|
سورة المائدة (5) : الدرس 2/5 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 008 - ب .
الموضوع : العدل ، الآية 8 .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة موضوعنا اليوم الآية الثامنة من
سورة المائدة ، وهي قوله تعالى :
الإنسان أيها الإخوة قد يجري اتصالاً هاتفياً
، وهو مضطجعٌ على سريره ، أما لو أنه تلقى نبأً مؤلماً
لقعد ، فانتقاله من الاضطجاع إلى القعود دليل أن الأمر
مهمٌ ، فإذا كان الأمر أكثر أهميةً وقف ، والإنسان
يعبر عن اهتمامه بالأمر إلى أقصى درجة حينما يقف .
الله سبحانه وتعالى يقول : "يا أيها الذين آمنوا
كونوا قوامين" .
قوَّام على وزن فعَّال ، صيغة مبالغة اسم الفاعل ،
قائمٌ قوَّامٌ ، القوَّام أشد اتصافًا بالقيام من
القائم ، قائم لكنه متهاون ، قائم لكنه متململ ، قائم
لكنه متراخٍ ، أما قّوام فهو في أعلى درجات النشاط ،
وفي أعلى درجات اليقظة ، وفي أعلى درجات الجاهزية ،
قوَّام.
يقول الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا كونوا
قوامين لله .
يعني طاقتكم ، نشاطكم ، عضلاتكم ، علمكم ،
طلاقة لسانكم ، ذكاؤكم ، مكانتكم ، جاهكم ، هذا كله
ينبغي أن يوظف لله عز وجل ، وأن تستنفر ، وأن تفرَّ
إلى الله عز وجل .
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله" .
يعني أعلى درجات الاهتمام أن تقف ، وأن تكون
مستعداً لبذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، أن
تقف وأن تكون في أعلى درجات الجاهزية ، أن تقف وأنت في
أعلى درجات النشاط .
هذا معنى ، "ولكن كونوا ربانيين" .
( سورة آل عمران : 79 )
يعني يجب أن تَهَبَ كلَّ ما تملك لله عز وجل .
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط "
.
أحد أصحاب رسول الله ، وكان حِبَّ رسول الله ، أراد أن
يشفع عند النبي في امرأةٍ سرقت ، فغضب النبي أشد الغضب
، وكما ورد في الأثر : إنما أهلك الذين من
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والله لو أن فاطمة
بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ، هذا هو الإسلام .
يروى أن سيدنا عمر جاءه ملِك من ملوك الغساسنة
مسلماً ، رحب به أشد الترحيب.
كان الموسم موسمَ حج ، وفي أثناء طواف الملك حول
الكعبة ، بدوي من فزارة داس طرف ردائه ، فالمِلك لم
يحتمل هذا ، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمتْ أنفه .
هذا البدوي ليس له إلا عمر ، ذهب إليه ليشكو هذا الملك
الغساني جبلةَ ابن الأيهم ، فاستدعى عمر جبله ، وقال :
أصحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ، قال : لست ممن
ينكر شيئاً ، أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيدي ، قال
عمر أَرضِ الفتى ، لا بد من إرضائه ، فمازال ظفرك
عالقاً بدمائه ، قال له : وإن لم أفعل ؟ قال له يُهشمن
الآن أنفك، وتنال ما فعلت كفك .
قال له كيف ذاك يا أمير المؤمنين ـ ما هذا الكلام ـ هو
سوقة ، وأنا عرش وتاج ، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً
؟ قال له : نزوات الجاهلية ، ورياح العنجهية قد دفناها
، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً
لدينا وعبيدا ، فقال جبله : كان وهماً ما جرى في خلدي
أنني عندك أقوى وأعز ، أنا مرتد إذا أكرهتني ، فقال
عمر : عنق المرتد بالسيف تحز ، عالَمٌ نبنيه ، كلُّ
صدع فيه بشبا السيف يداوى ، وأعز الناس بالعبد
بالصعلوك تساوى .
"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط
".
