|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة البقرة (2)
رقم الدرس : 4/9 .
عنوان الدرس : الحب الإلهي - الآية 165 - .
تدقيق لغوي : غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة البقرة
آية رقمها الخامسة والستون بعد المئة ، يقول الله سبحانه
وتعالى فيها:

الإنسان قبل أن نشرح الآية جسدٌ يأكل ،
وعقلٌ يدرك ، وقلبٌ يحب ، هذه حقيقة الإنسان ، وهذه جوانبه
الثلاثة ، جسدٌ يأكل ، وعقلٌ يدرك ، وقلبٌ يحب.
دعونا من الجسد،. فنحن وبقية المخلوقات سواء ،
أجهزة وأعضاء وأنسجة ، ويحتاج إلى طعام وإلى شراب وإلى راحة ،
له قوانينه وله مبادئه ، والأطباء موكلون بمعرفة أمراضه ودوائه
.
دعونا من الجسد ، ولنقف عند القلب الذي
يحب ، والعقل الذي يدرك ، هل هناك من علاقة بينهما ؟ نعم ،
وهذه العلاقة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، دققوا في هذا
الحديث :" أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " .
فلو عرضت على إنسان قطعة بللور عادية وقطعة
كريستال وقطعة ألماس ؛ فالماس ثمنها ثلاثمائة ألف ، والكريستال
ثمنها عشرون ليرة ، بينما البللور ثمنها ليرتان ، ثم قلت له :
اختر ، فإن اختار البللور فهو لا عقل له ، وإذا اختار
الكريستال فلديه بقية عقل ، ولعله ما انتبه لقطعة الماس ، أما
الذي يعمل في بيع المجوهرات فإنه يأخذ الماس رأساً .
فكلما نمت معرفتك ونما إدراكك ، ارتقى اختيارك
، وكلما نما عقلك ارتقى اختيارك ، فالذي اختار الدنيا محدود ،
أحمق ، غبي ، لأنها قصيرة ، ولأنها تنقطع عند الموت ، ومهما
علوت في الدنيا فكل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة
والجبروت ، ومهما كنت غنياً فإن الكفن لا جيب فيه ، ولا دفتر
شيكات ، ليس هناك قبر خمس نجوم ، بل كل القبور نجمه واحدة وكل
نجوم الظهر .
فمهما كنت في أعلى مكانة في المجتمع ، أو بأعلى
مكانةٍ في المال ، أو كنت حائزًا على أعلى الدرجات العلمية ،
بورد مثلا ، فمصيرك إلى القبر .
فالذي يختار الدنيا ، فيه ضعف في عقله ، وهو
غبي ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أرجحكم عقلاً أشدكم
لله حباً .
فالبلور والكريستال والماس ، كلما كانت خبراتك
كانت أعمق اخترتَ الماس ، فإنْ دنت فالكريستال جميل ، وكأس
الكريستال ثمنها مئتا ليرة جميلة ، أما قطعة البللور، فقد تكون
قطرميز بللور ، لونه أزرق وطني ، فغاية ثمنها خمس ليرات أو
عشر ليرات ،قد يقال لك : حجمه كبير ، وهو يستحق ثمنًا عشرَ
ليرات ، وكأس كريستال ثمنها مئتا ليرة ، وقطعة ألماس ثمنها
ثلاثمائة ألف ، فأنت مخيَر لقلة خبرتك ، لكن الجواهري لا يتردد
ثانية في التقاط قطعة الماس .
إخوانا الكرام ؛ صحابي جليل اسمه عبد
الله بن رواحه ، تُروى عنه هذه القصة ، فإن صحت فلها مغزى كبير
، وإن لم تصح فلنا منها عبرة فقط ، عيَّنه النبي صلى الله عليه
وسلم قائداً ثالثاً في معركة مؤتة ، القائد الأول سيدنا زيد ،
ثم سيدنا جعفر ، ثم سيدنا ابن رواحه ، والمعركة مخيفة وطاحنة ،
وأعداد جيش العدو كبيرة ، فأول قائد رفع الراية وقاتل لم يلبث
أنْ قتل ، ثم تسلم القيادة سيدنا جعفر ، فأمسك بالراية فقاتل
فلم يلبث أنْ قتل هو الآخر ، ثم تسلم القيادة عبد الله ، وكان
شاعرًا فقال بعد ما تردد قليلا:
يا نفس ، إلاّ تقتلي تموتي هذا حمام
الموت قد صليت
إن تفعلي فعلها هديـت وإن توليت
فـقـد شقيـت
وأمسك بالراية وقاتل بها حتى قتل .
وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق
سيدنا جبريل نبأ هذه المعركة فقال بين أصحابه : أخذ الراية
أخوكم زيد ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه بالجنة ثم
أخذ الراية أخوكم جعفر ، فقاتل بها حتى قتل ، وإني لأرى مقامه
بالجنة يطير بجناحين، فسميّ جعفر الطيار ، وسوف يبنى بمطار
دمشق مسجد ، ويسمونه اسم جعفر الطيار ، لأن له علاقة بالطيران
، قال راوي الحديث : وسكت النبي صلى الله عليه ، فلما سكت
غار الصحابة على أخيهم الثالث ، سيدنا عبد الله بن رواحه ،
فقالوا ما فعل عبد الله ، فالنبي صلى الله عليه وسلم سكت بقدر
ثلاثين ثانية تقريبًا ، بقدر ما تردد عبد الله بن رواحة حين
أخذ الراية ، قال : ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله ، فقاتل بها
حتى قتل ، قال: وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه ، لأنه
تردد ثلاثين ثانية ، ولذا هبطت درجته عن صاحبيه قليلا .
فإذا كان الجواهري متمرِّسًا ، وعرضتَ عليه
قطرميزًا وطنيًّا ثمنه عشر ليرات ، وكأس كريستال ، ثمنها مئتا
ليرة ، وقطعة ألماس ثمنها ثلاثمائة ألف ليرة ، فإنْ تردد ثانية
واحدة فيكون أحمق ، ولا يستحق اسم جواهري ، فالتردد ذنب
أحيانًا .
إذاً فالعلاقة بين العقل والقلب ذكرها النبي
صلى الله عليه وسلم وقال: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ..
فإذا كان العقل له مؤشر "عقرب" وإذا كان الحب
له مؤشر أيضًا فلا بد أنْ تعرف أن هذين المؤشرين يتحركان
معاً .
وقد تجد بجهاز الساعة عدادين ؛ واحدًا لدورة
المحرك ، وواحدًا للسرعة ، و كذلك مؤشر العقل و مؤشر القلب "
أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " ، و بعد فلنَعُد إلى الآية :
مون الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله.
هنا الحمق واضح جليّ ، فإنسان فانٍ ، إنسان ميت
، إنسان محدود ، إنسان ضعيف إنسان لئيم ، تمنحه حبك ، إنها
متاهة تؤدِّي إلى الضياع .
إنك لن تجد إنسانًا على وجه الأرض أخلص للنبي
كسيدنا الصديق ، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :
لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي
خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي
*
(رواه البخاري)
إذاً هذا القلب لا يليق به إلا أن يحب الله ،
فأنت تحتقر ذاتك إذا أحببت غير الله .
قال تعالى :
ومن يرغب عن ملةٍ إبراهيم إلا من سفه نفسه.
(سورة البقرة : الآية 130 ) .
إنّ أشد أنواع احتقار الذات ، أن تكون لغير
الله ، محسوب على غير الله ، أو أن تُجَيّر - بالتعبير
المصرفي- لغير الله ، وأن تحب غير الله ، دققوا في الآية
: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً
يحبونهم كحب الله"
إنك تحب زوجتك أكثر من الله ، فهناك علامة ، أعوذ بالله !! لا
أحب إلا الله ، حينما تطيعها في معصية الله ، فاعلم أنك تحبها
أكثر من الله ، وهناك علامة كذلك أنك تحب أولادك أكثر من الله
، حينما تطيعهم أكثر من الله ، وهناك علامة أنك تحب هذا البيت
أكثر من الله والجنة ، فإذا جلست به مغتصباً ، ولم تعبأ بتهديد
الله لك ، وتقول : القانون معي ، خير إن شاء الله ، فليشفع لك
القانون عند الله تعالى .
ليس في القبر مِن قانون ، فعلامة محبة غير الله
، أن تؤثره على الله والأمر لا يحتاج إلى زعبرة ، ولا أنْ
تتلبس له ، ومادمت تطيع إنسانًا وتعصي الخالق ، فهذا الإنسان
إما أنك تخافه ، وإما أنك تحبه أكثر من الله ، وهذا هو الشرك
بعينه ، ويقول صلى الله عليه وسلم :
أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي أما إني لست
أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ـ انتهت تلك الحال إلى غير
رجعة ، فلن نتجه إلى صنم نعبده ـ ولكن شهوة خفية وأعمال لغير
الله .." وهذا هو الشرك الخفي ، فهؤلاء :
ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم
كحب الله
" فلم يقل سبحانه و تعالى : ومن المؤمنين ، بل قال : ومن الناس
.
والذين آمنوا أشد حباً لله
من علامة إيمانك ، أنك تحب الله عز وجل أكثر من
كل شيء ، فقد قال عمر : يا رسول الله إني أحبك أكثر من أهلي
وولدي ومالي والناس أجمعين إلا من نفسي ، قال له: يا عمر لمَّا
يكمل إيمانك ، قال ولِمَ ؟ حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك أيضا ،
وبعد حين ، قال له : الآن يا رسول الله أحبك أكثر من نفسي
وولدي ومالي والناس أجمعين ، قال له ، الآن يا عمر، الآن كمل
إيمانك دققوا في قول النبي الكريم صلىالله عليه وسلم: أرجحكم
عقلاً أشدكم لله حباً
والذين أمنوا أشد حباً لله
.. لكن متى يصعق الإنسان يوم القيامة قال :
ولو يرى الذين أمنوا ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً
"
وبعد ، فالإنسان من يحب ؟ بالمناسبة ، فإنّ
قوانين النفس تقول : الإنسان يحب الشيءَ الجميل ، ويحب الجمال
، ويحب الكمال ، ويحب النوال (العطاء).
