تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "1 / 17" من تفسير سورة  يونس (010) :  الآيتان : 01 – 02   لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

      الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

        بسم الله الرحمن الرحيم .. تمَّ بتوفيق الله وفضله تفسير الأجزاء العشرة الأخيرة من كتاب الله خلال السنوات الماضية ، وانتهينا في الدرس الماضي من تفسير سورة الفاتحة ، وها نحن ننتقل الآن إلى الأجزاء العشرة الثانية من كتاب الله سبحانه وتعالى وتبدأ بسورة يونس ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمِدَّنا من فضله كي ننهي تفسير كتاب الله كلِّه .

        أما الحكمة من البدء بالأجزاء العشرة الأخيرة هي أنَّ هذه الأجزاء العشرة الأخيرة يغلب عليها الطابع المكِّي ، والطابع المكّي آياتٌ تدور حول وجود الله ، وحول عظمته ، وأسمائه الحسنى ، وآياته الكونية ، وترسيخ الإيمان بالله ، وأما السور المدنيَّة فيغلب عليها طابع التشريع ، والنبي عليه الصلاة والسلام  بقي في مكَّة المكرَّمة ثلاثة عشر عاماً يوجِّه الأنظار إلى آيات الله الكونيَّة ، فحيثما استقرَّ الإيمان في النفوس جاءت الآيات المدنيَّة ، لا يمكن أن تنفِّذ الأمر ما لم تعرف الآمر ، ولا تنتهي عن النهي ما لم تعرف الناهي ، فالآيات المكَّية أولاً، ثم الآيات المدنيَّة، فالعشرة الأجزاء.. وهكذا في اللغة .. الأخيرة يغلب عليها الطابع المكّي ، والأجزاء العشرة المتوسِّطة بينَ بينْ ، والأجزاء العشرة الأولى يغلب عليها طابع التشريع ، ففي سورة يونس عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة ..

بسم الله الرحمن الرحيم

 


      

هذه الحروف وأمثالها ..

الم(1)

( سورة البقرة )

المر(1)

 ( سورة الرعد : آية " 1 " )

هيعص

( سورة مريم )

حم(1)

( سورة الأحقاف )

ق

 ( سورة ق : آية " 1 " )

       هذه الحروف سمَّاها بعض المفسِّرين " فواتح السوَر " ، وقال بعضهم الآخر : " الله أعلم بمراده " . وقد روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الحروف : " أنها أوائل أسماء الله الحُسنى ، وقد روي عنه رضي الله عنه تفسير هذه الحروف الثلاثة :

      

            أي أنا الله أرى ، وقال بعض المفسِّرين : " إنها أوائل أسماء رسول الله ، فألف أحمد، واللام لطيف ، والراء رحيم " . والذي يرجِّح هذا الرأي الأخير أنَّ كل سورةٍ على الإطلاق بدأت بهذه الحروف يعقبها مباشرةً كاف الخطاب ..

الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ

( سورة البقرة )

المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ

( سورة الرعد )

كهيعص(1)ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(2)

( سورة مريم )

       على كلٍ هناك رأيٌّ رابع أو خامس وهو : أن القرآن الكريم المُعْجِز الذي تحدَّى الله به بني البشر ..

يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ

 ( سورة الرحمن : آية " 33 " )

       هناك آياتٌ بهذا المعنى توضِّح أن الإنس والجنَّ قاطبةً لا يستطيعون أن يأتوا بآيةٍ من آيات الله عزَّ وجل ، فلذلك من جنس هذه الحروف ، كيف أن التراب بين أيدينا منه تخرُج النباتات كلُّها، التفاح ، لو اجتمع الإنس والجن على أن يأخذوا تراباً ليصنعوا منه فاكهةً لا يستطيعون ، فهناك إعجاز ، التراب موجود ، والماء موجود ، هذا الحشيش الذي تأكله البقرة يُصنع منه لبن سائغ للشاربين ، هذه كلها آيات الله عزَّ وجل ، المواد الأوليَّة موجودة ولكن الإعجاز في خلقها ، في تكوينها ، في صنعها، كذلك بعضهم قال : " إن هذا القرآن الكريم المُعْجِز هو من حروفٍ نعرفها جميعاً ؛ ألف ، باء ، تاء ، ثاء ، جيم ، حاء ، خاء .. ثمانية وعشرين حرف .. رُكِّبت آيات هذا الكتاب من هذه الحروف ، والله سبحانه وتعالى كما قلت قبل قليل : تحدَّى البشر إنساً وجنّاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن ..

لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)

( سورة الإسراء)

قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا

( سورة الإسراء)

        على كلٍ في كتاب الله آياتٌ تحتمل وجوهاً عديدة ، فكما كنت أقول لكم دائماً : القرآن الكريم حمَّال أوْجُه ، والقرآن الكريم ذو وجوه ، فـ ..

