سورة غافر

التسميَــة

مصدر إنزال القرآن، وحال المجادلين فيه

حال الملائكة الأطهار والمؤمنين الأبرار

أحوال الكفار يوم القيامة، والتذكير بقدرته تعالى

وصف يوم القيامة بأوصاف مخيفة

قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان وقارون

دفاع مؤمن آل فرعون عن موسى عليه السلام

تكبر فرعون بسؤاله عن إله موسى عليه السلام

متابعة الرجل المؤمن نصحه لقومه

مخاصمة الأسياد والاتباع في النار

نصرة الله لرسله على أعدائهم في الدنيا والآخرة

دلائل قدرته ووحدانيته

النهي عن عبادة غير الله، وبيان فضله على الإنسان

جزاء المجادلين بالباطل

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى

تذكير الله بنعمه

تهديد المكذبين المجادلين في ءايات الله

 بَين يَدَي السُّورَة

       * سورة غافر مكية، وهي تُعنى بأمور العقيدة كشأن سائر السور المكية، ويكاد يكون موضوع السورة البارز هو المعركة بين "الحق والباطل" و"الهدى والضلال" ولهذا جاء جوُّ السورة مشحوناً بطابع العنف والشدة، وكأنه جو معركة رهيبة يكون فيها الطعن والنزال، ثم تسفر عن مصارع الطغاة فإِذا بهم حطام وركام.

        * ابتدأت السورة الكريمة بالإِشادة بصفات الله الحسنى، وآياته العظمى، ثم عرضت لمجادلة الكافرين في ءايات الله، فمع وضوح الحق وسطوعه، جادل فيه المجادلون، وكابر فيه المكابرون.

        * وعرضت السورة لمصارع الغابرين وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلم يفلت منهم إنسان.

        * وفي ثنايا هذا الجو الرهيب، يأتي مشهد حملة العرش، في دعائهم الخاشع المنيب.

        * وتحدثت السورة عن بعض مشاهد الآخرة وأهوالها، فإِذا العباد واقفون للحساب، بارزون أمام الملك الديان، تغمرهم رهبة وخشوع، وإِذا القلوب لدى الحناجر تكاد لشدة الفزع والهول تنخلع، وفي ذلك الموقف الرهيب، واليوم العصيب، يلقى الإِنسان جزاءه إن خيراً فخير، وإِن شراً فشر.

        * ثم يأتي الحديث عن قصة الإِيمان والطغيان، ممثلة في دعوة موسى عليه السلام لفرعون الطاغية الجبار، ففرعون يريد -بكبريائه وجبروته- أن يقضي على موسى وأتباعه خشية أن ينتشر الإِيمان بين الأقوام، وتبرز في ثنايا هذه القصة حلقة جديدة، لم تُعرض في قصة موسى من قبل، ألاَ وهي ظهور رجلٍ مؤمنٍ من آل فرعون يُخفي إِيمانه، يَصدع بكلمة الحق في تلطفٍ وحذر، ثم في صراحةٍ ووضوح، وتنتهي القصة بهلاك فرعون الطاغية الجبار بالغرق في البحر مع أعوانه وأنصاره، وبنجاة الداعية المؤمن وسائر المؤمنين.

        * ثم تعرض السورة إلى بعض الآيات الكونية، الشاهدة بعظمة الله، الناطقة بوحدانيته وجلاله، الذي يشركون به ويكفرون بآياته، وتضرب مثلاً للمؤمن والكافر بالبصير والأعمى، فالمؤمن على نور من الله وبصيرة، والكافر يتخبط في الظلام.

        * وتختم السورة الكريمة بالحديث عن مصارع المكذبين، والطغاة المتجبرين، ومشهد العذاب يأخذهم وهم في غفلتهم سادرون.

التسميَــة:

        سميت "سورة غافر" لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل - الذي هو من صفات الله الحسنى - في مطلع السورة الكريمة {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} وكرر ذكر المغفرة في دعوة الرجل المؤمن {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} وتسمى سورة المؤمن لذكر قصة مؤمن آل فرعون.

مصدر إنزال القرآن، وحال المجادلين فيه

      {حم(1)تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(2)غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3)مَا يُجَادِلُ فِي ءاياتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ(4)كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ(5)وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ(6)}

سبب النزول:

نزول الآية (4):

        {مَا يُجَادِلُ..}: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي ءاياتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: نزلت في الحارث بن قيس السهمي.

