|
سورة المائدة (5) : الدرس 4/5 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 008 - د .
الموضوع : أبواب الرزق ، الآية 66 .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا
محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى
في كتابه الكريم ، الآية الأولى :
( سورة المائدة : 66 )
هذه الآية تؤكدها آية أخرى ، وهي الآية الثانية :
( سورة الجن : 16 )
وأمّا الآية الثالثة :
( سورة الأعراف : 96 )
العلماء استنبطوا من الكتاب والسنة الوسائلَ التي
تزيد في الرزق .
فأول وسيلة الاستغفار ، قال تعالى :
" فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء
عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات
ويجعل لكم أنهارا " .
( سورة نوح : 10 ـ 11 ـ 12 ) .
الذي يستغفر الله من ذنوبه يجلب له ولأهله الرزق
بالاستغفار ، هذه واحدة ، فمن شكا من ضيق الرزق فعليه
بالاستغفار ، هذا قرآن ، وهو كلام خالق الكون .
أمّا العامل الثاني ، فقال تعالى : " وأمر
أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك
"
( سورة طه : 132 ) .
فالبيت الذي تقام فيه الصلوات ، يتلى فيه القرآن
، تقام فيه حدود الله عز وجل ، فهذا بيت مرزوق ،
فالرزق بيد الله عز وجل ، إن الله هو الرزاق ذو القوة
المتين .
العامل الأول ... هو الاستغفار .
العامل الثاني ... إقامة الصلوات وشعائر الله في البيت
.
العامل الثالث ... مستنبط من الحديث الشريف ، يقول
عليه الصلاة والسلام : " الأمانة غنى " الأمين
موثوق ، فإذاً أنت أثمن شيءٍ تملكه ثقة الناس ، وإذا
ملكت ثقة الناس فأنت أغنى الناس ، وأكبر خسارة تحيط بك
أن تفقد ثقة الناس ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول
: "الأمانة غنى " ، إذًا وسائل الرزق هي :
الاستغفار أوّلاً ، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية
في البيوت ثانياً ، والأمانة ثالثاً .
قال عليه الصلاة والسلام : " صلة الرحم
تزيد في الرزق " ، إذاً أنْ تصل رحمك ، وصلة الرحم
تعني أشياء ثلاثة ؛ أن تزورهم أولاً ، وأن تتفقد
أحوالهم تمهيداً لمساعدتهم ثانياً ، وأن تدلهم على
الله ثالثاً ، هذا ما تعنيه صلة الرحم ، وهو العاملُ
الرابع .
الاستغفار وإقامة الصلاة والأمانة وصلة الرحم .
الإتقان .. إتقان العمل جزء من الدين ، إن
الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وهذه
حقيقة ، فالشركات المصنعة المتقنة ، بضاعتها محجوزة
لسنوات ، وصاحب الحرفة المتقن محجوز لسنوات ، وإذا
كسدت البضائع وبارت الأعمال فالمتقنون لا يتعطلون
أبداً .
فالإتقان عامل ، وصلة الرحم عامل ،
والاستغفار عامل ، وإقامة الصلوات والأمر بها عامل ،
وإقامة القرآن الكريم عامل .
" ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من
ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ".
وهناك عامل سادس وهو قول النبي عليه الصلاة
والسلام : استمطروا الرزق بالصدقة ، صدقة السر تطفئ
غضب الرب ، بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ،
فالإنسان المستقيم على أمر الله .
" وألَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ".
المستقيم على أمر الله ، والمقيم
للصلوات ، وهو يأمر بها أهله ومن يلوذ به ، والمستغفر
، والواصل لرحمه ، والمتقن لعمله ، والأمين ، هؤلاء
جمعياً أرزاقهم وفيرة، وهي قوانين ربنا عز وجل .
فلما يكون الإنسان راكبًا مركبة في سفر ،
وفجأة تتوقف المركبة ! ويطالعك هنا سلوكان ؛ فأيهما
السلوك الذكي ؟
أول سلوك ، يصيح المسافر ويبكي ويزعبر ، والسلوك
الثاني ، يفتح غطاء المحرك ، ويبحث لماذا وقفت المركبة
، هذا هو السلوك العلمي .