     

        إما أنها من أسماء الله الحسنى ، وإما أنها دليل إعجاز الله في كتابه ، وإما أنها من أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وإما أنها فواتح السور ، وقد سمعت أن هناك من لَقَّمَ حاسباً إليكترونياً بآيات القرآن الكريم ، آيةً آيةً ، حرفاً حرفاً فوجد أن كل سورةْ تبدأ بحروفٍ مثل هذه الحروف لو أحصيت حروف هذه السورة لوجدَّت أن أكثر حرفٍ تكرَّر فيها هو الألف ، ثم اللام ، ثم الراء ، وفي سورة ( ق ) أكثر حرفٍ تكرَّر فيها هو حرف " قاف " ، هذا شيءٌ يظهر حديثاً ، القرآن الكريم كلام الله .

       وسمعت عن الإعجاز الحسابي ، غير الإعجاز الرياضي ، مثلاً : كلمة يوم ذُكِرَت في كتاب الله ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة حصراً ، ولو فتحت بعض كتب معاجم القرآن الكريم .. هناك معاجم لكلمات القرآن  الكريم .. لوجدت على كلمة يوم واليوم بلا التعريف ومع التعريف وردت ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة ، وأن كلمة شهر وردت حصراً اثنتي عشرة مرَّة، وأن آيات الجنَّة مساويةٌ لآيات النار ، وأن آيات الملائكة مساويةٌ لآيات الشياطين ، وأن آيات الدنيا مساويةٌ لآيات الآخرة ، هذا الإعجاز الحسابي لم يكن في الحُسبان ، هناك إعجازٌ حسابي ، وهناك إعجازٌ رياضي ، وهناك إعجازٌ بلاغي ..

      

       وهناك إشاراتٌ لطيفة إلى أسماء الله الحُسنى ، وهناك إشاراتٌ إلى أسماء النبي عليه الصلاة والسلام ، أما من يقول : " الله أعلم بمراده " ، هذا القول مقبول ولكن أعفى نفسه من كل جهد .. الله أعلم بمراده .. أي لا أدري ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :

أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)

( سورة محمد )

       إنَّ هذه الحروف جعلها الله رموزاً كي يتحرَّك هذا الذهن ، الوضوح الشديد يفقد الحافز لفهم الكتاب ، لكن هذه الرموز لعلَّ الإنسان يُستثار بها فيتَّجه إلى تفسيرها ، على كلٍ القرآن ذو وجوه هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ..

      

       إذا رجَّحنا أن ألف أي أحمد ، واللاَّم لطيف ، والراء رحيم أي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحمد الخلق قاطبةً ، لماذا كان أحمد الخلق؟ لأنه كان أشدَّهم معرفةً بفضل الله عزَّ وجل ، إذاً الحمد يتناسب طرداً مع المعرفة ، مع معرفة الفَضْلِ ، فما من مخلوقٍ بلغ مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام في معرفة فضل الله سبحانه وتعالى ، لذلك اسمه في السماء أحمد ، وفي الأرض محمَّد ، والاسم في اللغة يعني الصفة ، واسمه أي من الوسم ، النبي عليه الصلاة والسلام كان أحمد الخلق قاطبةً ، لأنه كان أحمد الخلق صار أرحمهم ، وألطفهم ، لأنه أشدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل ، فالله سبحانه وتعالى في هذه الحروف يُثْنِي على النبي عليه الصلاة والسلام ، ويذكر صفاته العُليا هو أحمد الخلق ، وهو لطيفٌ أي إذا صاحبته ، إذا توجَّهت إليه ، إذا ذكرت اسمه ، يرقى بنفسك بلطفٍ إلى الله سبحانه وتعالى .. "الله المعطي وأنا القاسم " ..

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ

 ( سورة التوبة : آية " 103 " )

       فهذه الأحوال الطيّبة التي تنشأ في النفس من اتصالك برسول الله صلى الله عليه وسلَّم حيَّاً أو ميتاً .. " حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم ".. هذه الأحوال الطيّبة ، هذا الشعور بالسعادة ، هذا الشعور بالقُرب من الله عزَّ وجل ، هذا الإحساس بالطمأنينة يكون عندما تذكر النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك :

إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

 ( سورة الأحزاب : آية " 56 " )

       صلاة التجلّي ، أي أن قلب النبي عليه الصلاة والسلام مهبطٌ لتجلّيات الله عزَّ وجل ..

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)

 ( سورة الأحزاب)

       أي أن الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلبه الشريف ، وإذا شئتم نوعاً من هذا التجلِّي ، طرفاً من هذا النور ، شيئاً بسيطاً من هذه التجليات فصلوا عليه ، صلاة الله على النبي عليه السلام صلاة إكرامٍ وتجلي ، وصلاة المؤمنين عليه صلاة اتصالٍ وأخذ ، الله يعطي ونحن نأخذ ، والنبي عليه الصلاة والسلام باب الله ، " وأي امرئٍ أتاك من غيره لا يدخل " .

   عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ... ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ...*

(سنن الترمذي )

       إذاً لمعرفته الشديدة بفضل الله كان أحمد الخلق ، ولأنه كان أحمد الخلق كان أَشَدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل ، ولأنه كان أشدَّهم صلةً بالله عزَّ وجل كان ألطفهم في نقل العبادِ من أحوالهم العاديَّة إلى أحوال القُرب والتجلي ، لذلك مرَّ الصديق رضي الله عنه بأحد طرق المدينة بصحابيّ يجلس على قارعة الطريق يبكي ، اسمه حنظلة ، فقال الصديق لهذا الرجل الصحابي: " مالك يا حنظلة تبكي ؟ " قال : نافق حنظلة ، قال : " يا أخي لمَ ؟ " قال : نكون مع رسول الله ونحن والجنّة كهاتين " ..

