سورة الأحقاف

تنزيل القرآن، وعبادة الأوثان من دون الله

شبه المشركين حول الوحي والنبوة والقرآن

شبهة أخرى للمشركين، والاستقامة على شرع الله

وصية الله لعباده بر الوالدين

حال الإنسان العاق لوالديه

قصة هود عليه السلام مع قومه

إيمان الجن بالقرآن

الأدلة على قدرته تعالى ووحدانيته

بَين يَدَي السُّورَة

        * هذه السورة مكية وأهدافها هو أهداف السور المكية نفسها، العقيدة في أصولها الكبرى "الوحدانية، الرسالة، البعث والجزاء" ومحور السورة الكريمة يدور حول "الرسالة والرسول" لإِثبات صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن.

        * تحدثت السورة في البدء عن القرآن العظيم المنزل من عند الله بالحق، ثم تناولت الأوثان التي عبدها المشركون وزعموا أنها آلهة مع الله تشفع لهم عنده، فبيَّنت ضلالهم وخطأهم في عبادة ما لا يسمع ولا ينفع، ثم تحدثت عن شبهة المشركين حول القرآن، فردَّت على ذلك بالحجة الدامغة، والبرهان الناصع.

        * ثم تناولت نموذجين من نماذج البشرية في هدايتها وضلالها، فذكرت نموذج الولد الصالح، المستقيم في فطرته، البارّ بوالديه، الذي كلما زادت سنه وتقدم في العمر ازداد تُقىً وصلاحاً وإِحساناً لوالديه .. ونموذج الولد الشقي، المنحرف عن الفطرة، العاقِّ لوالديه، الذي يهزأ ويسخر من الإِيمان والبعث والنشور ومآل كل منهما.

        * ثم تحدثت السورة عن قصة "هود" عليه السلام مع قومه الطاغين "عاد" الذين طغوا في البلاد، واغتروا بما كانوا عليه من القوة والتجبر، وما كان من نتيجة طغيانهم حيث أهلكهم الله بالريح العقيم، تحذيراً لكفار قريش في طغيانهم واستكبارهم على أوامر الله وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وسلم.

        * وختمت السورة الكريمة بقصة النفر من الجنِّ الذين استمعوا إلى القرآن وآمنوا به ثم رجعوا منذرين إلى قومهم يدعونهم إِلى الإِيمان، تذكيراً للمعاندين من الإِنس بسبق الجن لهم إلى الإِسلام.

التسميَــة:

        سميت "سورة الأحقاف" لأنها مساكن عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم وتجبرهم، وكانت مساكنهم بالأحقاف من أرض اليمن {واذكر أخا عادٍ إِذا أنذر قومه بالأحقاف ..} الآية.

تنزيل القرآن، وعبادة الأوثان من دون الله

        {حم(1)تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ الحكيمِ(2)ما خلقْنا السَّماواتِ والأرضَ وما بيْنهُما إلا بالحقِّ وأجلٍ مُسمَّى والذين كفروا عمَّا أُنْذِروا مُعْرِضون(3) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أمْ لهم شركٌ في السَّماواتِ ائتوني بكتابٍ من قبل هذا أوْ أثارةٍ منْ علمٍ إِن كنتم صادقين (4) ومنْ أضلُّ ممَّن يدعُوا منْ دُون اللهِ من لا يسْتجيبُ لهُ إلى يوم القيامة وهم عنْ دعائهم غافلون(5)وإِذا حُشر الناسُ كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين(6) }

