سورة يوسف 

الإشارة إلى بعض وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

تبشير يعقوبُ عليه السلام يوسفَ بالنبوة

التآمر للتخلص من يوسف "عليه السلام"

التخلص من يوسف "عليه السلام" ، وتلبيس الأمر على أبيه "عليه السلام"

نجاة يوسف "عليه السلام" من الهلاك المحتم

تحقق بشارة يعقوب "عليه السلام" بنبوة يوسف "عليه السلام"

محنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

مكيدة امرأة العزيز لنساء مصر وإيثار يوسف السجن على الوقوع في الفاحشة

دخول يوسف إلى السجن ودعوته لدينه فيه

تأويل رؤيا صاحبيه داخل السجن بوحي من الله عز وجل

تأويل رؤيا الملك

مطالبة يوسف الملك بالتحقيق في التهمة التي وجهت إليه

النفس أمَّارة بالسوء

يوسف في رئاسة الحكم ووزارة المالية

أخوة يوسف يشترون القمح من أخيهم يوسف

كلام إخوة يوسف مع أبيهم لإرسال أخيهم بنيامين معهم

وصية يعقوب لأولاده بالدخول متفرقين

حرص يوسف على إبقاء أخيه بنيامين لديه

نقاش حاد بين يوسف وإخوته حول السرقة

إخبار يوسف إخوته بحقيقة أمره واعترافهم بخطئهم

إخبار يعقوب بريح يوسف وتأييد قوله

لقاء أسرة يعقوب عليه السلام في مصر

توجه يوسف عليه السلام بالدعاء لربه

إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقصص الماضين تثبيتاً لصدق دعوته

العبرة من قصص الماضين في القرآن 

بَيْن يَدَيْ السُّورَة 

      *سورة يوسف إحدى السور المكية التي تناولت قصص الأنبياء، وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله "يوسف بن يعقوب" وما لاقاه عليه السلام من أنواع البلاء، ومن ضروب المحن والشدائد، من إخوته ومن الآخرين، في بيت عزيز مصر، وفي السجن، وفي تآمر النسوة، حتى نجاه الله من ذلك الضيق، والمقصودُ بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بما مرَّ عليه من الكرب والشدة، وما لاقاه من أذى القريب والبعيد. 

      *والسورة الكريمة أسلوبٌ فذٌ فريد، في ألفاظها، وتعبيرها، وأدائها، وفي قَصَصها الممتع اللطيف، تسري مع النفس سريان الدم في العروق، وتجري-برقتها وسلاستها- في القلب جريان الروح في الجسد، فهي وإن كانت من السورة المكية، التي تحمل -في الغالب- طابع الإنذار والتهديد، إلا أنها اختلفت عنها في هذا الميدان، فجاءت طريَّةً نَدِيّة، في أسلوب ممتع لطيف، سَلِسٍ رقيق، يحمل جو الأنس والرحمة، والرأفة والحنان، ولهذا قال خالدُ بن مَعْدان : "سورة يوسف ومريم ممَّا يتفكَّه بها أهل الجنة في الجنة" وقال عطاء: "لا يسمع سورة يوسف محزونٌ إلا استراح إليها". 

      *نزلت السورة الكريمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة "هود"، في تلك الفترة الحرجة العصبية من حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، حيث توالت الشدائد والنكبات عليه وعلى المؤمنين، وبالأخص بعد أن فقد عليه السلام نصيريه: زوجه الطاهر الحنون "خديجة" وعمَّه "أبا طالب" الذي كان له خير نصير، وخير معين، وبوفاتهما اشتد الأذى والبلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، حتى عُرف ذلك العام بـ "عام الحُزْن". 

