تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

سورة الأنفال (8) : الدرس 1/6  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

الدرس : 013 - آ .

الموضوع : الإصلاح ، الآية 1 .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

       أيها الإخوة الكرام ؛ يتوهم المسلمون أنّ أوامر الدين تقتصر على العبادات الخمس التي أشارت إليها الأركان الخمسة للإسلام ؛ من صلاة ، وصيام ، وحج ، وزكاة ، ونطقٍ بالشهادة .

       لكن الحقيقة ؛ واسمعوا لهذه القاعدة ، أنّ كل أمرٍ في القرآن الكريم  يقتضي الوجوب ، أيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب .

       لذلك أنت أمام ، آلاف  بل عشرات الآلاف من الأوامر الإلهية ، وإذا كنت مؤمناً حقاً فكل آيةٍ قرآنيةٍ تتوجه إلى المؤمنين تشير إلى أمر : "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  " .

( سورة التوبة :119)

هذا أمر ، " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " .

(سورة الأنفال الآية : 1)

هذا أمر " وأقيموا الصلاة " .

( سورة البقرة : 43 )

هذا أمر ، فأيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وأنت حينما تقرأ كلام الله عز وجل ، انتبه إلى أفعال الأمر ، إذا أتى أمر فلم تتحرك نحو تطبيقه فلست مؤمناً .

        والآن ما الأمر ؟ :

     

ما هي ذات البين ، هي النفس التي بين جوانحك ، أنت الآن مأمور من قِبَلِ الله عز وجل بآيةٍ قطعية الدلالة ، قطعية الثبوت أنْ تصلح ذات بينك ، وكيف تصلح ذات بينك ‍‍؟ عن طريق تطهيرها من الأدران ، وتحليتها بالكمال ، عن طريق تطهيرها من الأدران ، فأمراض النفس كثيرة ، الِكبرُ من أمراض النفس ، الأثرةُ من أمراض النفس  عدم الإنصاف من أمراض النفس ، المحاباة من أمراض النفس ، النفاق من أمراض النفس ، العجُب من أمراض النفس ، الحقد من أمراض النفس ، القسوة من أمراض النفس ، "أصلحوا ذات بينكم " ، بتنقية نفوسكم من النقائص ، من الأدران ، من الأمراض ، هذه الأمراض هي التي تعذِّب صاحبها يوم القيامة ، بل إن أمراض الجسد  تنتهي عند الموت  لكن أمراض النفس تبدأ تأثيراتها السلبية المؤلمة الساحقة المُشقية عند الموت .

قال تعالى : "أصلحوا ذات بينكم " لا يُكتفَى بتطهير النفس من الأدران ، لا بد من تحليتها بالكمال ، تحليتها بالرحمة ، بالإنصاف ، بالإيثار ، بالتضحية  بالإكرام ، بالالتزام ، بالتواضع ، هذا هو المعنى الأول ، وللآية ثلاثة معانٍ :

        المعنى الأول أصلح نفسك ، والدليل : "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " .

( سورة  : الشعراء 89 )

       إذاً في جزء من وقتك يجب أن تستبطن ذاتك ، أن تتأمل هل هناك أغلاط ؟ هل هناك أمراض ؟ هل هناك أدران ؟ هل هناك نقائص ؟ هل هناك أمراض نفسية ؟ أفيَّ حقد  وفيَّ كبر ؟ أفيَّ عُجب ومحاباة ؟ أعنديَ نفاق وتدليس ؟ ألديَّ تدجيل وتزوير ؟ ، هذه كلها أمراض تهلك صاحبها ، بعد أن كرمك الله بأن تتخلى ، أو أن تتطهر من هذه الأمراض ، هل هناك كرم ؟ هل هناك عفو ؟ هل هناك رحمة ؟ التخلية  والتحلية ، التطهير والتنوير .

