سورة الفتح

التسميَــة

فضل صلح الحُدَيْبِيَة

آثار صلح الحديبية على المؤمنين والمنافقين والمشركين

بعض صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيعة الرضوان

جزاء أهل بيعة الرضوان

مغانم وفتوحات ونعم كثيرة أخرى للمؤمنين

استحقاق المشركين للعذاب والدمار

تصديق الله لرؤيا نبيه بدخول مكة فاتحاً

أوصاف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بَين يَدَي السُّورَة

      * هذه السورة الكريمة مدنية، وهي تُعنى بجانب التشريع شأن سائر السور المدنية التي تعالج الأسس التشريعية في المعاملات، والعبادات، والأخلاق، والتوجيه.

      * تحدثت السورة الكريمة عن "صلح الحديبية" الذي تمَّ بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين سنة ستٍ من الهجرة، والذي كان بدايةً للفتح الأعظم "فتح مكة" وبه تمَّ العزُّ والنصر والتمكين للمؤمنين، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا..} الآيات.

      * وتحدث السورة عن جهاد المؤمنين، وعن "بيعة الرضوان" التي بايع فيها الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله حتى الموت، وكانت بيعةً جليلة الشأن ولذلك باركها الله، ورضي عن أصحابها، وسجلها في كتابه العظيم في سطور من نور {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ..} الآية.

       * وتحدث عن الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعراب الذين في قلوبهم مرض، ومن المنافقين الذين ظنوا الظنون السيئة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين فلم يخرجوا معهم، فجاءت الآيات تفضحهم وتكشف سرائرهم {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا..} الآيات.

      * وتحدثت السورة عن الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه - في المدينة المنورة - وحدَّث بها أصحابه ففرحوا واسبشروا، وهي دخول الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين مكة آمنين مطمئنين، وقد تحققت تلك الرؤيا الصادقة فدخلها المؤمنون معتمرين مع الأمن والطمأنينة {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ..}.

      * وختمت السورة الكريمة بالثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأطهار الأخيار {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ..} الآية.

التسميَــة:

      سميت سورة الفتح لأن الله تعالى بشَّر المؤمنين بالفتح المبين {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا..} الآيات.

فضل صلح الحُدَيْبِيَة

     {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(2)وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا(3)}

سبب النزول:

نزول الآية (1) :

      {إِنَّا فَتَحْنَا}: أخرج الحاكم وغيره عن المِسْوَر بن مَخْرمة ومروان بن الحكم قالا: نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها.

نزول الاية (2):

      {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ..}: أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مَرْجِعَه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أنزلت عليَّ آية أَحَبُّ إلي مما على الأرض"، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، قد بيَّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} حتى بلغ {فَوْزًا عَظِيمًا}. وقال ابن عباس: إن اليهود شمتوا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما نزل قوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} وقالوا: كيف نتبع رجلاً لا يدري ما يفعل به، فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا..} الآية.

      {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحاً بيناً ظاهراً، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وَعَدَهُ الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين. قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من تَرْكِ الأَوْلَى. قال أبو السعود: وتسميتُه ذنباً بالنظر إِلى منصبه الجليل، وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ هو أكمل البشر على الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي ويكمّل نعمته عليك بإِعلاء الدين ورفع مناره {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} أي ويرشدك إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم، بما يشرعه لك من الدين العظيم {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} أي وينصرك الله على أعدائك نصراً قوياً منيعاً، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة.

آثار صلح الحديبية على المؤمنين والمنافقين والمشركين

      {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(4)لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا(5)وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا(6)وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(7)}.