        {حم} الحروف المقطَّعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وللإِرشاد على أن هذا القرآن المعجز منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ} أي هذا القرآن تنزيلٌ من الله {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} أي العزيز في ملكه، العليم في خلقه {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} أي الذي يعفو عن ذنوب العباد، ويقبل توبة العصاة لمن تاب منهم وأناب {شَدِيدِ الْعِقَابِ} أي شديد العقاب لمن تكبر وطغى، وأعرض عن طاعة المولى {ذِي الطَّوْلِ} أي ذي الفضل والإِنعام {لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي لا معبود بحقٍ إلا الله، ولا ربَّ في الوجود سواه {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي إليه وحده مرجع الخلائق فيجازيهم بأعمالهم، وإِنما قدَّم المغفرة والتوبة على العقاب، للإِشارة إلى سعة الفضل وأن رحمته سبقت عذابه، ثم لما ذكر أن القرآن هداية الله للعالمين، أعقبه بذكر المجادلين المعاندين فقال {مَا يُجَادِلُ فِي ءاياتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا} أي ما يدفع الحق ويجادل في هذا القرآن - بعد وضوح ءاياته وظهور إعجازه - إلا الجاحدون لآياتِ الله، المعاندون لرسله {فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ} أي فلا تغترَّ أيها العاقل بتصرفهم وتقلبهم في هذه الدنيا، بالمساكن والمزارع، والممالك والتجارات، فإِنهم أشقى الناس، وما هم عليه من النعيم متاعٌ قليل، وظلٌ زائل، فإِني وإِن أمهلتهم لا أهملُهم، بل آخذهم بعد ذلك النعيم أخذ عزيز مقتدر، قال ابن جزي: والآية تسليةٌ للنبي صلىالله عليه وسلم، ووعيدٌ شديد للكفار {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} أي كذَّب قبل كفار مكة أقوام كثيرون، منهم قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم ولم يقبلوا ما جاءوا به من عند الله كقوم عاد وثمود وفرعون وأمثالهم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي وهمت كل أمةٍ من الأمم المكذبين أن يقتلوا رسولهم ويبطشوا به، قال ابن كثير: أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي جادلوا رسلهم بالباطل ليزيلوا ويبطلوا به الحق الواضح الجلي {فَأَخَذْتُهُمْ} أي فأهلكتهم إهلاكاً مريعاً {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} استفهام تعجيب أي فكيف كان عقابي لهم؟ ألم يكن شديداً فظيعاً؟ {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أي وكذلك وجبت كلمة العذاب على هؤلاء المكذبين من قومك، كما وجبت لمن سبقهم من الكفار {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} أي لأنهم أهل النار، قال الطبري: أي كما حقَّ على الأمم التي كذبت رسلها وحلَّ بها عقابي، كذلك وجبت كلمة العذاب على الذين كفروا بالله من قومك لأنهم أصحاب النار.

حال الملائكة الأطهار والمؤمنين الأبرار

      {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(7)رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(8)وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9)}

        ثم ذكر تعالى حال الملائكة الأطهار، والمؤمنين الأبرار، بعد أن ذكر الكفار والفجار فقال {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي هؤلاء العباد المقربون - حملةُ العرش - ومن حول العرش من أشراف الملائكة وأكابرهم، ممن لا يُحصي عددهم إلا الله، هم في عبادة دائبة لله، ينزهونه عن صفات النقص، ويثنون عليه بصفات الكمال {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} أي ويصدقون بوجوده تعالى، وبأنه لا إله لهم سواه، ولا يستكبرون عن عبادته، قال الزمخشري: فإِن قلت: ما فائدة قوله {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} ولا يخفى أن حملة العرش وجميع الملائكة يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار لفضيلة الإِيمان وشرفه والترغيب فيه {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} أي وهم مع عبادتهم واستغراقهم في تسبيح الله وتمجيده، يطلبون من الله المغفرة للمؤمنين قائلين {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} أي يا ربنا وسعت رحمتُك وعلمك كل شيء، قال المفسرون: وفي وصف الله تعالى بالرحمة والعلم - وهو ثناءٌ قبل الدعاء - تعليمُ العباد أدب السؤال والدعاء، فهم يبدؤون دعاءهم بأدبٍ ويستمطرون إحسانه وفضله وإِنعامه {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} أي فاصفح عن المسيئين المذنبين، التائبين عن الشرك والمعاصي، المتبعين لسبيل الحق الذي جاء به أنبياؤك ورسلك {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} أي واحفظهم من عذاب جهنم {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم} أي أدخلهم جنات النعيم والإِقامة التي وعدتهم إياها {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أي وأدخل الصالحين من الآباء والأزواج والأولاد في جنات النعيم أيضاً ليتم سرورهم بهم، قال ابن كثير: أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في الجنة بمنازل متجاورة {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي العزيز الذي لا يُغلب ولا يمتنع عليه شيء، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} هذا من تمام دعاء الملائكة أي احفظهم يا ربّ من فعل المنكرات والفواحش التي توبق أصحابها {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} أي ومن حفظته من نتائجها وعواقبها يوم القيامة، فقد لطفت به ونجيته من العقوبة {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي وذلك الغفران ودخول الجنان، هو الظفر العظيم الذي لا ظفر مثله.

