|
سورة المائدة (5) : الدرس 5/5 والأخير لفضيلة
الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي
الدرس : 009 - آ .
الموضوع : العناية بالنفس ، الآية 105 .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛
الآية الخامسة بعد المئة من سورة المائدة ،
وهي قوله تعالى :
قبل أن نمضي في شرح هذه الآية
الكريمة لا بد من مقدمة تلقي ضواءً على هذه
الآية .
أيها الإخوة ؛ الإنسان
مؤلف من نفس وروح وجسد
…
نفسه هي ذاته ، هي
حقيقته ، نفسه هي التي تؤمن أو تكفر ، هي التي
تسعد أو تشقى ، هي التي ترضى أو تغضب ، هي
التي تذوق الموت ولا تموت ، " كل نفس ذائقة
الموت " .
( سورة آل عمران : 185 )
هي التي تخلد في جنةٍ يدوم
نعيمها ، أو في نارٍ لا ينفذُ عذابها .
لكن الجسد ما هو إلاّ قالبٌ
لهذه النفس ، وعاءٌ يحتويها ، ثيابٌ ترتديها
فالنفس من خلال الجسد ترى ، والنفس من خلال
الجسد تسمع ، والنفس من خلال الجسد تتحرك ،
وقد تبطش ، وقد تحسن ، فما الجسد إلا وعاءٌ أو
قالبٌ لهذه النفس .
والروح هي القوة
المحركة ، فلولا الروح لما رأى الإنسان بعينه
، ولا سمع بأذنه ، ولا تقلصت عضلاته ، ولا
عملت أجهزته .
إذاً من باب التقريب
والتوضيح ، القوة المحركة للأجهزة الكهربائية
هي الكهرباء ، فإذا قطعت الكهرباء عن هذا
الجهاز توقف .
فصار الآن واضحًا أنّ
النفس هي الأصل ، هي ذات الإنسان ، هي التي
تسعد ، هي التي تشقى ، هي التي ترقى ، هي التي
تسمو ، هي التي تخلد ، هي الباقية ، هي
الخالدة ، تذوق الموت ولا تموت .
والجسد بمثابة ثيابٍ
خلعتها .
والروح قوةٌ محركةٌ
لهذا الجسد ، فإذا انتهى أجل الإنسان ، توقف
الإمداد الروحي ، فتعطل الجسد فخلعته النفس ،
فصعدت النفس إلى باريها .
ربنا عز وجل يقول :
"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " ،
يعني إذا اعتنيت بالجسد ، فالجسد فانٍ ،
اعتنيت ، أكلت أطيب الأكل ، وتمتعت بأجمل
المناظر ، وسكنت في أجمل البيوت ، واقترنت
بأجمل النساء ، هذا الجسد مؤدَّاه إلى التراب
، فكل عنايتك وكل طاقتك ، وكل رعايتك لهذا
الجسد خسارة ، لأنه سينتهي إلى القبر ، وإلى
الفناء .
الله سبحانه تعالى
يقول : "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم
" اعتنِ بنفسك لأنها باقية ، لأنها خالدة
، لأنها في جنةٍ ، أو في نار ، لذلك يقول الله
عز وجل: "يوم لا
ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
"
( سورة الشعراء : 88 ـ 89 )
يقول سيدنا عمر رضي
الله عنه : "تعَاهَدْ قلبك ".
أمراض الجسد أيها
الإخوة مهما تفاقمت تنتهي عند الموت ، لكن
أمراض النفس تبدأ بعد الموت ، أمراض الجسد
مهما كانت عضالة أو خطيرة ، مرض خبيث فإذا مات
الجسد انتهى أثرُ المرض ، والموت يُنهي قوة
القوي ، وضعف الضعيف ، وصحة الصحيح ، ومرض
المريض ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، الموت
ينهي كل شيءٍ ، فأي عناية وأي جهدٍ منصَبٍّ
على هذا الجسد فهو خسارة .
يعني مثلاً إنسان ساكن
في بيت أجرة ، ومالكُ البيت بأية لحظة - حسب
الأنظمة - بإمكانه أن يطرد المستأجر إلى خارج
البيت ، وهذا المستأجر له دخل كبير ، هل من
الحكمة أن ينفق هذا الدخل الكبير في تزيين هذا
البيت ، والعناية به ، وطلائه ، وتزيين سقفه ،
وبأي لحظة يخسر البيت ، لكن العقل أن تزيِّن
بيتك الأبدي ، البيت النهائي .
فربنا عز وجل يقول
: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" .
يعني هذه النفس ، هناك
أربع آيات في القرآن ، " قد أفلح من زكاها "
(سورة الشمس : 9 )
" قد أفلح المؤمنون "
( سورة المؤمنون : 1 )
الفلاح كل الفلاح ، والتفوق كل
التفوق ، والفوز كل الفوز والنجاح كل النجاح ،
والذكاء كل الذكاء ، والعقل كل العقل ، بأن
تعتني بنفسك ، أن تُعرفها بربك ، أن تحملها
على طاعة الله ، لأنه إذا جاء الموت ، وأصبح
الجسد جثة هامدة ، بعد حين تتفسخ ، والروح
انقطع إمدادها ، بقيت هذه النفس التي هي أنت ،
إما أن تسعد لتزكيتها ، وإما أن تشقى لفسادها
.