        يعني أحياناً الإنسان على شكل مصغر جداً جداً جداً إذا حضر مجلس علم وكان هناك إخلاص وليست هناك دنيا ، تحفُّ به الملائكة ، يقول لك : ارتاح قلبي ، شعرت بسعادة ، هذا نمودج مصغَّر مليار مرَّة ، ألف مليار ، إذا حضرت مجلس علم وكان فيه إخلاصٌ من الطرفين ، أي من المتكلِّم والمستمع ، التجليات تهبط على هذا المجلس ..

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ...*

(صحيح مسلم )

       فكيف لو أُتيح لك أن تجلس في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام؟.

   عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ : وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ : قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ : قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا . فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ *

(صحيح مسلم )

       هذا تعريف النبوَّة ، النبوَّة إقبالٌ دائمٌ على الله ، وما دام الإنسان على أنه مقبلاً دائماً فهو بنوره مستنير ، أنَّى له أن يغلط ؟ لذلك من هنا كانت عصمة الأنبياء ، الأنبياء معصومون ، وأي امرئٍ ينسب إلى نبيٍّ من الأنبياء غلطاً أو خطيئةً فقد جهل معنى العصمة ..

بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26)لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)

( سورة الأنبياء)

وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4)

( سورة النجم )

     يفهم الناس الجهلاء هذا الكلام ساعة طاعة وساعة معصية ، أعوذ بالله ، ساعة إقبال وساعة فتور .. "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً "

      النبي الكريم بإقباله العالي على الله سبحانه وتعالى شفَّت نفسه فأصبح يرى ما لا يراه الناس ، ويسمع ما لا يسمعون ،

   عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ فَدَخَلَ يَوْمًا حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ قَدْ أَتَاهُ فَجَرْجَرَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ قَالَ بَهْزٌ وَعَفَّانُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ ، فَسَكَنَ ، فَقَالَ : مَنْ صَاحِبُ الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ : هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.  فَقَالَ : أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَهَا اللَّهُ إِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ *

(مسند الإمام أحمد )

     كان يخطب على جذع نخلةٍ فجاء صحابيٌّ وصنع له منبراً ، فحنَّت النخلة إليه ، فكان يقف على المنبر ويضع يده على جذع النخلة إكراماً لها.

كان يقول عليه الصلاة والسلام :

   عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ *

(صحيح مسلم )

     شفَّت نفسه ، كلَّما ازداد إقبالك رأيت ما لا يراه الناس ، وسمعت ما لا يسمعون ، قد تنظر إلى وردة ، أنت كمؤمن تقول : سبحان الله ، تشعر أن الله سبحانه وتعالى خلقها من أجلك ، خلقها إكراماً لك ، هذا إحساس فوق مستوى الناس ، أما قد يرى الوردة إنسان فيقول : كم ثمنها ؟ الأسعار مرتفعة ، أسعار الورد مرتفعة ، تفكير مادي محض ، أنت فكَّرت تفكير آخر، لو ارتقت نفسك لرأيت أن هذه الوردة سخَّرها الله سبحانه وتعالى  إكراماً للإنسان ، إذاً : " لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة "  .

      وهذا الذي عبَّر عنه الصوفيّون بحالة الكشف ، أي أنه لا يرى إلا الله ، يرى الله من خلال كل شيء ؛ من خلال كأس الماء ، من خلال رغيف الخبز ، من خلال كأس الحليب ، من خلال البيضة ، من خلال التفَّاحة ، من خلال ابنه الصغير ، من خلال زوجته ، من خلال الهواء ، من خلال كل شيء ..

وفي كل شيءٍ له آيةٌ    تدل على أنه واحد .

       فالإيمان كلَّما ارتقى بالإنسان كشف عن بصيرته ، وصار بصره حادَّاً ، لكن يوم القيامة كل إنسانٍ يملك هذا البصر الحاد ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان ..

فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)

( سورة ق )

       رأيت الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان ، ولا تنفع في هذه الساعة رؤية الحقيقة ، والبطولة أن ترى الحقيقة قبل أن يفوت الأوان ، أن ترى الحقيقة وأنت في الدنيا ، تستطيع أن تتوب من ذنوبك، تستطيع أن تتقرَّب إلى ربك ، البطولة أن ترى الحقيقة وأنت في الدنيا ، تتعرَّف إلى خالقك ، تقرأ كتابه ، تفهم آياته ، تستقيم على أمره ، تُجالس أهل الحق ، تدعو إلى الله سبحانه وتعالى ، تذكر الله كثيراً ، هذه البطولة ، لكن إذا جاء الموت ، فرعون عرفه ..

قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ

        ( سورة يونس : آية " 90 " )

       قال له :

أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ

        ( سورة يونس : آية " 91 " )

      فأحياناً الطالب يأتيه في الامتحان سؤالٌ لا يُجيب عنه إطلاقاً ، فيقدِم الورقة بيضاء ، يذهب إلى البيت ويفتح الكتاب فيعرف جواب السؤال ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان ، الورقة قُدِّمَت بيضاء وسوف تنال علامة الصفر ، فإذا عرفت الآن جواب السؤال نسخر منك ونقول لك : بعد فوات الأوان ، فهذا كله عن معنى اللطيف ، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أحببته ، إذا صلَّيت عليه ، إذا ذكرت أخلاقه ، إذا تعلَّق قلبك به ، يرقى بك إلى الله بلطف من دون أن تشعر ، وأما الراء ما من مخلوقٍ على وجه الأرض أرحم بالخلق من النبي عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك قال الله في حقِّه :

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ

 ( سورة آل عمران : آية " 159 " )

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ

 ( سورة الكهف : آية " 58 " )

       الرحمة كلُّها عند الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو أرحم الخلق بالخلق أُوتي رحمةً من هذه الرحمة ..

      

أي كأن الله سبحانه وتعالى عرَّفنا بهذا النبي ..

 

      

يا محمَّد ..

      

        الآيات جمع آية ، والآية العلامة الدالَّة ، في حياتنا علاماتٌ كثيرة ، علاماتٌ تدلُّ على المرض ، علاماتٌ تدلُّ على الصحَّة ، علاماتٌ تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى ، فالجبال من آيات الله ، والشمس والقمر من آيات الله ، والمجرَّات من آيات الله ، والنجوم في كبد السماء من آيات الله، والمسافات بين النجوم من آيات الله ، وخلق الإنسان من آيات الله ، والماء من آيات الله، والهواء من آيات الله ، وابنك الصغير الذي يلعب في البيت من آيات الله..

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا

 

 ( سورة الروم : آية " 21 " )

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

 ( سورة فصلت : آية " 37 " )

       فالآية هي العلامة الدالَّة على شيء ، فالكون كلُّه آياتٌ تدلّ على عظمة الله ، والله سبحانه وتعالى يقول :

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)

( سورة الذاريات )

       وكتاب الله سبحانه وتعالى آياتٌ دالّةٌ على عظمته ، وعلى حكمته ، وعلى قدرته ، وعلى رحمته ، وعلى علمه ، وعلى تشريعه ، وعلى الحلال والحرام ، والحق والباطل ، والخير والشر، وما يجوز وما لا يجوز ، وعلى سنن الله في خلقه ، وعلى العِبَرِ المستنبطة من التاريخ ..

      

يا محمَّد ..

     

كل كلمةٍ آية ، والنَظْمُ آية ، والتقديم آية ، والتأخير آية ..

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ

 ( سورة النور : آية " 30 " )

       لو أنَّ الله سبحانه وتعالى قال : قل للمؤمنين يحفظوا فروجهم ويغضّوا من أبصارهم ، هناك معنى خطير تلاشى وهو أن طريق حفظ الفرج غض البصر ، لذلك قدَّم غضَّ البصر على حفظ الفرج ، فالتقديم آية، والتأخير آية ، والإيجاز آية ، والإطناب آية ، والسكوت عن الشيء آية ، إذا سكت القرآن عن شيء فسكوته آية ، لأن هذا الشيء متبدِّل ، ومتغيّر ، ومتطور ، ولا علاقة له بإقبال النفس على خالقها إذاً سكت عنه..

 إن الله أمركم بأشياء ونهاكم عن أشياء وسكت عن أشياء رحمةً بكم .       وسكت عن أشياء، فالشيء الذي ذكره الله آية ، والشيء الذي سكت الله عنه آيةٌ على حكمته ، وعلى رحمته ، وعلى لطفه ، وعلى رأفته بالعباد ..

       

لكن الآيات هنا متعلِّقة بالقرآن الكريم ..

وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)

       هذه متعلِّقة بالكون ، أما :

      

         أما الكتاب بعضهم قال : " حيثما وردت كلمة الكتاب معرَّفةً في القرآن الكريم فإنما تعني الكُتُبَ السماويَّة كلها " ، والكتب السماويَّة كلُّها ماذا تعني ؟ تعني أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق لهم منهجاً إذا طبَّقوه سعدوا في الدنيا والآخرة ، وحقَّقوا الهدف الكبير من خلقهم ، أي بشكلٍ أو بآخر آلة معقَّدة جداً ، مع هذه الآية نشرة استعمال بكل اللغات ، فمتى طبَّقت ما في هذه النشرة ضمنت سلامة الآلة ، وضمنت قيامها على أحسن وجه ، وضمنت لها أعلى مردود ، وأقل جهد ، وأقل نفقات ، ضمنت سلامتها من كل شيء ، فإذا ضربت بهذه النشرة عُرض الحائط عطبت الآلة وخسرتها وخسرت ثمنها ووظيفتها .