أحوال الكفار يوم القيامة، والتذكير بقدرته تعالى

      {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ(11)ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ ءاياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ(13)فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(14)رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ(15)يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(16)الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)}

        ولما تحدث عن أحوال المؤمنين، ذكر شيئاً من أحوال الكافرين فقال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي تناديهم الملائكة يوم القيامة على جهة التوبيخ والتقريع: لبغض الله الشديد لكم في الدنيا أعظم من بغضكم اليوم لأنفسكم {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} أي حين كنتم تُدعون إلى الإِيمان فتكفرون كبراً وعتواً، قال قتادة: بغضُ الله لأهل الضلالة حين عُرض عليهم الإِيمان في الدنيا فأبوا أن يقبلوه، أكبرُ مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} أي قال الكفار لما رأوا الشدائد والأهوال ربَّنا أمتَّنا مرتين، وأحييتنا مرتين {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} أي فاعترفنا بما جنيناه من الذنوب في الدنيا {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} أي فهل تردنا إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؟ وهل تخرجنا من النار لنسلك طريق الأبرار؟ قال المفسرون: الموتةُ الأولى حين كانوا في العدم، والموتة الثانية حين ماتوا في الدنيا، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياةُ البعث يوم القيامة، فهاتان موتتان وحياتان، وإِنما قالوا ذلك على سبيل التعطف والتوسل إلى رضى الله، بعد أن عاينوا العذاب، وقد كانوا يكفرون وينكرون، ولهذا جاء الجواب {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ} أي ذلكم العذاب والخلود في جهنم بسبب كفركم وعدم إِيمانكم بالله، فإِذا دعيتم إلى التوحيد كفرتم {وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} وإِن دعيتم إلى اللات والعزَّى وأمثالهما من الأصنام، آمنتم وصدَّقتم بألوهيتها {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} أي فالقضاء لله وحده، لا للأوثان والأصنام، ولا سبيل إلى نجاتكم، لأن الله هو المتعالي على خلقه، العظيم في ملكه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد .. ولما ذكر تعالى ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ليصير بمنزلة البرهان على عدم جواز عبادة الأوثان فقال {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ ءاياتِهِ} أي الله جل وعلا هو الذي يريكم أيها الناس دلائل قدرته الباهرة في مخلوقاته، في العالم العلوي والسفلي الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ} أي وينزِّل لكم من السماء المطر بهذه الآيات الباهرة، وما يتفكّر كل هذه النعم ويشكرها إلا من يرجع إلى الله بالتوبة والإِنابة، والعمل الصالح البعيد عن الرياء والنفاق {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي فاعبدوا الله أيها المؤمنون مخلصين له العبادة والطاعة ولا تعبدوا معه غيره {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} هذا للمبالغة أي اعبدوه وأخلصوا له قلوبكم، حتى ولو كره الكافرون ذلك، وغاظهم إخلاصهم وقاتلوكم عليه {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ } أي هذا الإله الذي تدعونه عظيم الشأن والسلطان، صاحب الرفعة والمقام العالي {ذُو الْعَرْشِ} أي صاحب العرش العظيم، لا شيء يشبهه من مخلوقات الله، قال ابن كثير: أخبر تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، وقد ذُكر أن العرش من ياقوتةٍ حمراء ولا يعلم سعته إلا الله، وقال أبو السعود: وكونُ العرش العظيم المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي، تحت ملكوته وقبضة قدرته، مما يقضي بكون علو شأنه وعظم سلطانه، في غايةٍ لا غاية وراءها {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي ينزل الوحي على من شاء من خلقه، ويختص بالرسالة والنبوة من أراد من عباده، وإِنما سمَّى الوحي روحاً لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد، قال القرطبي: سمَّاه روحاً لأن الناس يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ} أي ليخوِّف الرسول العباد، ويذكّرهم بيوم المعاد، حيث يلتقون جميعاً ليحاسبوا على أعمالهم، ويلتقي الخلق بالخالق في ساعة الحساب، قال قتادة: يلتقي فيه أهل السماء بأهل الأرض، والخالق والخلق {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ} أي يوم هم ظاهرون بادون للعيان، لا شيء يكنُّهم ولا يظلّهم ولا يسترهم من جبلٍ أو أكمةٍ أو بناء، لأنهم في أرض مستوية هي أرض المحشر {لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ} أي لا يخفى على الله شيء من أحوالهم وأعمالهم ولا من سرائرهم وبواطنهم، قال الصاوي: والحكمة في تخصيص ذلك اليوم - مع أن الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام - أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان مثلاً لا يراهم الله، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا التوهم {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟ أي ينادي الله سبحانه والناسُ بارزون في أرض المحشر: لمن المُلكُ اليوم؟ ويسكت الخلائق هيبةً لله تعالى وفزعاً، فيجيب تعالى نفسه قائلاً {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي لله المتفرد بالملك، الذي قهر بالغلبة كل ما سواه، قال الحسن: هو تعالى السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي في ذلك اليوم -يوم القضاء والفصل بين العباد - تُجازى كل نفسٍ بما عملت من خيرٍ أو شر {لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} أي لا يُظلم أحد شيئاً، لا بنقص ثواب، ولا بزيادة عقاب {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي سريعٌ حسابه، لا يشغله شأنٌ عن شأن، فيحاسب الخلائق جميعاً في وقتٍ واحد، قال القرطبي: كما يرزقهم في ساعةٍ واحدة، يحاسبهم كذلك في ساعةٍ واحدة، وفي الخبر: "لا ينتصف النهارُ حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار".

