تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

سورة النساء (4) : الدرس 2/9 لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

الدرس : 006 - آ .

الموضوع : طاعة الله ورسوله وأولي الأمر - الآية 59 .

التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

    أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التاسعة والخمسون من سورة النساء ، وهي قوله تعالى : 

 

الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الشريعة .

يا أيها الناس اعبدوا ربكم .

ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة ، فحيثما قرأت في كتاب الله .

يا أيها الذين آمنوا .

فالذي آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ، هذا الخطاب موجَّه إليه ، أما إذا خاطب الإنسان لعموم وصفه يقول :

يا أيها الناس اعبدوا ربكم .

فالناس يخاطبون بأصول الشريعة ، بينما المؤمنون يخاطبون بفروع الشريعة.

       هذه الآية أيها الإخوة ، للإمام الشافعي شرحٌ دقيقٌ لها ، كلكم يعلم إن الدين في أصله ، وحيٌ من الله إلى رسوله ، ونقلٌ عن رسول ، فالدين وحيٌ ونقلٌ ، فإذا قال الله عز وجل : أطيعوا الله ، يعني أطيعوا الأمر الذي وصلكم عن طريق الوحي ، يعني القرآن ، كيف أطيع الله ؟ بتطبيق أوامر القرآن ، وأطيعوا الرسول ، وكيف أطيع الرسول ؟

الله سبحانه وتعالى يقول : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

( سورة الحشر: 7 )

وقال : ليبين للناس ما نزل إليهم .

فالسنة النبوية المطهرة ، نوعان أو ثلاثة أنواع .

·        أولاً : نوع قولي .

·        ثانياً : نوعٌ عملي .

·        ثالثاً : نوعٌ إقراري .

فإذا وقف النبي في موقف ، وحَدَثَ أمامه حدثٌ ، وسكت النبي ، فهذه سنة ، لإن سكوته يعني أنه أقره ، لو لم تكن على حق لما سكت ، لأنه رسول ومشرع ، فهنالك سنة ٌ، أقواله سنة ، وأفعاله سنة ، وإقراره سنة .

فإذا قال الله عز وجل : وأطيعوا الرسول ، تتلخص طاعتُه في ثلاثة أشياء ؛ الأحاديث الشريفة الصحيحة التي فيها أمرٌ ونهيٌ .

ينبغي أن تطيعه فيها ، وسيرته الصحيحة هكذا فعل ، ففي بيته فعل كذا وكذا ، مع إخوانه ، مع أصحابه  في حربه ، في سلمه ، في قيادته كانت أفعاله كذا وكذا .

سنته الفعلية هي سيرته ، وإقراراته ، أيضاً من سنته .

فأنت مأمور من قبل الله عز وجل ، أن تطيع الأمر الذي جاءك في القرآن الكريم ، وأن تطيع الأمر الذي جاء به النبي ليبين لك ما في القرآن الكريم ، وأن تقلد النبي قي سلوكه ، وأن تطيعه أيضاً في إقراره ، وهذا كلُّه واضح .

أطيعوا الله ؛ الأوامر القرآنية ، وأطيعوا الرسول سنته القولية ، والعملية ، والإقرارية.

الآن : وأولى الأمر منك .

الإمام الشافعي قال : وأولي الأمر هم العلماء والأمراء .

ما الفرق بينهما ؟ العلماء الذين يعرفون الأمر والنهي ، والأمراء الذين ينفذونه.

لكن لو وقع شعب مسلم تحت حكم استعماري كافر ، هل هؤلاء أولو الأمر ؟ لا !!! هؤلاء الكفرة هم أولو الأمر فيكم لا منكم ، فمِن للتبعيض .

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، كلمة "من" للتبعيض .

من هم "أولي الأمر" ؟ هم العلماء الذين يعرفون أمر الله ، والأمراء الذين ينفذون أمر الله ، فأنت بحسب هذه الآية .