       فآيات الكتاب .. هذا الكتاب منهج الله في خلقه .. سواءٌ أكان معنى الكتاب جميعَ الكُتُبَ السماويَّة ، أو كان معنى الكتاب القرآن الكريم وحده فكلاهما يدل على أن هذا المنهج منهج الإنسان في الحياة ، وهو كتابه المقرَّر، فما قولكم بطالبٍ جامعي على مشارف التخرُّج ، وبقيت عليه مادَّةٌ أساسيَّة إذا نجح فيها تخرَّج من الجامعة ، وإذا تخرَّج دخل في وظيفةٍ راقية، وإن دخل في هذه الوظيفة الراقية كان له دخلٌ كبير أتاح له أن يتزوج ، وأن يبني أسرةً ، وأن يفعل ما يفعل، فإذا كان قبل الامتحان بيومين وبدأ يقرأ قصصاً لا علاقة لها بالكتاب المقرَّر ألا يُعدُّ هذا الطالب غبيَّاً ؟ يقول لك : هذه الكتب قيّمة ، هذه قصص ممتعة ، للمؤلِّف الفلاني ، نقول له : عندك كتاب مقرَّر إذا قرأته وفهمته تخرَّجت من الجامعة وضمنت مستقبلك .

       كذلك الإنسان في الدنيا ، فأنت أي كتابٍ تقرأه ، أي شيءٍ تُطالِعَه إن لم يكن له علاقةٌ بالقرآن الكريم ، أو بمنهجك في الحياة فهو ضياعٌ للوقت ، لذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فرأى قوماً متحلِّقين حول رجل فقال : " من هذا الرجل ؟ " هو يعلم لكن أحبَّ أن يُعَلِّم، قالوا : " هو يا رسول الله نسَّابة " قال : " وما نسَّابة ؟ " قالوا : " يعلم أنساب العرب " قال: " ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه ولا يضرَّ من جهله " . أي أنه بلا فائدة، تعلَّم كتاب الله ، فيه الحق والباطل ، فيه طريق الخير ، طريق السعادة ، طريق النجاة في الدنيا والآخرة ، إذاً :

      

       الحكيم أي أن كلام الحكيم حكيم ، إما أن الحكيم اسمٌ من أسماء الله سبحانه وتعالى ظهر في كلامه ، فالإنسان الحكيم كلامه فيه حكمة ، والإنسان الأخرق كلامه فيه حمق ، فالله سبحانه وتعالى من أسمائه الحكيم ، إذاً كلامه حكيم ، معنى حكيم هناك معانٍ كثيرة لكلمة حكيم ، من معاني الحكيم ، أن الله تعالى يخاطب الإنسان في كتابه الكريم ؛ يخاطب عقله تارةً، ويخاطب قلبه تارةً أخرى ، يحذِّره تارةً ويبشّره ، يخوِّفه أحياناً ، ويطمئنه أحياناً أخرى، يقصُّ عليه القصص ما فيه موعظة بالغة ، يخبره بالآيات ، يحدِّثه عن الأقوام السابقة ، يخبره عما سيكون في المستقبل بعد الموت ، فيه حكمة بالغة ، فيه تنويع ، القرآن يوجِّه النفوس إلى طريق سعادتها .

       لذلك في السورة الواحدة ترى آيات كونيَّة ، وترى وصفاً للنار وأهلها ، وترى وصفاً للجنَّة وأهلها ، وترى تبشيراً وترى تحذيراً ، وترى قصَّةً ، القصَّة مع الآية مع التحذير  مع التبشير مع مشاهد القيامة هذا بمجموعه يحمل النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى ، إذاً حكيم، صياغته حكيمة ، موضوعاته حكيمة ، تنويع موضوعاته حكيمة ، عمق موضوعاته حكيمة ، حجم موضوعاته حكيمة ، لو كان القرآن عشرة آلاف صفحة لم يكن حكيماً ، أي أنه فوق طاقة الإنسان ليقرأه ويستوعبه ، جعله موجزاً ، جعله بليغاً ، فيه من كل علمٍ طرف ، فيه أصول العلوم كلها ، أصولها لا تفصيلاتها ، فيه مناهج السعادة ، الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ، حكيم ، حكيم في موضوعاته ، حكيم في حجم موضوعاته ، في  حجم عددها ، حكيم في تنوُّعها ، حكيم في صياغتها ، أي أن الله عزَّ وجل يصوغ الآيات صياغات حكيمة جداً ..

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا

  ( سورة القصص : آية " 14 " )

       قصَّة ، لكن الله سبحانه وتعالى ترك القصَّة وعَقَّبَ عليها بتعقيبٍ يشبه أن يكون قانوناً ..

وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)

فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ

       انتهت القصَّة ..

وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

( سورة الأنبياء )

       يقرأ الآية مؤمن واقع بأزمة ، خائف من جهة ، توجد عنده مشكلة ، يمكر به بعض الناس ، يقرأ هذه الآية فيصبح قلبه مطمئناً لحفظ الله سبحانه وتعالى ولتوفيقه ، قال :

وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

       هذا قانون في كل زمان وفي كل مكان ، في كل عصر وفي كل مصر ، قديماً وحديثاً ، في كل مكان ..

وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)

       إذاً ربنا عزَّ وجل حكيم في هذا الكتاب ..

