|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
السورة : سورة آل عمران (3) .
رقم الدرس : 1/6 .
عنوان الدرس : الشهوات سُلَّم ترقى بها أو دركة تهوي بها -
الآية 14-15- .
تدقيق لغوي : الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي : المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد ؛ فقد أنهينا
في الدروس السابقة ، بعض الآيات الكريمة المختارة من سورة
البقرة ، وننتقل إلى سورة آل عمران ، وفي أوائل هذه السورة
آيتان كريمان يقول الله سبحانه وتعالى فيهما :
أيها الإخوة الكرام ؛ رُكب في كيان الإنسان هذه
الشهوات ، وقد يَفهم بعضهم أن هذه الشهوات أساس فساد العالم ،
والحقيقة عكس ذلك ، فلولا هذه الشهوات التي ركبت فينا لما
دخلنا الجنة ، ثمّ إن هذه الشهوات حيادية ، إنها سُلَّم ترقى
بها إلى الجنة أو دركات تهوي بها إلى النار ، إن هذه الشهوات
بمثابة محرك يحرك هذه المركبة ، فإذا كان مع هذا المحرك مقود
يحافظ على بقاء السيارة على الطريق المعبد ، كان هذا المحرك
قوة دفعٍ لهذه المركبة ، أما إذا كان هذا المحرك يعمل بلا مقود
، والطريق فيه انعطافات ، وعلى جانبيه وديان سحيقة ، فالهلاك
حتمي .
إذاً الشهوات حيادية ، ليست هي سبب فساد العالم
، بل إن سوء استخدامها هو سبب فساد العالم .
إنّ الشهوات التي أودعها الله فينا
، قيَّدها في الوقت نفسه بمنهج رسمه الله لنا ، فما من شهوة
أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة ، لو سارت هذه
الشهوة في خلال القناة لآتت أكلها ضعفين ، كنت ضربت من قبل
مثلاً ، الوقود السائل بالسيارة، فيه قوة انفجارية ، لكنه إذا
وضع في مستودع محكم ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في
الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ، ولّدَ حركةً نافعة ،
تسعد بها ، وتنقلك أنت وأهلك إلى مكان جميل ، ماذا يجري
بالسيارة ؟ انفجار ، لكنه انفجار وفق المنهج ، أما لو خرج هذا
الوقود عن مساره ، وأصابت السيارةَ شرارةٌ لأحرقت المركبة وما
فيها .
فإياك أن تتهم الشهوات ، فلولاها
لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات ، ولولاها لما دخلت الجنة ،
ولما تقربت إلى الله ، تصور هل من طريق آخر تتقرب به إلى الله
غير طريق الشهوات ، المال محبب فإذا أنفقته حلالاً ارتقيت إلى
الله ، فإذ كان مع شخص خمسمئة ليرة ، يمكنه أن يأكل طعاماً
نفيساً هو وأهله ، لكنّه أعطاها لفقير ، لولا أنك تحب هذا
المبلغ لما ارتقيت بإنفاقه ، وأودع الله فيك حبَّ النساء ،
فلولا أنك تحب النساء ومررت في طريق على امرأة سافرة وغضضتَ
بصرك عنها لا ترقى إلى الله ، بل إن هذه الشهوات ترقى بها إلى
الله مرتين ، ترقى بها مرة صابراً ومرة شاكراً، فإذا نظرت إلى
ما يحل لك ترقى شاكراً ، وإذا غضضت عما لا يحل لك ترقى صابراً
، إذا كسبت المال من وجوهه المشروعة وأنفقته فيما هو مشروع ،
كأنْ تأتيَ مثلاً بالطعام والشراب والفواكه لأولادك ، وقد
أدخلت على قلوبهم السرور ، فإنّك ترقى إلى الله شاكراً ، فإذا
امتنعتَ عن أخذ مالٍ حرام ، فيه شبهة ، وأنت في أشد الحاجة
إليه ، وقد أودع اللهُ في كيانك حبَّ المال ، ترقى إلى الله
صابراً ، هذه الشهوات إذًا كالمنشار ، ترقى بها مرتين ، فإنْ
سلكت القناة النظيفة التي سمح الله لك أن تسلكها ارتقيت إلى
الله شاكراً ، وإن ابتعدت عن الوجه الذي حرمه الله عليك ترقى
إلى الله صابراً ، ولولا الشهوات لما ارتقيت إلى رب الأرض
والسماوات ، ولولا الشهوات لما تقربت إلى الله عز وجل ،
والإنسان يُصلي في اليوم خمس مرات ، أما إذا سار في الطريق
المشروع يصلي آلاف المرات ، لأنّه كلما غضَّ بصره عن امرأة
أجنبية ارتقى إلى الله ، فهناك ألف طريق لكسب المال .
