|
سورة المائدة (5) : الدرس 1/5 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 008 - آ .
الموضوع : الوسيلة ، الآية 35 .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام
؛
موضوع اليوم حول كلمة الوسيلة !!! .
يعني إذا أردت أن تصل إلى مكان ما ، فلا بد من
وسيلة تنقلك إلى هذا المكان ، إذا أردت الماء ، فلا بد
أن تحفر بئرًا ، إذا أردت أن تأكل فلا بد أن تشتري
الطعام ، إذا أردت أن تستنبت فلا بد أن تزرع البذر .
فالإنسان له هدف ، وله أن يتخذ وسيلةً إلى هذا
الهدف ، فمن أراد الله فلا بد أن يبتغي إليه الوسيلة
.
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه
الوسيلة " .
من أوسع التفاسير لهذه الكلمة ، وأَوجه معنى من
معاني الوسيلة طلبُ العلم ، فهو وسيلة ، والعلم طريقٌ
إلى الله عز وجل .
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه
الوسيلة ".
يجب أن تعرف أنه موجود ، يجب أن تعرف أنه واحد
في ذاته ، وفي أفعاله ، وفي صفاته ، يجب أن تعرف أنه
كامل ، أسماؤه كلها حُسْنَى ، وصفاته كلها فُضْلَى .
إذاً ينبغي أن تعرفه ، ينبغي أن تعرف ما عنده من إكرام
من أجل أن تقبل عليه ، وينبغي أن تعرف ما عنده من
عذابٍ أليم إذا أعرضت عنه .
إذاً إذا أردت الله عز وجل فابتغِ إليه الوسيلة عن
طريق العلم ، لقول الله عز وجل :
"إنما يخشى الله من عباده العلماء ".
( سورة فاطر : 28 )
لو أن هناك طريقاً إلى الله ، غير طريق العلم
لذكرَه الله عز وجل ، لا بد أنْ تتعرف إلى الله ، لأنك
كلما عرفت الله عز وجل ازدادت خشيتك له ، فالخشية
مترافقة مع حجم العلم ، حجمُ خشيتك بحجم علمك ، رأس
الحكمة مخافة الله ، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .
وبعد ؛ فإن عرفته أقبلت عليه ، فمعرفته وسيلة
، وإنْ عرفت أمره ونهيه طبقتَ أمره وابتعدت عن نهيه ،
إذاً معرفةُ منهجِه وسيلة .
لا ينبغي أن تكتفي بمعرفته من خلال الكون ، لا
بد من أن تعرف منهجه من خلال الكتاب والسنة ، يجب أن
تعرفه ، وأن تعرف منهجه ، الكون يدلك عليــه ، والكتاب
والسنة يعرفانك بأمره ونهيه ، بالكون تعرفه وبالشرع
تعبده .
إذاً لا بد من جانب من جوانب هذه الوسيلة ، أن تفكر في
خلق السموات والأرض .
" إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآياتٍ لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياماً
وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض
ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار " .
( سورة آل عمران : 190 - 191 )
ومن أجل أن تعبده ، لا بد أن تعرف أمره ونهيه ،
ماذا تعمل أنت ؟ في التجارة مثلاً: لا بد أن تعرف
أحكام الشراء والبيع لئلا تقع في الحرام ، فمن دخل
الأسواق من دون فقهٍ ، وقع في الربا شاء أم أبى ، تعمل
في الطب لا بد أن تعرف أحكام الجُعالة ، لأنك أجرك
أيها الطبيب ليس مِن نوع عقود التراضي ، ولا المعوضات
، ولكن من نوع الجُعالة ، أنت مقبلٌ على الزواج ، فلا
بد أن تعرف أحكام الزواج ، كيف تعامل الزوجة ؟ كيف يتم
هذا العقد ؟ ما شروط هذا العقد ؟
إذاً إذا أردت أن تعبده فلا بد أن تعرف أمره ، لذلك
ورد في الأثر : أن طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم ،
ليس هذا خياراً لك ، لا بد أن تقتطع من وقتك لتتعرف
فيه إلى أمر الله ونهيه ، إن أردت أن تعرفه ، إن أردت
أن تعبده ، إن أردت أن تتقرب إليه .
