|
سورة النساء (4) : الدرس 8/9 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 007 - د .
الموضوع :
الغلو في الدين – الآية 171 .
تدقيق
اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء آية هي
الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله
تعالى :
وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول : "إياكم
والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم
"، الغلو في الدين .
يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام
السابقة ، فما هو الغلو في الدين ؟.
أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل ، إن في الدين كليات
ثلاث .
- كلية العقيدة ...
- كلية القلب ...
- كلية السلوك ...
فالإنسان له عقل ، وغذاؤه العلم ، وله قلب وغذاؤه
الذكر ، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع .
هذه الكليات الثلاث ، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير
طبيعي ، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين ،
فهذا هو الغلو في الدين .
يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك ،
أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك ، أو
أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل .
حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً ،
هذا هو الغلو في الدين ، فهذا الذي يظن أن الفكر كل
شيء ، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه ، وقع في الغلو ، وهذا
الذي يعمل ليلاً ونهاراً ، ويهمل إغناء عقله بالحقائق
، وإغناء قلبه بالذكر ، وقع في الغلو .
هذا نوع من أنواع الغلو ، لذلك نحن أمام تطرف ، وأمام
تفوق ، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً ،
فنحن أمام التفوق .
وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم
، كانوا متفوقين ، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل ،
فرساناً في النهار ، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله
في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في
الليل .
أحد الرسل ، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على
أذربيجان ، فقَدِم المدينة ليلاً ، وكره أن يطرق باب
أمير المؤمنين في الليل ، فتوجه إلى مسجد النبي عليه
الصلاة والسلام ، ظلامٌ دامس ، في هذا المسجد سمع
رجلاً يناجي ربه ، يقول يا رب : هل قبلت توبتي لأهنئ
نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها ، فقال هذا الرسول : من أنت
يرحمك الله؟ قال : أنا عمر ، فقال الرسول : يا سبحان
الله ، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين ، فقال عمر :
إني إن نمت ليلي كله ، أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت
نهاري أضعت رعيتي ، إن لله عملاً في الليل لا يقبله
بالنهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل .
ثم تابعا إلى أن أذن الفجر ، فصلَّيا ، ومن باب
التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته ، وقال
: يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت :
واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح ، فقال : هاته ، فأكل
سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح ، وكان قد خيره ؛
أتأكل عندي في البيت ، أم مع فقراء المسلمين ، طبعاً
مع فقراء المسلمين هناك اللحم ، أما في بيت خليفة
المسلمين خبزٌ وملح ، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير
المؤمنين متميّز .
وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه
، وقال : قرقر أيها البطن أو لا تقرقر ، فوالله لن
تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، فلما انتهيا
من تناول الطعام ، دعا سيدنا عمر ، فقال : الحمد لله
الذي أطعمنا فأشبعنا ، وأسقانا فأروانا.
ثم التفت إلى هذا الرسول ، قال يا هذا : ما الذي جاء
بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال : معي علبةٌ فيها حُلْوٌ
من أذربيجان ، هديةٌ من عاملك ، قال : أو يأكل عامة
المسلمين هذا الطعام ؟ قال : لا ، هذا طعام الخاصة ،
الطبقة الغنية ، قال يا هذا : أَوَ أعطيت فقراء
المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال : لا : هذه لك وحدك
، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ
عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين ، قائلاً له
: كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟ ،
وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة
، وقال : حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها
فقراء المسلمين .
الغلو في الدين ، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛
أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق ، فكان
أصحاب رسول الله متفوقين ، لأن الجوانب الثلاثة ، نمت
عندهم نمواً متوازياً .
أما حينما ينمو جانب على حساب جانب ، فهذا هو
التطرف ، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين ، وليس في
خدمة المسلمين .
شيءٌ آخر ، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين
ويجعله أصلاً ، هذا أيضاً تطرف ، هناك من يتعصب لفئةٍ
أو لجماعةٍ ، أو لشخص ، أو لعصرٍ ، هذا إذاً تطرف ،
وغلو في الدين ، التعبير الحديث "تطرف" ، أمّا التعبير
القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ ، أو
لجماعةٍ ، أو لرجلٍ ، أو لعصرٍ ، أو لحقبةٍ ، مع أن
الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن
يحتكره ، ولا جماعةٌ ، ولا فئةٌ ، ولا أمةٌ ، ولاشعبٌ
وبلدٌ ، ولا مصرٌ ، ولا عصرٌ ، ولا حقبةٌ .
دين الله لا يحتكر ، دين الله لعباد الله ،
فمن تعصب ، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين ، فقد تطرف ،
وغلا في الدين .
إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم ،
هذا ورد عن رسول الله . إخوانا الكرام ؛ لقد قال
الشيطان : "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ولآتينهم من
بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ثم لا
تجد أكثرهم شاكرين ".
( سورة الأعراف : 17 )
في الآية شيءٌ دقيق ، "لأقعدن لهم صراطك المستقيم"
، أي إنّ الشاب لمجرد أن يتوب إلى الله عز وجل ، ويسلك
الطريق الصحيح يأتيه الشيطان ، موسوساً ، محمساً ،
داعياً إياه إلى المعصية ، حينما كان غارقاً في
المعاصي تركه الشيطان ، فمتى أقبل عليه الشيطان ؟
حينما انطلق إلى الرحمن ، "لأقعدن لهم صراطك
المستقيم" ، يعني أنا على الطريق إليك فإذا سلك
أحدٌ هذا الطريق ، لأقعدن في الطريق ولأوسوسنّ له ،
هذه أول مهمة للشيطان .
