|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة آل عمران (3) .
رقم الدرس : 2/6 .
عنوان الدرس : محبة الله عز وجل - الآية 31 - .
تدقيق لغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
ففي سورة آل عمران أيها الإخوة ، آية تعد
مقياساً لكل مؤمن ؛ هذه الآية هي الآية الواحدة والثلاثون وهي
قوله تعالى :
قال العلماء: لما كثر مدَّعو المحبة لله عز
وجل جعل الله سبحانه دليلاً على صدق المحبة أو عدمه ، آية في
كتابه الكريم ، فالمحبة شعورٌ داخلي يستطيع أن يدَّعيها كل
إنسان ، ولو كان أبعد الناس عن الله عز وجل ، يقول لك : أنا
أحب الله ، فالحب يُدَّعى ، لكن الله سبحانه وتعالى طالب
المؤمنين بالدليل ، فحبك لله عز وجل له دليل ، ودليله طاعة
رسول الله " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
ويغفر لكم " ، فالإنسان أيها الإخوة لئلا يقع في وهمٍ مهلك
، لئلا يتوهم أنه على حق وهو على باطل ، لئلا يتوهم أنه محب
وهو ليس بمحب ، جعل الله هذه الآية دليلاً على محبته للمؤمنين
، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم الله ويغفر لكم .
ويبدو أنَّ هذا المرض يصيب أهل الكتاب أيضاً ،
" وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "
( سورة المائدة : 18 )
هذه دعوى ، "وقالت اليهود والنصارى نحن
أبناء الله وأحباؤه "، فرد الله عليهم :" قل فلم يعذبكم
بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق "
( سورة المائدة : 18 )
فلو أنّ الله قَبِل دعواهم وأقرهم
على ادِّعائهم ، لمّا عذَّبهم ، وما دام يعذبهم فهم كاذبون في
دعواهم ، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الإمام الشافعي حقيقةً
ثابتة ، وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه ، بل
يبتليهم ويمتحنهم ، ولكن لا تستقر حياتهم إلا على الإكرام .
وهنا محل الإشارة إلى أن حياة المؤمن
تمر بأطوار ثلاثة ؛ فتمر في طورٍ يعالجه الله ، ويؤدِّبه إلى
أن يحمله على طاعته ، وهذا الطور الأول ، يعالجه ويضيق عليه
ويشدد عليه ويؤدبه بشتى الوسائل النفسية والمادية إلى أن يحمله
على طاعته .
إذًا هذا طور التأديب، فإذا حمله على طاعته
دخل في طورٍ آخر ؛ طور الابتلاء "ونبلونكم
بالشر والخير فتنة "
( سورة الأنبياء : 35 )
فإذا نجح في الابتلاء دخل في طورٍ
ثالث ؛ وهو التكريم ، لذلك اليهود والنصارى قالوا : نحن أبناء
الله وأحباؤه ، فقال تعالى :"قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم
بشرٌ ممن خلق"
( سورة المائدة : 18 )
فإذا رأيت أن المسلمين ليسوا على ما
يتمنون ، وحالهم لا ترضي ، وليسوا كما قال الله عز وجل ، فلم
يُستخلَفوا في الأرض ، ولم يمكِّن الله لهم دينهم الذي ارتض
لهم ، ولم يبدلهم بعد خوفهم أمناً ، هذه وعود الله عز وجل : "وعد
الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض
كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً " .
(سورة النور : 55 )
إخوتنا الكرام ؛ أي وعد في القرآن
الكريم ، إنْ رأيته غير محقق ، ينبغي أن تشك في الطرف الثاني ،
لأن الله سبحانه وتعالى قال : "ومن
أصدق من الله حديثاً " .
( سورة النور : 87 )
وقال :" ومن أوف
بعهده من الله " .
( سورة التوبة : 111)
إنّ الله وعد المؤمنين بالنصر فقال : "
إن تنصروا الله ينصركم " .
( سورة محمد : 7 )
وقال: "إن
ينصركم الله فلا غالب لكم" .
