملة ،
ولا حل وسط ، ولا بالمائة ثلاثين ، هذا دين ..
"
ابن عمر دينك
دينك
أي الزم دينك .. إنه لحمك ودمك ، خذ عن
الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا " .
كل إنسان
يتساهل معك اعرف أنه لا
يفهم شيئاً .. فلو أن إنساناً يريد أن ينشئ
معمل غسَّالات ضخماً كثيراً ، وجد أن موضوع تنشيف الآلة صعب،
قال : هذه سوف أُلغيها ، بدونها أحسن ، ماشي الحال ينشفوا
الملابس بأيديهم ، العصر كذلك صعب فلغاه ، تسخين الماء صعب
ألغى التسخين ، الآن دورانها صعب ألغى الدوران ، هذه أصبحت
تنكة غسيل وليست بغسَّالة .. كلَّما ألغيت صعوبة صرت بعد ذلك
بلا شيء ، أخي هذه صعبة اتركها ، وهذه اتركها ، وهذه اتركها
بقيت على لا شيء ، لذلك الدين ليس فيه لعب ، مثل اللعبة مثلاً
، شروط اللعب إذا ألغيتها وقلت : ليس بشرط أن تأتي الكرة في
السلَّة ، لم تعد هناك بطولة ، لو جاءت نحوها تعتبر ، هذا لم
يعد لعباً ، إذا لم توجد شروط صعبة دقيقة لم تعد هنا بطولة ،
فكلَّما ألغيت شيئاً من الدين تهدِّم الدين ،
"
الصلاة عماد
الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين".
أخي أنا قلبي
نظيف
لا أنوي لأحد
شراً ولكن لا أصلي ، لا ينفع هذا لأن
"
الصلاة عماد
الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين
"
لذلك
:
يوجد معنى دقيق هو : أن
القرآن من عندك إذاً دبِّره ، كأنَّهم يظنَّون أو يتهمون النبي
عليه الصلاة والسلام أن هذا القرآن من عنده لذلك بدِّله لنا،
غيّره أو عدّله ، هذه الآية احذفها لنا ..
أنا رسول ، أنا مبلِّغ ،
إذا صدر مرسوم من رئيس الوزراء وأتى موظَّف من الدائرة يبلغك
فتقول له : يا أخي احذف لي هذه المادَّة ، ما الذي أدخلني أنا
في الموضوع ؟ أنا مبلِّغ فقط ، تقول لواحد يبلغك مرسوم احذف لي
هذه المادَّة ؟ عدِّلها لي ، هذا بيد رئيس الوزراء وليس بيد
موظَّف بسيط..
إذا كان النبي عليه
الصلاة والسلام وهو ما هو من الرفعة والعظمة يخاف إن عصى ربَّه
عذاب يومٍ عظيم ، فما بال عامَّة الناس ! لذلك الخوف يتناسب مع
الإدراك ، الإدراك ضعيف الخوف ضعيف ، الخوف يتناسب طرداً مع
الإدراك ، لا يوجد إدراك لا يوجد خوف، مرَّة طالب قال لي : أنا
لا أخاف من الله عزَّ وجل ، قلت له : معك حق ، عندما قلت له :
معك حق استغرب، قلت له : أحياناً يضعوا طفلاً صغيراً بالحصيدة
فيمر ثعبان فيلمس عليه الطفل ، لأنه ليس لديه إدراك ، طبعاً لا
تخاف من الله عزَّ وجل ، لأنك لا تعرف ما معنى الله عزَّ وجل
..
في بدر قال
: "
لا أمثِّل بهم
فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً
" ، هذه هي عظمة الأنبياء ، عند الله لا يوجد محاباة ، الله
عزَّ وجل لا يقرِّب إنساناً على باطل ، لا يُقرِّب معتدياً ،
لا يقرِّب ظالماً بل إنه يقرِّب إنساناً مستقيماً ، يقرب
إنساناً محسناً لأن الله كامل ..
"
إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا
طَيِّبًا
"*
(
صحيح مسلم : عن " أبي هريرة
" )
فإذا كان رسول
الله اللهمَّ صلي عليه يقول
:
إذا
كان سيدنا عمر
قال : " والله لو أن الله أنزل على نبيّه أنه معذِّبٌ واحداً
من خلقه لخِفْتُ أن أكون أنا " . إذا كان سيدنا عمر عملاق
الإسلام الذي قال : " والله لو تعثَّرت بغلةٌ في الفرات .. وهو
في المدينة .. لحاسبني الله عنها لمَ لمْ تُصْلِح لها الطريق
يا عمر
؟ " إذا كان
سيدنا عمر يقول : " ليت أمَّ عمر لم تلد عمر ، ليتها كانت
عقيمَاً " ماذا رأى ؟ ماذا رأى من شدَّة الحساب ، ومن عدالة
الله سبحانه وتعالى ؟ لا يستخفُّ بعدالته إلا أحمق ، لا
يستخفُّ بعدالته إلا غبي
..