      *وفي تلك الفترة العصبية من حياة الرسول الكريم، وفي ذلك الوقت الذي كان يعاني فيه الرسول والمؤمنون الوحشة والغربة، والانقطاع في جاهلية قريش، كان الله سبحانه ينزِّل على نبيه الكريم هذه السورة تسليةً له، وتخفيفاً لآلامه، بذكر قصص المرسلين، وكأن الله تعالى يقول لنبيه عليه السلام:لا تحزن يا محمد ولا تتفجع لتكذيب قومك، وإيذائهم لك، فإن بعد الشدة فَرَجاً، وإن بعد الضيق مخرجاً، أُنظر إلى أخيك "يوسف" وتمعَّنْ ما حدث له من صنوف البلايا والمِحَن، وألوان الشدائد والنكبات، وما ناله من ضروب المِحَن: محنة حَسد إخوته وكيدهم له، ومحنة رميه في الجب، ومحنة تعلق امرأة العزيز به وعشقها له، ثم مراودته عن نفسه بشتى طرق الفتنة والإغراء، ثم محنة السجن بعد ذلك العزِّ ورغد العيش!! انظر إليه كيف أنه لما صبر على الأذى في سبيل العقيدة، وصبر على الضر والبلاء، نقله الله من السجن إلى القصر، وجعله عزيزاً في أرض مصر، وملَّكه الله خزائنها، فكان السيد المطاع، والعزيز المكرَّم.. وهكذا أفعل بأوليائي، ومن صبر على بلائي، فلا بدَّ أن توطَّد النفس على تحمل البلاء، اقتداءً بمن سبقك من المرسلين {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].     

      * وهكذا جاءت قصة يوسف تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه، وجاءت تجمل البِشْرَ والأنس، والراحة، والطمأنينة لمن سار على درب الأنبياء، فلا بدَّ من الفرج بعد الضيق، ومن اليسر بعد العُسر، وفي السورة دروسٌ وعبر، وعظات بالغات، حافلات بروائع الأخبار العجيبة، والأنباء الغريبة {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]. 

      *هذا هو جوُّ السورة، وهذه إيحاءاتُها ورموزُها.. تُبشِّر بقرب النصر، لمن تمسَّك بالصبر، وسار على طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاء المخلصين، فهي سلوى للقلب، وبلسمٌ للجروح، وقد جرت عادة القرآن الكريم بتكرير القصة في مواطن عديدة، بقصد "العظة والاعتبار" ولكنْ بإيجاز دون توسع، لاستكمال جميع حلقات القصة، وللتشويق إلى سماع الأخبار دون سآمة أو ملل، وأما سورة يوسف فقد ذُكرت حلقاتها هنا متتابعة بإسهاب وإطناب، ولم تكرر في مكان آخر كسائر قَصص الرسل، لتشير إلى "إعجاز القرآن" في المجمل والمفصَّل، وفي حالتي الإيجاز والإطناب، فسبحان المَلِك العلي الوهاب. 

      قال العلامة القرطبي: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد، وفي وجوه مختلفة، وبألفاظ متباينة، على درجات البلاغة والبيان، وذكر قصة يوسف عليه السلام ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة المكرر، ولا على معرضة غير المكرر، والإعجاز واضح لِمَنْ تأمل. وصدق الله {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ}!. 

      قال الله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}.. إلى {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.من آية (1) إلى نهاية آية (22).  

الإشارة إلى بعض وجوه الإعجاز في القرآن الكريم 

       {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ(3)} 

      {الر} إشارة إلى الإِعجاز، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف آيات الكتاب المعجز {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي تلك الآيات التي أنزلت إليك يا محمد هي آيات الكتاب المعجز في بيانه، الساطع في حججه وبراهينه، الواضح في معانيه، الذي لا تشتبه حقائقه، ولا تلتبس دقائقُه {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي أنزلناه بلغة العرب كتاباً عربياً مؤلفاً من هذه الأحرف العربية {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا وتدركوا أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز ليس بشراً، وإنما هو إله قدير، وهذا الكلام وحيٌ منزل من رب العالمين {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} أي نحن نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة، بأصدق كلام، وأحسن بيان، {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} أي بإيحائنا إليك هذا القرآن المعجز {وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ} أي وإنَّ الحال والشأن أنك كنتَ من قبل أن نوحي إليك هذا القرآن لمن الغافلين عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرعْ سمعك، لأنك أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب. 

