|
سورة النساء (4) : الدرس 4/9 لفضيلة الأستاذ الدكتور
محمد راتب النابلسي
الدرس : 006 - ج .
الموضوع :
الشفاعة – الآية 85 .
تدقيق
اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة والثمانون
من سورة النساء ، وهي قوله تعالى :
إذا كنت أيها المؤمن سبباً في علاقةٍ أدّت إلى مفسدة ،
فعليك وزر هذه المفسدة ، وإن كنت سبباً في علاقةٍ أدت
إلى خير ، إلى هدى ، إلى تقى ، إلى صلاح ، إلى تحقيق
مصالح المسلمين ، إلى التخفيف عنهم ، فَلَكَ منها نصيب
، وإذا كنت سبباً في علاقةٍ سيئةً فعليك منها وزر ،
لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم : "إنّا
نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم"
( سورة يس : 12 )
دقق في كلمة "وآثارهم" ، فأعظم الأعمال عند
الله هي الأعمال التي إذا مات صاحبها ، واستمرت من بعد
موته ، تتجدد منافعها ، يتجدد ثوبها ، من هنا ، ورد عن
النبي عليه الصلاة والسلام : إذا مات ابن آدم انقطع
عمله إلا من ثلاث . صدقةٍ جاريةٍ . وعلم ينتفع به .
وولدٍ صالح يدع له .
لا بد مِن ضرب بعض الأمثلة ؛ لو فتحت محلاً
تجاريًا وكل الزبائن نساء ، واستخدمتَ شابًا في ريعان
الشباب ، فلو نشأ فسادٌ عند هذا الشاب فأنت السبب ،
من يشفع شفاعةً سيئة يكن له كفلٌ منها ، ومن يشفع
شفاعةٌ حسنة يكن له نصيبٌ منها .
فقَبْل أنْ تتحرك ، وقبل أنْ تعمل مشروعًا ،
قبل أنْ توظف ، قبل أنْ تعين ، قبل أنْ تفصل ، قبل
أنْ تعمل أي علاقة ، انتبه إلى أنك إذا كنت سبباً في
علاقةٍ أدت إلى مفسدةٍ ، فعليك وزرُ مثل هذه المفسدة ،
ولو دللت شابًا فاسدًا ليتزوج فتاةً طيبةً ، فأنت الذي
دللت عليه ، فلك من هذا الزواج ، ومما ينتج عن الفساد
منه وزر .
هذه الآية أيها الإخوة : من أدق الآيات التي تجعل
المؤمن يفكر ملياً قبل أن يقدم على عمل .
ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام : إذا أردت إنفاذ
أمرٍ تدبر عاقبته .
يعني ... أنت نصحت صديقك أنْ يبعث ابنه إلى
بريطانيا ، ليتعلم اللغة الإنكليزية ، فهنالك
ببريطانيا مثلاً ، يفرزون الشاب إلى أسرة ، يسكن معهم
ليلاً ونهاراً، فقد تكون فتاة في هذا البيت ، ويمكن
لهذا الشاب أنْ يقع في الزنى ، وأنْ يشرب خمرًا ، أنت
نصحت رفيقك ، ليتعلم ابنه لغة ، فبعثه إلى بريطانيا ،
ليتلقى دروسًا وتدريبات عملية.
قبل أنْ تتكلم كلمة ، وقبل أنْ تنصح ، وقبل أنْ
تقيم علاقة ، قبل أنْ تجمع بين شخصين ، قبل أنْ تدل
على زواج ، قبل أنْ تؤسس مشروعًا ، فقد تكون المفسدة
في نصيحتك أو اقتراحك ، وتوجيهك لهذا المشروع .
قال لي أحد إخوانا الكرام : إنّ بعض الأعمال
تقوم مِن أساسها على معصية ، فإذا أنت ساهمت إما بمالك
، أو بجهدك ، أو بخبرتك ، فلا تعطِ خبرتك ولا رأيك
لمفسدةٍ تقع بين المسلمين .
"من يشفع شفاعةً حسنة يكن له نصيبٌ منها ، ومن يشفع
شفاعةً سيئةً يكن له كفلٌ منها "،
انتبِهْ ؛ كلمة " نصيب"غير كلمة "كفل" ، الكفالة فيها
غرامة ، أما النصيب ففيه ربح ، ما نصيبي من أرباح هذا
العام ، النصيب فيه ربح ، أما الكفالة ففيها مغرم .
هذه الآية أيها الإخوة ، تعضدها الآية الثانية .
إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم
.. "
( سورة يس : 12 )
آثار الأعمال ، أحياناً تشير على إنسان بتطليق
زوجته ، فيطلِّق ، وحينها تريد المرأةُ أن تغيظ زوجها
، فتفسد ، وتدع الصلاة ، وتسفر ، وتختلط بالرجال ،
فأنت الذي أشرت على الصديق أن يطلق زوجته ، والآثار
المترتبة على هذا الطلاق ، أنت أيها المشير تتحملُ
كفلاً منها ، وبالمقابل إذا دللت إنسانًا على مجلس علم
، دللته على خير ، على أبواب الخير ، على دفع زكاة
ماله ، على غض بصره .
