|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة آل عمران .
رقم الدرس : 6/6 .
عنوان الدرس : عبادة التفكر - الآية 190 - .
تدقيق لغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التسعون
بعد المئة من سورة آل عمران وهي قوله تعالى :

مَنْ هم (أولي الألباب) ؟ قال
المفسرون : هم أصحاب العقول ، وقد شبه الله العقل في الإنسان
كاللب في الثمرة ، فما قيمة قشرة الثمرة ، بكم تشتري قشور
الثمار ؟ بلا شيء ، لكن بكم تشتري الثمار ؟ بكل شيء ، لأن فيها
لبًّا ، فالعقل في الإنسان كاللب في الثمرة ، والعقل كما ورد
: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ، ورأس الحكمة مخافة الله ،
فعقلك يظهر بقدر خوفك من الله وحبك له ، فإذا قلَّ الخوف ضعف
العقل ، وإذا قلَّت المحبة ضعف العقل ، يقول الله عز وجل : "
إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ
لأولي الألباب" ، فأنت بحاجة إلى شيئين ؛ بحاجةٍ إلى أن
تعرف الله ، وبحاجةٍ إلى أن تعبده ، كي تحقق سر وجودك ،
فبالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ، الأمر والنهي ، نعرفه من كتاب
الله ، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أردت أن
تعبده عليك أن تعرف أمره ونهيه ، أما إذا أردت أن تعرفه ، عليك
بقول الله عز وجل ، وأنْ تتدبَّر قوله :"
إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار للآياتٍ لأولي
الألباب" .
السموات والأرض كما قلت من قبل ،
تعبير قرآني عن الكون ، فخلق السموات والأرض يدل على وجود الله
، وعلى كماله وعلى وحدانيته ، فالأرض مثلاً تدور حول الشمس
بسرعة ثلاثين كيلو مترًا بالثانية ، هذا الدرس المتواضع الذي
لا يزيد عن عشر دقائق ، تقطع فيه الأرض ثمانية عشر ألف كيلو
متر ، لأن الأرض تسير ثلاثين كيلومترًا بالثانية ، بالدقيقة :
6x
3
= ثمانية عشر ، عشر ، وصفرين ، ألف وثمانمئة ،
بعشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلومترًا خلال درس التفسير الذي لا
يزيد عن عشر دقائق .
الأرض إذًا أيها الإخوة تدور حول
الشمس ، قال : "إن في خلق السماوات والأرض" المسار
إهليلجي ، هناك قطر طويل وقطر قصير ، وعند القطر الصغير
الأصغري ، تزيد سرعتها ، لتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة
، وعند القطر الأعظمي ، تقل سرعتها ، لتبقى مرتبطة بالشمس .
إذاً حركة الأرض حول الشمس بسرعةٍ
متفاوتة ، تزيد سرعتها وتقل سرعتها ، لتبقى في مسارها
الإهليلجي ، شيئاً آخر : "إن في خلق السموات والأرض واختلاف
الليل والنهار" .
تتابع الليل والنهار ما سببه ؟ الشمس
هنا ، يعني في جانب ، هي منبع الضوء ، والأرض هنا ، يعني في
جانب آخر ، فلو أن الأرض توقفت عن الدوران ، لما كان ليلٌ ولا
نهارٌ ، ولو أن الأرض دارت حول الشمس ، ودارت على محور موازٍ
لمستوى دوارنها حول الشمس ، ودارت هكذا ، والشمس من هنا ، مع
أنها تدور لا ليل ولا نهار ، الليل ثابت إلى الأبد ، والنهار
ثابت إلى الأبد ، ولو أن الليل ثبت إلى الأبد ، لكانت حرارة
الأرض في الليل دون المئتين والسبعين تحت الصفر ، وهو الصفر
المطلق ، إذًا تنتهي الحياة ، ولو أن الوجه المقابل للشمس ثابت
، لكانت الحرارة ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر واحترق كلُّ
شيء ، إذاً لو أنّ الأرض توقفت لأُلغي الليل والنهار ، ولو
دارت هكذا بالعكس ، والشمس من هنا ، فالوجه المقابل للشمس ، في
حرارة درجتها ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر ، والوجه الآخر يكون
بدرجة مئتين وسبعين تحت الصفر ، ولانعدمت الحياة ، لكن الأرض
تدور هكذا ، و الشمس هنا تدور هكذا ، إذًا " اختلاف الليل
والنهار " ، لكن في الآية معنى آخر ، الليل والنهار
يختلفان فيأتي الأول بعد الثاني ، والثاني بعد الأول ، وهكذا ،
أمّا المعنى الثاني، أن اختلاف الليل والنهار ، يعني أن طول
النهار وطول الليل يختلفان ، من سبع عشرة ساعة ونصف إلى عشر
ساعات أحياناً ، فما سر هذا الاختلاف ؟ فلو أن الشمس هنا
والأرض هنا تدور الأرض حول محور عمودي على مستوى الدوران هكذا
، لانعدمت الفصول ، بالمنطقة الاستوائية صيف دائم إلى الأبد ،
وبالمناطق القطبية شتاء دائم إلى الأبد ، والتغت الفصول ، لكن
هذا المحور مائل قليلاً ، مع ميل المحور تأتي الشمس عموديةً
على القطب الشمالي ، فإذا أصبحت الأرض هاهنا جاءت الشمس
عموديةً على القطب الجنوبي ، وصار في السنة اختلاف فصول ، من
صيف ، وشتاء، وربيع ، وخريف ، إذاً هذه الحكمة البالغة ، أن
الأرض تدور حول محورٍ مائلٍ على مستوى الدوران ، "إن
في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي
الألباب " .
