سورة ص

 

مناقشة المشركين في عقائدهم

تذكير الكفار بما نال أسلافهم من العذاب

قصة داود عليه السلام

إثبات البعث، وحال المطيعين والعاصين ، وبيان فضل القرآن

قصة سليمان عليه السلام

قصة أيوب عليه السلام

قصة إبراهيم وذريته: إسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل عليهم السلام

عقاب الطاغين الأشقياء

بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإثبات الوحدانية

قصة آدم عليه السلام

حال الداعي والدعوة والقرآن

بَين يَدَي السُّورَة

     *سورة ص مكية، وهدفها نفس هدف السور المكية، التي تعالج أصول العقيدة الإِسلامية.

      * ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالقرآن - المعجز المنزَّل على النبي الأمي، المشتمل على المواعظ البليغة، والأخبار العجيبة - على أن القرآن حق ، وأن محمداً نبيٌ مرسل.

     * ثم تحدثت عن الوحدانية وإنكار المشركين لها، ومبالغتهم في العجب من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم إلى توحيد الله {اجعلَ الآلهةَ إلهاً واحداً؟ إنَّ هذا لشيء عجاب}.

      * وانتقلت السورة لتضرب الأمثال لكفار مكة بمن سبقهم من الطغاة المتجبرين، الذين أسرفوا بالتكذيب والضلال، وما حل بهم من العذاب والنكال، بسبب إفسادهم وإجرامهم.

      * ثم تناولت قصص بعض الرسل الكرام، تسليةً للنبي عليه الصلاة والسلام عما يلقاه من كفار مكة من الاستهزاء والتكذيب، وتخفيفاً لآلامه وأحزانه، فذكرت قصة نبي الله داود، وولده سليمان، الذي جمع الله له بين النبوة والملك، وما نال كلاً منهما من الفتنة والابتلاء، ثم أعقبتها بذكر فتنة أيوب، وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل وذا الكفل، هكذا في عرضٍ سريع لبيان سنة الله، في ابتلاء أنبيائه وأصفيائه.

      * وأشارت السورة الكريمة إلى دلائل القدرة والوحدانية، في هذا الكون المنظور وما فيه من بدائع الصنعة، للتنبيه على أن هذا الكون لم يخلق عبثاً، وأنه لا بدَّ من دار ثانية يجازى فيها المحسن والمسيء.

      * وختمت السورة الكريمة ببيان وظيفة الرسول ومهمته الأساسية التي هي مهمة جميع الرسل الكرام.

التسميَة:

      تسمى السورة الكريمة "سورة ص" وهو حرف من حروف الهجاء للإِشادة بالكتاب المعجز الذي تحدى الله به الأولين والآخرين، وهو المنظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية.

مناقشة المشركين في عقائدهم

     {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1)بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ(2)كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ(3)وَعَجِبُوا أَنْ جَاءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4)أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6)مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ(7)أَءنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ(8)أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ(9)أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ(10)جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ(11)}

سبب النزول:

نزول الآية (5):

      {أجعل الآلهة ..}: أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب، فجاءته قريش، وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، فشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ قال: أريد منهم كلمة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية كلمة واحدة، قال: وما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقالوا: إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب، فنزل فيهم {ص والقرآن ..} إلى قوله: {بل لَمَّا يذوقوا عذاب}.

      {ص} تقدم الكلام على الحروف الهجائية، وبيّنّا أن فيها الإِشارة إلى إعجاز القرآن {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} قسمٌ أقسم به الباري جل وعلا أي والقرآن ذي الشرف الرفيع، وذي الشأن والمكانة، وجواب القسم محذوف تقديره إن هذا القرآن لمعجز وإن محمداً لصادق، قال ابن عباس: {ذِي الذِّكْرِ} أي ذي الشرف {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي بل الكافرون في حميةٍ وتكبرٍ عن الإِيمان، وفي خلافٍ وعداوة للرسول عليه السلام، قال البيضاوي: أي ما كفر من كفر بالقرآن لخَللٍ وجده فيه بل الذين كفروا به {فِي عِزَّةٍ} أي استكبار عن الحق {وَشِقَاقٍ} أي خلاف للهِ ولرسوله ولذلك كفروا به {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} أي كم أهلكنا قبل أهل مكة من أمم كثيرة من القرون الخالية، لكبرهم عن الحق ومعاداتهم لرسلهم، قال أبو السعود: والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أصاب من قبلهم من المستكبرين {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي فاستغاثوا واستجاروا عند نزول العذاب طلباً للنجاة، وليس الحينُ حينَ فرار أو مهرب ونجاة، قال ابن جزي: المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك، إذ ليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص أي مفر ونجاة من ناص ينوص إذا فرَّ، ولات بمعنى ليس وأصلها لا النافية زيدت عليها علامة التأنيث {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} أي وعجب المشركون من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واستبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} أي وقال كفار مكة: إن محمداً ساحرٌ فيما يأتي به من المعجزات {كَذَّابٌ} أي مبالغ في الكذب في دعوى أنه رسول الله، وإِنما وضع الاسم الظاهر {الْكَافِرُونَ} مكان الضمير "وقالوا" غضباً عليهم، وذماً لهم وتسجيلاً لجريمة الكفر عليهم، فإن هذا الاتهام لا يقوله إلا المتوغلون في الكفر والفسوق {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}؟ أي أزعم أن الربَّ المعبود واحد لا إله إلا هو؟ {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي إنَّ هذا الذي يقوله محمد - إنّ الإِله واحد - شي بليغٌ في العجب، قال ابن كثير: أنكر المشركون ذلك -قبَّحهم الله- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقَّوا عن ءابائهم عبادة الأوثان وأُشربته قلوبهم، فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلع الأوثان وإفراد الإِله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب} قال المفسرون: إن قريشاً اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كُفَّ ابنَ أخيك عنا، فإِنه يعيب ديننا، ويذم آلهتنا، ويسفِّه أحلامنا، فدعاه أبو طالب وكلَّمه في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: يا عم إنما أريد منهم كلمةً واحدة، يملكون بها العجم، وتدين لهم بها العرب، فقال أبو جهل والمشركون: نعم نعطيكها وعشر كلمات معها!! فقال قولوا "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ويقولون {أجعل الآلهة إلهاً واحداً ..}؟ فنزلت الآيات {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} أي وانطلق أشراف قريش ورؤساء الضلال فيهم، وخرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمداً فيما يدعوكم إليه من عبادة الله الواحد الأحد {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي هذا أمرٌ مدبِّر، يريد من ورائه محمد أن يصرفكم عن دين ءابائكم لتكون له العزة والسيادة عليكم، فاحذروا أن تطيعوه {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} أي ما سمعنا بمثل هذا القول في ملة النصرانية التي هي آخر الملل، فإنهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، فكيف يزعم محمد أنَّ الله واحد؟ قال ابن عباس: يعنون بالملة الآخرة دينَ النصرانية، وقال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش أي ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه ءاباءنا {إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ} أي ما هذا الذي يدعيه محمد إلا كذب وافتراء، ثم أنكروا اختصاصه عليه السلام بالوحي من بينهم فقالوا {أَءنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا}؟ الاستفهام للإِنكار أي هل تنزَّل القرآن على محمد دوننا، مع أن فينا من هو أكثر منه مالاً، وأعلى رياسةً؟ قال الزمخشري: أنكروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإِنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي} إضرابٌ عن مقدر تقديره: إنكارهم للذكر ليس عن علم بل هم في شك منه فلذلك كفروا {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} اضراب انتقالي وغرضه التهديد والمعنى سبب شكهم أنهم لم يذوقوا العذاب إلى الآن، ولو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ}؟ هذا ردٌّ على المشركين فيما أنكروا من اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والمعنى هل عندهم خزائن رحمته تعالى حتى يعطوا النبوة من شاءوا، ويمنعوها من شاءوا؟ قال البيضاوي: يريد أن النبوة عطيةٌ من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده، فإنه {الْعَزِيزِ} أي الغالب الذي لا يغلب {الْوَهَّاب} أي الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء {أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}؟ أي هل لهم شيء من ملك السماوات والأرض؟ وهو إنكار وتوبيخ {فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ} أي ان كان لهم شيء من ذلك فليصعدوا في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شئون الكون؟ وهو تهكم بهم واستهزاء، قال الزمخشري: تهكم بهم غاية التهكم، فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، والتصرف في قسمة الرحمة، وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو حقيقٌ بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج التي يتوصلون بها إلى العرش،حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون، وهو غاية التهكم بهم {جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ} التنكير للتقليل والتحقير، و{مَا} لتأكيد القلة أي ما هم إلا جندٌ من الكفار، المتحزبين على رسل الله، هم عما قليلٍ يُهزمون ويُولون الأدبار، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون.

تذكير الكفار بما نال أسلافهم من العذاب

     {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ(12)وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ(13)إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ(14)وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ(15)وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ(16)}

      ثم أخبر تعالى عما نال أسلافهم الكفار من العذاب والدمار، فقال {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ} أي كذب قبل كفار قريش أممٌ كثيرون منهم قوم نوح، وقوم هود وهم قبيلة "عاد" وفرعون الجبار ذو الملك الثابت بالأوتاد أو ذو الجموع الكثيرة، قال بعض المفسرين: سمي بذي الأوتاد لأنه كان يوتد من يريد تعذيبه بأربعة أوتادٍ في يديه ورجليه ويتركه حتى يموت وقيل: لأنه صاحب الإِهرامات والمباني العظيمة الثابتة التي تقوم في الأرض كالأوتاد {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} أي وكذبت ثمود وهم قوم صالح وقوم لوط، وأصحاب الأيكة أي الشجر الكثير الملتف وهم قوم شعيب {أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ} أي أولئك هم الكفار الذين تحزبوا على رسلهم فأهلكهم الله، فليحذر هؤلاء المكذبون لرسول الله أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم {إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ} أي ما كل من هؤلاء الأحزاب والأمم إلا كذَّب رسوله الذي أُرسل إِليه { فَحَقَّ عِقَابِ} أي فثبت ووجب عليهم عقابي، وحذفت الياء مراعاة لرؤوس الآيات {وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي وما ينتظر هؤلاء المشركون كفار مكة إلا نفخة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور فيصعقون {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} أي ليس لها من توقف ولا تكرار، قال ابن عباس: أي ما لها من رجوع، قال المفسرون: أي أن هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار فواق ناقة وهي المسافة بين الحلبتين لأنها تجيء في موعدها المحدد، الذي لا يتقدم ولا يتأخر، قال الزمخشري: يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} أي وقال كفار مكة على سبيل الاستهزاء والسخرية: عجّلْ لنا يا ربنا نصيبنا من العذاب الذي وعدته لنا، قبل أن يجيء يوم القيامة إن كان الأمر كما يقول محمد، قال المفسرون: وإِنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء كقوله تعالى {ويستعجلونك بالعذاب}.

قصة داود عليه السلام

     {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ(17)إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ(18)وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ(19)وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ(20)وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ(21)إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ(22)إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23)قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ(25)يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)}