فأيَّة دلالةٍ تدل بها إنسانًا تنتهي بخيرٍ
في الدنيا أو في الآخرة فلك منها نصيب ، أروع ما في
الإسلام ، أنك إذا دللت على خيرٍ كُتب لك أجرٌ كأجر
فاعله ، وإذا دللت على سوء تحملت وزراً كوزر فاعله .
أسس رجلٌ ملهى وناديًا ليليًا ، تقام فيه
المعاصي بكل أنواعها ، وبعد ما افتتحه بأسبوع توفي ،
ولا يزال النادي مفتوحًا إلى الآن ، وعلى المؤسِّس
كِفل من كل مفاسده وخبائثه.
"إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم "
( سورة يس : 12 )
فاحرص أيها الأخ الكريم ، أنْ تعمل عملاً
صالحًا ، فإذا غبت عن الحياة يبقى العمل مستمرًا ، ولك
أجر مستمر ما دام العملُ قائما .
أحيانا وكلاء بعض الشركات ، قد يأتيه إنسان
بغير علم صاحب الشركة ويشتري البضاعة ، فيأتي إشعار
لصاحب الشركة ، سجلنا لك ثلاثين ألف دولار في حسابك ،
وأنت لا تدري ، يوم القيامة لما يختارُ اللهُ الإنسانَ
إلى جواره ، تكون له أعمال صالحة من هذا النوع ، أعمال
خيرة ، فكل الثواب يأتيه ، وتأتي نسخةٌ من هذا الثواب
إلى من دلّ عليه .
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان أعطاه
اللهُ عقلاً ، وكثير من المفاسد الاجتماعية أساسها
نصيحة ، وأساسها دلالة ،و أساسها خبرة ، وأساسها إغراء
، وأساسها تحميس ، فقبْل أن تغري ، قبل أن تشير ، قبل
أن تقترح ، قبل أن تدل ، قبل أن تفعل شيئاً ، دقق أن
هذا العمل إذا ظهرتْ منه مفسدة فعليك من هذا العمل وزر
، وإذا دللت على خيرٍ فلك من هذا العمل نصيبٌ من
أرباحه .
الآية الكريمة : "فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره
ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره "
( سورة الزلزلة : 7-8 )
نعيد الآية مرة ثانية : "من يشفع شفاعةً حسنة
"، الشفع الزوج ، يشفع شفاعةً ، يعني كان سبب علاقة ،
لك صديق عنده بنت ضعيفة في الرياضيات ، فتقول له : أنا
عندي أستاذ درجة أولى بالمادة ، فانتبِهْ ، عنده بنت ،
فأنت جمعت رجلاً مع فتاة في خلوة ، وكل شيء قد يحصل ،
فإنّ الذي دل على هذا العمل عليه وزرٌ من هذا العمل ،
أضرب أمثلة من أجل توضيح الفكرة .
"فمن يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيبٌ منها ومن يشفع
شفاعةً سيئةً يكن له كفلٌ منها وكان الله على كل شيءٍ
مقيتا " .
يعني على كل شيءٍ مقتدرا ، يعني الله قادر
أنْ يمنح الدال على الخير مثل أجر فاعله ، وقادر على
أن يحاسب الدال على الشر ويعاقبه مثل عقاب أجر فاعله .
لذلك كما ورد في حديث قدسي : عبادي الخير بيدي
والشر بيدي فطوبى لمَن قدَّرتُ على يده الخير ، والويل
لمن قدّرتُ على يده الشر .
هناك أشخاص مفاتيح للخير مغاليق للشر ،
فأحيانا يقع زواج غير صحيح ، في مفسدة ، تعقبه فاسد ،
زوجة فاسدة ، وأنت الوسيط ، فإذا كان في الأمر فساد
فإياك أن تقترب ، شركة مبنية على التعامل الربوي ،
شركة مبنية على موضوع لا يرضي الله عز وجل ، مطعم تدار
فيه الخمور ، فأنت إذا كان لك نصيب في هذه الشركة فهذه
مشكلة كبيرة ، وهذه الآية يجب أن تكون في ذهن كل أخ
مؤمن ، قبل ما يتكلم كلمة ، قبل أنْ يدل ، قبل أنْ
ينصح ، قبل أنْ يكون وسيطًا ، قبل أنْ يكفل كفالة
مصرفية مثلاً ، قبل أنْ يكفل ينتبه ، هذه فيها مخالفة
للشرع ، فالكفيل مسؤول أيضاً .
"من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيبٌ منها ومن يشفع
شفاعةً سيئةً يكن له كفل "
فانتبِهْ .
واحدة نصيب ، وواحدة كفل ، ولكلٍّ منهما
معنى ، " وكان الله على كل شيءٍ مقيتا "، يعني
مقتدر على أن يجازي المحسن على إحسانه ، والمسيء على
إساءته .
والحمد لله رب العالمين . |