تبشير يعقوبُ عليه السلام يوسفَ بالنبوة 

      {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4)قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6)} 

      {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} من هنا بدايةُ القصة، أي اذكر حين قال يوسفُ لأبيه يعقوب يا أبي إني رأيت في المنام هذه الرؤيا العجيبة، رأيت أحد عشر كوكباً من كواكب السماء خرّت ساجدةً لي {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} أي ورأيت في المنام الشمس والقمر ساجدين لي مع الكواكب، قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً، قال المفسرون: الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبواه، وكان سنه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وبين هذه الرؤيا واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون سنة {قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} أي قال له يعقوب: لا تخبرْ بهذه الرؤيا إِخوتك {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} أي فيحتالوا لإِهلاكك حيلةً عظيمة لا تقدر على ردّها {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي ظاهر العداوة، قال أبو حيان: فهم يعقوب من رؤيا يوسف أن الله تعالى يبلّغه مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوة،وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه من حسد إخوته فنهاه أن يقصَّ رؤياه عليهم {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك مثل هذه الرؤيا العظيمة كذلك يختارك ربك للنبوة {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي يعلمك تفسير الرؤيا المناميَّة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي يتمم فضله وإنعامه عليك وعلى ذرية أبيك يعقوب {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي كما أكمل النعمة من قبل ذلك على جدك إبراهيم وجدك إسحاق بالرسالة والاصطفاء {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليمٌ بمن هو أهلٌ للفضل، حكيم في تدبيره لخلقه. 

التآمر للتخلص من يوسف "عليه السلام" 

      {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7)إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(8)اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ(9)قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10)} 

      {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} أي لقد كان في خبر يوسف وإخوته الأحد عشر عبرٌ وعظاتٌ للسائلين عن أخبارهم {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} هذه هي المحنة الأولى ليوسف عليه السلام أي حين قالوا: والله ليوسفُ وأخوه "بنيامين" أحبُّ منَّا عند أبينا، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابتٌ لا شبهة فيه، وإنما قالوا {وأخوه} وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحال نحن جماعة ذوو عدد، نقدر على النفع والضر، بخلاف الصغيرين {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي إنه في خطأٍ وخروجٍ عن الصواب بيّن واضح، لإِيثاره يوسف وأخاه علينا بالمحنة، قال القرطبي: لم يريدوا ضلال الدين إذ لو أرادوه لكفروا، وإنما أرادوا أنه في خطأٍ بيِّن في إيثار اثنين على عشرة {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} أي أُقتلوا يوسف أو ألقوه في أرض بعيدة مجهولة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي فعند ذلك يخلصْ ويصفو لكم حبُّ أبيكم، فيُقْبل عليكم، قال الرازي: المعنى إن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة والميل {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} أي وتتوبوا من بعد هذا الذنب وتصبحوا قوماً صالحين {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} أي قال لهم أخوهم "يهوذا" وهو أكبر ولد يعقوب: لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في قعر الجب وغوره {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي يأخذه بعض المارَّة من المسافرين {إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي إن كان لا بدَّ من الخلاص منه فاكتفوا بذلك، وكان رأيه فيه أهون شراً من رأي غيره.

التخلص من يوسف "عليه السلام" ، وتلبيس الأمر على أبيه "عليه السلام" 

       {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ(11)أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(12)قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ(13)قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ(14)فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(15)وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(16)قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ(17)وَجَاءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)} 

