|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
سورة النساء (4) : الدرس 1/9 لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب
النابلسي
الدرس : 005 - ج .
الموضوع : سر وجود الإنسان - الآية 26 - .
التدقيق اللغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين :
أيها الإخوة الكرام :
أناس كثيرون يشككون في كل شيء ، يقولون لك لا
ندري ، لا نعلم ، الله أعلم ، لماذا خلقنا ؟ كأننا خلقنا لنعذب
، لا أحد مرتاح ، كلما عرضت عليهم حقيقة ، أو آية ، ردوا عليك
بأنهم لا يعلمون ، ولا يفهمون سر الوجود .
الله جل جلاله ، يقول في سورة النساء وفي الآية
السادسة والعشرين :
يريد الله ليبين لكم
، وقال سبحانه: إلا من رحم ربك
ولذلك خلقهم
( سورة هود : 119 )
يعني يا عبادي خلقتكم لأرحمكم
، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
( سورة الذاريات : 56 )
قل متاع الدنيا قليل
( سورة الحديد : 20 )
يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم
الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
( سورة فاطر : 5 )
لو قرأت القرآن الكريم ، لوجدته كله
يبيِّن لهذا الإنسان سرّ وجوده ، لماذا جيء به إلى الدنيا ؟
ماذا بعد الدنيا ؟ ما حكمة وجودك ؟ في حين ترى أنّ كل إنسان
يشكك ، يقول أحدهم : جئت ، لا أعلم من أين ، ولكني أتيت ، هكذا
قال بعض الشعراء ، رأيت قدامي طريقًا فمشيت ، كيف جئت ، كيف
أبصرت طريقي ، لست أدري ، ثم يقول : ولماذا لست أدري لست أدري
، هذا الذي يشكك ، له مِن وراء التشكيك غاية .
الإنسان المنحرف يريد ألا يعلم ،
لأنه لو علم ، لأصبح مسؤولاً ، والدليل : فإن لم يستجيبوا
لك - يا محمد - فاعلم أنما يتبعون أهوائهم
( سورة القصص : 50 )
أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم
( سورة الماعون : 1- 2 )
هو نفسه ، ولا يحض على طعام مسكين
( سورة الماعون : 3 )
إذاً الإنسان حينما يريد ألا يعلم ،
معنى ذلك أنه منحرف ، وأنه مقيم على المعاصي ، وأنه يتبع
شهواته ، فإذا علم أصبح مسؤولاً ، هو أميَل إلى ألاّ يعلم ،
إلى أن يشكك ، إلى أن يقول : لا نعرف ، ففي الحياة في أسرار ،
وكأنّ كلّ الأسرار عنده ، قل له : فُكَّ سراً واحداً ، يقول لك
: لا أقدر ، هذا القرآن كلما غُصتَ فيه غرقتَ ، أعوذ بالله ،
كلام الله ، نزل هذا القرآن من لدن حكيم عليم لنفهمه ، لنقرأه
، لنتدبر آياته، انظر في الآية الكريمة ، يريد الله ليبين
لكم ، لقد بيّن لك ، بيّن لك لماذا خلق الكون ، ولماذا
خلق الإنسان ، ولماذا جاء بك إلى الدنيا ، وماذا يقول الإنسان
عند الموت ، قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت
( سورة المؤمنون : 99 - 100 )
.
إذاً سر وجودك في أنْ تعمل العمل الصالح .
والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين أمنوا
وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
( سورة العصر : 1 -3 ) .
القرآن كله بيان ، قال : يريد الله ليبين
لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم " الآن هؤلاء الأقوام
السابقة ، حينما انحرفوا ماذا حل بهم ، أتريد عبرة
نظرية ، أتريد حقيقة نظرية ، اقْرأ القرآن الكريم ، أتريد
حقيقة عملية ، أقرأ ماذا حل بالأقوام السابقة ، "ألم
تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم في تضليل ،
وأرسل عليهم طيراً أبابيل"
( سورة الفيل : 1 -2 - 3 )
.
وأنت أيها الإنسان ، ألم تَرَ كل يوم
ماذا يحل بالمنحرفين ، "وضرب الله
مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان
فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا
يصنعون "
(سورة النحل 112 )
ألا ترى كل يوم فيما حولنا من البلاد الفلانية
؛ هنا حرب أهلية ، هنا فيضان ، هنا زلزال ، هنا صواعق ، هنا
براكين ، إن أردت الحقيقة مجردة ، فاقرأ القرآن ، وإن أردت
الحقيقة مطبقة على أقوام ، قال سبحان : يريد الله ليبين لكم
ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ، من أجل ماذا قال
: ليتوب عليكم ؟ من أجل أن يتوب عليكم والله عليم
حكيم ، أمّا الآية التي بعدها ، والله يريد أن يتوب
عليكم ، هذه مشيئته .
لذلك إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد ، فشيء
مخيف ، تاب عليهم ليتوبوا
( سورة التوبة : 118 )
وفي
آية ، تابوا فتاب الله عليهم .
ما معنى توبة الله قبل توبة العبد ؟
ما معنى توبة الله بعد توبة العبد ؟
تاب عليهم ليتوبوا
... تابوا فتاب الله عليهم ...
العلماء قالوا :
إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد ، فهي قبول
التوبة .
أما إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد
، أي هي الشدائد ، التي يسوقها الله لهذا الإنسان ليحمله على
التوبة ، أيْ تَوَّبَهُ ، تَوَّبَهُ ، فلما ربنا يقول :
والله يريد أن يتوب عليكم ، يعني كل هذه المصائب ، كل هذه
المتاعب ، الفقر ، الفرج ، القهر ، الذل ، الخوف ، القلق ،
وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير
( سورة الشورى : 30 )
ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا
بما قدمت أيديكم ، وما يعفوا الله أكثر، والله يريد أن يتوب
عليكم .