        إذًا حسب المعنى الأول " ذات بينكم " أي النفس التي بين جوانحكم  ، أمّا المعنى الثاني ، "أصلحوا ذات بينكم " أصلح ما بينك وبين إخوانك ، فما يكون لديكم تقاطع ، ولا تدابر وبغضاء ، ولا شحناء ، وخصومات ، مثل  علاقات مالية سيئة ، علاقات اجتماعية سيئة ، "أصلحوا ذات بينكم " أصلح ما بينك وبين المؤمنين ، وهم أولى الناس بمودتك ، وأصلح ما بينك وبين الناس عامةً .

فما بينك وبين الناس قد يزول بالاعتذار ، بحل مشكلة ، فأحيانًا تنشب في خصومةٌ بينك وبين أخٍ ، فهديةٌ كما قال عليه الصلاة والسلام : هذه الهدية تذهب بوحل الصدر ، اعتذار ، اعتراف ، أداء حقوق ، طلب مسامحة ، تقديم هدية ، فهذه العلاقة السيئة ، هذه الخصومة ، هذه المشاحنة ، هذا الحقد ، هذا الارتباك ، هذا الاضطراب يجب أن يزول، وممكن إزالته وأنت على وجه الأرض ، هو قضية سهلة ، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة ، أيْ أدِّ الحق يسامحك ، أدِّ الحق يعفُ عنك .

        المعنى الثالث ، أصلحْ ما بين الناس .

أولاً أصلح نفسك التي بين جنبيك داخلياً .

ثم أصلح ما بينك وبين الآخرين ، فهذه علاقة أنت أحد أطرافها .

ثم أصلح ما بين شخصين .

        الإنسان المؤمن دائماً يصلح ولا يفسد ، يصل ولا يقطع ، فإذا دخل إلى بيت أخته مثلاً ، وأثنى على زوج أخته ، يقرِّب بين الزوجين ، أما إذا ذمَّ  زوج أخته ، ما هذا البيت ؟! كيف وسعكما ؟! والله يليق بكِ قصر ، ماذا فعلت أنت ؟ لقد أفسدتَ بين أختك وزوجها ، أما إذا أثنيت على أخلاق صهرك  ؛ إنسان شهم ، طيب ، والأصل الأخلاق يا أختي ، وهذا رجل عظيم ، وأسأل الله أنْ يكرمه لكل تكرمة ، فهذا كلام ، وذاك كلام ، لكن شتّان بين الإيجاب والسلب .

        المؤمن دائماً يصلح بين زوجين ، بين أخوين ، بين شريكين ، بين أب وابنه ،  بين أخ وأخيه ، بين شريك وشريكه ، دائماً يصلح ، ولا يفسد ، والشيطان دائماً يفسد ، كيف ما تحرك قطع العلائق  ، فأول معنى ، أصلح نفسك ، بتطهيرها من الأدران ، وتحليتها بالكمال  .

        المعنى الثاني ، أصلح ما بينك وبين إخوانك ، وكن منصفًا ، أدِّ الذي عليك ، اعتذر إذا وقعتَ في خطأ ، أدِّ الحق إذا كان عليك حق ، وإذا كنتَ مقصِّرًا فعالج التقصير ، وإنْ تُحل القضية بهدية فقدِّم هدية ، وإنْ تُحل بزيارة فزرْهُ ، وبادره بالزيارة، لا تسمح ببقاء علاقة متوترة ، ولا علاقة متشنجة ،  لا تَدَعْ حقدًا ، أو خصومة ، أو انحرافًا يفرِّق بينك وبين الآخرين ، أصلح ذات بينك .

        الحالة الثالثة ، أنت تعيش في مجتمع ، لك جيران ، لك أقرباء  لك أزواج بنات، لك أزواج أخوات ، لك أصهار ، لك أولاد ، حاول أنْ تقرِّب بين الناس .

لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح .

        قال لي رجل :  شكوت إلى أخٍ أختَه ، أخ زوجته ، أختك تفعل معي كذا ، أختك تفعل  كذا  .

          قال له : طلقها ، واللهِ هذا أحسن لك ، أهذه نصيحة ‍!؟ لكني أقول : هذه قبيحة وليست نصيحة .

          قال له : طلقها أحسن لك ، هذا إنسان مفسد ! فالشيطان دائماً يحلو له الإفساد، تقطيع العلاقات ، إيقاع ذات البين ، إقامة هوّة بين الناس ، المؤمن من صفاته الأساسية، يقرب ، يوحد ، يؤلف .