فإذا شعر الإنسان أن رزقه ضيق ، فإنّه يتساءل : يا ترى
هل مِن سبب ؟ عدم إتقان ، أو عدم أمانة ، أو تفريط في
أوامر الله عز وجل ، أم مِن قلَّة الاستغفار ، أم من
في قطيعة رحم مثلاً ، إذًا هناك أسباب .
لذلك فالإنسان حينما يشعر أن رزقه أقل مما ينبغي
، فليبحث عن السبب ، وربنا عز وجل قال : "ولو أنهم
أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم
لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، منهم أمة مقتصدة
وكثير منهم ساء ما يعملون "، وبعد هذا يقول الله
عز وجل : "قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى
تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ".
ونحن كمسلمين ، واللهِ الذي لا إله إلا هو لسنا
على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا ، لذلك قال
تعالى :" وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم "
( سورة الأنفال : 33 )
قال علماء التفسير : أنت فيهم ، أي سنتك قائمة
في بيوتهم ، وفي أعمالهم ، ما دامت سنة النبي علية
الصلاة والسلام فينا ، وفي علاقاتنا ، وفي كسبنا للمال
، وفي إنفاقنا للمال ، وفي نشاطاتنا ، وفي بيوتنا ،
فالله لا يعذبنا ، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"
، وإذا عرفنا أغلاطنا ، وتبنا منها أيضاً فنحن في
بحبوحة ، فنحن في بحبوحة مرتين ، إذا أذنبنا واستغفرنا
، أو إذا تبنا واصطلحنا ، فإذا كنا في أحد هذين
الحالين ، فنحن في بحبوحة ، ونحن في سلام ، وفي أمْنٍ
من الله عز وجل .
أيها الإخوة الكرام ؛ هاتان الآيتان مع أنهما
موجهتان لأهل الكتاب إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا
بأسلوب تربوي .
فأحياناً الإنسان يخاطب شخصًا ، وهو يعني شخصاً
آخر ، فالشخص الآخر لا يأتيه الكلام مباشراً ، قال
تعالى : "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما
أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "،
هذا كلام خالق الكون ، ولا شيء يمنع أن تكون هذه الآية
قانوناً ،" قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى
تقيموا التوراة والإنجيل"، لذلك أداء الصلوات
والصيام والحج ،
أو أداء العبادات الشعائرية ، إذا لم يرافقه
التزام بإنفاق المال وكسبه ، و لم يرافقه التزام
بالجوراح ، وتطبيق للشرع الإلهي في بيوتنا وأعمالنا ،
فهذه الشعائر لا تقدم ولا تؤخر ، وسأسمعكم بسرعة ، "إن
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله
يعلم ما تصنعون " .
(سورة العنكبوت : 45 )
فإن لم تنهَهُ فصلاته لا قيمة لها ، ومَن
لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه ، هذا مع الصيام ، أمّا الحج فإذا حج
الإنسان بمال حرام ، وقال : لبيك اللهم لبيك ، يقول
الله عز وجل : لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك ،
وإذا أنفق من مال حرام ، أو لم يكن مستقيمًا ، قال
تعالى :" قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم
إنكم كنتم قوما فاسقين "
( سورة التوبة : 53)
هذه آيات قرآنية ، فالصلاة والصوم والحج
والزكاة ، إذا لم رافقها استقامة تامة فلا تُقبَل ،
وحتى لا يضيع وقته ، وحتى لا يتوهم أنه يصلي كما قلت
سابقًا ، بل أقم الصلاة ، فإقامةُ الصلاة التزامٌ
بقواعد الشرع الذي يسبق الصلاة ، حتى إذا دخلت في
الصلاة شعرتَ بهذه الصلة التي بينك وبين الله عز وجل .
والحمد لله رب العالمين |