        {حم} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن وأنه منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية {تنزيلُ الكتابِ من اللهِ العزيزِ الحكيمِ} أي هذا الكتاب المجيد منزَّل من عند الإِله العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه {ما خلقْنا السَّماواتِ والأرضَ وما بيْنهُما إلا بالحقِّ} أي ما خلقنا السماواتِ والأرض وما بينهما من المخلوقات عبثاً، وإِنما خلقناهما خلقاً متلبساً بالحكمة، لندل على وحدانيتنا وكمال قدرتنا {وأجلٍ مُسمَّى} أي وإِلى زمنٍ معيَّن هو زمن فنائهما يوم القيامة {يوم تبدَّل الأرضُ غير الأرضِ والسماواتُ وبرزوا للهِ الواحد القهار} {والذين كفروا عمَّا أُنْذِروا مُعْرِضون} أي وهؤلاء الكفار معرضون عما خُوّفوه من العذاب ومن أهوال الآخرة، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له .. ثم لما بيَّن وجود الإِله العزيز الحكيم ردَّ على عبدة الأصنام فقال {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، وتزعمون أنها آلهة {أروني ماذا خلقوا من الأرض}؟ أي أرشدوني وأخبروني أيَّ شيءٍ خلقوا من أجزاء الأرض، وممَّا على سطحها من إِنسانٍ أو حيوان؟ {أمْ لهم شركٌ في السَّماواتِ}؟ أي أمْ لهم مشاركة ونصيب مع الله في خلق السماوات؟ {ائتوني بكتابٍ من قبل هذا} أي هاتوا كتاباً من الكتب المنزلة من عند الله قبل هذا القرآن يأمركم بعبادة هذه الأصنام؟ وهو أمر تعجيز لأنهم ليس لهم كتابٌ يدل على الإِشراك بالله، بل الكتب كلُّها ناطقة بالتوحيد {أوْ أثارة منْ علمٍ} أي أو بقية من علمٍ من علوم الأولين شاهدة بذلك {إِن كنتم صادقين} أي إِن كنتم صادقين في دعواكم أنها شركاء مع الله، قال أبو حيّان: طلب منهم أن يأتوا بكتابٍ يشهد بصحة ما هم عليه من عبادة غير الله، أو بقيةٍ من علوم الأولين، والغرضُ توبيخهم لأن كل كتب الله المنزَّلة ناطقة بالتوحيد وإِبطال الشرك، فليس لهم مستند من نقل أو عقل .. ثم أخبر تعالى عن ضلالة المشركين فقال {ومنْ أضلُّ ممَّن يدعُوا منْ دُون اللهِ من لا يسْتجيبُ لهُ إلى يوم القيامة}؟ أي لا أحد أضلُّ وأجهل ممن يعبد أصناماً لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجاتِ المحتاجين، ولا تستجيب لمن ناداها أبداً لأنها جمادات لا تسمع ولا تعقل {وهم عنْ دعائهم غافلون} أي وهم لا يسمعون ولا يفهمون دعاء العابدين، وفيه تهكم بها وبعبدتها، وإِنما ذكر الأصنام بضمير العقلاء، لأنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع، صحَّ أن توصف بعدم الاستجابة وبعدم السمع والنفع، مجاراة لزعم الكفار {وإِذا حُشر الناسُ كانوا لهم أعداءً} أي وإِذا جمع الناس للحساب يوم القيامة كانت الأصنام أعداءً لعابديها يضرونهم ولا ينفعونهم {وكانوا بعبادتهم كافرين} أي وتتبرأ الأصنام من الذين عبدوها.قال المفسرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة فتتبرأ من عابديها وتقول {تبرأنا إليكَ ما كانوا إِيَّانا يعبدون} وهذه الآية كقوله تعالى {كلاَّ سيكفُرون بعبادتهم ويكونُونَ عليهم ضِدّاً} واللهُ على كل شيء قدير.

شبه المشركين حول الوحي والنبوة والقرآن

        {وإِذا تُتْلى عليهم ءاياتنا بيِّناتٍ قال الذين كفروا للحقِّ لما جاءهم هذا سحرٌ مبين(7) أم يقولون افتراه قلْ إِن افتريتُه فلا تملكونَ لي من الله شيئاً هو أعلمُ بما تُفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرَّحيم(8) قلْ ما كنتُ بِدعاً من الرُّسُلِ وما أُدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتّبع إلا ما يُوحى إِليَّ وما أنا إِلا نذيرٌ مبينٌ(9)قل أرأيتم إِن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إِسرائيل على مثله فآمنَ واستكبرتم إنَّ اللهَ لا يَهْدي القوم الظالمين(10)}.

