|
سورة النساء (4) : الدرس 6/9 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 007 - ب .
الموضوع : متى يتوقف العلاج الإلهي – الآية
147 .
تدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة
النساء الآية السابعة والأربعون بعد المئة ، يقول
سبحانه و تعالى :
كيف يتوقف عذاب الله عز وجل ؟
عن كل إنسان ، آمن به وشكره ، هذا الجواب أيها الإخوة
.
هذا الكون بسماواته وأرضه ،
مسخر للإنسان تسخرين ؛ تسخير تعريف .... وتسخير تكريم
....
أضرب لكم مثلاً ، لو أن لك
صديقاً مهندساً في الإلكترون ، قدّم لك جهاز هاتف من
أعلى مستوى ، قدمه لك هديةً ، وهذا الجهاز نادر ،
ويؤدِّي خدمات كثيرة ، ينوب مناب إنسان ، أنت أمام هذه
الهدية العالية مستواها ، أمام شعورين ؛ شعور امتنان
لأن هذا الجهاز قدم لك هدية ، وشعور إكبار لهذا العلم
الدقيق الذي وراء هذا الجهاز .
هذا معنى قولي ... تسخير تعريف ...
وتسخير تكريم ...
فالكون له مهمتان ؟
المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من
خلاله .
والمهمة الثانية أن تنتفع به .
رد فعل التعرف ، إيمان ، ورد فعل
الانتفاع ، الشكر .
فإذا آمنت وشكرت ، فقد حققت الهدف من
وجودك ، وحينما تحقق الهدف من وجودك يتوقف العلاج
الإلهي .
"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأمنتم
" .
أنت متى تتيقن ، أن كل أنواع المعالجات
، والمضايقات ، والشدائد ، والمصائب ، تتوقف ضدّك !
حينما تحقق الهدف من وجودك .
إنَّ الأب الذي يتمنى لابنه أن يكون
طبيباً ، يضيِّق عليه ، يشدِّد عليه ، متى يتوقف
التضييق والتشديد ؟ إذا دخل كلية الطب ، ونال علاماتٍ
عالية ، فقدْ حقق الهدف من تخطيط الأب ، لذلك متى
يتوقف العلاج ؟ متى يتوقف التشديد ؟ التعقيب ؟
المضايقة ؟ الإلجاء ؟ الهم ؟ الحزن ؟
حينما يحقق الإنسان الهدف من وجوده ،
وهذه آيةٌ دقيقةٌ .
الله سبحانه وتعالى لا يعذب
عباده إلا لهدف كبير ، لأنّ الشر المطلق لا وجود له في
الكون .
مثلاً أب طبيب جراح ، وله ابن
يتمتع بصحة جيدة ، فهل يضعه على منصة التشريح ، ويخدره
ويفتح بطنه بلا سبب ؟ مستحيل .
أبٌ طبيبٌ جراح ، قلت : أب لأن
في قلبه رحمة لا حدود لها تجاه ابنه ، وقلت : طبيب
لأنه يعلم وهو جراح أيضًا ، أيضع ابنه على المشرحة ،
ويفتح بطنه بلا سبب ؟ أما إذا رأيت أباً يفتح بطن ابنه
، فالمعنى أنّه يعاني من التهاب زائدة .
" ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم
وآمنتم وكان الله شاكراً عليما
".
يعني إذا أردت أن يتوقف العلاج
الإلهي ، والشدة الإلهية ، فعليك بتحقيق الهدف من
وجودك ، وتحقيق الهدف من وجودك في هذه الآية ، يتمثل
بإيمانك بالله ، كرد فعلٍ على أن الكون مسخرٌ لك تسخير
تعريف ، وبشكره كرد فعلٍ على أن هذا الكون مسخر لك
تسخير تكريم ، والله عز وجل يقول : "وسخر لكم ما في
السموات وما في الأرض جميعاً منه "
( سورة الجاثية : 13 )
بنص القرآن الكريم .