      {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} أي اصبر يا محمد على تكذيبهم فإن الله ناصرك عليهم، قال الصاوي: وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ} أي وتذكرْ عبدنا داود ذلك النبي الشاكر الصابر، ذا القوة في الدين، والقوة في البدن، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقوم نصف الليل {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي كثير الرجوع والإِنابة إلى الله، والأوَّابُ: الرجَّاع إلى الله، قال أبو حيان: لما كانت مقالة المشركين تقتضي الاستخفاف بالدين، أمر تعالى نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصاً للأنبياء "داود، وسليمان، وأيوب" وغيرهم، وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم، وصارت عاقبتُهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويؤول أمرك إلى أحسن مآل {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} أي سخرنا الجبال لداود تسبح معه في المساء والصباح، وتسبيحُ الجبال حقيقةٌ وكان معجزةً لداود عليه السلام كما قال تعالى {يا جبالُ أوّبي معه والطير} {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه تسبح معه، كلٌ من الجبال والطير رجَّاع إلى طاعته تعالى بالتسبيح والتقديس، قال ابن كثير: كانت الطير تسبّح بتسبيحه وترجّع بترجيعه، إذا مرَّ به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه يترنم بقراءة الزبور يقف في الهواء ويسبّح معه، وكذلك الجبال الشامخات كانت تُرجّع معه وتسبّح تبعاً له، قال قتادة: {أَوَّابٌ} أي مطيع {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي قوينا ملكه وثبتناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} أي أعطيناه النبوَّة والفهم والإِصابة في الأمور {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} أي الكلام البيِّن الذي يفهمه من يُخاطب به، قال مجاهد: يعني إصابة القضاء وفهمه، وقال القرطبي: البيان الفاصل بين الحق والباطل، قال المفسرون: كان مُلك داود قوياً عزيزاً، وكان يسوسه بالحكمة والحزم معاً، ويقطع ويجزم برأيٍ لا تردد فيه مع الحكمة والقوة، وذلك غاية الكمال في الحكم والسلطان {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} هذا الاستفهام للتعجيب وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك، والمعنى هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين الذي تسوَّروا على دواد مسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} أي حين دخلوا عليه من أعلى السور فخاف وارتعد منهم، قال المفسرون: وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، في وقت كان قد خصصه للعبادة {قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} أي لا تخف منا فنحن فوجان مختصمان تعدَّى بعضنا على بعض {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ} أي فاحكم بيننا بالعدل، ولا تجر ولا تظلم في الحكم {وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} أي وأرشدنا إلى وسط الطريق يعني إِلى الطريق الحق الواضح {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} هذه بداية قصة الخصمين أي قال أحدهما: إن صاحبي هذا يملك تسعة وتسعين نعجة -وهي أنثى الضأن- وأملك أنا نعجة واحدة، قال المفسرون: وقد يكنى بها عن المرأة فيكون الغرض أن عنده تسعاً وتسعين امرأةً وعندي امرأة واحدة {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ملكنِها واجعلها تحت كفالتي {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أي غلبني في الخصومة، وشدَّد عليَّ في القول وأغلظ {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} أي قال له داود لقد ظلمك بهذا الطلب حين أراد انتزاع نعجتك منك ليكمل ما عنده إلى مائة {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي وإن الكثيرين من الشركاء ليتعدى بعضُهم على بعض {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} أي إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم لا يبغون وهم قليل {وَظنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} أي علم وأيقن أنما اختبرناه بهذه الحادثة وتلك الحكومة {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} أي طلب المغفرة من الله وخرَّ ساجداً لله تعالى، ورجع إليه بالتوبة والندم على ما فرط منه، قال أبو حيان: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحاً، والذي يدل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإِنس، دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظناً منه أنهم يغتالونه إذ كان منفرداً في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قصَّ الله تعالى فاستغفر من ذلك الظن، وخرَّ ساجداً لله عز وجل، ونحن نعلم قطعاً أن الأنبياء معصومون من الخطايا، إذ لو جوزنا عليهم شيئاً من ذلك لبطلت الشرائع ولم نثق بشيء مما يذكرون، فما حكى الله في كتابه يُمرُّ على ما أراده الله، وما حكى القُصَّاص مما فيه غضٌ من منصب النبوة طرحناه، ثم قال تعالى {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} أي فسامحناه وعفونا عنه ذلك الظن السيء بالرجلين، قال ابن كثير: أي غفرنا له ما كان منه مما يقال فيه: "حسناتُ الأبرار سيئات المقربين" {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} وإِنَّ له لقربةً وكرامة بعد المغفرة {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي وحسنمرجع في الآخرة {يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} أي استخلفناك على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} أي فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك {وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي لا تتَّبع هوى النفس في الحكومات و