( سورة آل عمران : 160 )
وعد المؤمنين أن يدافع عنهم فقال الله تعالى :"إن
الله يدافع عن الذين آمنوا"
( سورة الحج : 38 )
ووَعَد المؤمنين أن لن يجعل للكافرين عليهم
سلطانا : "ولن يجعل الله للكافرين
على المؤمنين سبيلاً "
( سورة النساء : 141 )
هذه وعود خالق الكون ، فإن رأيت
وعود الله ليست محققه في عالم المسلمين ، فماذا تظهر ؟ أتقول :
إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفي بوعده ؟ هذا كلام فيه كفر ،
حاشا لله عز وجل ، يجب أن نشك في إيماننا ، وفي طاعتنا لله ،
وفي استقامتنا ، إن الله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ أخرى :"
ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم" ، هؤلاء أهل الكتاب
لو أن الله أقرهم على دعواهم لمَّا عذبهم ،"قل
فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق " .
على كلٍ هناك نقطة دقيقة ، الإنسان
يحيا ضمن مجتمع ، والمجتمع فاسد منحرف ، يأكل الربا ، يرتكب
الفواحش ، يقلد الغربيين ، ولو دخلوا حجر ضبٍ خَرِبٍ لدخلتموه
، فإذا كان الإنسان في بمجتمع منحرف ، في مجتمع الدنيا
كلها همُّه ومبلغ علمه ، في مجتمعٍ لا يبالي أأكل حراماً أم
حلالاً ، مجتمع لا يبالي أكان على منهج الله أم على منهج
الشيطان ، فإذا كان المؤمن في هذا المجتمع ، واصطلح مع الله
وحده ، واستقام إلى الله استقامةً تامة ، فهل تظن أن الله
يعذبه مع المجموع .
قال تعالى : "وكذلك
ننجي المؤمنين"
( سورة يونس : 103 ) .
لا تنسوا هذه القصة التي أوردها
القرآن الكريم ، سيدنا يونس حينما كان في بطن الحوت ، ما من
مصيبةٍ أشد على الإنسان من أن يجد نفسه فجأةً في ظلمة بطن
الحوت ، وفي ظلمة البحر ، وفي ظلمة الليل ، في ظلماتٍ ثلاث ،
الأمل في النجاة ضئيل ، في بطن حوت وزنه مئة وخمسون طنًا ،
والإنسان كله لقمة صغيرة ، فالتقمه الحوت لقمة واحدة ، والحوت
كما تعلمون أيها الإخوة ؛ حيوان ثديّ ، يعني تُرضِع أُنثاه، كل
رضعة ثلاثمئة كيلو ، ثلاث رضعات في اليوم تعني طنًا ، والحوت
مئة وخمسون طنًا كمّا بيَّنا ، وفيه تسعون برميلاً من الزيت
يُعرَف بزيت الحوت ، وفيه خمسون طنًا من اللحم ، وخمسون طنًّا
من الدُّهن ، هذا الحوت إذا دخل إنسان إلى بطنه، فالوجبة
المعتدلة وهي تسكيت لجوعه أربعة أطنان ، هذا هو الحوت إذًا ،
وقد وجد سيدنا يونس نفسه ببطن الحوت فجأة ، في ظلمة بطن الحوت
وفي ظلمة الليل ، وفي ظلمة البحر، أنت الآن ، اركب بالبحر بين
طرطوس وأرواد بالليل ، تشعر بوحشة كبيرة ، فإذا غرق الإنسان
بالليل ، ودخل في بطن الحوت ، "فنادى في الظلمات" ، في
ثلاث ظلمات ، "أن لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين ، فاستجبنا له ونجيناه من الغم"
(
سورة الأنبياء : 87 )
القصة انتهت ، استمع إلى القانون بعدها ، إنّه
القانون الإلهي الثابت أبدًا ، قال :" وكذلك ننجي المؤمنين
" .