هناك قصة وقعت من خمسين سنة ، فخطيب
جامع الورد بحي ساروجه رآى النبي صلى الله عليه وسلم قال له :
قل لجارك فلان إنه رفيقي بالجنة ، ليس معقولاً ، أنا الخطيب
وأنا الداعية ، والمنام ليس لي ، بل للسمان جار المسجد ، وفي
الصباح طرق بابه ، وقال له : لك عندي بشارة من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، والله لا أقولها لك إلا إذا قلت لي ما صنعت
مع ربك ، فلما استحلفه قال له : والله تزوجت امرأة وبعد خمسة
أشهر من عرسي كانت في الشهر التاسع ، إذاً هذا الولد الذي في
بطنها ليس مني .
قال له : بإمكاني أن أسحقها ، بإمكاني أن
أطلقها ، بإمكاني أن أفضحها ، لكن وجد أنها زلت قدمها مرة
واحدة ، وأرادت أن تتوب على يديه ، فأتى بقابلة ، وأولدتها
ليلاً ، وحمل الوليد إلى المسجد بعد أن كبر الإمام تكبيرة
الإحرام ، حتى لا يراه أحد ، ووضع الغلام عند طرف الباب ، فلما
انتهت هذه الصلاة ، بكى هذا الوليد ، فتحلق المصلون حوله وجاء
معهم كواحد منهم ، دون أن يشعرهم أنه يعلم ، قفال : خير ماذا
هنالك ؟ تعالَ انظر ، ولدٌ وُلد لتوه ، قال : أعطوني إياه أنا
أتكفله فأخذه و رده إلى أمه وأمام الجيران سترها ، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم : قل لجارك فلان : إنه رفيقي بالجنة
.
نحن الآن جميعاً أُعْجِبْنا بهذا الموقف ، لأنّ
الإنسان بحب الكمال ، ويحب المروءة ، والشهامة ، والأمانة ،
والإخلاص ، والجمال ، والإنسان يحب النوال .
لو أنَّ واحدًا قصير القامة ، أسمر اللون ،
ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ضيق الجبهة ، أعرج الرجل ، أعطاك
مئة مليون ، فأينما سار تتبعه ببصرك ، رغم أنه ليس حلو المنظر
، فالإنسان يحب النوال والعطاء ، والكمال ، والجمال ، وهذه
كلها في الله ، قال تعالى
: "ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن
القوة لله جميعاً " .
إنّ قوة العطاء من الله ، وقوة الجمال من الله
، وقوة الكمال من الله ، فهو الكامل ، وهو الجميل ، وهو المعطي
، والإنسان تَركه وأحبَّ غيره ، وهذا من غبائه ، وحمقه وضعف
إيمانه ، فهذه الآية دقيقة :"
ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم
كحب الله والذين آمنوا اشد حباً لله" ،
في الدنيا .
أما الكفار فإنهم يصعقون يوم القيامة ، حينما
يرون أن كل شيء تمتعوا به كان من الله ، وأحبوا غيره ، وكل شيء
أسعدهم كان من الله وأحبوا غيره " إني والإنس والجن في نبأٍ
عظيم ، أخلق ويحمد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد
نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم
، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ ، من أقبل عليّ
منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل
ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم
من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم
، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة بعشر
أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بالعبد من
الأم بولدها " .
قل لي ما الذي تحبه أقل لك من أنت ، فكلما نما
عقلك أحببت ربك ، وكلما ضعف العقل أحببت سواه ، وكلُّ شيءٍ
سواه فانٍ ، " كل من عليها فان "
(سورة الرحمن : الآية 26 )
فإنْ ربطتَ نفسك مع إنسان يموت ، ربطتَ نفسك مع
زوجة تموت ، وتكون لئيمة أحياناً ، فأين عقلُك ؟ .
أما إذا أحببت الله فأنت العاقل ، وأنت الذكي ،
وأنت الموفق ، وأنت المفلح ، وأنت الفائز، وأنت الذي عرفت سر
وجودك ، وأنت الذي عرفت قيمة وجودك ، فلا تعرف قيمة وجودك إلا
إذا عرفت الله عز وجل ، وأنت لله أوَّلاً وأخيرًا .
إنّ الماء للتراب ليسقيه ، والتراب للنبات
لينبته ، والنبات للحيوان ليأكله والحيوان للإنسان ليتغذى به ،
وأنت لله، فإذا أحببت غير الله فقد وقعت في شر أعمالك .
والحمد لله رب العالمين
|