فالآية الكريمة ،
"يا آيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم "، "عليكم
أنفسكم " ،
يعني الزموا أنفسكم ، طهروا أنفسكم ، زكُّوا
أنفسكم ، عِّرفوا أنفسكم بربها ، احملوها على
طاعته ، عرِّفوها كتاب الله ، عرِّفوها سنة
رسوله ، احملوها على العمل الصالح ، لتعرف
حقيقتها جوهرها ، موقعها ، أين كانت ؟ ماذا
تفعل هنا ؟ ماذا بعد الموت ؟ "يا أيها
الذين آمنوا عليكم أنفسكم" ، عليكم اسم
فعل أمر بمعنى الزم ، يعني انتبه لنفسك ، هي
الأصل ، يعني المرض بالجسم ينتهي عند الموت ،
لكن مرض النفس يبدأ عند الموت ، "يوم لا
ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
"، تتمة الآية : "يا
أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل
إذا اهتديتم ".
من إعجاز القرآن
الكريم ، أن بعض آياته لها عدة معانٍ في وقت
واحد ، "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "،
لا تقل : يا أخي الناس هكذا يفعلون ، أنا مع
الناس ، هذا هو الإمعة ، الذي يقول : أنا مع
الناس ، إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساءوا
أسأت ، وكل إنسان يحتجُّ بالتيار العام ،
يحتجُّ بقوله : الناس كلهم هكذا ، هكذا يكون
كسب المال، والتجارة هكذا كما يتاجر الناس ،
إذا ما غششنا لا نعيش ، عندنا أولاد ، هذا
الذي يقول : أنا مع الناس ، إن أحسن الناس
أحسنت ، وإن أساءوا أسأت ، هذا إمعة ، وطِّنْ
نفسك على أن الناس لو أساءوا جميعاً ، عليك أن
تحسن .
" لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"
.
يعني إذا اهتدى إنسان
إلى الله ، وعرف الحق ينبغي ألاّ يقلد الناس ،
الناس في ضلال ، في بُعد ، في غفلة ، في جهل .
" وإن تطع أكثر من في الأرض
يضلوك عن سبيل الله ".
( سورة الأنعام : 116 )
"وقليل من عبادي الشكور
" .
( سورة سبأ: 13 )
هكذا الآيات : "لا يضركم من
ضل إذا اهتديتم "، إذا عرفت الحق ، لو أن
الأكثرية كانت مع الباطل ، الأكثرية مع أكلِ
الربا ، الأكثرية مع الاختلاط ، الأكثرية مع
إطلاق البصر الأكثرية مع كسب المال الحرام ،
الأكثرية مع التفلت من الدين ، الأكثرية مع
الانغماس في الشهوات ، أنت عليك نفسك ، لا
يضرك من ضل إذا اهتديت ، وهناك معنى آخر للآية
، يعني أنت إذا لزمت نفسك وزكيتها ، وطهرتها
وحملتها على طاعة الله ، عندئذٍ لا تستحق
المعالجة من الله ، عندئذٍ هؤلاء الذين ضلوا
لا يستطيعون أن يصلوا إليك
، "لا يضركم من ضل "، إذا عُرِف عن
الإنسان أنّه مقصر، ومرتكب معاصٍ ، وآكل حقوق
، معتدٍ على أعراض ، مقصّر في واجبات ، هؤلاء
الضلال أقوياء غالباً ، فسيصلون إليه ويؤدبونه
، وينالون منه ، أما أنت ؛ إذا عرفت الله،
وحملت نفسك على طاعته فلا يستطيع هذا الضال أن
يضرك ، "عليكم
أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ".
لذلك ورد في أحد
الأحاديث الصحيحة ، أن إذا رأيت شُحاً مُطاعاً
، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه ،
فالزم بيتك ، وامسك لسانك ، وخذ ما تعرف ، و
دع ما تنكر ، وعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر
العامة .
ففي القرآن الكريم
إعجاز ، يتماشى مع كل العصور ، ففي عصر النفاق
، والفجور ، والضلال ، في عصر الفتن ، في عصر
الضلالات ، "يا أيها الذين آمنوا عليكم
أنفسكم "، عليك مِن نفسك ، لا يضرك من ضل
إذا اهتديت ، أو عليك نفسك ، يعني الزم نفسك ،
عرفها بربها ، عرفها بمنهج ربها ، احملها على
طاعته ، زكِّها كي تسمو بها ، إن كنت كذلك فلا
يستطيع الضال أن يصل إليك ، ولا أن ينال منك ،
ولا أن يؤذيك .
فصارت الآية ، إذا كنت
في زمنٍ صعبٍ ، في زمن القابض على دينه
كالقابض على جمر ، في زمن يصبح المعروف منكراً
، والمنكر معروفًا ، في زمن يُؤمر فيهُ
بالمنكر وينهى عن المعروف ، في زمن يُكَذَّب
الصادق ، ويُصَدَّق الكاذب ، يُؤتمن الخائن
ويُؤمَّن الخائن .
