|
سورة المائدة (5) : الدرس 3/5 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 008 - ج .
الموضوع : المعية الخاصة ، الآية 12 .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين :
أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى :
أيها الإخوة الكرام ؛ ما منا واحدٌ إلا
ويتمنّى أن يكون الله معه ، لأنه إذا كان الله معك فمن
عليك ؟ من يستطيع في الأرض أن ينال منك ، وإذا كان
الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد ، أمّا إذا كان الله
معك ، فلو أن الأمة بأكملها اجتمعت على أن يضروك
بشيءٍ لم يستطيعوا ، وإذا تخلى الله عنك ، ولم يكن
الله معك ، فأقرب الناس إليك ، ابنك الذي من صلبك ،
زوجتك التي عشت معها أربعين عاما ، تتخلى عنك ، إذا
كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك ؟.
إذا كان الله معك ألقى حبك في قلوب العباد ،
وإذا كان الله عليك ألقى بغضك في قلوب العباد .
يا أيها الإخوة ؛ الأقوياء يملكون القوالب ،
لكن الأنبياء يملكون القلوب ، والبطولة الحقيقية في أن
تملك قلوب الناس ، لا أن تملك أجسامهم ، القوي يخاف
الناس منه ، لكن النبي يحبه الناس .
لذلك ما منا واحد إلا ويتمنى أن يكون الله معه
، ولكن هذه المعية قال عنها العلماء : إنها معيتان ؟
معيةٌ خاصة ... ومعيةٌ عامة ...
فما المعية العامة ؟ المعية العامة أن الله مع كل
عباده ، مع الكفار ، مع الفجار ، مع الملحدين ، مع
المنافقين ، مع العصاة ، مع المتجاوزين .
في قوله تعالى : "هو معكم أينما كنتم " .
( سورة الحديد : 4 )
مؤمن ، كافر ، مطيع ، عاصٍ ، هو معك ، بل قيامك به
أبلغ من أنه معك .
الآن دققوا ، معية الله الخاصة ، تعني
التوفيق والحفظ ، تعني التأييد والنصر ، إذا كان الله
معك نصرك على أعدائك ، وإذا كان الله معك وكنت في عملٍ
وفقك فيه ، إذا كان الله معك حفظك من كل شر .
إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في
غنى .
فأنتم هو الحق لا غيركـم فيا ليت شعري أنا
مـن أنا .
العلماء قالوا : المعية معيتان ؛ معيةٌ عامة ،
ومعيةٌ خاصة ، المعية العامة تشير إلى الآية الكريمة :
"وهو معكم أينما كنتم " .
لكن المعية الخاصة معية التأييد ، معية
التوفيق ، معية الحفظ ، معية النصر ، معية السكينة ،
يُلقي الله في قلبك السكينة ، تكون كالجبل الأشم لا
تتزعزع ، هذه المعية الخاصة ، ممكن الحصول عليها ولكن
بدفع ثمنها ، الآن بدأ الدرس.
المعية الخاصة التي نبحث عنها جميعاً متاحةٌ
لكل إنسان ، بشرط أن تدفع ثمنها، يا رب أين ثمنها ؟ أو
يا رب من يملك ثمنها ؟ يقول الله : أنت أيها العبد
تملك ثمنها ، ابدأ بهذه الآية : "وقال الله إني
معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي
وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً " .
هذه العناصر التي اشتملت عليها الآية هي ثمن
المعية الخاصة ، هذه ثمن المعية التي هي من أينع ثمار
الدين ، وأجمل ما في الدين أنْ تشعر أن الله معك ،
أعظم ما في الدين أن تشعر أنك مقربٌ إلى الله ، أعظم
ما في الدين أن يتجلى الله على قلبك بالسكينة ، إن
الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من
خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين ،
حينما يتيه الناس أنت لا تتيه ، حينما يخاف الناس أنت
لا تخاف ، حينما تنهار أعصاب الناس أنت لا تنهار ،
حينما يشعر الناس بالحرمان أنت تشعر بالفوز والغنيمة ،
حينما يخضع الناس أنت لا تخضع ، هذه معية الله الخاصة
، وثمنها تملكه أنت ، وهذه مفردات ثمنها .
" وقال الله إني معكم لئن أقمتم
الصلاة "، الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام
الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين .
ولكن يا أيها الإخوة ؛ الله قال : أقمتم
الصلاة ، لمْ يقل الله عز وجل : إني معكم لئن صليتم ،
فإذا قلنا : لئن صليتم ، يعني واحد دخل للمسجد توضأ
وصلى ، هذه الصلاة ، أما " لئن أقمتم الصلاة "،
فانتبه لكلمة أقام البناء ، تحصل على رخصة أولا ، وبعد
مضي سنتين من الملاحقة تحصل عليها ، ثم حفرت الأساسات
، وبُني أول طابق، والثاني ، والثالث ، ثم كسوتَه
وفرشتَه ، فشغله سنوات حتى تم إنجازه ، من هنا نعلم
أنّ إقامة الصلاة تبدأ قبل الصلاة ، إقامة الصلاة تبدأ
بغض البصر ، إقامة الصلاة تبدأ بتحرير الدخل ، إقامة
الصلاة تبدأ بأن يكون بيتك إسلامياً ، بأن تربي أولادك
التربية الصحيحة ، يعني أنت تعمل عملاً تستقيم معه على
أمر الله ، تصطلح معه ، تتوب إليه، تنفق من مالك ، من
أجل أنّك تصلي حقًّا إذا دخلت إلى المسجد ، ففرقٌ كبير
بين أن يقول الله عز وجل : إني معكم لئن صليتم ، وبين
أنْ يقول :" لئن أقمتم الصلاة " .
أحياناً إنسان يقدم امتحانًا في ثلاث ساعات ،
يمنح دكتوراه ، إذْ تجري مناقشة أطروحته أمام لجنة من
العلماء ، وبعد ثلاث ساعات مِن قراءة ملخص الأطروحة
قال الدكتور المشرف رأيه في الموضوع ، واجتمعت اللجنة
، واتخذت قراراً بمنحه الدكتوراه بتقدير امتياز ،
العملية تمت في ثلاث ساعات ، أما عملية تأليف الكتاب
الذي تقدّم به الطالب لنيل الدكتوراه فتمّتْ في عشر
سنوات ، فالدكتوراه لا تأتي في ساعات ثلاث .
وإذا دخل شخصٌ المسجدَ وقام يصلي ، فهذه ليست
صلاة ، قبل الصلاة لا بد من استقامة ، قبل الصلاة لا
بد من توبة ، قبل الصلاة لا بد من صلح مع الله ، قبل
الصلاة لا بدّ مِن إنابةٍ إلى الله ، قبل الصلاة تكون
الأعمال الصالحة ، مِن إنفاق ونحوه، فالآن إذا دخلتَ
لتصلي فهذه إقامة الصلاة ، " وقال الله إني
معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ".
إما أن نفهم أنّ إيتاء الزكاة دفعُ جزءٍ من
المال كما هم معروف ، أو أن هذه الآية تعني مطلق العمل
الصالح ، وهناك للعلماء استنباط ، سيدنا المسيح قال
: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا " .
( سورة مريم : 31 )
بعضهم قال : هاتان الكلمتان جمعتا جوهر الدين
، الدين اتصال بالله الخالق ، وإحسانٌ إلى المخلوق ،
هذا الدين .
في حركة أفقية وحركة شاقولية ، الأفقية إحسان
للخلق ، والشاقولية اتصال بالحق ، " وقال الله
إني معكم لئن أقمتم الصلاة " .
أقمتم الصلاة
، هذه الساعات في مناقشة الأطروحة ، ثم منح على إثرها
الطالب دكتوراه بامتياز ، هذه سبقها عشر سنوات تحضير ،
عشر سنوات تأليف ، فلما يغضُّ الإنسان بصرَه في الطريق
، والطريق فيه كاسيات عاريات مائلات مميلات ، ويضبط
لسانه ، يضبط أذنه ، يضبط بيته ، يضبط دخله وإنفاقه .
فإذا دخل ليصلي ، فإنّ هذا قد أقام الصلاة ،
لكن إذا دخل فتوضأ وصلى ، وهو غارق في المعاصي
والشبهات ، هذا نقول عنه : إنه صلى ، لا نقول : أقام
الصلاة ، انتبه : أقام البناء يعني عمل طويل ، شراء
الأرض ، والحصول على رخصة ، وحفر الأساسات ، وبناء
الهيكل ، ثم إكساء الهيكل ، ثم تزيين الهيكل ، ثم
إكساء خارجي ، ثم فرش البيت ، فمثل ذلك إقامة الصلاة ،
"وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم
الزكاة وآمنتم برسلي " ، يعني آمنتم بأحقِّية هذا
الشرع ، هذا هو النظام الأكمل ، هذا الذي فيه
حل لمشكلاتنا ، أمّا أنْ تقول : الدين نغمة قديمة ،
معنى ذلك أنك لا تعرف عن الدين شيئاً .
الدين منهج خالق الكون ، دستور الإنسان ، "
لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي
وعزرتموهم " ، أنت لما تصلي ، كأنْ تكون في نزهة
وتقوم لتصلي ، فأنت نصرت دين الله عز وجل ، لما تمتنع
عن دخل مال حرام ، وغيرك لا يمتنع ، فقد نصرت دين الله
عز وجل ، الله عز وجل لا يحتاج إلى أن تنصره ، ولا
نبيُّه يحتاج إلى أن تنصره ، إلا أنك أقمت شعائر الدين
، ونفذت أمر الله عز وجل ، وسَّعت دائرة المؤمنين ،
أمّا إذا كان الناس في نزهة ، وواحد قام فصلى وحده
فلعله يستحيي بنفسه ، لكنْ إذا قام ثلاثة أو أربعة
وصلوا ، فمَن الذي يستحيي ؟ الذي لم يقم ليصلي .