سبب النزول:

نزول الآية (10):

        {قل أرأيتم ..}: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود: أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يَحُطُّ الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه (بمعنى أنه يكون سبباً لهدايتهم، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم انصرف، فإذا رجل من خَلْفه، فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل، فقال: أي رجل تعلموني يا معشر اليهود؟

        قالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً كان أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك، قال: فإني أشهد أنه النبي الذي تجدون في التوراة، قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا فيه شراً، فأنزل الله: {قل: أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ..} الآية.

        وأخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن سعد بن أبي وقاص قال : في عبدالله بن سَلاَم نزلت، {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله}.

        {وإِذا تُتْلى عليهم ءاياتنا بيِّناتٍ} أي وإِذا قرئت عليهم ءايات القرآن واضحات ظاهرات أنها من كلام الله {قال الذين كفروا للحقِّ لما جاءهم} أي قال الكافرون عن القرآن الحق لما جاءهم من عند الله {هذا سحرٌ مبين} أي هذا سحرٌ لا شبهة فيه ظاهر كونه سحراً، وإِنما وضع الظاهر {الذين كفروا} موضع الضمير تسجيلاً عليهم بكمال الكفر والضلالة، قال في البحر: وفي قوله {لمَّا جاءهم} تنبيهٌ على أنهم لم يتأملوا ما يُتلى عليهم، بل بادروا أول سماعه إلى نسبته إلى السحر عناداً وظلماً، ووصفوه بأنه {مبينٌ} أي ظاهر أنه سحر لا شبهة فيه {أم يقولون افتراه} أي أيقولون اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من تلقاء نفسه؟ وهو إِنكار توبيخي {قلْ إِن افتريتُه فلا تملكونَ لي من الله شيئاً} أي قل إن افتريتُه - على سبيل الفرض - فالله حسبي في ذلك وهو الذي يعاقبني على الافتراء عليه، ولا تقدرون أنتم على أن تردُّوا عني عذاب الله، فكيف أفتريه من أجلكم وأتعرض لعقابه؟ {هو أعلمُ بما تُفيضون فيه} أي هو جل وعلا أعلمُ بما تخوضون في القرآن وتقدحون به من قولكم هو شعر، هو سحر، هو افتراء، وغير ذلك من وجوه الطعن {كفى به شهيداً بيني وبينكم} أي كفى أن يكون تعالى شاهداً بيني وبينكم، يشهد لي بالصدق والتبليغ، ويشهد عليكم بالجحود والتكذيب {وهو الغفور الرحيم} أي وهو الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين، قال أبو حيان: وفيه وعدٌ لهم بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر، وإِشعارٌ بحلمه تعالى عليهم إِذْ لم يعاجلهم بالعقوبة {قلْ ما كنتُ بِدعاً من الرُسل} أي لست أول رسول طرق العالم، ولا جئت بأمرٍ لم يجئ به أحدٌ قبلي، بل جئت بما جاء به ناسٌ كثيرون قبلي، فلأيّ شيءٍ تنكرون ذلك عليَّ؟ والبدْعُ والبديعُ من الأشياء هو الذي لم يُر مثله، قال ابن كثير: أي ما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إِليكم، فقد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم {وما أُدري ما يُفعل بي ولا بكم} أي ولا أدري بما يقضي اللهُ عليَّ وعليكم، فإِن قدر الله مغيَّب {إن أتّبع إلا ما يُوحى إِليَّ} أي لا أتبع إلا ماينزله اللهُ عليَّ من الوحي، ولا أبتدع شيئاً من عندي {وما أنا إِلا نذيرٌ مبين} أي وما أنا إلا رسولٌ منذرٌ لكم من عذاب الله، بيّن الإِنذار بالشواهد الظاهرة، والمعجزات الباهرة {قل أرأيتم إِن كان من عند الله وكفرتم به} أي قل يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن كلام الله حقاً وقد كذبتم به وجحدتموه، وجوابه محذوف تقديره: كيف يكون حالكم؟ {وشهد شاهدٌ من بني إِسرائيل على مثله فآمنَ واستكبرتم} أي وقد شهد رجل من علماء بني إِسرائيل على صدق القرآن، فآمن به واستكبرتم أنتم عن الإِيمان، كيف يكون حالكم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟ قال الزمخشري: وجوابُ الشرط محذوف تقديره: إِن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ودلَّ على هذا المحذوف قوله تعالى {إنَّ اللهَ لا يَهْدي القوم الظالمين} أي لا يوفق للخير والإِيمان من كان فاجراً ظالماً، قال المفسرون: والشاهدُ من بني إِسرائيل هو "عبدالله بن سلام" وذلك حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاء إليه ابن سلام ليمتحنه، فلما نظر إلى وجهه علم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمه؟ فلما أجابه صلى الله عليه وسلم قال: أشهد أنك رسول الله حقاً .. الخ.

