|
سورة الأنفال (8) : الدرس 5/6 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 014 - ب .
الموضوع : الإعداد للعدو ، الآية 60.
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الستون من سورة
الأنفال ، يقول الله تعالى :
الحقيقة أنّ هذه الآية مِن أدق الآيات المتعلقة
بالعلاقات الدولية في المنهج الإسلامي .
الله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين فقال : "وأعدوا
"، أما "هم" فتشير إلى أعداء المؤمنين ، الكفار
، "وأعدوا لهم" ، هذا أمر ، أمر تكليفي ، وكل
أمرٍ في القرآن الكريم ، يقتضي الوجوب ، "وأعدوا
لهم" ، طبعاً حينما يوجه الأمر إلى مجموع الأمة ،
هو موجهٌ في الأصل إلى أولي الأمر ، لأنهم يمثلون
مجموع الأمة .
إذاً ؛ هذه الآية موجَّهة إلى أولياء الأمور
في العالم الإسلامي ، هذه الآية موجه إليهم بالذات ، "وأعدوا
لهم ما استطعتم" ، هذا الفعل ، يفيد استنفاذ الجهد
، وقد يفهم إنسانٌ هذه الآية فهماً على عكس ما أراد
الله ، "ما استطعتم" ، بين أن تفهم الآية ، في
أن تبذل بعض الجهد ، و بين أن تفهم الآية ، في أن تبذل
كل الجهد ، المعنى الذي أراده الله عز وجل ليس المعنى
الشائع السوقي ، بل المعنى اللغوي الدقيق ، لأن الله
سبحانه وتعالى يقول : "بلسانٍ عربيٍ مبين " .
( سورة الشعراء : 195 )
ومعنى ، "ما استطعتم" ، أي يجب أن تستنفذوا كل
استطاعتكم في حشد القوة ، وقوله : "من قوةٍ
"، القوة جاءت نكرة ، وهذا التنكير في اللغة ،
يفيد الشمول ، يعني كل أنواع القوة ، المعلومات قوة ،
الإعداد قوة ، التدريب قوة ، التوجيه الإعلامي قوة ،
الأقمار الصناعية قوة .
إذا أردت أن تفهم الآية ، فهماً دقيقاً ،
أصولياً ، فهماً نظامياً ، لغوياً وَفق قواعد علم
أصول الفقه ، يجب أن نستعد لأعدائنا بكل أنواع القوى ،
وما أكثر القوى ، التي تستخدمها المجتمعات كسلاحٍ على
أعدائهم ، فالمعلومات قوة ، التغطية الفضائية قوة ،
التدريب قوة ، الأسلحة المتفوقة قوة ، الأسلحة التي
تحقق إصابات محكمةً قوة .
" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ
"، لكن أدق ما في الآية كلمة (من) ، هذه (من) أيها
الإخوة ، تفيد استغراق أفراد النوع ، ولنضرب مثلاً ،
لو أنّ رجلاَ سأل شخصًا آخر ، أعندك مالٌ لإنشاء
مشروعٍ تجاري يكلف مليونين ، يقول المسؤول منهما: ما
عندي مالٌ ، قد يقصد بهذا الجواب ، ما عندي مالٌ كافٍ
لهذا المشروع ، فهو معه مئة ألف مثلاً ، بينما اطلبْ
منه مليونًا ، والمشروع يحتاج إلى مليونين ، أما إذا
قال لك المسؤول : ما عندي من مالٍ ، أضاف "من" ،
فالمعنى الدقيق ، يعني ما عندي ولا ليرة سورية واحدة ،
إذًا "من" تفيد استغراق أفراد النوع .
فربنا عز وجل قال : "وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوةٍ" ، يعني أيَّ شيءٍ ؛ العلم
قوة ، التفوق في العلم قوة ، استطلاع المعلومات قوة ،
هذا طبعاً يعني أنّ إخواننا الذين يدرسون في
الأكاديميات العسكرية ، يعرفون ما معنى القوة أما
الآية الكريمة ، "وأعدوا لهم ما استطعتم من
قوةٍ ".