وصف يوم القيامة بأوصاف مخيفة

      {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18)يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(20)أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ(21)ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ(22)}

        {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ} أي خوّفهم ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة، قال ابن كثير: "الآزفة" اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لقربها كقوله تعالى {أزفت الآزفة} {إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} أي تكاد قلوبهم لشدة الخوف والجزع تبلغ الحناجر - وهي الحلوق - مكان البلعوم {كَاظِمِينَ} أي ممتلئن غماً وحسرةً شأن المكروب، قال في التسهيل: معنى الآية أن القلوب قد صعدت من الصدور لشدة الخوف حتى بلغت الحناجر، ويحتمل أن يكون ذلك حقيقةً أو مجازاً عبَّر به عن شدة الخوف، والحنجرة هي الحلق {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أي ليس للظالمين صديقٌ ينفعهم {وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي ولا شفيع يشفع لهم لينقذهم من شدة العذاب {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ} أي يعلم جلَّ وعلا العين الخائنة بمسارقتها النظر إلى محرم، قال ابن عباس: هو الرجل يكون جالساً مع الناس، فتمرُّ المرأة فيسارقهم النظر إليها {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} أي ويعلم السرَّ المستور تخفيه الصدور {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} أي يقضي ويحكم بالعدل {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي والذين يعبدونهم من دون الله من الأوثان والأصنام {لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} أي لا حكم لهم أصلاً فكيف يكونون شركاء لله؟ قال أبو السعود: وهذا تهكّمٌبهم لأن الجماد لا يقال في حقه يقضي أو لا يقضي {إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} أي هو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ}؟ أي أولم يعتبر هؤلاء المشركون في أسفارهم بما يرون من آثار المكذبين {فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ} أي فينظروا ما حلَّ بالمكذبين من العذاب والنكال؟ فإِنَّ العاقل من اعتبر بغيره {كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهمْ قُوَّةً} أي كانوا أشدَّ قوةً من هؤلاء الكفار من قومك {وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} أي وأقوى آثاراً في الأرض من الحصون والقصور والجند الأشداء، ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أهلكهم الله لما كذبوا الرسل {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكهم الله إهلاكاً فظيعاً &#