في هذا الزمن الصعب ، "عليكم
أنفسكم" ، يعني لا تحمل همَّ الناس ، أنت
في زمن صعب فعليك مِن نفسك ، عِّرف نفسك بربها
، واحملها على طاعته ، لا يضرك من ضل ، لو أن
الناس جميعاً ضلوا ، لهم رب يحاسبهم ، هذا
معنى .
المعنى الثاني عليك نفسك ،
يعني الزمها ، اعتنِ بها ، عرفها ، احرص على
إيمانها ، احرص على طاعتها ، فإذا سمت نفسك
وزكت ، عندئذٍ لا يستطيع الضال أن يصل إليك،
ولا أن يتسلط عليك ، ولا أن ينال منك ، ولا أن
يضيق عليك ، أو أن يفعل معك شيئاً يضرك ،
لقوله تعالى : "ولن
يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " .
( سورة النساء : 141 ) .
مستحيل .
فهذه الآية أيها
الإخوة لك أن تفهمها على أي وجه ، وكلا
الوجهين صحيح ، وكما قال سيدنا علي كرم الله
وجهه : القرآن حمال أوجه ، "عليكم أنفسكم
"، أي انتبه لنفسك ، وعليك من نفسك ، ودع
عنك أمر العامة ، إذا كنت في زمن الفساد
والضلال والفتن والانحراف والفجور والمعصية .
والمعنى الثاني ، عليك نفسك أي
الزمها ، واعتنِ بها ، عرِّفها ، زكِّها ،
ارقَ بها ، فإذا كانت في هذا المستوى الرفيع
عندئذٍ لا يستطيع أحد أن يصل إليك ، فأنت في
حفظ الله.
إذا كان الله معك فمن
عليك وإذا كان عليك فمن معك
أيها الإخوة الأكارم ؛
الإنسان ليس بحكيم إذا لم يدارِ مَن لا بد مِن
مدراته ، فهو مخطئٌ إذًا ، يعني لك أخ ، لك
جار مخلص ، لك ابن ، لك صهر ، هذه خاصة نفسك ،
لكن أنْ تمسك امرأة سافرة في الطريق ، ثم تقول
: أنتِ فاسقة ، أنتِ فاجرة ، فلا تقل ذلك ،
فيكفيك الإنكارُ بقلبك ، وهذا معنى الآية
، "لا يضركم من ضل
إذا اهتديتم ".
يعني إذا كان الإنسان
بإمكانه أن ينكر المنكر بقلبه ، فلينكره بقلبه
، طبعاً إذا كان لا يستطيع أن ينكره بلسانه .
الله سبحانه وتعالى لا
يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادرًا على
أن تنكره بلسانك ، كما أنه لا يقبل منك أن
تنكره بلسانك إذا كنت قادرًا على أن تنكره
بيدك ، فإذا رأى الإنسان منكرًا ، وليس
بإمكانه أن يصلحه فليقل : اللهم هذا منكر لا
أرضى به ، ولا أقوى على تغييره .
إذاً الآية الكريمة
: "عليكم أنفسكم "، الزموا أنفسكم .
فلماذا إنْ شعَر الواحدُ
بذبابةٍ أمام عينه تمشي مع حركة عينه فلا ينام
الليل ، ثم يراجع طبيب عيون ، فحدَّد بله
موعدًا بعد ستة أشهر ، يقول : أنتظر فهذه عين
ليس معها لعب ، فلماذا أنت حريص حرصاً لا حدود
له على عينك ؟ ولست حريصاً على قلبك .
لذلك ورد في بعض
الآثار القدسية : أن يا عبدي طهَّرتَ منظرَ
الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟
تريد مدخل البناية
أنيقًا ، أخي المدخل غير لائق ، ولعله يصادفنا
فرح تريد مدخلاً أنيقًا ، بيتًا مرتبًا ، غرفة
ضيوف ، غرفة صالون ، غرفة طعام ، دهان جديد ،
ورق أحياناً ، جبصين .
طهرت منظر الخلق ، بيتك
، ومركبتك ، ولبسك ، وأناقتك هذا منظر الخلق ،
عبدي طهرت الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة .
ما هو منظر الله ؟
القلب لأن الله ينظر إلى قلوبكم ، إن الله لا
ينظر إلى أجسامكم ، و لكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم ، فصار القلب منظر الرب.
فيا عبدي ، عتاب ،
طهرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة
، أتستحيي من ضيف يدخل بيتك غرفة الضيوف ،
عندما تكون الغرفة غير منتظمة ، أو فيها حاجات
مبعثرة ، أتستحيي من ضيف أن يرى الغرفة على
هذا الشكل ؟ ولا تستحيي من الله أن يرى في
قلبك غلاً للمؤمنين ، أو حسداً ، أو كبراً ،
أمراضًا وبيلة .
إذاً : عبدي طهرت منظر الخلق
سنين ، أفلا طهرت منظري ساعة
والحمد لله رب العالمين |