إنّ هذه القوى ، المال قوة ، العلم
قوة ، السلاح قوة ، التدريب قوة ، القيادة الحكيمة قوة
، المعلومات قوة ، هذه القوى ، يجب أن تستغرق كل أنواع
القوى ، فكلمة "من" ، "ما استطعتم من قوةٍ
"، يمكن أنْ تكون القوة الآن طائرة ، فعلى عهد النبي
لم توجد طائرات ، فلكي يفهم أصحابه الكرام ما معنى قوة
، قال علماء الأصول : أحياناً نعطف بعض الشيء على ذاته
، قال : "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط
الخيل"، رباط الخيل قوة ، لكنْ هذه القوة مألوفة
في عهد النبي ، فحتى يفهم أصحاب النبي ما القوة ، "ومن
رباط الخيل "، من باب عطف الشيء على ذاته ، لكن
هذه الآية تصلح بعد ألف سنة ، بعد ألفين ، بعد خمسة
آلاف سنة ، فأيّة قوة يستخدمها المجتمع البشري ، لتكون
سلاحاً ضد أعدائه فهذه قوة ، "وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة ".
الآن يتبادر سؤال ؟ نحن أحياناً نقول :
المسلمون ضعاف في العالم ، أما هؤلاء الأجانب الذين
يخططون للنيل منهم أقوياء ، فمهما أعددنا من القوى لن
نستطيع أن نصل إلى قوى تكافئ قوتهم ، إذًا ما الحل ؟
الجواب أنكم مأمورون أن تعدوا لهم ما استطعتم فقط ،
فإن كانت استطاعتكم لا تبلغ القوة المكافئة لهم ،
فالله سبحانه وتعالى يتولى ترميم النقص ، أنت عليك أن
تعد نفسك ، المسلم عليه أن تكون معنوياته عالية ، فلو
نظر إلى أعدائه على أنهم أقوياء ، لا ، "وأعدوا لهم
ما استطعتم من قوة "، لأن الإسلام مستهدف في كل
أنحاء العالم الآن ، فما الذي يضعفنا ؟ ضعف معنوياتنا
، فأنتم يا عبادي ، "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
" ، وأنْ يكون الاقتصاد قوة ، وأنْ يكون الإنتاج قوة ،
وأنْ تكون السياسة الحكيمة التي تقود المركبة إلى جانب
شاطئ السلام قوة .
فالإنسان مأمور أن يعد كل أنواع القوى ،
استغراقاً ، لا اصطفاءً ، حتى نفهم ما هي القوة ، في
عهد النبي كانت الخيل ، "ومن رباط الخيل "، قال
سبحانه : هذه القوة قد لا تستخدمونها ، لكن لها وظيفة
كبيرة ، هي أنكم ، "ترهبون به عدو الله وعدوكم"
.
المشكلة يجب أن تكون هذه القوة موجهه إلى عدو
الله وعدوكم ، يجب أن يكون عدوكم هو عدوٌ لله وعدوكم
في وقتٍ واحد .
فإن كان الأخ يحارب أخاه ، فهذا خلاف
المفهوم من القرآن ، فليس معقولاً أنّ المؤمنين
يتقاتلون ، دقق معنى العدو ، "ترهبون به عدو الله
وعدوكم " ، يعني لا يكون هذا عدواً لكم إلا إذا
كان عدواً لله ، لأنكم مؤمنون ، أما أن تتوهَّموا أنه
عدوكم وهو مؤمن ، وتقيموا حرباً طاحنةً قذرةً بين
المؤمنين ، فهذا شيءٌ مخالفٌ لأصل الدين
لذلك ، لو كان لدى المجتمع وعي كبير ، فلو
أُعطي الأمر للمسلم أن يضرب أخاه المسلم ، فعليه ألاّ
ينفذ ، لا ينفذ ، لأن هذا مخالف للدين ، وهذه القوى
تفتت الأمة داخلياً إن فُهِم الأمرُ مغلوطًا ، وهذا ما
يحصل الآن في الأفغان ، وما يحصل في اليمن ، يجب أن
يكون عدوكم عدواً لله عز وجل ، "ترهبون به عدو الله
وعدوكم " ، وفي الآية نقطة دقيقة ، أنّ السلاح
أحيانًا لا نستخدمه ، لكن نُرهب به ، فمثلاً كم دولة
في العالم عندها سلاح نووي ، لا أحد يستطيع أن يتعرَّض
لها ، مع أنها لم تستخدم هذا السلاح النووي إطلاقاً ،
لكن هذا السلاح قوة ردع كما يسمونها ، فالسلاح ليس
المهم أن نستخدمه ، لكن وظيفته الأولى أن نُرهب به
عدوَّنا .
