|
|
|
سورة الصافات إثبات المعاد: الحشر والنشر والقيامة قصة إبراهيم عليه السلام وتحطيم الأصنام إبراهيم عليه السلام والذبيح إسماعيل بَين يَدَي السُّورَة * سورة الصافات من السور المكية التي تعنى بأصول العقيدة الإِسلامية "التوحيد، الوحي، البعث والجزاء" شأنها كشأن سائر السور المكية التي تهدف إلى تثبيت دعائم الإِيمان. * ابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن الملائكة الأبرار، الصافات قوائمها في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله، الزاجرين للسحاب يسوقونه حيث شاء الله .. ثم تحدثت عن الجنِّ وتعرضهم للرجم بالشهب الثاقبة، رداً على أساطير أهل الجاهلية في اعتقادهم بأن هناك قرابةً بين الله سبحانه وبين الجن، وتحدثت السورة عن البعث والجزاء وإِنكار المشركين له، واستبعادهم للحياة مرة ثانية بعد أن يصبحوا عظاماً ورفاتاً. * وتأكيداً لعقيدة الإِيمان بالبعث ذكرت السورة قصة "المؤمن والكافر" والحوار الذي دار بينهما في الدنيا، ثم النتيجة التي آل إليها أمر كلٍ منهما بخلود المؤمن في الجنة، وخلود الكافر في النار. * واستعرضت السورة الكريمة قصص بعض الأنبياء، بدءاً بنوح، ثم إِبراهيم، ثم إسماعيل، ثم قصة موسى وهارون، ثم إلياس ولوط، وذكرت بالتفصيل قصة "الإِيمان والابتلاء" في حادثة الذبيح إسماعيل، وما جرى من أمر الرؤيا للخليل إبراهيم حين أمر بذبح ولده ثم جاءه الفداء، تعليماً للمؤمنين كيف يكون أمر الانقياد والاستسلام لأمر أحكم الحاكمين. * وختمت السورة الكريمة ببيان نصرة الله لأنبيائه وأوليائه في الدنيا والآخرة، وأنَّ العاقبة للمتقين. التسميَة: سميت السورة "سورة الصافات" تذكيراً للعباد بالملأ الأعلى من الملائكة الأطهار، الذين لا ينفكون عن عبادة الله {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وبيان وظائفهم التي كلفوا بها. {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1)فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا(2)فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا(3)إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ(4)رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(5)} {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} افتتح تعالى هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهاراً لعظم شأنها، وكبر فوائدها، وتنبيهاً للعباد على جلالة قدرها، والمعنى: أقسم بهذه الطوائف من الملائكة، الصافات قوائمها في الصلاة، أو أجنحتها في ارتقاب أمر الله، قال ابن مسعود: هم الملائكة تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفاً، وفي الحديث (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف يا رسول الله؟ قال: يُتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصَف) أقسم تعالى بالملائكة تنبيهاً على جلالة قدرهم، وكثرة عبادتهم، فهم مع عظيم خلقهم ورفعة شأنهم لا ينفكون عن عبادة الله، يصطفون للعبادة كاصطفاف المؤمنين في الصلاة، مع الخشوع والخضوع للعزيز الجبار، الذي دانت له الخلائق، وخضعت لجلال هيبته الرقاب، بما فيهم حملةُ العرش والملائكة الأطهار {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} أي الملائكة التي تزجر السحاب، يسوقونه إلى حيث شاء الله، من الزجر بمعنى السوق والحث {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} وصفٌ ثالثٌ للملائكة الأبرار، إشادةً بذكر محاسنهم ومناقبهم العلوية أي وأقسمُ بالملائكة التالين لآيات الله على أنبيائه وأوليائه، مع التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} هذا هو المقسم عليه أي إِن إِلهكم الذي تعبدونه -أيها الناس- إله واحدٌ لا شريك له، قال مقاتل: إِن الكفار بمكة قالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ وكيف يسع هذا الخلق إله فرد؟ فأقسم الله بهؤلاء تشريفاً، ثم بيَّن تعالى معنى وحدانيته وألوهيته فقال {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي هو تعالى خالق السماوات والأرض ومالكهما وما بينهما من المخلوقات والموجودات، فإِن وجودهما وانتظامهما على هذا النمط البديع، من أوضح الدلائل على وجود الله ووحدانيته {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} أي وهو رب مشارق الشمس ومقاربها في الشتاء والصيف، قال الطبري: واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالة الكلام عليه. {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ(6)وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ(7)لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ(8)دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ(9)إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ(10)} ثم أخبر عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب، بعد أن أخبر عن وحدانيته فقال {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} أي زينا السماء القريبة منكم بالكواكب المنيرة المضيئة، التي تبدو وكأنها جواهر تتلألأ {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} أي وللحفظ من كل شيطان عاتٍ متمرد، خارج عن طاعة الله، قال قتادة: خلقت النجومُ لثلاث: رجوماً للشياطين، ونوراً يُهتدى بها، وزينةً للسماء الدنيا، وقال أبو حيان: خصَّ السماء الدنيا بالذكر لأنها هي التي تُشاهد بالأبصار، وفيها وحدها يكون الحفظ من الشياطين {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأَعْلَى} أي لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي، وقيل المعنى: لئلا يتسمَّعوا إلى الملأ الأعلى {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} أي ويُرجمون بالشهب من كل جهةٍ يقصدون السماء منها {دُحُورًا} أي طرداً لهم عن السماع لأخبار السماء، قال الطبري: أي مطرودين، من الدحر وهو الدَّفعُ والإِبعاد {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبًٌ} أي ولهم في الآخرة عذاب موصول لا ينقطع {إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} أي إلاَّ من اختلس شيئاً مسارقةً {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي فلحقه شهاب مضيءٌ، نافذ بضوئه وشعاعه فأحرقه، قال المفسرون: قد يخطف الشيطان المارد خطفةً سريعة مما يدور في الملأ الأعلى، فيتبعه شهابٌ يلاحقه في هبوطه فيصيبه ويحرقه حرقاً، قال القرطبي: وليست الشهب التي يرجم بها الشياطين من الكواكب والثوابت، لأن الثابتة تجري ولا تُرى حركاتها، وهذه الشهب تُرى حركاتها. إثبات المعاد: الحشر والنشر والقيامة {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ(11)بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ(12)وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ(13)وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ(14)وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ(15)أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ(16)أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ(17)قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ(18)فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ(19)وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ(20)هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(21)} {فَاسْتَفْتِهِمْ} أي فسلْ يا محمد هؤلاء المنكرين للبعث {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا}؟ أي أيهم أقوى بنيةً وأشد خلْقاً هل هم أم السماوات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} أي من طينٍ رخوٍ لزج لا قوة فيه، قال الطبري: وإِنما وصفه باللزوب لأنه ترابٌ مخلوطٌ بماء، وكذلك خُلِق ابنُ آدم من ترابٍ وماء، ونار وهواء، والترابُ إِذا خُلط بماءٍ صار طيناً لازباً، والغرضُ من الآية إِقامةُ البرهان على إعادة الإِنسان، فالذي خلقه من العدم وخلق هذه الخلائق، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد الفناء {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} أي بل عجبتَ يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون مما تقول لهم في ذلك، قال أبو السعود: المعنى عجبتَ من قدرة الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإِنكارهم للبعث، وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث {وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ} أي وإِذا وُعظوا بالقرآن وخوّفوا به، لا يتعظون ولا يتدبرون {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} أي وإِذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة تدل على صدقك كانشقاق القمر، وتكليم الشجر والحجر، يبالغون في السخرية أو يدعون غيرهم للسخرية والاستهزاء {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ} أي ما هذا الذي جئتنا به يا محمد إلا سحر واضح بيِّن، قال في البحر: والإِشارة بـ "هذا" إلى ما ظهر على يديه عليه السلام من الخارق المعجز {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ} الاستفهام للإِنكار والاستهزاء أي أئذا أصبحت أجسادنا بالية، وتفتَّتت أجزاؤها إلى تراب وعظام سوف نبعث؟ {أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ} أي أو ءاباؤنا الأولون كذلك سيُبعثون؟ قال الزمخشري: أي أيبعث أيضاً ءاباؤنا؟ وهذا زيادة في استبعاد الأمر، يعنون أنهم أقدم، فبعثُهم أبعدُ وأبطل {قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} أي قل لهم نعم تُبعثون وأنتم صاغرون{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي وما هي إِلا صيحة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور للقيام من القبور {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ} أي فإِذا هم قيامٌ في أرض المحشر ينظر بعضهم إلى بعض، قال القرطبي: الزجرةُ: الصيحةُ وهي النفخةُ الثانية، وسميت زجرة لأن مقصودها الزجر، كزجر الإِبل، والخيل عند السَّوق .. ثم أخبر تعالى عن حسرتهم وندامتهم عند معاينتهم أهوال القيامة فقال {وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} أي يا هلاكنا وخسارتنا هذا هو يوم الجزاء والحساب!! فتقول لهم الملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي هذا يوم الفصل بين الخلائق الذي كنتم تنكرون وتكذبون به، قال البيضاوي: الفصلُ: القضاءُ والتفريق بين المحسن والمسيء. {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22)مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ(24)مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ(25)بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ(26)وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ(27)قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ(2)قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(29)وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ(30)فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ(31)فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ(32)فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(33)إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ(34)إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ(35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ(36)بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ(37)} {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي اجمعوا الظالمين واشباههم من العصاة والمجرمين، كل إنسان مع نظرائه، قال القرطبي: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والسارق مع السارق، وقال ابن عباس: اجمعوا الظالمين ونساءهم الكافرات، وعنه: المراد به أشباههم من العصاة {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي وما كانوا يعبدون من الأوثان والأصنام، وذلك زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} أي فعرفوهم طريق الجحيم ووجهوهم إليها، وفي لفظ {اهْدُوهُمْ} تهكم وسخرية، فإِذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} أي احبسوهم عند الصراط لأنهم سيسألون عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ {مَا لَكُمْ لا َتَنَاصَرُونَ} أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وأنتم هنا جميعاً؟ وكلكم في حاجة إلى الناصر والمعين؟ قال المفسرون: هذا إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر "نحن جميعٌ منتصر" وأصل {تَنَاصَرُونَ} تتناصرون حذفت إحدى التاءين تخفيفاً، قال تعالى {بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} أي بل هم اليوم أذلاء منقادون، عاجزون عن الانتصار، سواء منهم العابدون والمعبودون {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} أي أقبل الرؤساء والأتباع يتلاومون ويتخاصمون، قال أبو السعود: وسؤالهم إنما هو سؤال توبيخ بطريق الخصومة والجدال {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي قال الأتباع منهم للمتبوعين: إِنكم كنتم تأتوننا من قبل الحقِّ، وتزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن اتباع طريق الهدى، قال الطبري: أي كنتم تأتوننا من قبل الدين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه، قال: واليمين في كلام العرب: القوة والقدرة كقول الشاعر: إِذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تلقَّاها عرابةُ باليمين وقيل: المراد تأتوننا بطريق الوسوسة عن يميننا كما هو المعتاد في حالة الوسوسة بالأسرار غالباً {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي يقول لهم الرؤساء: لم نحملكم نحن على الضلال ولم نمنعكم من الإِيمان، بل كفرتم ولم تؤمنوا باختياركم، قال ابن كثير: أي ليس الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرةً للإِيمان، قابلةً للكفر والعصيان {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أي ما كان لنا عليكم من قوة وقدرة نقهركم بها على متابعتنا {بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} أي بل كان فيكم فجور وطغيان واستعداد للعصيان، فلذلك استجبتم لنا واتبعتمونا {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا} أي فوجب علينا جميعاً وعيد الله لنا بالعذاب {إِنَّا لَذَائِقُونَ} أي فإِنا لذائقو هذا العذاب لا محالة {فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} أي فزينا لكم الباطل، ودعوناكم إلى الغيّ لأننا كنا على غيٍّ وضلال، قال تعالى مخبراً عن حالهم {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي فإِنهم يوم القيامة مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية، ولكنْ كما قال تعالى {ولن ينفعكم اليوم إِذْ ظلمتُم أنكم في العذاب مشتركون} {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بالأشقياء المجرمين، ثم بيَّن تعالى السبب فقال {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} أي إِذا قيل لهم قولوا {لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} يتكبَّرون ويتعظَّمون {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} أي ويقولون عندما يُدعون إلى التوحيد: أنترك عبادة الأوثان لقول شاعرٍ مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى رداً عليهم {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} أي ليس الأمرَ كما يفترون بل جاءهم محمد بالتوحيد والإِسلام الذي هو الحقُّ الأبلج، وجاء بمثل ما جاء به الرسل قبله، قال أبو حيان: جمع المشركون بين إِنكار الوحدانية، وإِنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم "شاعر مجنون" فإِن الشاعر عنده من الفهم والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنوناً لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط وهذيان. {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ(38)وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(39)إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ(40)أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ(41)فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ(42)فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(43)عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(44)يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ(45)بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ(46)لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ(47)وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ(48)كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ(49)فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(50)قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ(56)وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(57)أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ(58)إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ(59)إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(60)لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ(61)} {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ} أي إِنكم أيها المجرمون لمعذبون أشد العذاب {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي لا تُعاقبون إلا جزاء مثل عملكم، قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير فجزاؤه بأضعاف مضاعفة .. ولمّا ذكر شيئاً من أحوال الكفار وعذابهم، ذكر شيئاً من أحوال المؤمنين ونعيمهم، على طريقة القرآن في الموازنة بين الفريقين ترغيباً وترهيباً فقال {إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} الاستثناء منقطع أي لكن عباد الله المُخلَصين الموحدين، فإِنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، يُجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .. ثم أخبر عن جزائهم فقال {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} أي أولئك الأخيار الأبرار لهم رزقهم في الجنة صباحاً ومساءً كما قال تعالى {ولهم رزقُهم فيها بكرةً وعشياً} وقال أبو السعود: معلوم الخصائص من حسن المنظر، ولذة الطعم، وطيب الرائحة، ثم فسر الرزق بقوله {فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ} أي فواكهُ متنوعة من جميع ما يشتهون، وهم في الجنة معزَّزون مكرَّمون، وخصَّ الفواكه بالذكر لأن كل ما يُؤكل في الجنة إِنما هو على سبيل التفكه والتلذذ {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أي في رياضٍ وبساتين يتنعمون فيها {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} أي على أسرَّة مكلَّلة بالدر والياقوت، تدور بهم كيف شاؤوا، قال مجاهد: {مُتَقَابِلِين} أي لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض تواصلاً وتحابباً {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} لما ذكر الطعام أعقبه بذكر الشراب أي يطوف عليهم خدم الجنة بكأسٍ من الخمر من نهر جارٍ خارج من عيون الجنة، قال الصاوي: وصف به خمر الجنة لأنه يجري كالماء النابع، وقال ابن عباس: كل كأسٍ في القرآن فهي الخمر، والمعين هي الجارية {بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي هذه الخمر بيضاء ذات لذةً للشاربين، يلتذ بها من شربها، قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن {لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي ليس فيها ما يغتال عقولهم فيفسدها، ولا هم يسكرون بشربها كما تفعل خمر الدنيا، قال ابن كثير: نزَّه الله سبحانه خمر الجنة التي هي في خمر الدنيا، من صداع الرأس، ووجع البطن، وذهاب العقل، فخمر الجنة طعمها طيب كلونها، والمراد بالغول هنا صُداع الرأس قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن وتلك أجمل أوصاف الشراب، التي تحقق لذة الشُّرَّاب، وتنفي أكداره وأضراره، فلا خُمار يصدع الرؤوس،ولا سكر ولا عربدة يُذهب لذة الاستمتاع كما هي الحال في خمرة الدنيا {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} أي وعندهم الحور العين، العفيفات اللواتي قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم ح |