إذاً معرفة ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، من خلال الكون
وسيلة ، ومعرفة منهجه من خلال الكتاب والسنة وأحكام
الفقه وسيلة .
من أجل أن ترى نفسَك للإسلامِ مطبِّقاً ، لا
بد أن تقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
جعله مثلاً أعلى وقدوة يقتدي به .
إذاً معرفة السيرة فرض عين ، لأن الله سبحانه وتعالى
يقول : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة "
.
( سورة الأحزاب : 21 ) .
طيب ، إن جلست مع أهل الدنيا ، صَدِئ قلبك ،
وشعرت بالضيق ، لابد إذًا أنْ تجلس مع المؤمنين ، قال
الله تعالى : يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله
وكونوا مع الصادقين"
( سورة التوبة : 119 )
أن تجلس مع الصادقين وسيلة ، أن تجلس مع
المؤمنين ، أن تلتقي معهم ، أن تأخذ عنهم ، من علمهم ،
من أخلاقهم ، من قيمهم ، فكل هذه وسيلة ، انظُر
فالمطلق على إطلاقه .
الوسيلة أن تعرف الله من خلال الكون ، والوسيلة
أن تعرف أمره ونهيه من خلال الكتاب والسنة ، والوسيلة
أن تجتمع مع المسلمين ، لتأخذ من علمهم ومن أخلاقهم
ومن قيمهم ، وأن تقتدي بهم والدليل : "يا أيها
الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ".
(
سورة التوبة : 119 )
هذه وسيلة ، والوسيلة الرابعة ؛ أن تتقرب إليه بالعمل
الصالح ، "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً
صالحاً " .
( سورة الأحزاب : 21 ) .
فمعرفة الله من خلال الكون وسيلة ، ومعرفة
منهجه وسيلة ، وصحبة المؤمنين وسيلة ، والأعمال
الصالحة التي تقربك إلى الله وسيلة ، المطلق في القرآن
على إطلاقه، فأي شيءٍ يقربك من الله عز وجل هو وسيلة ،
لكن أكثر شيء يقربك من الله عز وجل أن تتأمل في خلق
السموات والأرض ، فأنت أمام عظمة الله عز وجل وجهاً
لوجه ، هذا أكبر شيء نظري ، وأكبر شيء عملي يقربك إلى
الله عز وجل الإنفاقُ ، مطلق الإنفاق، " ومما
رزقناهم ينفقون " .
( سورة البقرة : 3 )
لأن
الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا من أجل
أن تعدَّ نفسك إلى حياة أبدية ، فلا بد من عملٍ صالحٍ
ترقى به ، " يا بشر لا صدقة ولا جهاد ، فبِمَ تلقى
الله إذاً ؟ " ، لا بد من شيء تلقى الله به ، إنها
الوسيلة .
لذلك إنسان يدّعي أنه مؤمن ولا يتحرك دعواه
باطلة ، دعواه كاذبة ، لأن الإنسان من طبيعته الحركة ،
ترجمةً لديناميكي ، وليس سكونياً "استاتيك" ،
"ديناميك" يعني حركي ، فأنت تؤمن بالله وتظلّ واقفًا
في محلك ، فلا يليق ذلك بالمؤمن .
أنت لا بد لك مِن بيت تسكنه ، مقدم على زواج ،
تسمع أنّ بيتًا ثمنه نصف قيمته الحقيقية ، ثمنه خمسمئة
ألف بدمشق وعلى الطابو فورًا ، وأنت معك المبلغ وتظل
نائمًا ، لا أظن ، بل تذهب في نصف الليل مشيًا ولو آخر
مكان ، أنت بحاجة ماسّة إلى بيت ، والبيت بنصف قيمته ،
وطابوا فورًا ، وليس فيه مشكلة ، والدلال فلان ، وتظل
ساكنًا ، ولا حركة ، فهذا غير معقول أبدًا !!!.
تسمع أنّ على كتفك عقربًا - لا سمح الله - إذ
قال لك شخص : على كتفك عقرب ، هل تلتفتَّ نحوه بهدوء
، وتقول له : أشكرك على هذه الملاحظة ، وأتمنى أن
أقابلك بخير منها ، معنى ذلك أنك لم تفهم قولَه ، ولو
علمت ماذا قال لقفزت وخرجت من جلدك خوفاً من هذه
الحشرة .