لذلك :"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" .
هذه الآية أيها الإخوة ؛ أصل في العلاقات
بين المسلمين ، وبين غيرهم ، يعني لا وجودَ لمسلم ضعيف
، المسلمون حينما فهموا هذه الآية رفرفت راياتهم في
مشارق الأرض ومغاربها ، حينما فهموا هذه الآية كانت
كلمتهم هي العليا ، حينما فهموا هذه الآية ما استطاع
عدوُّهم أن ينال منهم ، لكن حينما تواكلوا ، وقصَّروا
في تطبيق هذه الآية ، غُزُوا في عقر دارهم .
أقول لكم : إنّ الإسلام نظام متكامل ، لو نفذت
بعض جوانبه لقطفتَ الثمار ، لكن لا تقطف الثمار
اليانعة الكاملة ، إلا إذا أحاطَ المسلمون بكلِّ
جوانبه .
طبعاً هذه الآية من أجل أن نعرف أنه لو
طبَّقها المسلمون دائمًا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه
الآن مِن هوان .
" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
ترهبون به عدو الله وعدوكم ".
هذه آية ثانية : أتمنى أن نقف عندها قليلاً ،
قال تعالى يخاطب النبي :
"وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك
بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم" .
( سورة الأنفال : 62 ـ 63 ) .
يعني أنّ بين المؤمنين مودة ، إخواننا الكرام
؛ دققوا في معنى الآية، هذه المودة من خَلْق الله ،
الله يخلقها ، "وألف بين قلوبهم" ، لو أنفقت يا
محمد ، "ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن
الله ألف بينهم ".
أحيانًا إنسان يتألف قلب إنسان بمالٍ ، فاعلم
أنّك لو أنفقت أموال الدنيا من أجل الولاءات فلن تفلح
، لكن حينما يكون الإيمان بين رجلين فهذا الإيمان
يؤلِّف بينهما ، وهذا أساس القوة .
الدين إذاً جعل بين المؤمنين مودة ، ومحبة ،
وتراحمًا ، وتعاونًا وتعاضدًا ، وإخلاصًا ، وتضحية ،
وإيثارًا ، وكلُّه مِن خَلْقِ الله ،" لو أنفقت ما
في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف
بينهم إنه عزيز حكيم ".
يكفي أن تكون مؤمناً حقاً ، ويكفي أن يكون أخوك
مؤمناً حقاً ، تجد اللقاء العفوي ، المحبة ، التعاون ،
الإخلاص ، التضحية ، الإيثار ، ويصبح المؤمنون صفاً
واحداً ، "كأنهم بنيان مرصوص " .
( سورة الصف : 4 )
يصبح المؤمنون " كالجسد الواحد إذا اشتكى
منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " ،
هذا الذي أراده الله عز وجل .
أمّا المعنى المخالف : إن رأيت بين المؤمنين
عداوةً ، بغضاء تحاسدًا ، تدابرًا، تقاطعًا ، كيدًا
، إن رأيت هذا بين المؤمنين ، فاعلم أن أحد الطرفين ،
أو كليهما ضعيف الإيمان ، ومن ضعف إيمانه عادى أخاه ،
ولو كان مؤمناً حقاً ، وكان أخوه مؤمناً حقاً ،
لانطبقت عليهم الآية الكريمة: "وألف بين قلوبهم " ،
إذًا أنت يا محمد أنت ، "لو أنفقت ما في
الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم
".
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : المؤمنون
بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم ،
والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششتٌ متحاسدون ولو اقتربت
منازلهم.
وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي :
وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ ،
والمتباذلين فيّ ، والمتزاورين فيّ ، والمتحابون في
جلالي ، على منابر من نور، يغبطهم عليها النبيون يوم
القيامة .
والحمد لله رب العالمين |