أربعين سنة لم أتكلَّم ولا كلمة ، معنى
هذا
الكلام ليس من عندي ، لو كان من عندي كنت
أتكلَّمه وأنا بالثلاثينات ، أتكلَّمه بالخامسة والعشرين،
أتكلَّمه بالعشرينات ، أربعين سنة لم أتكلَّم كلمة ، هذه واحد
، الشيء الثاني: هل جرَّبتم عليَّ من قبلُ كذباً قط ؟ يقولوا :
أن هرقل ملك الروم التقى بأبي سفيان وكان على الشرك قبل أن
يؤمن ، حدَّثه عن رسول الله ، أنه يوجد عندنا نبي ادعى أنه نبي
ويقول : أنا نبي وهكذا ، هرقل كان ذكياً قال : هل كنتم تتهمونه
بالكذب ؟ "هل كنتم قبل البعثة " ؟ قال : " لا والله " ، فقال
هرقل : " قد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على
الله " هرقل نفسه قال هذا الكلام ..
الشيء الثاني : عندما
استقبل النجاشي وفد المسلمين وقال له: يا جعفر حدِّثنا عن
نبيُّكم " قال له : " يا أيها الملك كنَّا قوماً أهل جاهليَّة
نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحِم ،
ونسئ الجِوار ، ويأكل القويَّ منَّا الضعيف .. هذه الجاهليَّة
الأولى مثل الثانية .. حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ،
وصدقه ، وعفافه ، ونسبه .. أربعة أشياء ، نعرف أمانته وصدقه
وعفافه ونسبه .. فدعانا إلى الله لنعبده ونخلع ما يعبد آباؤنا
من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ،
وصلة الرحم ، فعدا علينا قومنا ليعذِّبونا ويفتنوننا عن ديننا
، وقد لجأنا إليك " فقال : " أنتم آمنون في بلادي " ، إذاً :
من معاني
عمراً من قبله
: أنني في هذا العمر لم أتكلَّم كلمة في القرآن ، معناها الآن
هو ليس من عندي .
المعنى الآخر
: أنني كنت عندكم صادقاً وأميناً فهل يُعْقَلُ أن أكذب الآن ؟
..
يقولون : أن عمرو بن
العاص كان صديقاً لمسيلمة الكذَّاب ، التقى معه قال له : "ماذا
يقول الآن نبيُّكم ؟ .. أي قل لنا ما هي آخر الأخبار " قال له
: " يزعم أنه نزل عليه قوله :
وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ
الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
بِالصَّبْرِ(3)
(
سورة العصر
)
فقال له : " أنا كذلك أُنزِل عليّ مثل هذا
الكلام " قال له : " ما هذا أسمعنا " قال له : " يا وَبَر يا
وبَر إنما أنت أّذنان وصدر ، وسائرك حقرٌ نقر " فقال له عمرو
بن العاص : " والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذَّاب "..
ثم يقول الله عزَّ وجل
:
أي أن ربنا عزَّ وجل وصف هذا العمل
بأنَّه جريمة ، هناك جريمتان ؛ الأولى أن تفتري على الله
كذباً ، أن
تزعم أنه قد أوحي إليك ولم يوح إليك ، أن تزعم شيئاً لم يقله
الله ، أن تبدِّل في الدين ، أن تغيّر ، أن تزوِّر ، أن تحرِّف
هذه جريمة ، والجريمة الثانية هي أن تكذِّب بالحق ، الافتراء
على الله بالكذب جريمة ، والتكذيب بالحق جريمة
..
ليس هناك إنسان أظلم ..
ابن سلاَّم حينما كان في المدينة
المنوَّرة وقَدِمها النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً قال : "
انجفل الناس منه .. أي خافوا منه .. فلمَّا رأيته عرفت أن وجهه
ليس بوجه كذَّاب .. من رآه بديهةً هابه ومن عامله أحبَّه..
فلمَّا سمعه يقول
: "
أيها
الناس افشوا
السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلَّوا بالليل
والناس نيام تدخلوا الجنَّة بسلام
، انشرح قلبي للإسلام " .
أي أن هناك أموراً مصيريَّة في حياة الإنسان ،
أخطر موضوع تعالجه موضوع الإيمان بالله عزَّ وجل لأنك بعد
الموت سوف تكون مع الله إلى الأبد ، فإذا كنت قد آمنت به من
قبل وعرفته ، واستقمت على أمره ، وأطعته وتقرَّبت إليه سعدت
إلى الأبد ، وإن كنت قد أعرضت عنه ، ولم تطع أمره ، وأسأت إلى
عباده ثم كان منقلبك إليه ورجعت إليه فرأيت العمل السيئ هذا
العمل أشقاك إلى الأبد ، هذا موضوع خطير جداً أن تعرف أين
المصير ، الناس في غفلة عن هذا ، النبي عليه الصلاة والسلام
قال :
"
والذي نفس
محمدٍ بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً
عن شهوةٍ
.[تختفي
قابليتكم نهائياً
]..
ولا شربتم
شراباً ، ولذهبتم إلى الصعُدات تلدمون أنفسكم وتبكون عليها " .
الإنسان يوم
القيامة حينما يأتيه الموت يصرخ صرخةً لو سمعها أهل الأرض
لصُعِقوا بها ، الآن قبل فوات الأوان ونحن أصحَّاء ، ونحن في
قوَّتنا ، وصحَّتنا ، اِعرف الله في الرخاء قبل أن تضطر إلى
معرفته في الشدَّة
.
والحمد لله رب العالمين
* * * |