أيها الإخوة ؛ رأى النبيُّ عليه الصلاة
والسلام
–
مما يؤكد هذا المعنى
–
مرةً هلالاً فقال: هلال خيرٍ ورشد ، هلال خيرٍ ورشد ،
يعني هذا الهلال يرشدني إلى الله ، وأنتفع به في عد
الأيام والأسابيع ،
"لتعلموا عدد السنين والحساب
".
( سورة يونس : 5 )
الآن مرحلة ثانية : أية مهمةٍ أعظم ،
أن تهتدي بالكون ، أم أن تنتفع به ؟ الحقيقة الأجانب
الغربيون ، انتفعوا بالكون أشد الانتفاع ، يعني ما من
أمةٍ وصلت إلى أعماق البحار ، وصلت إلى الأقمار ،
استغلت المناجم ، الفلزات ، المعادن ، كل شيء مستخدم
ومسخر إلى أعلى درجة ، وقد أثبت الله لكم ذلك : "يعلمون
ظاهراً من الحياة الدنيا ".
( سورة الروم : 7 )
لكن مهمة الكون لتعريفك بالله ، أعظم
مليون مرة من مهمة الكون في الانتفاع به .
لو كان دخلك محدودًا ، حيث لا
يسمح لك أن تأكل العسل ، وأمسكت كتاباً عن النحل ،
وقرأت عن عجائب النحل ، كيف أن كل كيلو عسل ، محصلة
طيران أربعمئة ألف كيلو متر ، لو أننا كلفنا نحلةً
واحدة ، أن تصنع لنا كيلو عسل ، لاحتاجت أن تطير حول
الأرض عشر مرات ، وأن هذه النحلة ، فيها أجهزة لا
يعلمها إلى الله ، لا تقف على زهرةٍ امْتُصَّ رحيقُها
، توفيراً لوقتها وجهدها ، أكرِّر : لا تقف على زهرةٍ
امتص رحيقها ، وأن النحلات العاملات ترقص رقصاتٍ ،
تُعلم بقية النحلات العاملات ، كم هي المسافة بينهم
وبين الأزهار ، هناك بحث قائم بذاته اسمه "رقص النحل"
، والشيء الذي لا يصدق أنها تصنع هذا الشمع ، بشكل
سداسي منتظم ، ليس فيه فراغات بينية ، هناك ملكة ،
وهناك ذكور ، وهناك عاملات ، بعض العاملات وصيفات
للملكة ، يأتين بغذاءٍ ملكيٍّ خاص ، مأخوذٍ من غبار
الطلع ، وبعض العاملات تنظف الخلية ، فإذا وجدنَ فيها
حشرةً كبيرةً ، يغلفنها بطبقة شمع حتى لا تؤذي وتتفسخ
، وبعض العاملات تُهوِّي هذه الخلية ، وبعض العاملات
تحمل ، والموضوع طويل الذيل ، وقد أُلِّفتْ كتب كثيرة
حول النحل وطريقة عمله وأسلوب حياته .
فلو أن إنساناً قرأ كتاباً عن
النحل ، فخشع قلبه ، وانهمرت عيناه ، ولم يسمح له
دخلُه أن يأكل لعقة عسلٍ واحدة ، بينما إنسان آخر كاد
ينفزر من أكل العسل ، من الذي حقق الهدف من وجود النحل
والعسل ؟ هو الذي عرف الله من خلال هذه الآيات .
لذلك أن تعرف الله من خلال
الكون أعظمُ بكثير من أن تنتفع به ، كل أهل الدنيا
انتفعوا بالكون ، الكفار ، الملحدون ، ما من إنسان إلا
وينتفع بالكون ، لكن المؤمن وحده ، هو الذي يهتدي
بالكون إلى الله ، هو الذي يعبر بالكون إلى المكون ،
من النظام إلى المنظم ، من التسيير إلى المسير ، من
التربية إلى المربِّي ، من النعمة إلى المُنعم .
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛
يجب أن نعلم أنّ كأس الماء ، كأس الحليب ، رغيف الخبز
، قطعة الجبن ، البرتقالة ، التفاحة ، ابنك الذي أمامك
، الفراش الذي تنام عليه ، اللحاف الذي تتدثر به ،
ثيابك التي تلبسها ، الشمس والقمر ، الليل والنهار ،
البحار ، الأسماك ، الأطيار ، كل شيءٍ حولك يدل على
الله ، فحينما لا تُعمل فكرك في الكون ، فقد عطلت أكبر
شيئاً فيك ، وهو أنه دليلك إلى الله عز وجل ، أما إذا
انتفعت منه فقط ، فشأنُك شأنُ أهل الدنيا الذين
ينتفعون بالكون ، الكفار ينتفعون بالكون ، الملحدون
ينتفعون بالكون ، الانتفاع بالماء والهواء ، والزراعة
، والصناعة ، كل إنسان ينتفع بالكون .
النبي الكريم يقول : هلال خيرٍ ورشد .
تنتفع به ، لكن ينبغي أن
تهتدي به أيضاً ، فالإنسان إذا أكل شيئًا ، أو شرب
شيئًا ، أو نام ، فالنوم والأكل والشرب نعمة ، وإذا
نظر فالنظر نعمة ، إذا استمع فالاستماع نعمة ، إذا
تكلم فالتكلم نعمة .
يأكل وينام ، هناك أجهزة
معقدة أيّما تعقيد ، عملية هضم معقدة ، البنكرياس
والكبد ، والصفراء ، والحركة المعوية ، والعصارات
الهاضمة .
الإنسان إذا لم يفكر في تكوين جسمه ،
لا ينتفع بعقله ، لذلك هذه الآية من أدق الآيات .
"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم
وكان الله شاكراً عليماً
".
حينما تؤمن ، وحينما تشكر ،
فإيمانك ردُّ فعل أن الكون مسخر تسخيرَ تعريف ، وشكرك
ردٌ على أن الكون ، مسخر تسخير تكريم ، فإذا آمنت
وشكرت ، توقف العلاج الإلهي .
قال الله تعالى : "ما يفعل الله
بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ".
هل أدركنا لماذا إن شكرتم وآمنتم ،
فلِمَ لمْ يقل الله عز وجل إن شكرتم وصبرتم ، إن شكرتم
وأطعتم ؟ بل قال : إن شكرتم وآمنتم .
لأن الشكر دليلٌ أنك تأثرت
بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تكريم والإيمان دليل ...
أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تعريف ، فإذا
آمنت وشكرت ، ما يفعل الله بعذابك ؟
هذه الآيات الكريمة أيها الإخوة : مرةً
ثانية وثالثة ، يقول عليه الصلاة والسلام :
بلغوا عني ولو آية "، أجل ولو آية
.
أنا أعطي آية واحدة خلال الدرس ، لا
أضيف آية ثانية ، فإذا استوعب الإنسان معناها وعقل
الغاية منها ، وحدثها بها زوجتَه ، أولاده ، جيرانه ،
شركائه ، فما منا أحد إلا عنده سهرة أو سهرتان في
الأسبوع ؟ لقاء ، لقاءان ، هل منا أحد بلا عمل ؟ أماله
أصدقاء ، جيران ، " بلغوا عني ولو آية" ، هكذا
قال عليه الصلاة والسلام ، وإذا ما تذكرت معناها في
شريط مسجل ، وشرحت هذا المعنى لجلسائك فقد بلغتَ غاية
كبرى ، فلذلك نأخذ القرآنَ آية ، آية ، نحن نمشي في
القرآن بالتسلسل ، إن شاء الله ، فكلما حان وقتُ درس
جديد ، نختار آية من هذه الآيات الأساسية ، التي تعد
ركناً من أركان الإيمان ، ونعالجها حتى نقطف ثمراتها .
والحمد لله رب العالمين
|