أحيانا يقول لك شخص : يا أخي كنت غارقًا في المعاصي ،
ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً ، فلما اتجهت إلى الله
اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء .
" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون
، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا
وليعلمن الكاذبين
"
( سورة العنكبوت : 2 - 3 )
ماذا تعني : " ولآتينهم من بين أيديهم " ؟ يعني
من أمامهم ، فأكبر دعوة للشيطان ، يقول لك : التحديث
عنوان الحياة ، ونحن في عصر العلم ، وهذه كلها تقاليد
بالية ، هذه عادات الآباء والأجداد ، وقد كانوا جهلة .
فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال
واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة ، حينما يحل
التحديث محل الدين الصحيح ، فهذه دعوةٌ شيطانية ، هي
" من بين أيديهم ".
أما : "ومن خلفهم "، حينما ينشأ مجتمع على
عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان ، أو
أشياء لا ترضي الله عز وجل ، كسب المال حرام ، وإنفاق
المال ، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال
، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة
أيضاً دعوة شيطانية .
كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ
هناك ستة جهات ؛ أمام ، خلف ، يمين ، يسار ، فوق ، تحت
.
الآن أول جهة الأمام ، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء
المستجدة ، والبدع محل الدين الأصيل .
ثم " من خلفهم "، الدعوة إلى التمسك بالتقاليد
البالية المخالفة للدين ، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع
زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات ، ثم
يقول : نحن تربينا على هذا ، وهكذا نشئنا ، وهكذا
العادات ، وإلاّ تكلَّم الناس علينا .
الدعوة إلى الجديد "من بين أيديهم" ،
الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع، "من
خلفهم" .
أمّا "عن إيمانهم " ، فنجمِّدها قليلاً
، لكن : " وعن شمائلهم "، الدعوة إلى
المعاصي ؛ الزنى ، والسرقة ، وشرب الخمور ، والملاهي ،
إلخ ...
أما ... "عن أيمانهم" ، الشيطان يأتيك
من قبل الدين ، عن طريق الغلو ، فالغلو في الدين ، مَن
المنتفع منه ، الشيطان ، المسلمون حينما يتفرقون ،
ويتخاصمون ، ويتفتتون ، ويضعفون ، مَن الرابح الوحيد
في هذه المعركة ؟ الشيطان ، ومن المنتفع ؟ الشيطان ،
لذلك "من بين أيديهم" الغلو في الدين .
يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً ، أو يأخذ أصلاً
فيضخمه ويجعل منه الدين كله ، أو يتعصب لجماعة ، أو
لفئة ، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية
، سأقول مبدئياً : لا ينتفع منها إلا الشيطان .
يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ ، جهة " فوق " ما ذكرها
القرآن الكريم ، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم ،
قال ، ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
أيمانهم وعن شمائلهم " ، فقط .
إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة
تحت .
قال العلماء : جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع
الشيطان أن يأتيك من جهة السماء ، يعني إذا اتجهت إلى
الله أحرقت الشيطان ، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا
يستطيع الشيطان أن يقترب منك ، ولا أن يلقي في قلبك أو
نفسك شيئاً ، ولا أن يوسوس لك ، لمجرد أن تتصل بالله
عز وجل ، "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق "
(سورة الفلق : 1 - 2 )
"قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس
الخناس "
(سورة الناس : 1 - 2 -3 - 4 )
يوسوس ، فإن قلت : يا رب خنس ، فالشيطان ضعيف ، وسواس
خناس ، يوسوس ، فإذا استعذت بالله عز وجل خنس .
"وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ، فاستعذ بالله إنه سميع
عليم ، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان
تذكروا فإذا هم مبصرون ".
( سورة الأعراف : 200 - 201 )
لذلك فالقرآن الكريم أغفل جهة فوق ، لأن جهة فوق تعني
الاتصال بالله عز وجل ، والإنسان حينما يتصل بالله عز
وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منه .
هذا طيب ، وجهة تحت ، لماذا أغفلها الله عز
وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل ،
الإنسان حينما يفتقر إلى الله ، لا يستطيع الشيطان أن
يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله ، ومن
جهة القرب من الله ، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك
منهما ، لكن "من بين أيديهم " شيء حديث ، أجهزة
حديثة ، اتصالات ، لقاءات ، حفلات مختلطة ، مثلاً ،
وسفور ، وعمل المرأة في الحقل العام ، أشياء لم تكن من
قبل .
"من خلفهم
" تقاليد بالية ، الأخذ بالثأر مثلاً ، كلها أشياء ما
أنزل الله بها من سلطان .
"عن أيمانهم
" من طرف الدين وناحيته ، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل
إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه ، وأن يهلكه عن يمينه
، أحياناً بالوسوسة ، وأحيانًا بالابتداع ، وأحيانًا
بالحقد على بقية المسلمين ، أو بالتفرقة بينهم ،
وأحيانًا بالتعصب لجهة ، أو لجماعة ، أو لفئة ، أو
لشخص ، وتكفير من سواهم ، "ولآتينهم من بين أيديهم
ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ثم لا تجد أكثرهم
شاكرين" .
إذاً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ، الكلام
لأهل الكتاب ، والمقصود الآن المسلمون ، وورد عن النبي
عليه الصلاة والسلام : إياكم والغلو في الدين !! فإنه
أهلك من كان قبلكم ، الغلو في الدين خطِرٌ
خطرًا مدمِّرًا .
يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً ، أو أن تضخم
أصلاً فتجعله ديناً ، على حساب الفروع الأخرى ، أو على
حساب الكليات الأخرى ، وبهذا يتمزق الإسلام ، ويتطرف
الناسُ فيه ، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته .
والحمد لله رب العالمين |