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ


(سورة الأحزاب: آية " 36 " )

       حكيم ..

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً

 ( سورة النحل : آية " 8" )

       إلى هذا المكان ، لو أن إنساناً في هذا العصر قرأ هذه الآية لقال : أخي الآن يوجد طائرات حديثة ، توجد طائرات أسرع من الصوت ، تركب الطائرة الساعة الثامنة وأنت في لندن تكون في الساعة العاشرة في واشنطن ، تَعْبُر المحيط الأطلسي في ساعتين ، ربنا عزَّ وجل قال :

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8)

       الله عزَّ وجل في هذا الكتاب غطَّى به كل الأزمنة ..

وَيَخْلُقُ

       أي أن وقودها من الأرض ، من خلق الله سبحانه وتعالى ، ومعدنها من الأرض من خلق الله سبحانه وتعالى ، والفكر الذي اخترعها من خلق الله سبحانه وتعالى ، فكأن الطائرة آيةٌ على عظمة الله سبحانه وتعالى ..

وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8)

       إذاً :

       

       من معاني الحكيم أيضاً أنه مُحْكَم ، معنى محكم أي لا خلل فيه ، ولا نقص ، ولا تناقض ، يعني أي كتابٌ لبني البشر إذا قرأته قراءةً واعية سرعان ما تكشف التناقض ، أو تكشف الخلل ، أحياناً المؤلِّف يوسِّع في فصل توسيعاً شديداً جداً ويوجز في فصل ، معنى هذا أن معلوماته في هذا الموضوع واسعة وفي هذا الموضوع ضعيفة ، إذاً الكتاب غير متوازن ، فهناك فصل موسَّع جداً وفصل ضيّق ، إذاً هو غير حكيم ، لكن قوله تعالى:

      

أي أنه محكم ، لا خلل ، لا تناقض ، لا نقص ، هذه من معاني الحكيم ، و ..

كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ

 ( سورة هود : آية " 1 " )

       من معاني الإحكام أيضاً الترابط ، فبعضهم قال لجهله الفاضح : "ليس بين آيات القرآن ترابط " . هذا جهلٌ فاضح ، ما من آيةٍ إلا وآخذةٌ بعنق أختها وكأنَّ السورة عِقْدٌ منظوم ، لكن كتاب الله يحتاج إلى نفسٍ طاهرةٍ كي تَعِيَه ..

لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ(79)

( سورة الواقعة )

       من معاني هذه الآية : المُطَهَّر يفهم كتاب الله ..

وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ

 ( سورة البقرة : آية " 282 " )

وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ

 ( سورة التغابن : آية " 11 " )

وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  

 ( سورة فصلت : آية " 44 " )  

وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا(82)

( سورة الإسراء )

        البعيد عن الله سبحانه وتعالى ، المتلبِّس بالمعصية ، من كان قلبه نجساً يقرأ القرآن فلا يفهم منه شيئاً ، يراه متناقضاً ، يراه غير منتظم ، غير مترابط ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :

      

هناك ترابطٌ بين آياته ، هناك ترابطٌ بين كلماته ، هناك ترابطٌ بين حروفه ..

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

(سورة الأنعام )

       هنا توجد ثُم ، توجد آية ثانية :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)

( سورة النمل )

       هذه ثم وهذه الفاء ، فهل هذا تنويع ؟ هذا عمل الإنسان ، يقول لك : نَوِّع ، ثم ثم هذا تكرار، ضع مرَّة ثم ومرَّة الفاء ، فأستاذ الإنشاء .. التعبير .. يضع خطوط حمراء ويقول لك: هذه تكرار ، والتكرار يُضعِف الموضوع ، نوِّع ، فلمَّا ربنا قال :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

       ولمَّا قال :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا

       يا ترى هل الله عزَّ وجل ينوِّع ، أم أنَّ هناك لكل آية معنى دقيق جداً ؟ فالفاء وثم حرفان من حروف العطف تفيدان الترتيب ، لكن الفاء تفيد الترتيب على التعقيب ، وثم تفيد الترتيب على التراخي ، فإذا قلنا : دخل فلان ففلان أي أن الثاني وراء الأول ، أما دخل فلان ثم فلان أي بعده بساعة ، فربنا عزَّ وجل قال :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

       أي أنك إذا رأيت إنساناً ينكر هَدي الله عزَّ وجل ، وماله حرام ، وهو فاجر ، وفاسق ، ومعتدٍ ، وباغٍ ، ومنحرف ، وصحَّته طيّبة ، وماله وفير ، وبيته فخم ، ومكانته الاجتماعيَّة عالية، هذه ثمَّ أي انتظر ، انتظر سنة ، سنتين ، ثلاثة ، أربعة ، عشرة ، تأتيه الضربة القاصمة .. إن الله يمهل ولا يهمل ..

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)

       أما من جهة أخرى تجد إنساناً أحياناً يحلف يميناً غموساً في المحكمة ويضم له مالاً حراماً ، يقولوا الناس : أنه خرج من المحكمة مشي مترين وقع مشلولاً ، هذه :

قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا

       هذه الفاء ، فحتى في الحروف يوجد إحكام ، في الكلمات يوجد إحكام ، بالآيات يوجد إحكام، بالسور يوجد إحكام ، بعضهم قال : " جزء عمَّ .. الجزء الأخير من كتاب الله .. كلُّه آياتٌ كونيَّة..

إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ(1)

( سورة الانفطار )

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)

( سورة التكوير )

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)

( سورة الشمس )

       وفي سورة واحدة :

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1)

( سورة المطففين )

       فهي بالمعاملات ، قال بعض المفسرين : " إذا كان التطفيف بحق إنسانٍ يقتضي الهلاك فكيف التطفيف بحق الله سبحانه وتعالى ؟ هناك تناسب في الآيات ، في الحروف ، في الكلمات ، في السور ، هذه من معاني الحكيم المترابط ، من معاني الحكيم كما قلت قبل قليل : أي الذي لا خلل فيه ، ولا غلط ، ولا رَيْب ، ولا نسيان ، ولا ضعف ، ولا تناقض ، ولا تضارب بين الآيات، من معاني الحكيم الذي أَحْكَمَ فيه الله سبحانه وتعالى الحق والباطل ، والخير والشر ، والحلال والحرام ، وما يجوز وما لا يجوز ، أي أن هذه الآيات حكمت على هذا الشيء بأنه حق وهذا باطل ، لذلك :

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

 ( سورة الأحزاب : آية " 36 " )

       إذا الله عزَّ وجل قال :

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا

 ( سورة البقرة: آية " 276 " )

       فما أصبح هناك أي مناقشة إطلاقاً ، فلا يجوز البحث في هذا الموضوع لأن الله سبحانه وتعالى قضى في الربا حكمه ، حكيم ، إما أن هذا القرآن حكم عل شيءٍ بالإباحة ، وعلى شيءٍ آخر بالحرمة ، وشيءٍ بأنه حلال ، وشيءٍ بأنه حرام ، وهذا حق ، وهذا باطل ، وهذا يجوز ، وهذا لا يجوز من معاني الحكيم ، أي الحاكم ، من معاني الحكيم المحكم ، المترابط ، من معاني الحكيم الذي لا خلل فيه ، من معاني الحكيم التناسب مع الإنسان ، يخاطب عقله ، الآن توجد كتب تخاطب العقل فقط ، فهي مملَّة ، توجد كتب تخاطب الوجدان فقط ممتعة لكن غير نافعة ، الكتب التي تخاطب العقل فقط نافعة غير ممتعة ، جافَّة ، لكن القرآن الكريم فيه تنويع ؛ فيه قصَّة ، فيه صورة ، فيه مشهد ، فيه تاريخ ، فيه آية ، فيه إشارة ، فيه عبارة ، فيه (تشميت ) ، فيه مثل ، حكيم ..

      

      فملخَّص هذا الكلام كلِّه : " فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على خلقه " ، هل يوازَن بين المخلوق والخالق ؟ لا ، إذاً لا يوازَن بين كلام الله وبين كلام خلقه ..

      

      أي أن الناس يعجبون إذا أرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً !! ألا يعرفون قيمة أنفسهم أن الله يحبَّهم وخلقهم ليسعدهم ؟ ألا يعرفون أنهم خُلقوا لهدفٍ عظيم ؟ الذين يعجبون أن يُرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً لا يعرفون قدر الإنسان ..

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

 ( سورة الإسراء : آية " 70 " )

       الذين يعجبون أن يُرْسِلَ الله سبحانه وتعالى رسولاً لا يعرفون قدر النبي عليه الصلاة والسلام ..

     

        أي أتعجب أن يوجِّه الأبُ الذي ينطوي قلبه على محبَّةٍ لابنه نصيحةً لابنه ؟! أتعجب أن تخاف الأمُ على مصير ابنها ؟! طبيعتها هكذا ، أتعجب أن تحرص الأم على نجاح ابنها ؟! أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وتركهم هكذا ؟ أهكذا ظنُّكم ؟ أتعجبون أنْ أَكَرم اللهُ بني البشر برسولٍ منهم يبيّن لهم ما يفعلونه ، فهذه الآية دقيقة جداً ، فمن يعجبْ كيف يرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً فهذا ينكر رحمته ، ينكر حكمته من خلقه ، ينكر الآخرة ، فلذلك :

      

على كلٍ كلمة :

      

      هذه لها بحث طويل ، ما جعل الله نبيَّاً مَلَكاً ، لو كان مَلَكاً لقال الناس : أخي هذا مَلَك أما أنا إنسان من لحمٍ ودم ، أنا فيَّ شهوات يا أخي ، هذا مَلك ، لكانت الحجَّة مع البشر ، لكن حيث أن هذا النبي الكريم بشر من لحمٍ ودم أودَعَ الله فيه الشهوة كما أودعها فينا لكنَّه ضبطها، أودع فيه حبَّ المال كما أودعه فينا لكنَّه جعل المال في خدمة الخَلْق ، أودع فيه حبَّ العلو كما أودعه فينا ولكنَّه ارتفع بأخلاقه العُليا ، لا يمكن أن يكون النبي إلا بشراً ، ولو كان مَلَكاً لما اهتدى به أحدٌ من الخلق ، يقول : أخي هذا مَلَك وأنا بشر، ظروف صعبة ، النبي الكريم خاض حروباً ، واجَهَ معارضات ، واجه كفَّاراً ، وتآمروا عليه ، وتآمروا على قتله وثبت ، وقال :

" والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه " .

       لا يمكن أن تقوم الحجَّة إلا إذا كان النبي بشراً ..

 

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ

(سورة الكهف : آية " 110 " )

" اللهمَّ إني بشر أغضب كما يغضب البشر " .

       أي أنا من طبيعتكم ، لذلك هو الحجَّة علينا ، هذا بشر من طينتكم ، من جبلَّتكم ، من طبيعتكم أودعتُ فيه ما أودعتُه فيكم ومع ذلك استَعَمَل فكره ليعرفني فعرفني ، وجاهد ليعرِّف الناس بي فعرَّفهم بي ، استحقَّ أن يكون نبيَّاً ، لذلك :

      

       لو كان ليس منهم هذا معنى ثانٍ ، لو كان جاء من مصر ، جاء رجل من مصر إلى مكَّة ودعاهم ، إنهم يخافونه ، يخشونه ، يتوجَّسون منه مثلاً لأنه من قطر آخر ، لا بل إنه جاء منهم ، من بينهم ، من جماعتهم ، يعرفون نسبه ، وصدقه ، وعفافه ، وأمانته ..

      

        كما لو أنَّ جامعة أُنْشِأت وكلَّفت ألوف الملايين ؛ من قاعات المحاضرات ، إلى مختبرات، إلى حدائق ، إلى مكتبات ، إلى بيوت للطلبة، فهل من العجب أن تسخِّر هذه الجامعة مرشداً اجتماعياً لكل طالب ، أو لكل خمس طلاب ؟ وهذا ما تفعله الجامعات ، هذا الطالب في الجامعات الراقية لا يستطيع أن يقطع أمراً في شأن اختصاصه إلا بعد موافقة هذا البروفسور ، لماذا ؟ لأن الجامعة في أعلى مستوى ، وهدفها تخريج الطلاَّب بأعلى مستوى ، فربنا عزَّ وجل خلق هذا الكون ؛ خلق المجرَّات ، ألف مليون مليون مجرَّة ، بالمجرَّة يوجد مليون مليون نجم ، خلق الشمس والقمر ، والأرض والسماء ، والبحار والجبال ، ويترك هذا الإنسان هملاً بلا توجيه ، بلا إرشاد ، بلا تبيين ، بلا تعريف ، بلا هدى ، بلا منهج ، بلا كتاب ، تركه هكذا ضائعاً ؟ هذا مما يعني كلمة :

      

      لابدَّ من أن يكون هناك أنبياء ، لابدَّ لأن الله رحيم ، بسبب رحمته وحكمته ولأنه خلقنا ليسعدنا لابدَّ من أن يبعث لنا أنبياء ، ورسلاً ، وكتباً ، ومناهج ، ودعاة ..

      

       أي أن الذي ينكر بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يُنْكِرُ رحمة الله سبحانه وتعالى ، ينكر حكمته ، ينكر قيمة النبي ، ينكر قيمة نفسه ، أنت غالٍ على الله كثيراً ، ولأنك غالٍ على الله عزَّ وجل أرسل لك رسلاً ، بعث إليك قرآناً ، بعث لك أناساً متفرِّغين للدعوة إلى الله ..

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ

 ( سورة الأنفال : آية " 23 " )

       علم فيك الخير فأسمعك ، تعجب تقول :

      

الإنذار لفت النظر لخطر سيقع بعد فَسْحَةٍ من الوقت ، هذا هو الإنذار ..

      

     هؤلاء المؤمنون هم ملوك الدار الآخرة ، هؤلاء المؤمنون لهم عند الله مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، لا قلق ، ولا خوف ، ولا حَزَن ، مكان ثابت ، رتبة ثابتة لا أحد ينازعك عليها إطلاقاً ..

وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا

 ( سورة المائدة : آية " 37 " )

لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ

 ( سورة الأنبياء : آية " 103 " )

      

       أي مقام صدقٍ ، معنى قدم أي حصَّله بسبقه ، باجتهاده ، معنى قدم ثباته ، معنى قدم مقامه، من معاني القدم الثبات والسبق والمقام ، القدم حقَّق مكانة ، والقدم حصَّله بقدمه أي بسبقه ، مقام صدق ، مقعد صدق ، مقام عند الله ، أي :

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)

( سورة القصص )

       هذا الوعد الذي وعدك الله به من مقعد صدقٍ عنده ، هذا يعدل الدنيا وما فيها ، لذلك .. إذا قتل أحدنا في أيَّام شدَّة وجود الحشرات المنزليَّة أي  (الناموس ) ، فإذا قتل ناموسة هل لها قيمة عند أحد ؟ هل يحاسبك عليها أحد ؟  هل عليك أي مؤاخذة فيها ؟ لا شأن لها ، فكيف جناحها ؟ قال :

" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ "*

( سنن الترمذي : عن " سهل بن سعد " )