|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة البقرة (2).
رقم الدرس : 2/9.
عنوان الدرس : أركان الدعوة - الآية 129 .
تدقيق لغوي : غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق
الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى .
فماذا دعا سيدنا إبراهيم ؟ ورد في سورة البقرة في الآية
التاسعة والعشرين بعد المئة قوله تعالى :

إنّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لها أربعة أركان : ربنا
وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك .. أية آيات يا
ترى ؟
إذا توهمنا أنها آيات القرآن الكريم ، بعد قليل يقول الله عز
وجل: ويعلمهم الكتاب.. لذلك يرجح أن تكون الآيات التي
وردت في هذه الآية تشير إلى الآيات الكونية " يتلوا عليهم
آياتك " .
وإذا أردنا أن نجمع بين المعنيين فلنا أن نقول : يتلوا
عليهم آياتك القرآنية الدالة على الآيات الكونية .
أليس في القرآن آيات كونية قرآنية تتحدث عن الكون ؟ والقصد من
ذلك ، أنك من خلال الكون تعرفه ، ويعلمهم الكتاب والحكمة..
الكتاب هو المنهج ، فأنت محتاج إلى شيئين ؛ إلى أن تعرفه أولاً
، وإلى أن تطيعه ثانياً، فبالكون تعرفه ، وبالقرآن تعبده ،
فأنت محتاج إلى أن تعرفه و إلى أن تعبده ، فلو أننا أهملنا
معرفته لم تصح العبادة .
وأغلب الظن أنّ الإنسان يلجأ إلى أساليب كثيرة يحتال بها على
الشرع ، فمن الذي يحتال على الشرع ؟ هو الذي لا يعرف المشرع .
لذلك أية دعوة إلى الله لا تبدأ بالتعريف بالله ، وتسمي
بالتعريف من أجله لا تنجح .
والنبي صلى الله عليه وسلم بقي بمكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً
، يُعرِّف أصحابه بالله، فلما تَرسَّخ الإيمان في قلوبهم ،
وعرفوا الله معرفة صحيحة، وقدروه حق قدره ، عندئذ نزل التشريع
وطبَّقوه نصاً وروحاً.
أمّا إذا كانت معرفة المرء بالله قليلة ، فعندئذٍ لو جاءَهُ
التشريعُ فإنّه يطبِّقه نصاً لا روحاً.
إنّ كل الحيل الشرعية أساسها ضعف في معرفة الله عز وجل .
فأركان الدعوة إلى الله : وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا
عليهم آياتك ؛ الآيات الكونية الدالة على عظمة الله .
إخواننا الكرام ؛ لا بد من مثل موضِّحٍ ، وها أنذا أسوقه :
هناك في أمعاء الإنسان غشاء شفاف ، هذا الغشاء الشفاف
اسمه الغشاء البرتوني ، له دورٌ خطيرٌ في الدم ، وفيه عقد
بلغمية ونهايات عصبية ، وهو يحمل الأمعاء بشكل مرن ، ولو أنه
حملها بشكل غير مرن لاضطرب عملها ، فالأمعاء أساسها أنّ لها
حركة ميكانيكية من أجل الهضم ، فلا بد من أن تُحمل.
وفي المركبة هذا العازل حامل الغاز محول ، وهو محول بحلقات
مطاطية، يحث يتحرك مع المحرك ، دون أن يُزعج السيارة ، فهذا
معلق ، لكنه تعليق حركي .
والأمعاء معلقة في البطن بتعليق حركي ، معلقة بغشاء يسمح لها
بالحركة عن علم ، فهذا الغشاء :
أولاً : يحمل الأمعاء حملاً مرناً .
ثانياً : فيه نهايات عصبية .
ثالثاً : فيه عقد بلغمية ، أما هذه العقد البلغمية فشيء لا
يصدق ؛ إنها مركز دفاع .. فيه قسم على شكل جنود استطلاع ، وقسم
على شكل جنود تصنيع أسلحة ، وقسم آخر على شكل جنود مقاتلين.