لذلك ورد أنَّ عدْلَ ساعة أفضل عند الله
من أن تعبد الله ثمانين عاماً ، ورد أن حجراً ضج
بالشكوى إلى الله ، قال : يا رب ، قصة رمزية ، عبدتك
خمسين عاماً وتضعني في كنيف ـ المرحاض ـ قال تأدب يا
حجر ، إذْ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم ، يعني مكانك في
الكنيف أشرف لك من أن تكون في مجلس قاض ظالم .
إذاً : "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله
شهداء بالقسط ".
أما الشيء الدقيق في الآية ، قوله تعالى : "ولا
يجرمنكم" ، معنى لا يجرمنَّكم أي لا يحملنَّكم
، شنآن قوم ، الشنآن البغض ، على ألا تعدلوا
.
الله يخاطب من ؟ يخاطب المؤمنين ، من هم
أعداء المؤمنين التقليدين الكفارُ ، الفجارُ ،
الملاحدةُ ، المنافقون .
كأن الله عز وجل يقول : يا عبادي ، إذا
توهمتم أنني أرضى عنكم ، إذا لم تعدلوا مع خصومكم
الكفار فأنتم واهمون ، لا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم ،
ولا يقربكم إليَ إلا أن تنصفوهم ، ولا تقرِّبوهم إليَّ
إلا إذا أنصفتموهم ، إن لم تنصفوهم فأنتم متوهمون أني
أرضى عنكم ، إذا أكلتم أموالهم واعتديتم على أعراضهم
بدعوى أنهم كفار ، فهذا هو عين الخطأ " ولا يجرمنكم
شنآن قوم على ألا تعدلوا "، لا يحملنكم بغض قومٍ
على أن تظلموهم ، "اعدلوا هو أقرب للتقوى ".
أنتم إذا عدلتم مع هؤلاء الأعداء أنتم أقرب
إليّ ، وإن عدلتم مع هؤلاء الأعداء قرّبتموهم إليّ ،
فقد عرفوا عظمة الدين ، لذلك الإنسان المتوهم إذا رأى
شخصًا غير مسلم يقول في نفسه : الطُشْهُ بالسعر ولا
حرج ، خذ ماله ولا تهتم ، فهذا غير مسلم ، هذا هو عين
الخطأ ، وأعود وأكرِّر الآية : "ولا يجرمنكم شنآن
قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ".
يعني إذا عدلتم مع أعدائكم قربتموهم من الله
، قال : يا أمير المؤمنين أتحبني ، يبدو أنّ شخصًا
فاجرًا قالها لسيدنا عمر ، قال له : والله لا أحبك ،
قال : وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ، قال له :
لا والله ، حقك واصلٌ إليك ، أحببتك أم كرهتك ، هذا هو
الإسلام .
"ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب
للتقوى".
يعني إذا عدلتم معهم قرَّبتموهم إليّ ، وعرفوا
أحقِّيّة هذا الدين ، و إن عدلتم معهم تقرَّبتم أنتم
إليّ ، فأنا لا أرضى عنكم إذا ظلمتم هؤلاء ، لأنكم إذا
ظلمتموهم ، فإنكم إذاً مثلهم ، وأين الإسلام عندئذٍ ؟
وأين عظمة هذا الدين ؟ وأين أحقّيّة هذا الشرع ؟
لذلك يبدو أن الذي يخطئ مع مسلم ، فالخطأ صغير حجمه ،
أما الذي يخطئ مع غير المسلم فالخطأ كبير حجمه ، لأنك
إذا أخطأت مع مسلم يقول : فلان آذاني ، أما إذا أخطأت
مع غير مسلم يقول : المسلمون فعلوا معي كذا ، وكذا ،
ينتقل من ذمك إلى ذمِّ دينك .
ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام : أنت
على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك .
كل مسلم يمثل هذا الدين ، فعليه أن يكون في
أعلى درجات الكمال ، أعلى درجات الإنصاف ، أعلى درجات
القسط .
" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله " .
استنفِرْ، فِرَّ إلى الله ، شمروا فإن الأمر جِد ،
" شهداء بالقسط " ، في آية أخرى قال : "
ولو على أنفسكم ".
( سورة النساء : 135 )
" ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا
"، لا يحملنكم بغض قومٍ على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو
أقرب للتقوى .
يعني أنتم أقرب إليّ ، وأعداؤكم الذين عدلتم
معهم ، يصبحون أقرب إليَّ ، "واتقوا الله إن الله
خبير بما تعملون " ، سبحانه وتعالى خبير بعملك ،
يعرف حجم عملك ، ويعرف الأهداف البعيدة من عملك ،
ويعرف البواعث الحقيقية من عملك ، ويعرف المضايقات
التي تعترض عملك ، ويعرف كل ما بذلتَ من أجل هذا العمل
من غال ورخيص ، ونفس ونفيس ، "والله يقدر الليل
والنهار والله خبير بما تعملون " .
أيها الإخوة ؛ هذه الآية لو طبقت فلن تجدوا
عداوات ساحقة بين المسلمين وغير المسلمين ، يعني إذا
ظلَمَ المسلم ، فقد سمعت مرة كلمة ، أن الأجانب ينظرون
إلى الإسلام نظرة سيئة ، لأنهم شاهدوا إساءات مِن
قِبَل مَن فَتَحَ بلادهم ، بعد ما استقر الفتوح في
أوربا مسافات طويلة ، ظهر أناس أساءوا إساءات بالغة ،
فالأجانب حملوا هذه الصور القاتلة ونظروا إلى الإسلام
نظرة قاسية ، فلذلك المسلم أحيانًا يسيء إلى دينه كله
.
طالب ذهب إلى أوربا ودرس ، واقترن بفتاة
ألمانية ، أحبها وأحبته ، درسا الطب طبعاً ، بعد سبع
سنوات ، بعد أن نال الشهادة ، اختفى !! .
عاشت معه وأعانته ، وقدمت له كل ما تستطيع ،
وأخلصت له ، فلما نال الشهادة في الطب اختفى !! تبعته
إلى بلده ، فإذا هو في بلد آخر ، أجرى عقداً مع دولة
من دول الخليج ، إحدى دول النفط ، فوصلت إلى وزير
الداخلية هناك ، والوزير رفع الأمر إلى الملك ، والملك
أصدر أمراً بطرد هذا الطبيب ، لأنه أساء إلى ألف مليون
مسلم .
تقول هذه الفتاة : ماذا فعلت له حتى تركني ؟
لقد أحسنتْ إليه ، واللهِ .
أحيانًا إنسان واحد قد يسيء لأمة ، لمَ لمْ
تخبرها بأنك ستطلقها إذا انتهت دراستك ، وليعلم كل
واحد أنّ الزواج على التأبيد ، أخلصت لك كل الإخلاص ،
وأنا ما أردت من هذه القصة أن نناقشها ، لكن أردت من
هذه القصة أن الإنسان أحياناً يسيء لأمته كلها إذا
أساء التصرف .
" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو
أقرب للتقوى ".
فالمسلم ليدقق بمعاملته المسلَم مرة ،
وليدقق مليون مرة في معاملته غير المسلم ، لأنه لو
عامله معاملة طيبة ربما جلبه إلى الدين ، رجل معروف
يمثل الحزب اليساري في فرنسا ، أسلم ، فكان يروي منذ
أيام سبب إسلامه ، قال : قبل ثلاثين سنة ، كنتُ جنديًا
ورفض مسلم أنْ يقتلني ، في الحرب العالمية الثانية ،
لقد رفض أنْ يقتله لأسباب دينيه ، فبقيت هذه الفكرة في
ذهنه ثلاثين عاماً ، وحملته بعدها على أن يسلم .
فالعمل الطيب ربما جرَّ أمة ، والعمل السيِّئ ربما
نفَّر أمة .
لذلك : "ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا ،
اعدلوا هو أقرب للتقوى".
والحمد لله رب العالمين |