شبهة أخرى للمشركين، والاستقامة على شرع الله

{وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيراً ما سبقونا إِليه وإِذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إِفك قديم(11)ومنْ قبله كتابُ موسى إِماماً ورحمةً وهذا كتابٌ مُّصدِّقٌ لساناً عربِيّاً لِّيُنذِر الذين ظلموا وبُشرى للمُحسنين(12)إن الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون(13)أُولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءً بما كانوا يعملون(14)}.

سبب النزول:

نزول الآية (11):

        {وقال الذين كفروا}: أخرج الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ، ونحن ونحن، فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل {وقال الذين كفروا ..}.

        وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أَمَةٌ أسلمتْ قبلَه يقال لها (زِنِّين) أو (زِنِّيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل الله في شأنها: {وقال الذين كفروا للذين ءامنوا: لو كان خيراً} الآية.

        وقال عروة بن الزبير: إن زِنِّيرة - رومية كان أبو جهل يعذبها - أسلمت، فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللاتُ والعُزَّى، فرد الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا عليه زِنّيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

        ثم ردَّ تعالى على شبهةٍ أُخرى من شبهة المشركين فقال {وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيراً ما سبقونا إِليه} أي وقال كفار مكة في حق المؤمنين: لو كان هذا القرآن والدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الفقراء الضعفاء!! وقال ابن كثير: يعنون "بلالاً" و "عماراً" و "صهيباً" و "خباباً" وأشباههم من المستضعَفين والعبيد والإِماء ممن أسلم وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم {وإِذْ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إِفك قديم} أي ولمّا لم يهتدوا بالقرآن مع وضوح إِعجازه، قالوا هذا كذبٌ قديم مأثور عن الأقدمين، أتى به محمد ونسبه إلى الله تعالى {ومنْ قبله كتابُ موسى إِماماً ورحمةً} أي ومن قبل القرآن التوراة التي أنزلها الله على موسى قدوةً يؤتم بها في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإِمام، ورحمة لمن ءامن بها وعمل بما فيها، قال الإِمام الفخر: ووجه تعلق الآية بما قبلها أن المشركين طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء الصعاليك، فردَّ الله عليهم بأنكم لا تنازعون أن الله أنزل التوراة على موسى، وجعل هذا الكتاب - التوراة - إِماماً يقتدى به، ثم إِن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإِذا سلمتم كونها من عند الله، فاقبلوا حكمها بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسولٌ حقاً من عند الله {وهذا كتابٌ مصدِّقٌ لساناً عربياً} أي وهذا القرآن كتاب عظيم الشأن، مصدِّقٌ للكتب قبله بلسانٍ عربي فصيح، فكيف ينكرونه وهو أفصح بياناً، وأظهر برهاناً، وأبلغ إِعجازاً من التوراة؟ {ليُنذِر الذين ظلموا وبُشرى للمُحسنين} أي ليخوِّف كفار مكة الظالمين من عذاب الجحيم، ويبشر المؤمنين المحسنين بجنات النعيم .. ولما بيَّن تعالى أحوال المشركين المكذبين بالقرآن، أردفه بذكر أحوال المؤمنين المستقيمين على شريعة الله فقال {إن الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا} أي جمعوا بين الإِيمان والتوحيد والاستقامة على شريعة الله {فلا خوفٌ عليهم} أي فلا يلحقهم مكروهٌ في الآخرة يخافون منه {ولا هم يحزنون} أي ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا في الدنيا {أُولئك أصحاب الجنة خالدين فيها} أي أولئك المؤمنون المستقيمون في دينهم، هم أهل الجنة ماكثين فيها أبداً {جزاءً بما كانوا يعملون} أي نالوا ذلك النعيم جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة.