فإذا كان كل التجار يتعاملون بطريقة ربوية ،
وأحبَّ تاجرٌ أنْ يستقيم فضحوه ، أمجنون أنت ؟ أما إذا
كان الكلُّ مستقيمين أعطوا غطاء للمستقيم ، أنت لما
تطبق شرع الله عز وجل فإنك تدعم الدين ، وتنصر ، "
إن تنصروا الله ينصركم " .
( سورة محمد : 7 )
فإذا كانت الأسرة كل بناتها كاسيات عاريات ،
فإذا أحببتَ أنت أن تحجب ابنتك، أُقيم عليك النفير ،
وشعرتَ بصعوبة بالغة .
أما إذا كان كل من حولك بناتهم محجبات ، صار
الطريق لابنتك سهلاً ، انظري إلى ابنة خالتك ، وانظري
إلى ابنة خالتك الثانية ، وإلى ابنة عمك أيضًا ، انظري
إليهن جميعهن ، فكلهن محجبات .
أنت لما تطبق الدين ، وترسخ دعائمه ، يصير
تطبيق سهلاً ، إذا كل الناس تخلوا عن الدين ، صار
المؤمن غريبًا ، والغريب يواجه صعوبات ، يواجه عقبات ،
يواجه اعتراضات ، هذا معنى قوله تعالى : " لئن
أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم
" ، يعني أيَّدتَ الرسول وطبقت أمر الله .
" وأقرضتم الله قرضاً حسناً " ،
والله ما من كلمة تهز مشاعر المؤمن كهذه الكلمة ، خالق
الأكوان ، الغني الحميد ، يقول لعبده : هل تقرضني
قرضاً حسناً ، على أن أوفيك إياه بغير حساب يوم
القيامة ، وأي عمل صالح تجاه أي مخلوق هو قرض حسن ،
حقًّا أيّ عمل صالح تجاه أي مخلوق ، حتى ولو كان
حيوانًا ، كما لو أنك سقيت كلباً ، أو أطعمت هرة ، أو
أنقذت نملة في حوض الغسيل ، فيه نملة ، وأنت تريد أنْ
تتوضأ ، فتوقّفتَ إلى أن خرجت ، إذًا بعملك هذا أنقذت
مخلوقاً ، وهذا قرض لله ، أقرضتَ الله قرضاً حسناً .
وهذه آية أخرى :" من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
فيضاعفه له أضعافا كثيرة " .
( سورة البقرة : 245 ) .
إذا خدمتَ إنسانًا ، أو دللْتَه ، أو
أعنتَه ، أو خفَّفْتَ عنه ، أو شفعت بين زوجين ، دللت
على خير ، طلبت العلم ، أو علَّمته ، توسَطتَ في حل
مشكلة ، كله قرض حسن ، فمعية الله التي لا تقدر بثمن ،
ثمنها بيدنا جميعاً .
" وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة
وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً ".
إن دفعتم هذا الثمن ، " لأكفرن عنكم سيئاتكم "،
كل شيء كان يسوؤكم سوف تنسونه ، وتُفتح لكم صفحة جديدة
، " لأكفرن عنكم سيئاتكم ، ولأدخلنكم جنات تجري من
تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء
السبيل " ، أنت تتمنى معية الله عز وجل، يعني
التوفيق ، النصر ، التأييد ، الحياة الطيبة ، السعادة
، التجلي ، السكينة ، الوقار ، المكانة الاجتماعية ،
أن يدافع الله عنك ، أن ينصرك على عدوك ، أن يؤيدك ،
أن يقربك ، فما عليك إلاّ أنْ تلتزم بنص الآية مع
التنفيذ ، " وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة "
، فعندنا معية عامة ، ومعية خاصة .
المعية العامة ... الله مع كل مخلوق ، حتى
الكافر ، هذه المعية لا تقدم ولا تؤخر ، بل تعني أنْ
يرى ويسمع ويعلم كل ما يفعلون ، فهم تحت رقابته ،
ليحاسبهم يوم القيامة .
ولكن المقصود المعية الخاصة ... وهي أن يتجلى
الله عليك بالحفظ ، والتأييد ، والنصر ، والتوفيق ،
وهذه أبرز الأشياء أنواع المعية .
الحفظ ، والتأييد ، والنصر ، والتوفيق ،
وثمنها إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والإيمان
بالمنهج ، وتأييد الرسل بتطبيق تعليماتهم ، عندئذ
الماضي الحالك كله يشطب ، وتفتح صفحة جديدة ،
والمستقبل : الجنة وما فيها من نعيم مقيم .
والحمد لله رب العالمين |