أتسمع الحق ولا تتحرك ، لا تغض بصرك ، ولا تنفق
من مالك ، لا تلازم المسجد ، ولا تصلي ، معنى هذا أنك
ما فهمت شيئًا إطلاقاً ، فعلامة الفهم الحركة ، "فمن
كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً " ، أنتَ
عرفت الله وبيتك غير إسلامي ، يعني أنك ما عرفته ،
ولو عرفته ، وعرفت ما عنده من إكرام ، وعرفت ما عنده
من عقاب ، وعرفت تفاهة الدنيا ، وعرفت أبدية الآخرة ،
وعرفت أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا
خطر على قلب بشر ، إذًا فلا بدّ أن تتحرك .
ذات مرة ضربت مثلاً مضحكًا ؛ لما كان عندنا
أزمات تموينية ، قلت : لو أن واحدًا تلزمه صفيحة زيت ،
وقد خرج من وظيفته توًّا وهو مُتعَب ، وقد خلع ثيابه
وارتدى ثياب البيت ، وجلس على أريكةٍ مريحةٍ ، فقال له
ابنه عدّةَ كلمات ؛ قال له : في المؤسسة زيت ،
والصفيحة بـ 800 ل س وثمنها لدى السمّان 1600 ل س ،
وليس في المؤسسة ازدحام ، ولا يوجد عندنا زيت ، وقد
قبضتَ راتبك منذ يومين ، أيبقى قاعدًا ؟ لا شكّ أنه
يسارع إلى المؤسسة مهرولاً ناسيًا تعبه كله .
فإذا كان الدين واضحًا ، والأفكار صحيحة ،
والعقل يقظًا ، والعاطفة جياشة ، وسمعت الحق ، فلا بد
أنْ تتحرك ، أما يبقى على ما هو عليه من المعاصي
والآثام والتقصير ، ويدّعي أنه مؤمن ، وأنا مسلم ،
ويقول : اللهم اجعلنا من أهل الجنة ، فنحن عبيد إحسان
، ولسنا عبيد امتحان ، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر ،
وربما يكون حجة على قائله ، " فمن كان يرجو لقاء
ربه فليعمل عملاً صالحاً ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
".
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة
".
أي شيءٍ من علمٍ ، أو عملٍ ، أو تضحيةٍ ، أو
شيءٍ آخر يقربك إلى الله عز وجل فهو وسيلة ، التفكر في
خلق السموات والأرض وسيلة ، معرفة المنهج الأمر ؛
والنهي وسيلة ، صحبة المؤمنين وسيلة ، البذل والعطاء
وسيلة ، وأي شيءٍ آخر ترى أنه يقرب إلى الله عز وجل
فهو وسيلة ، ونسيت أن أقول لكم : إنّ ذكرَ الله وسيلةٌ
، ذكره باسمه المفرد ، والاستغفار ، والتسبيح ،
والتهليل ، والتكبير ، والحمد ، والدعاء ، وتلاوة
القرآن هذه وسيلة ، وأعود لأكرِّر : التفكر وسيلة ،
الذكر وسيلة ، الطاعة وسيلة ، البذل وسيلة ، صحبة
المؤمنين وسيلة ، الإطلاع على سيرة رسول الله وأصحابه
الكرام وسيلة ، والآية واسعة جداً ، وأي شيء يقربك من
الله هو وسيلة ، درسنا اليوم كان حول : " يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة " ،
واستمع لقوله تعالى: "ومن أراد الآخرة وسعى لها
سعيها " .
( سورة الإسراء : 19 )
علامة الإرادة السعي ، وعلامة التمني القعود ، المتمني
يقعد ، والساعي يتحرك ، فأنت امتحن نفسك ، إذا بقي
الإسلام معلومات تتلقاها وأنت مرتاح لها ، ولديك مشاعر
إسلامية وليس لديك حركة إطلاقاً ،ف القضية صعبة ، أما
إذا أيقنت بأحقية هذا الدين ، وعظمة هذا الخالق العظيم
، فلا بد أن تتحرك نحوه ، ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا
وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء ، وأنا
أحب إليك من كل شيء .
والحمد لله رب العالمين |