وصية الله لعباده بر الوالدين

        {ووصيَّنا الإِنسان بِوالديه إِحْساناً حملتْهُ أُمُّهُ كُرهاً ووضعته كُرهاً وحمله وفِصالُه ثلاثون شهراً حتَّى إِذا بلغَ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتك الَّتي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ وأَنْ أعملَ صالحاً ترضاه وأصلحْ لي في ذرِّيَّتي إني تُبتُ إليكَ وإِني من المسلمين(15) أُولئك الذين نتقبلُ عنهم أحسنَ ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعدَ الصِّدقِ الذي كانوا يُوعدون(16)}.

سبب النزول:

نزول الآية (15):

        {حتى إذا بلغ أشده}: روى الواحدي عن ابن عباس قال : أنزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمان عشرة سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة، فنزلوا منزلاً فيه سِدْرة (شجرة السدر) فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضوره، فلما نبّئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة أسلم وصدّق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ أربعين سنة قال: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ}.

        وقال السدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، أخرج مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد رضي الله عنه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً}.

        وقال الحسن البصري: "هي مرسلة نزلت على العموم". وهذا هو الأَولى، لأن حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن كانت العبرة دائماً لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.

 

        {ووصيَّنا الإِنسان بِوالديه إِحْساناً} لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه والمعنى أمرنا الإِنسان أمراً جازماً مؤكداً بالإِحسان إلى الوالدين، ثم بيَّن السبب فقال {حملتْهُ أُمُّهُ كُرهاً ووضعته كُرهاً} أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة {وحمله وفِصالُه ثلاثون شهراً} أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة، قال ابن كثير: أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحَم، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضاً من الطَّلق وشدته، وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان {وفصاله في عامين} على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح {حتَّى إِذا بلغَ أشده} أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كمال قوته وعقله {وبلغ أربعين سنة} أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد {قال ربِّ أوزعني أن أشكرَ نعمتك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ} أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيراً {وأَنْ أعملَ صالحاً ترضاه} أي ووفقني لكي أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني {وأصلحْ لي في ذريتي} أي اجعل ذريتي ونسلي صالحين، قال شيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة، والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله، والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية {إني تُبتُ إليكَ وإِني من المسلمين} أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام، قال ابن كثير: وفي الآية إِرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها {أُولئك الذين نتقبلُ عنهم أحسنَ ما عملوا} أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها {ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران {وعدَ الصِّدقِ الذي كانوا يُوعدون} أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم. 

 حال الإنسان العاق لوالديه 

 {والذي قال لوالديه أُفٍ لكما أتعِدانني أن أُخرج وقد خلتِ القرونُ من قبلي وهما يستغيثان اللهِ ويْلك ءامن إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ فيقولُ ما هذا إِلا أساطيرُ الأولين(17)أُولئك الذين حقَّ عليهم القول في أُممٍ قد خلَتْ من قبلهم من الجنِّ والإِنس إنهم كانوا خاسرين(18)ولكلٍ درجاتٌ ممَّا عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يُظلمون(19)ويومَ يُعرضُ الذين كفروا على النَّارِ أذْهبتُم طيباتِكُم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تُجزون عذَاب الهُون بِما كنتُم تسْتكبرون في الأرضِ بِغير الحقِّ وبما كنتم تفْسُقون(20)}.

سبب النزول:

نزول الآية (17):

        {والذي قال لوالديه}: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: نزلت هذه الآية: {والذي قال لوالديه : أُفٍّ لكما} في عبد الرحمن بن أبي بكر قال لأبويه، وكانا قد أسلما، وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإسلام، فيرد عليهما، ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني مشايخ قريش ممن قد مات، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: {ولكلٍّ درجات مما عملوا} الآية.

        أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن الْحَكَم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {والذي قال لأبويه: أُفٍّ لكما} فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري.

        وقال الحافظ ابن حجر: ونفي عائشة أقوى، وأولى بالقبول.