مكلفٌ أن تطيع الأوامر التي وردت في هذا الكتاب .

ومكلف أن تتبع سنة النبي القولية والعملية والإقرارية .

ومكلفٌ أن تطيع من يفتي لك وهو على علمٍ ، وورعٍ  وتقي ، ويقول لك : الحكم الشرعي في هذا المبلغ مثلاً إنه حرام ، " أولي الأمر"  صار معناها : عالم مُفْتٍ ، وإذا أحيل هذا الأمر إلى الدوائر التنفيذية ، فلو كنتَ أمام القاضي الشرعي مثلاً ، وحَكَم لك في خلاف بينك وبين زوجتك بحكم الله ، فأوجب لها المهر ، فهذا القاضي الشرعي من أولي الأمر ، فلما أحيلت هذه القضية إلى دوائر التنفيذ ، صرنا من مع "أولي الأمر" من نوع ثانٍ ، وهو المنفذ .

"أولي الأمر " نوعان ، الذي يعلم ، والذي ينفذ ، بِشرطِ أن يكون منكم .

الآن : فإن تنازعتم ، فَمَع مَنْ نتنازع .

فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر .

ماذا حذف من هذه الآية ؟ هم ثلاثة فيما سبق مِن الآية ، أطيعوا الله ، وأطيعوا الرسول  وأولي الأمر منكم ، قال ، فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول.

هل تفهمون مَنْ حُذِف " أولي الأمر " ، فالنزاع بين مَنْ ومَنْ .

النزاع إذاً بين المسلمين وبين علمائهم ، وبين أمرائهم ، فإذا حصل نزاعٌ وجاءك أمر مخالف للقرآن الكريم فالحكم لله ولرسوله ، والقصة التي أرويها لكم دائماً .

أن النبي صلى الله عليه وسلم : أرسل سريةً وأمَّر عليها أنصارياً فيه دعابة ، هذا الأنصاري بعد أن تسلّم القيادة أعطى أمراً أن تضرم نارٌ عظيمة ، وقال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أميرهم : اقتحموها !!!

فترددوا ، بعضهم قال كيف نقتحمها ؟ وقد آمنَّا بالله ورسوله فراراً منها  ، وبعضهم قال : لا بد من اقتحامها ، فطاعة الأمير طاعة الرسول .

وقعت منازعةٌ بين الصحابة وبين هذا الأمير الذي أمرهم أن يقتحموا ناراً ، والنبي حيٌّ يُرزق ، فذهبوا إلى النبي يخبرونه ، فقال عليه الصلاة والسلام : والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة ، إنما الطاعة في المعروف .

فالمنازعة هنا بين المسلمين وبين علمائهم أو بين أمرائهم ، حول شرعية حكم يجوز أو لا يجوز ، فَمَنْ هو الحَكَم في هذه المنازعة ، كتاب الله وسنة رسوله ، الآية أصبحت على الشكل التالي : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله " ، بطاعة أوامره في القرآن الكريم، لأن هذا وحيٌ من عند الله نقله إلينا النبي عليه الصلاة والسلام ، وأطيعوا الرسول ، فاللهُ مثلاً بيَّن لنا البيوع بآية واحدة ، والنبي بيّن البيوع بمئتي حديث ، وأمّا الزكاة ، " خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها" .( سورة التوبة : 103 )

فالنبي بيّن زكاة الزروع ، وزكاة التجارة وعروض التجارة ، وزكاة المواشي ، وزكاة الركاز والأنصبة ، ومصارف الزكاة .

             فالنبي وصَّى وفَصَّل ، فأنت عليك أن تطيع الله عز وجل فيما أمر ، وأن تطيع النبي عليه الصلاة والسلام فيما بين بسنته القولية ، وفيما فعل سنة فعلية  وفيما سكت فسكوته إقرار .