اليوم سمعتُ في الأخبار أنَّ أكبر ربح في
العالم ربح المخدرات ؛ ألف مليار دولار ، أعلى ربح في
العالم ، أرباح المخدرات التي تسبب الآلام لملايين الأسر ،
إنّها أرباح طائلة ، إذاً فالإنسان إذا امتنع عن أخذ المال
الحرام يرقى ، وإذا سلك الطريق المشروع يرقى ، وإذا غض بصره عن
امرأة أجنبية يرقى ، وإذا نظر إلى امرأته يرقى، كالمنشار ترقى
بالشهوات مرتين ، كلما أقبلت على طريق مشروع ترقى بها ، وكلما
ابتعدت عن طريق حرمه الله ترقى بها ، فالإنسان لا يتألم من
الشهوة ، بل يتألم من نفسه ، بشكل أو بآخر، السُّكَّر مادة
ثمينة ، والملح مادة ثمينة ، فلو وضعت الملح في الحلويات ، هل
تأكلها ؟ أو وضعت السكر في طبخة غالية الثمن هل تأكلها ؟ لقد
فسدت الطبخة ، السكر مادة ثمينة ونافعة ، والملح مادة ثمينة
ونافعة ، لكن أسأتَ الاستعمال ، فالفساد هو في إساءة الاستعمال
؛ فالمرأة صممت لتكون زوجة لك ، تسعد بها وتسعد بك ، وتنجب
أطفالاً ترفرف بوجودهم على البيت السعادة والهناءَة ، أما إذا
سلكت في قضاء هذه الشهوة طريقًا حرَّمه الله عليك تشقى ،
فالشقاء هو في سوء استخدام هذه الحظوظ وتلك الشهوة .
هذا معنى قول الله تعالى
:
"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة
من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث"
أما الشيء الدقيق في هذه الآية ، "ذلك متاع الحياة الدنيا"
، وكأن المتاع كلَّه في كلمة "ذلك" ، هذه التي بين يديك
، "متاع الحياة الدنيا والله عنده
حسن المآب" .
فإذا اتقى الإنسانُ اللهَ في هذه
الشهوات ، وجاءه ملك الموت ليقبض روحه ، وقد مات على الإيمان ،
وعلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فله عودةٌ إلى الله
لا توصف من شدة السعادة ، "والله عنده حسن المآب" ،
فحينما تؤوب إلى الله ، وقد اتقيت الله في هذه الشهوات ، فلك
عودة لله عز وجل ، وأنتَ في أسعد الحالات .
لذلك قالوا : الموت عرس المؤمن ،
والشيء الثابت أنَّ أسعد لحظات المؤمن حين يلقى ربه ، وا
كربتاه يا أبي ! قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، غداً نلقى
الأحبه محمداً وصحبه .
فلك أن تتزوج ، وأنْ تنجب الأولادَ ، وتشتغل
وتكسب المال كله بالطريق الحلال ، وفق المنهج الربَّاني ، ادرس
واحصل على شهادات عليا ، وتاجر وافتتح محلات ، ضمن المنهج ،
وكن صادقًا ، لا غش ، ولا تدليس ، ولا ربا ، وكل عملك وفق
المنهج ، فالله ما حرَّم عليك الدنيا ، ليس بخيركم من ترك
دنياه لآخرته ، ولا من ترك آخرته لدنياه ، إلا أن يتزود منهما
معاً ، فإن الأولى مطية للثانية ، والدعاء الشريف: " اللهم
اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنيايّ التي فيها
معاشي ، وأصلح آخرتي التي إليها مردي، ربنا آتنا في الدنيا
حسنة ، وفي الآخرة حسن، ة وارزقنا العفو والعافية والمعافاة
الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، واهدنا فيمن هديت ، وعافنا
فيمن عافيت " وهذه واقعية النبي صلي الله عليه وسلم .
لكن دققوا في الآية التالية ، فكل
واحد من إخواننا الكرام ذاق نعمة المال ، ونعمة النساء ، ونعمة
الزوجة ، والبيت المريح ، والمركبة الفاخرة ، والبيت في المصيف
.
فهذه الشهوات مارِسْها وعرفها ، ثم إنّ
ربنا عز وجل يقول لكم :" قل أؤنبئكم بخير من ذلكم "،
هل أنت مصدق لله عز وجل : "قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين
اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج
مطهرة "، وأثمن من كل ذالك ، "ورضوان من الله والله
بصير بالعباد" .
لذلك قال صلى الله عليه وسلم : "ما
أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه
البحر "، سافِر إلى طرطوص واركب القارب لأرواد واخرج من جيبك
إبرة واغمسها في مياه البحر ، ثم اسحبها ، واحسُب النسبة ، كم
نقص البحر من مائه ؟ وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم وهو
: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"
( سورة النجم : الآية : 4 ، 5 )
لقد قال : ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما
يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر .
والحمد لله رب العالمين |