      {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} أي هو جل وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} أي ليزدادوا يقيناً مع يقينهم، وتصديقاً مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علاَّم الغيبوب {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي وللهِ - جلَّت عظمته - كل جنود السماوات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق المدمّرة، والزلازل، والخسف، والغرق، جنودٌ لا تُحصى ولا تُغلب، يسلطها على من يشاء، قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة البالغة ولذلك قال {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي عليماً بأحوال خلقه، حكيماً في تقديره وتدبيره، قال المفسرون: أراد بإِنزال السكينة في قلوب المؤمنين "أهل الحديبية" حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج النفوس ويزيغ القلوب، مِن صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصودهم، فلم يرجع منهم أحدٌ عن الإِيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست نبيَّ الله حقاً؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدوُّناعلى الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنيَّة في ديننا إِذن؟ قال إِني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري .. إلخ . {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي ليدخلهم - على طاعتهم وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي ويمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم {وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} أي وكان ذلك الإِدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزاً كبيراً وسعادةً لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أي وليعذِّب الله أهل النفاق والإِشراك، وقدَّمهم على المشركين لأنهم أعظم خطراً وأشد ضرراً من الكفار المجاهرين بالكفر {الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ} أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعاً كما قال تعالى {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً} قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إِلى المدينة ولا أحدٌ من أصحابه حين خرج إِلى الحديبية {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} دعاءٌ عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} أي وهيأ لهم في الآخرة ناراً مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعاً ومنقلباً لأهل النفاق والضلال {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين، قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إِنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين وثانياً لبيان إِنزال العذاب على الكافرين {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} أي عزيزاً في ملكه وسلطانه، حكيماً في صنعه وتدبيره، قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولاً في معرض الخلق والتدبير فذيَّلها بقوله {عليماً حكيماً} وذكرها ثانياً في معرض الانتقام فذيَّلها بقوله {عَزِيزًا حَكِيمًا} وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى يُنْزِل جنود الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإِهلاك الكافرين.

 بعض صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيعة الرضوان

     {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(8)لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً(9)إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(10)}

      ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إِلى الخلق كافة فقال {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} أي إِنا أرسلناك يا محمد شاهداً على الخلق يوم القيامة، ومبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين من عذاب النار {لتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إِيماناً عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تفخموه وتُعظِّموه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تحترمو وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلاً بالله في كل آن، ثم قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية "بيعة الرضوان" إِنما يبايعون في الحقيقة اللهَ، وهذا تشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفيرٌ ومعبِّر عن الله، قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة بن الأكوع أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت" وسميت "بيعة الرضوان" لقول الله فيها {لقد رضي اللهُ عن المؤمنين إِذ يبايعوك تحت الشجرة} {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله} {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} أي فمن نقض البيعة فإِنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} أي ومنْ وفَّى بعهده {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أي فسيعطيه الله ثواباً جزيلاً، وهو الجنة دار الأبرار.

حال الذين خلفوا ، وظنهم السوء ، وطمعهم في الغنائم

{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(11)بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا(12)وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا(13)وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(14)سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلاً(15)قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(16)لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا(17)}.

سبب نزول الآية (17):

      {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى..}: قال ابن عباس: لما نزلت: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ..} الآية، قال أهل الزَّمَانة (أي الأمراض المزمنة): كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ..}.

      {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ} أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية عن أعراب المدينة {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} أي شُغلنا عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار، قال ابن جزي: سمَّاهم تعالى بالمخلَّفين لأنهم تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدواً كثيراً من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إِيمانهم متمكناً فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلمَ تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إِليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم.

      {يَقُولُونَ بأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياءً من غير صدقٍ ولا توبة.

      {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا}؟ أي قل لهم: مَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إِن أراد أن يُلحق بكم أمراً يضركم كالهزيمة، أو أمراً ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا ردٌ عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضرُّ، ويُعجل لهم النفع.

      {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق.

      ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمداً وأصحابه لن يرجعوا إِلى المدينة أبداً {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلوبِكُمْ} أي وزُيّن ذلك الضلال في قلوبكم {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} أي ظننتم أنهم يُسْتأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} أي وكنتم قوماً هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه.

      {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} لما بيَّن حال المتخلفين عن رسول الله، وبيَّن حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إِلى الكفر، حرَّضهم على الإِيمان والتوبة على سبيل العموم. والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإِخلاص والصدق {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} أي فإِنَّا هيأنا للكافرين ناراً شديدة مستعرة، وهو وعيدٌ شديد للمنافقين {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي له جل وعلا جميع ما في السموات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} أي يرحم من يشاء من عباده ويُعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة.

      {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} أي سيقول الذين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إِلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} أي اتركونا نخرج معكم إِلى خيبر لنقاتل معكم {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} أي يريدون أن يُغيّروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد، قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضاً عن فتح مكة إِذ رجعوا من الحديبية على صلح {قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا} أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب {كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ منْ قَبْلُ} أي كذلكم أي حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب {فسيقولون بل تحسدوننا} فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حس