            ذات مرة ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد أصحابه وقد توفي توًّا في بيته ، فسمع من خلف الستار امرأةً تقول : هنيئاً لك أبا السائب ، تعني أبا السائب ، لقد أكرمك الله ، فلو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً ، لكنه عليه الصلاة و السلام قال : ومن أدراكِ أن الله أكرمه ، قولي : أرجو الله أن يكرمه .

             لأن هذا تَأَلٍّ على الله ، قولي أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبيٌ مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم .

             إذاً النبي لم يسكت فإذا سكت فما عاد نبياً ، أي كلمةٍ باطلةٍ تلقى أمامه لا بد  أن يصححها ، فسنة النبي ؛ أقواله الصحيحة ، وسنة النبي أفعاله يعني سيرته ، وسنة النبي إقراره .

            وكثير مِن الأحاديث أساسها أن صحابيًا فعل كذا وكذا في حضرة النبي ، والنبي ما نهى عن ذلك ، إذاً هذه الواقعة أصبحت سنة ، "أولى الأمر" هم العلماء العاملون ، الصادقون ، المخلصون ، الذين يعرفون أمر الله ورسوله ، والذين ينفذون هذا الأمر أيضاً هم من أولي الأمر ، أما لو وقع مجتمع مسلم تحت حكم مستعمر كافر، فلا يكون هذا الكافر من أولي الأمر .

فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر .

إذا آمنت أن الله هو المشرع ، هو الذي يعلم ، وهو الذي يميت ، وهو الذي سيحيي ، وهو الذي سيحاسب ، إن آمنت بهذا ، فعليك أن ترد النزاع إلى الله والرسول ، ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا.

            الآن عندنا سؤالان ، ماذا ترون في تعلُّم سنة النبي القولية ؟ يعني يستحسن أن تتعلمها ، وهنا يطالعنا سؤال ؟ يستحسن ، يعني أهو مندوبٌ أن تتعلمها ؟ لا ، أهو فرض كفاية أن تتعلمها ؟ لا ، بل تعلُّمها فرض عين ، قل لي ما الدليل في أن تعلم سنة النبي القولية فرض عين ، لأن الله تعالى يقول : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  .

        فكيف تأخذ شيئاً لا تعلمه ؟ إذاً كل واحد من إخواننا الحاضرين عليه أن يعرف سنة النبي القولية ، وهذا فرض عين ، ولا يعفى منه أحد .

 وهذا سؤال آخر :

         أقراءة سيرة رسول الله ، يعني : مستحسن ، مندوب ، فرض كفاية ؟ لا بل تعلُّمها فرض عين ، والدليل : لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة .

( سورة الأحزاب : 21 ) .

              أمر إلهي هو قدوتك ، كيف تقتدي به وأنت لا تعلم أحواله وأفعاله وتصرفاته ، إذاً لابد من تعلم سنة النبي القولية والفعلية والإقرارية حتى تنفذ أمر الله عز وجل ، أطيعوا الله ورسوله ، هذا طيبٌ ، ثم لابد من أن تستسقي العلم من أولي الأمر الذين يعرفون أمر الله .

 ابن عمر دينَك دينَك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ، إذاً ، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم العلماء والأمراء  طبعاً منكم ، فإن تنازعتم في شيء ، مثل ما صار مع الصحابة ، تنازعوا مع أميرهم ، قال لهم : اقتحموا النار ، فلما ردوا هذه المنازعة إلى الله ورسوله ، قال عليه الصلاة والسلام : والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف ، وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا .

هذه الآية واضحة ، وتلخيص للموضوع أقول :

طاعة الله في اتباع القرآن ...

طاعة النبي في العمل سنته القولية والعملية والإقرارية ...

طاعة أولي الأمر ، أن تتعلم من العلماء الذين يعلمون أمر الله ورسوله ، وأن تطيعهم فيما يفتون لك بشرط أن يكون من المسلمين ، أما إذا وقع المسلمون تحت سيطرةٍ كافرةٍ أجنبيةٍ ، عندئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .                   

و الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم ..