|
سورة النساء (4) : الدرس 9/9 والأخير لفضيلة الأستاذ
الدكتور محمد راتب النابلسي
الدرس : 009 - د .
الموضوع :
طبيعة الإنسان – الآية 28 .
تدقيق
اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم عدة
آياتٍ ، تشير إلى طبيعة الإنسان .
قال تعالى :
( سورة النساء : 28 )
( سورة الأنبياء : 37 )
( سورة المعارج : 19 إلى 23 )
عدة آيات لا تزيد عن أربع آيات ، تتحدث عن طبيعة
الإنسان ، فهذه خصائصُ في خلقه، ليست ذنباً يعزى إليه
، لكن الله هكذا خلقه .
أولاً ... الله سبحانه وتعالى قال : " وخلق الإنسان
ضعيفاً "، لماذا خلقه ضعيفاً ؟
لو أن الله عز وجل خلق الإنسان قوياً ، لاستغنى بقوته
عن الله ، وحينما يستغني بقوته عن الله يشقى
باستغنائه .
لماذا خلقه من عجل ؟ وخلق الإنسان من عجل ، قال
العلماء : لأنه لو خلقه يحب الآجلة ، واختار الآخرة
وفق طبيعته لما ارتقى عند الله ، لكن ما الذي يحصل ؟
لو أن الإنسان خلق يحب الآجلة ، والدنيا بين يديه ،
فالشهوات يقظة ، الفتن مستعرة ، الملذات أمامه ،
لوجدته يعرض عنها كلها ، ويختار ما عند الله في
الآخرة ، فخالف طبيعته ، والإنسان لما يخالف طبيعته
يرقى عند الله ، ولما يستجيب إلى طبيعته الأرضية فإنّه
لا يرقى .
شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولا ، وجعل الله
الدار الآخرة بعيدة المدى ، لو كان عرضاً قريباً ، أو
سفراً قاصداً لاتبعوك ، ولكن بعدت عليهم الشقة ، يقول
بعضهم: يفرجها الله .
فالناس يندفعون إلى إرواء شهواتهم ، إلى اقتناص
الأموال الحرام ، إلى الاستمتاع بما حرم الله ، لأن
هذه الشهوات بين أيديهم ، وفي متناولهم ، والإنسان
عجول ، أما إذا اختار الآجلة فالأمر على عكس العاجلة .
كلا بل تحبون العاجلة ، وتذرون الآخرة " .
( سورة القيامة : 20 ـ 21 )
إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا "
( سورة الإنسان : 27 ) .
فالإنسان إذا استجاب إلى طبعه ، وإلى عجلته ، عندئذٍ
يعصي ويرتكب الموبقات ، ويعيش كما يقول الوجوديون:
ليعِشْ لحظته ، فهو الآن قوي ليستمتع بقوته ، غني
ليستمتع بماله .
أما الإنسان إذا أحكم عقله ، فإني أضرب لكم مثلاً
بسيطاً ، لكن له دلالة كبيرة ؛ قبل سنين ، حافلة حي
المهاجرين ، كانت تقف بساحة المرجة أمام مركز التسويق
العراقي ، في أيام الصيف الحارة ، صعد للحافلة راكبٌ ،
فوجد على اليمين شمسًا ، وعلى اليسار ظلاً ، بحكم
طبيعته قعد في الظل على اليسار ، فلما انطلقت الحافلة
، ودارت بساحة المرجة ، فخلال دقيقة واحدة ، انعكست
الجهة لآخر الخط ، وبقي طيلة الوقت في الشمس ، فأنا
لما أركب الحافلة كنت ألاحظ الركاب ، فالذي يشغِّل
فكره يقعد بالشمس ، والذي يستجيب لطبيعة جسمه يقعد في
الظل ، لكن بعد دقيقة واحدة عندما تدور الحافلة تنعكس
الجهة ، فمَن اختار الظل تمتع به دقيقة ، ومَن اختار
مقعده تحت الشمس تحملها دقيقة ، ثم راح يتمتع بالظل
عشرين دقيقة ، ومَن اختار الظل راح يتنعم دقيقة ،
ويتحمل أشعة الشمس الحارة عشرين دقيقة ، فالفرق بين
الراكبَيْن ، واحد أعمل عقله ، والآخر عطل عقله ، وهذا
المثل لو أنه مثل بسيط ، لكن له دلالة كبيرة .
فأيّ إنسان بحكم عقله ، ويفكر فإنه يختار الآجلة إلى
الأبد ، وأي إنسان يعطل عقله ، فبين يديه الكثيرُ مِن
في شهوات ، أموال حرام ، نساء كاسيات عاريات ، طعام ،
احتفالات ، اختلاط ، مكاسب ، يا نصيب تارةً ، واختلاط
تارةً ، ورحلة سياحية تارةً ، فإنه يختار العاجلة ،
والله عز وجل قال : "كلا بل تحبون العاجلة ، وتذرون
الآخرة ".
إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ،
نحن خلقناهم وشددنا أسرهم.
فلما يحكِّم الإنسان عقله فإنه يختار الآخرة ، مع أنها
بعيدة المدى ، ويرفض الدنيا مع أنها في متناول يديه .
أما إذا عطل عقله ، فإنه عيش لحظته كالوجوديين ، فما
دام يعيش إذاً هو يأكل ويشرب، ويتمتع بدون ضوابط ،
بدون قيم ، دون مبادئ ، دون افعل ولا تفعل ، دون منهج
، دون دستور ، كالدابة السائمة ، كالدابة الطليقة ،
تفعل ما تشاء بدون قيد أو شرط .
إذاً لما فطَرَ ربنا عز وجل الإنسانَ على حبِّ العاجلة
مِن أجل أن يرقى ، إذا جاهدها ، لأنه لو اختار الآجلة
لعاكس طبيعة نفسه .
وبالمناسبة إخواننا الكرام ؛ الإنسان له طبع ، وله
فطرة ، ولديه تكليف ، والطبع يتناقض مع التكليف غالباً
، التكليف أن تصلي الفجر في وقته ، وجسم الإنسان يميل
إلى النوم والاسترخاء ، ولا سيما في أيام الشتاء
الباردة ، والفراش وثير ، ودافئ ، نام الساعة الواحدة
متأخرًا ، وهو مرتاح ، فطبعك يدعوك إلى النوم ،
والتكليف يدعوك إلى الصلاة ، والمؤذن يقول الصلاة خير
من النوم ، وطبعك يدعوك إلى إطلاق البصر في النساء ،
كي تستمتع بحسنهن ، لكن التكليف يدعوك أن تغض البصر عن
محارم الله ، طبعك يدعوك أن تقبض المال ، والتكليف
يأمرك أن تنفق المال ، طبعك يدعوك أن تتحدث عن عورات
الناس ، عن قصصهم ، عن فضائحهم ، عن سقطاتهم ، عن
مشكلاتهم ، عن خصوماتهم ، لماذا طلق فلان فلانة ؟
ولماذا تزوج فلانة ؟ وما خلفية الموضوع ؟
طبعك يدفعك إلى تقصي أخبار الناس ، لكن التكليف يقول
لك : "ولا يغتب بعضكم بعضا" .
( سورة الحجرات : 12 ) .
"من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه
".
الملاحظ إذاً أن الطبع يختلف مع التكليف ، لماذا يختلف
مع التكليف ؟ من أجل أن ترقى، لو توافق الطبع مع
التكليف لارتقى أبداً ، والتغت العبادة ، والتغت الجنة
، ولم يعُد هناك ثواب ولا عقاب ، إذا توافق الطبع مع
التكليف ، لكن التكليف يتناسب مع الفطرة ، أنا قلت
الطبع ، والطبع أقرب إلى الجسد ، والفطرة أقرب إلى
النفس .
فلما يتعرف الإنسان إلى الله ، ويستقيم على أمره ،
تهدأ نفسه ، ويطمئن قلبه ، ويشعر بسعادة لا توصف ،
لأنه توافق مع فطرته .
إذاً من ينشد السعادة الحقيقية ، فعليه بتطبيق أمر
الله عز وجل ، ولو كان أمر الله في ظاهره فيه تكليف ،
وكلفة ، وجهد ، لولا هذا الجهد لما ارتقى إطلاقاً .
لو فرضنا أنّ جامعة وزعت على الطلاب أوراق الإجابة ،
مطبوع عليها الجواب التام، فما عليك إلا أن تكتب اسمك
ورقمك ، كله طالبٍ يحصل على مئة درجة ، ومنحت تلك
الجامعة الشهادات العليا ، الليسانس ، والدكتوراه هذه
الشهادات هل لها قيمة عند الناس؟ هل لها قيمة عند
الطلاب ؟ لا قيمة لها ، صفر في الحقيقة ، لأن هذه
الشهادات لم يكن لصاحبها جهد مبذول .
أما لما تكون المواد صعبة ، ولا بد لها مِن دراسة شاقة
، ودخول امتحان صعب ، وأسئلة معقدة ، وسُلَّم دقيق ،
وتصحيح دقيق ، فعندئذٍ لما ينجح الطالب يتيه على
أقرانه بهذا النجاح الذي مقابله في جهد مُضنٍ .
فالإنسان لا يطمع أن يكون التكليف موافقًا للطبع ،
يطمع أن يجد الدين مثل ما يريد تمامًا ، يريد من الدين
أن يُسمَح فيه بكذا ، وكذا ، وكذا ، يأخذ ما فيه راحته
، ويتصيد الرخص .
لذلك فقد أردت من هذا الدرس ، أن أشير إلى ناحية واحدة
، أن الإنسان خلق عجولا ، يحب الشيء الذي بين يديه ،
ولا يحب الشيء البعيد ، فالمؤمن إذا اختار الآخرة ،
وما عند الله ، فقد خالف طبعه، و لما خالف طبعه ارتقى
عند الله .