يعني أي مؤمن ، وفي أي مكان ،
وزمان ، بعد ألف سنة ، بعد آلاف السنين ، في آسيا أو إفريقيا ،
أو أمريكا أو ألاسكا ، بالقطب الشمالي والجنوبي ، في البحر ،
والجو ، والبر ، طائرة تحلق على ارتفاع ثلاثةٍ وأربعين ألف قدم
فوق جبال الألب ، احترقت وانشطرت وسقطت ، ومات جميع ركابها إلا
راكباً واحدًا ، فقد كان مقعد هذا الراكب مكان انشطار الطائرة
، فوقع ، ونزل على غابةٍ من الأرز مغطاةٍ بخمسة أمتار من
الثلوج ، هذه الخمسة الأمتار امتصت الصدمة ، كما امتصتها ليونة
الأغصان أيضاً ، فنزل واقفًا ، وحيثما كنتَ ؛ في الجو أو البحر
أو البر أو برأس جبل ، " وكذلك ننجي المؤمنين" ، وكل
إنسان يُحاسب عن عمله ، فإذا تبتَ توبة عامة ، فالفرج عام ،
وإذا تبتَ توبة خاصة فالفرج خاص ، والمؤمن له معاملة خاصة ...
قال : "ما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا
أرسلنا إلى قومٍ مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند
ربك للمسرفين "
( سورة الذاريات : 31 - 32-33-34 )
ثم الآية التالية تقول : "فأخرجنا من كان
فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين "
( سورة الذاريات : 35-36 )
يعني أنّ الله عز وجل قَبْلَ أن يدمِّر هذه
البلدة ، أخرج منها المؤمنين ، فالمؤمن إذا صار في هدى جماعي ،
فهذا أنعم وأكرم ، فيصير في فرج جماعي ، وإذا لقيت الناس حولك
غير مستقيمين فلا تقل : أنا مثل هؤلاء الناس ، هذا الذي نهى
عنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال :
لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ
أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا
وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ
تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا*
(رواه الترمذي عن حذيفة)
والقول الدارِج الآن : أخي أنا مثل الناس ، حط
رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس ، أهذه آية أم حديث ؟ هي
كلام فارغ ، فالإنسان إذا استطاع أنْ يهدي من حوله ، فهذا
واللهِ شيء جميل ، وإذا استطاع فليصطلح مع الله وحده ، وله
معاملة خاصة وحده ، "وكذلك ننجي المؤمنين" .
فهذه الآية مقياس دقيق : "قل إن كنتم تحبون
الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم " ، وقال تعالى : "وقالت
اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم
بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق " ، تعامل مع الله مباشرةً ،
تعامل مع الله بصدق وإخلاص ، وأقم أمر الله ، يعزك الله :
كن مع الله ترَ الله معك و اترك الذل
وحاذي طمعك
وإذا أعطاك من يمنعـه ثم من يعطي إذا
ما منـعك
***
أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا فإنا
منحنا بالرضى من أحبنـا
و لذ بحمانا و احتمِ بجنابـــنا نحمك
مما فيه أشرار خلقــنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــلٌ وأخلص
لنا تلق المسرة والهنـا
و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما
القرب ولإبعاد إلى بأمـرنا
ينادى له بالكون أنا نحبــــه فيسمع
من في الكون أمر محبنا
***
والذي لم يذق طعم القرب لم يذق من الدنيا شيئاً
، قال : بعض العارفين مساكين أهل الدنيا ، دخلوا إلى الدنيا ،
وخرجوا منها ، ولم يذوقوا أطيب ما فيها ، إنها ساعات القرب من
الله ، والثمن كامِنٌ بنفس كل واحد منكم ، الثمن طاعة الله ،
قال الله تعالى : " ومن يطع الله
ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً " .
( سورة الأحزاب : 71)
راجعوا حساباتكم ، راجعوا حسابات قيودكم ،
بيوتكم فيها مخالفات ، فيها معاصٍ ، حسابات أعمالكم ، حسابات
جوارحكم ، هي كلها حسابات ، فإذا أقمت الإسلام في كيانك، وفي
بيتك ، وفي عملك ، غيَّر الله نمط حياتك ، فالله عز وجل قال :
"من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً
طيبة" .
والحمد لله رب العالمين
|