إذاً الشر المطلق ليس له وجود في الكون
، الشر الهادف ، والشر بنظر الإنسان شر ، في نظر الواحد الديان
مطلق الخير ، والله يريد أن يتوب عليكم ، ثم قال
: ويريد الذين يتبعون الشهوات أن
تميلوا ميلاً عظيما .
إذاً أنت محاط بناس لا دين لهم ، فَسَقَة ،
يحبون الشهوات ، مشكلة الإنسان أنه يعيش معهم ، دائما يريدون
منك أن تميل ميلاً عظيما ، يجرونك إلى الربا ، إلى الاختلاط ،
يجرونك لتزويج ابنتك من شاب غني فقط ، يقول بعضهم : الدراهم
كالمراهم ، ماذا تستفيد من الفقير المعترِّ .
إذا كان الذين حولك دين لهم ، فإنهم
يجرونك لاتّباع الشهوات والميل عن الحق ، فهذه الآية دقيقة .
والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون
الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما ،
عن الحق ، لذلك :ولا تطع من أغفلنا
قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا
( سورة الكهف : 28 )
واتبعْ سبيل مَن أناب إليّ
( سورة لقمان : 15 )
إذا استشرتَ فاستشِر إنسانًا مؤمنًا ،
صادقًا ، استشِر إنسانًا واثقًا من ورعه ، من علمه ، أما أنْ
تسأل واحدًا لا دين له ؟ فإنّه يغرقك ، لماذا يريد الله أن
يتوب عليكم؟ قال : يريد الله أن يخفف
عنكم .
أنت تحمِّل نفسك مالا تطيق ، لماذا
يحمل الإنسانُ نفسَه مالا تطيق في حين : يريد الله أن يخفف
عنكم ، لكن : وخلق الإنسان ضعيفا .
أنت تقدر على معاينة المعصية عند
الموت ؟ وفي أثناء الحياة تجد الناس نيامًا مخدرين ، تشغلهم
نزهات مختلطة ، يقترفون السيئات ، فهم مخدرون ، والمال موجود،
والصحة موجودة لا يدري أحدهم ما يعمل لغفلته ، لو أن إنسانًا
عاين هذه المعاصي وهو في القبر فإنه لا يتحمل ؟ يصيح صيحةً لو
سمعها أهل الأرض لصعقوا منها ، ولمّا يرى الإنسان مكانه في
النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الدنيا لصعقوا بها .
يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا .
أربع آيات بمحور واحد ، يريد الله
ليبين لكم ، كل هذا القرآن تبيان وإذا لم تكفِ الحقائق
النظرية ، فإنه يريك حالَ الأقوام السابقة التي كفرت .
ألم تَرَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
؟ قوم عاد ، قوم ثمود ، قوم فرعون ، قوم نوح ، انظر إلى هؤلاء
القدامى ، أمّا حال المعاصرين ، فانظر حولك ، كم من حرب أهلية
؟ كم زلزال صار ؟ كم فيضان ؟ يقولون : إعصار ؛ خسارة البلاد
بسببه تقدَّر بثلاثين مليارًا ، إعصار واحد في نصف ساعة ، ما
لنا لا نرى ولا نبصر ؟ المصائب التي تأتي ، بساعة أعاصير ،
بساعة زلازل ، بساعة فيضانات ، بساعة حروب أهلية ، واللهُ ماذا
قال : قل هو القادر على أن يبعث
عليكم عذاباً من فوقكم
( سورة الأنعام : 65 )
هذه الصواعق قديماً وحديثاً ،
والصواريخ ،حديثا مِن فوقكم : أو من تحت أرجلكم ،
الزلازل والألغام ، قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً
من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً : الحروب
الأهلية ويذيق بعضكم بأس بعض .
قبل أسبوع تحاربت بإفريقيا دولتان ،
عشرة آلاف قتيل في يومين ، عشرة آلاف ، هذا من فعل الله عز وجل
، من تأديب الله عز وجل لعباده ، فلذلك ، يريد الله ليبين لكم
أتحب بيانًا عمليًا ، فهؤلاء القتلى بيانٌ عملي صارخ " ويهديكم
سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن
يتوب عليكم ، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما
، لذلك ، واتبعْ سبيل من أناب إليَ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن
ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا .
وبعد ؛ لماذا كل هذا ؟ قال : يريد
الله أن يخفف عنكم ، وخلق الإنسان ضعيفًا، يريد أن يبين ،
ببيان نظري ، يريد أن يبين ، ببيان عملي ، يريد أن يخفف عنكم ،
يريد أن يتوب عليكم .
لذلك هذه الآيات في سورة النساء جاءت
متتابعة ، ثلاث آيات تبدأ بكلمة والله يريد ، إذا قلت :
أنا لا أعرف لماذا خُلِقت ، والله هذا منتهى الحمق ! كتاب الله
معجز ، وهو بين يديك ، يبين لك خالق الكون لماذا خلقك ، إلا
من رحم ربك ولذلك خلقهم ، يقولون : أريد تفسيرَ الآية ، لا
أريد تفسير الزمخشري ، ولا الجلالين ولا الطبري ولا القرطبي ،
بل أريد شيئًا واضحًا مثل الشمس ، فإليك الجواب
في الآية : إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، خلقك ليرحمك
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ، وما الحياة
الدنيا إلا متاع الغرور ، قل متاع الدنيا قليل ، الآخرة خير
وأبقى ، اقرأ القرآن فإذا قلت: لا أدري فهذا جوابه :
فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ، والحمد
لله رب العالمين |