وغالباً الطبع أقرب إلى الجسد ، والفطرة أقرب إلى
النفس ، وتكاليف الشرع لا تتوافق مع الطبع ، لقوله
تعالى : "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
، فإن الجنة هي المأوى" .
( سورة النازعات : 40 ـ 41 ) .
لكن الإنسان إذا طبق أمر الله عز وجل وعاكس هواه ، في
النهاية ترتاح نفسه ، لأن هذا الكمال الذي حصله ، وتلك
الطمأنينة التي اكتسبها ، هذه غذاء الفطرة .
لذلك قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين
القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
( سورة الروم : 30 ) .
إخوانا الكرام ؛ أقول لكم هذه الكلمات وهي دقيقة ، في
النفس فراغ لا يملؤه المال ، قد تملك مئات الملايين ،
وفي النفس فراغ لا تملؤه القوة ، وقد تكون أقوى
الأقوياء ، في النفس فراغ لا تملؤه الشهادات العليا ،
والدرجات العلمية العالية ، في النفس فراغ لا تملؤه
الأسرة الناجحة ، في بالنفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان
، من دون إيمان يعيش الإنسان في قلق ، والدليل :"
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم
القيامة أعمى " .
( سورة طه : 124 ) .
أما لو أنّ الإنسان استقام على أمر الله فالحياة
الطيبة هانئة ، قال تعالى : "من عمل صالحا من ذكر
أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " .
( سورة النحل : 97 )
فنحن موعودون بالحياة الطيبة ، من قبل الله عز وجل .
والله أيها الإخوة ؛ لزوال الكون أهونُ على الله من
ألاّ تتحقق وعوده ووعيده بأي عصر ومصر ، وبأي وقت ، من
أي منبت طبقي أنت ؟ من أي أم وأب ؟ من أي بلدة ؟ من أي
مكان ؟ من أي زمان ؟ من أي إمكانيات كنت ؟ حينما
تستقيم على أمر الله ، فلك من الله حياة طيبة ، وأي
إنسان مهما كان قوياً ، مهما كان غنياً ، مهما كان
جباراً ، إذا أعرض عن الله عز وجل فإن له معيشة ضنكا .
والله أيها الإخوة ؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا
هاتان الآيتان لكفتانا من عمل صالحا من ذكر أو
أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة .
( سورة النحل : 97 )
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم
القيامة أعمى
.
( سورة طه : 124 )
أمّا الآية الثالثة ، فدققوا فيها ، والله لو
أنني أتلو هذه الآية آلاف المرات ، لا أرتوي منها .
"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا
وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون "
.
( سورة الجاثية : 21 )
أَيُعامَل المؤمن من الله كما يعامل الكافر ؟ في بيته
، في عمله ، في صحته ، في زوجته ، في أولاده ، في
طمأنينته ، في سعادته ، في إقباله ، في إشراق نفسه ،
في تفاؤله في المستقبل ، تجد شخصًا غنيًا لو أنفق كل
يوم مئة ألف لبقي لديه ما يفيض على حياته ، ولو عاش
مئة سنة ، ومع ذلك فهو متضايق ، وقلق ، ويقول : السوق
مسموم ، ولا نربح ، وما هذه الحياة ، ولا يُعاش في هذا
البلد ، ومعه أموال واللهِ لا تأكلها النيران ،
ويقابلك مؤمن لا يملك إلا قوت يومه ، ويقول : الحمد
لله من أعماقه ، راضيًا بعيشه .
هذه السعادة لها سّر ، السعادة أيها الإخوة لا تأتي من
الخارج ، لا تأتي من بيت واسع ، ولا من زوجة جميلة ،
ولا من أموال طائلة ، ولا من بيت بالمصيف ، ولا من
مركبة فاخرة .
السعادة تنبع من الداخل ، لما يتجلى ربنا على المؤمن
يشعر بالسرور والسعادة ، إذ قال لك : أنا أسعد الناس
فصدِّقْه ، ذات مرة قال لي شخصٌ كلمة ، أقسَمَ بالله
ليس في الأرض - "أقسم بالله" - مَن هو أسعد مني ، فقلت
: هذا الكلام ليس معقولاً ، ثم استدرك قائلاً : إلا أن
يكون أتقى مني ، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن
يكون أتقى مني .
فلما يتعامل الإنسان مع خالق الكون ، ويمشي على منهج
الله ، يجعل بيته إسلاميًا ، وعمله إسلاميًا ، يقرأ
القرآن ، يذكر الله ، ويترك هذه الأجهزة التي تسمم
حياتنا ، وتجعل حياتنا كلها حياة جنس ، حيث المصيبة
الكبرى ، والخسارة المردية ، فنعوذ بالله مِن ذلك ،
والحمد لله رب العالمين . |