فإذا حصل انثقاب بالأمعاء من التهاب حاد فيها ، وخرج من
الأمعاء بعض الإنتانات ، فهذه العقد البلغمية في الغشاء
البرتوني تنطلق منها جنود لتكشف نوع الجرثوم ، تصنع المصل مرة
ثانية ، ترسل هذا السلاح مع جنود مقاتلين ، كل هذا يتم
بالتعبير الحديث "التطويق" ، يطوق هذا الجرثوم لئلا ينتشر،
ويفشو ضرره في الجسم .
لكن الشيء الغريب ؟ أن هذه الأمعاء ليس فيها أعصاب حس ،فلو
فتحنا أمعاء إنسان وسكبنا فيها ماء ساخنًا لم يشعر صاحبُها
بشيء ، لا أعصاب حس فيها ، أما إذا انثقبت هذه الأمعاء ،
فالنهايات العصبية في الغشاء البرتوني تنقل الألم الشديد
للإنسان.
فالنهايات العصبية جهاز إنذار مبكر ، والعقد البلغمية ؟ جيش
دفاع .
وفي الوقت نفسه هذا الغشاء يحمل الأمعاء حملاً مرنًا ، حيث
إنها تتحرك حركة معوية دون أن يتأثر الحمل .
إذاً : حمل ، وتثبيت مرن ، وجهاز دفاع معقد ، ونهايات عصبية ،
وهذا كلُّه تدبيرُ مَنْ؟
الآن دققوا في قوله تعالى : "وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم
"
(سورة محمد.الآية.15)
فليس هناك أعصاب حس ، فلو أن هذا الماء قطع الأمعاء فعندئذٍ
يبدأ الألم ، وآلام الإنسان لا تبدأ إلا إذا ثُقِبَتْ الأمعاء
، ثم بعدها تتأثر النهايات العصبية .
هل تسمح المعطيات العلمية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
بهذا التفسير؟..
إذاً هذا كلام خالق الكون ، وهذا معنى : يتلوا عليهم آياته
ويعلمهم الكتاب والحكمة.. الكتاب هو القرآن وما فيه ،
والحكمة هي السنة .
القرآن الكريم فيه كليات ، والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته
القولية والعملية يبيِّن ، والكتاب هو المنهج ، والآيات
الكونية هي المعرِّف .
فالآيات الكونية مع المنهج القرآني مع السنة التفصيلية القولية
والعملية ثلاثة أركان للدعوة ، وأما الركن الرابع فقال تعالى :
ويزكيهم..
فإذا حذفنا مكارم الأخلاق من حياة المؤمن ، فقد حذفنا منه كل
شئ ، وبعدها ليس له عند الله شئ ، وإن الإيمان حسن الخلق ،
وتصفو نفوس المؤمنين باتصالهم بربهم : ربنا وابعث فيهم
رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
..
أربعة أركان للدعوة ؛ تلاوة الآيات الكونية كي نعرفه ، ودراسة
الآيات القرآنية كي نعبده ، والاتصال بالله عز وجل كي تزكوَ
نفوسنا بقربه ، فإذا عرفناه بالكون وأطعناه بالقرآن والسنة
واتصلنا به فقد زكت نفوسنا ، وعندئذ نكون قد حققنا المنهج الذي
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأية دعوة بعد النبي صلى
الله عليه وسلم لا تتلمس خصائص دعوة النبي صلى الله عليه
وسلم دعوة لا تنجح .
فلو علَّمنا الناس الفقه وحده ، ولم نعرفهم بالله عز وجل لن
تنجح دعوتنا ، وإذا قدّمنا الأمر على الآمر ، لا ننجح في
دعوتنا ، وإذا أهملنا التزكية يصبح الإسلام ثقافة رفيعة، لكن
المعاملة سيئة ، فإذا ألغينا التزكية ، ألغينا الإسلام ، وإذا
ألغينا المنهج ، ألغينا الإسلام ، وإذا ألغينا تلاوة الآيات ،
ألغينا الإسلام .
إنَّ الإسلام كل متكامل ... لابد من آيات تتلى .. كي نعرف الله
، ولابد من منهج يطبق.. كي نتقرب منه، ولابد من نفوس تتزكى ..
كي نكون أهلاً لدخول الجنة .. هذا معنى الآية الكريمة :(ربنا
وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب
والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) .
إخوانا الكرام قد يُعرِض إنسانٌ عن شيخه احتقاراً له ، أما إذا
أعرض عن الدين فهو يحتقر نفسه .
فإذا أعطاك أحدٌ جوهرة تُقدَّر بثلاثين ألفًا ، وأعطاك قطعة
بللور تقدَّر بليرة ، ثم فكرت .. وفكرت .. وفكرت .. وأخذت قطعة
البللور ، فأنت عندئذ لا تفهم شيئًا إطلاقاً .
عُرضت عليك هديتان ؛ قطعة ألماس أصلي ، و قطعة بللور تشبه قطعة
الماس ، فحينما تُعرِض عن الألماس الصحيح ، وتقبل هذه القطعة
البللورية فأنت حقَّرْتَ نفسك ، إذ برهنت أنك لا تعرف حقائق
الأشياء .
فربنا عز وجل يقول : "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه
نفسه "
فإذا لم يلتفت الإنسان إلى الدين ، ولم يقبل على هذا الدين
الحنيف ، وما اتصل بالله عز وجل ، وما قرأ القرآن ، وما تدبر
آياته ، وما صدق تعاليم الله عز وجل ، فهذا لا يحتقر الدين ،
لكنه يحتقر نفسه ، وهذه الآية :" ومن يرغب عن ملة إبراهيم
إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن
الصالحين .
(سورة البقرة .الآية.130)
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنا دعوة أخي إبراهيم و
بشارة أخي عيسى .
وآخر آية في السياق تريحكم من كل قضية سابقة ، ومن أي خلاف
ديني سابق ، ومن أي خلاف بين مذاهب المسلمين ، ومن أي خلاف بين
الصحابة الكرام ، ومن أي خلاف بين فرق الإسلام ، فهذا الخلاف
كله مغطى بآية واحدة ، وانتهى الأمر ، فقد قال الله تعالى : "
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما
كانوا يعملون".
(سورة البقرة.الآية. 134)
وفر وقتك ، واكسب حياتك ، فالهدف واضح ، والمنهج واضح ، فعليك
ألاّ تدخل في متاهات قديمة ، وعليك ألاَّ تجترَّ حوادث تاريخية
عفا عليها الزمان ، فلا ترجع وتعمل على إحيائها بعد موتها ،
فهذه متاهات لا تنفع المسلمين اليوم ، " تلك أمة قد خلت لها
ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " .
(سورة البقرة.الآية. 134)
فمثلاً شخص في طريقه إلى حلب وهنالك مليون ليرة ليقبضها ، وجرت
وراءه مشادَّة ، فليس له مصلحة في أنْ يرجع إلى الوراء ، وليس
عليه أنْ يتعرف على صاحب الحق في هذه المشادة ، ليكن من كان
، " تلك أمة قد خلت " .
والآن هناك محاولات استعادة التاريخ القديم ، والدخول في دوامة
أنّ الحق مع فلان ، والحق على فلان ، وهذا أحق بالخلافة ، لا
بل هذا أحق منه بها ، لقد مضى كلٌّ مِن هذا وذاك .
يا أخي تلك قضية قديمة ، ولدينا الآن هدف واضح ، وعندنا منهج ،
فهذه الآية تغطي التاريخ كله ، " تلك أمة قد خلت لها ما
كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " .
(سورة البقرة.الآية. 134)
إنَّ كل إنسان له عند الله مكانة ، لمعرفته وإخلاصه وعلمه
واستقامته ، فلا يرفعه مدحنا ولا يخفضه ذمنا ، فلا مدحنا ينفعه
، ولا ذمنا يضره بعد أنْ غدا إلى ربه ، وأصبح في ذمته .
إذاً نحن نريح أنفسنا ونريح الآخرين من كل قضية تاريخية سابقة
، فلم تعُد تقدم ولا تؤخر .
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما
كانوا يعملون ..." .
والحمد لله رب العالمين |