دورة الأرض حول نفسها ، تتناسب مع طاقة
الإنسان ، لو كان الليل ساعة واحدة ، والنهار ساعة ، تنام
وتستيقظ، ولا بد لك ثماني ساعات ، ثمانية أيام نوم وثماني ليال
، لكن لو كان النهار أو الليل مئة ساعة ، أيضاً لصارت الحياة
صعبة ، أما الليل والنهار فيتوافقان مع طاقة الإنسان ، لوجود
تصميم وتناسق رائع ، إذًا الإنسانُ إن لم يفكر في هذه الآيات
التي بثَّها الله في الكون ، فكأنه عطل عقله ، أو كأنه لم
يستخدمه ، أما إذا استخدمه فيما لم يخلق له ، فقد أساء إساءةً
بالغة ، إذاً دقق في هذه الآية :
"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي
الألباب" .
الألباب أصحاب العقول ، وإنسان من دون عقل
كالثمرة من دون لب .
يعني أنت بكم تشتري قشر كيلو الموز ،
أتأخذه بمئة ليرة ، أعوذ بالله ، لن تأخذه ولو بقرش ، أما كيلو
الموز فثمنه مئة ليرة ، وفيه اللبُّ ، واللبُّ مغذٍ ، والإنسان
من دون عقل ثمرة من دون لب ، والعقل يقتضي أن تُعمله في الكون
كي تعرفه ، إن أعملت عقلك في الأمر والنهي فمن أجل أن تعبده ،
وإن أعملت عقلك في الكون فمن أجل أن تعرفه ، فأنت تعرف الله
بالكون ، وتعبده بالكتاب والسنة ، فمعرفة الكتاب والسنة من دون
معرفة الله نقص كبير ، ومعرفة الله عز وجل من دون أن تعرف أمره
نقص كبير ، فلابد من التناسق بين معرفة الله ومعرفة أمره .
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول
بصدد هذه الآية : الويل لمن لم يفكر بهذه الآية ، كان كلما
استيقظ في الليل يتلو هذه الآية ، وكأن الإنسان مكلف أن يجول
فكره في خلق السموات والأرض حتى يعرفه ، فإذا عرفه عَبَدَه من
خلال الكتاب والسنة .
فالإنسان لا يمر على الآيات مرورًا سريعًا ،
فكأس الماء الذي تشربه و، كأس الحليب الذي تشربه ، ورغيف الخبز
الذي تأكله ، وهذه الفاكهة التي تأكلها ، وهذه الأمطار التي
تهطل ، وهذه البحار التي تزخر بما فيها من أسماك ، ولآلئ
ومرجان ، هذه كلها بين يديك من أجل أن تعرفه ، وكلما ازدادت
معرفتك بالله عز وجل ازدادت خشيتك له.
" إنما يخشى الله من عباده العلماء
"
(سورة فاطر : 28)
و(إنما) تفيد القصر ، أي أن العلماء وحدهم ،
ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل .
فتبدُّل الليل والنهار ، وتعاقبهما ، والصيف
وما فيه من خصائص ، والربيع ، والشتاء ، والخريف ، هذه الأرض
بدورانها حول الشمس ، ولا تنسوا هذا الرقم البسيط ، نحن خلال
هذا الدرس كم قطعنا من مسافةٍ حول الشمس ؟ ثمانية عشر ألف كيلو
متر ، الآن مرَّت بنا عشر دقائق ، فقطعنا ثمانية عشر ألف كيلو
متر في مسيرنا حول الشمس .
فكم هي عظمة هذا الكون ؟ والمؤمن كما قلت قبل
أيام ، بالكون والنظر في عظمته يعبُر المؤمن إلى المكوِّن ،
ومن النظام للمنظم ، ومن التسيير للمسيِّر، ومن الخلق للخالق ،
ومن التربية للمربي ، ومن التصوير للمصور، فما لم تعبر من هذه
الحقيقة الكبرى إلى حقيقةٍ أكبر فأنت لا تعرفه .
الغربيون وقفوا عند الكون ، أما المسلمون
فتجاوزوه إلى المكوِّن ، والمؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعِم
.
والحمد لله رب العالمين. |