         لذلك أحيانًا كلمة قد تكون مدمِّرة ، " إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً " لا يلقي لها بالاً ، " لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه "

 قال : " يا رسول الله وهل نؤاخذ بما نقول ، قال ويحك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ".

       قضية كبيرة ، فهذه آية ، لتَكُن القاعدة عندك ؛ وهي أنّ كل أمرٍ يقتضي الوجوب ، فأنت لستَ أمام خمسة أوامر في القرآن ، صوم ، وصلاة  وحج ، وزكاة ، أنت أمام مئة ألف أمر ، هذا أمر منها .

قال لك : "اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"  ، يجب أن تكون مع المؤمنين ، أن تكون معهم بكلِّيتك.

قال لك الله عز وجل :" واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " .

( سورة الكهف : 28 )

هذا أمر .

         فاقرأ القرآن ، وكلما وقفت على أمرٍ دقق ، أين أنا من هذا الأمر ؟ هل أنا مطبقٌ له ؟ فهذا أمر ، "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " ، أصلح نفسك وحدها ، وأصلح ما بينك وبين الآخرين ، وأنت طرفٌ ، وأصلح بين اثنين  ، وهذا من صفات المؤمن ، والقرآن كما قال سيدنا علي : حمَّال أوجه ، أيْ له أوجه كثيرة .

        إذاً مرة ثانية : "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين" ، فإذا حفظ الإنسان هذه الآية ، وكلما جلس مع أخ ، بيَّن له معناها ، ولها ثلاثة معانٍ بسيطة :

أصلح نفسك بالاتصال بالله تشفَ من أمراضك .

أصلح نفسك بالاتصال بالله تتحلَّ بالكمال ، كمِّل نفسك أولاً ، وكل علاقة ، مع أقربائك، مع جيرانك ، مع زبائنك ، مع أصحابك ، مع زملائك بالمهنة ، أصلحها ، بالاعتذار ، بأداء الحقوق ، بتقديم هدية ، وكذلك أصلح بين اثنين إنْ كنت تعرف بوجود خصومة بين زوجين ، الزوج يكون ابن أخيك فرضاً ، والزوجة تكون بنت أختك مثلاً ، لا تقل: يصطفلوا ‍!  "ينباعوا بالعزى" !  "فخار يكسر بعضه" ، هذا من أخلاق الشيطان ، لكنك أصلح ذات بينك ، وذات بين الناس .

         أحيانًا تنشأ بين زوجين خصومة ، فالزوج ركِب رأسه ، والزوجة ركبت رأسها ، فهما يحتاجان طرفًا ثالثًا يوفِّق بينهما ، يكون هو كبش الفداء ، اذهب وزُرْ أهل الزوجة ، وبيِّن لهم شمائل الزوج ، وزُرْ الزوج ، وأقنعه أنّ زوجته جيدة ، وفِّق بينهما ، المؤمن من شأنه أن يصلح ، والمنافق من شأنه أن يفسد ، ودائماً يقطع العلاقات ، أمّا المؤمن فإنّه يصلها ، والنبي يقول : "ليس منا من فرق " ، ليس منا ، يعني برئ النبيُّ منه ومِمّن يفرّق بين الناس ، أحيانا يفرق بين علماء المسلمين ، يحضر مجلسَ علم ، يسمع كلمة فيخطفها خطفًا ولم يفهمها ، ينقلها لعالم آخر ، سيدي هكذا قال فلان ، فما قولكم ، فتحرجه أنت بكلام غلط ، تحدث أحيانا خصومات بين دعاةٍ ، ما السبب ؟ هم كلهم على حق ،  لكن لأنّ النقل عنهم غلط ، النقل عنهم كان مغلوطًا  .

فالمؤمن يصلح دائمًا ، ولا يفسد ، يصل ولا يقطع .

آخر حديث  : أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضى ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأن أعف عمن ظلمني ، وأن أعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرةً  ، والحمد لله رب العالمين .