      {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} المعنى أيُّ شيء حدث لك حتى لا تأمنا على أخينا يوسف، ونحن جميعاً أبناؤك؟ {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، قال المفسرون: لما أحكموا العزْم ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة عليه، ليستنزلوه عن رأيه في تخوفه منهم وكأنهم قالوا: لِمَ تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به ‍‍ {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أي أرسله معنا غداً إلى البادية، يتوسع في أكل ما لذَّ وطاب، ويلهو ويلعب بالاستباق وغيره {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي ونحن نحفظه من كل سوء ومكروه، أكّدوا كلامهم بإنَّ واللام وهم كاذبون {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} أي قال لهم يعقوب: إنه ليؤلمني فراقُه لقلة صبري عنه {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي وأخاف أن يفترسه الذئب في حال غفلتكم عنه، وكأنه لقنهم الحجة، قال الزمخشري: اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقته إيّاه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} اللام للقسم أي والله لئن أكله الذئب ونحن جماعة أقوياء أشداء إنا لمستحقون أن يُدعى علينا بالخسار والدمار {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} في الكلام محذوف أي فأرسله معهم فلما أخذوه وابتعدوا به عن أبيه {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} أي عزموا واتفقوا على إلقائه في غور الجب {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي أوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يشعرون في ذلك الوقت أنك يوسف، قال الرازي: وفائدة هذا الوحي تأنيسُه، وتسكينُ نفسه، وإزالةُ الغمّ والوحشةِ عن قلبه، بأنه سيحصل له الخلاص من هذه المحنة {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} أي رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليلاً وهم يبكون، روي أنه لما سمع يعقوب بكاءهم فزع، وقال: ما لكم يا بَنيَّ، وأين يوسف؟ {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نتسابق في العَدْو، أو في الرمي {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أي تركنا يوسف عند ثيابنا وحوائجنا ليحفظها فجاء الذئب فافترسه {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي لست بمصدّق لنا في هذه المقالة ولو كنا في الواقع صادقين، فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا؟ وهذا القول منهم يدل على الارتياب، وكما قيل: يكاد المريبُ يقول خذوني {وَجَاءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي جاءوا على ثوبه بدمٍ كاذب، وُصِفَ بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الكذب وعينُه، قال ابن عباس: ذبحوا شاة ولطخوا بدمها القميص فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرقَ القميص وروي أنه قال: "ما أحلم هذا الذئب أكل ابني ولم يشقَّ قميصه؟ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} أي زيَّنت لكم أنفسكم أمراً في يوسف وليس كما زعمتم أن الذئب أكله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي أمري صبرٌ جميل لا شكوى فيه {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي وهو سبحانه عوني على تحمل ما تصفون من الكذب. 

نجاة يوسف "عليه السلام" من الهلاك المحتم 

      {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(19)وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ(20)} 

      {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ} أي قوم مسافرون مروا بذلك الطريق، قال ابن عباس: جاء قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتى هبطوا على الأرض التي فيها جب يوسف، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} أي بعثوا من يستقي لهم الماء {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أي أرسل دلوه في البئر، قال المفسرون: لما أدلى الواردُ دلوه وكان يوسف في ناحيةٍ من قعر البئر تعلَّق بالحبل فخرج فلما رأى حسنه وجماله نادى {قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلامٌ} قاله على سبيل السرور والفرح لتبشير نفسه وجماعته، قال أبو السعود: كأنه نادى البشرى وقال تعاليْ فهذا أوانك حيث فاز بنعمة جليلة {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي أخفوا أمره عن الناس ليبيعوه في أرض مصر متاعاً كالبضاعة، والضمير يعود على الوارد وجماعته {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه سبحانه أسرارهم، وما عزموا عليه في أمر يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} هذه هي المحنة الثانية في حياة يوسف الصدّيق وهي محنة الاسترقاق أي باعه أولئك المارة الذين استخرجوه من البئر بثمنٍ قليل منقوص هو عشرون درهماً كما قال ابن عباس {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أي وكانوا في يوسف من الزاهدين الذين لا يرغبون فيه لأنهم التقطوه وخافوا أن يكون عبداً آبقاً فينتزعه سيّده من أيديهم، ولذلك باعوه بأبخس الأثمان. 

تحقق بشارة يعقوب "عليه الس