|
فقه السيرة النبوية : الدرس 09 –
" بشارات النبي في التوراة والإنجيل وأخلاقه وأصدقائه
قبل البعثة
"
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم
لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً
، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل
باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول
فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ،
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة
والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الإخوة الأكارم ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية .
أيها الإخوة ، إن النبي صلى الله عليه
وسلم كان حكيماً غاية الحكمة في تصرفه في وضع الحجر
الأسود في مكانه ، عقب ذلك أصبح عند قومه الصادق
الأمين ، والشيء الذي يلفت النظر أن النجاشي حينما سأل
سيدنا جعفر عن الإسلام فقال : (( أيها الملك ، كنا
قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ،
ونأتي الفواحش ، و نقطع الرحم ، ونسيء الجوار ، ـ الآن
دققوا ـ حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه
وعفافه ونسبه )) .
[أحمد عن أم سلمة]
كأن هذه الصفات الثلاث الصدق والأمانة
والعفاف أركان القيم الأخلاقية ، هذا الإنسان إن حدثك
فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته
فهو عفيف ، نعرف أمانته وصدقه وعفافه ، أما النسب
فتاج يتوج به المؤمن ، ولا قيمة للنسب من دون إيمان ،
والدليل :
( سورة المسد ) .
أيها الإخوة ، قد يسأل سائل : لماذا
التركيز على السيرة النبوية ؟ الحقيقة ليس التركيز على
شخص النبي مع أنه سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد
آدم ، ولكن التركيز على منهج النبي صلى الله عليه وسلم
، لأن النبي وحده أقواله تشريع ، وأفعاله تشريع ،
وإقراره تشريع ، وكمله الله عز وجل وعصمه من أن يخطئ
في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره ، وهو قدوة للبشر ،
بل إن البشر خُلقوا ليكونوا على شاكلة محمد صلى الله
عليه وسلم ، فالبحث في سيرة النبي بحث في المنهج
القويم الذي ينبغي أن يتبعه الإنسان العاقل ، نحن في
هذه الدروس نبحث عن منهج أمثل كي نسلكه ، وكي يكون
النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا .
إخواننا الكرام ، يقول علماء السيرة :
الله جل جلاله كان يكلأ النبي صلى الله عليه وسلم ،
ويحفظه ويحوطه من جاهلية الجاهلية ، يا ترى هل هذا شيء
خاص بالنبي ؟ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ
دققوا ـ :
(( كلٌّ ميسَّر لما خُلق له )) .
[ متفق عليه ] .
يعني أي إنسان على الإطلاق ((
ميسَّر لما خُلق له )) ، لماذا خُلق الإنسان ؟ أو
لمَ خُلق الإنسان ؟ خُلق لجنة عرضها السماوات والأرض ،
الدليل :
( سورة هود الآية : 119 ) .
فما منا واحد من ذكر وأنثى إلا وخُلق
للجنة ، إلا وخُلق ليسعده في الدنيا والآخرة ، لذلك
ولأن الله يعلم حقيقة الإنسان ، وخصائص الإنسان ،
فالله جل جلاله ييسر كل مخلوق لما خُلق له ، أي ييسره
للجنة ، فقد يقتضي أن تكون من أب معين ، ومن أم معينة
، وقد يقتضي أن تكون في زمن معين ، وقد يقتضي أن تكون
في مكان معين ، وقد يقتضي أن تكون ذكراً ، وقد يقتضي
أن تكون أنثى ، وقد يقتضي أن تكون لك ملامح خاصة ، فكل
دقائق حياتك بدءاً من كونك ذكراً أو أنثى ، إلى أمك
وأبيك ، إلى مكان ولادتك ، إلى زمان ولادتك ، إلى
خصائص اسمك ، إلى قدراتك ، إلى استعداداتك ، هذا كله
من تصميم الله عز وجل ، هذا كله من تصميم الله عز وجل
ليكون عوناً لك لما خُلقت ، كل واحد منا محوط بعناية
الله ، كل واحد منا مُيسر للطريق الأمثل الذي ينتهي به
إلى الجنة ، هذه حقيقة مطلقة ،
(( كل ميسر لما خُلق له )) ،
أنت خُلقت للجنة ، أنسب شيء لك أن تكون
كذا أو كذا ، في المكان الفلاني ، في الزمان الفلاني ،
من الأب الفلاني ، من الأم الفلانية ، بخصائص معينة ،
بوسامة أو بدمامة بذكاء أو بقلة ذكاء ، هذا كله في
خدمة هدفك الذي خُلقت من أجله وهو الجنة ، وليس في
الإمكان أبدع مما كان ، وكلما ازددت إيماناً ازددت رضا
عن الله عز وجل .
( سورة البينة الآية : ) .
رجل يطوف حول الكعبة يقول : يا رب ، هل
أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي ، قال يا هذا
هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال يا سبحان الله
من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف
أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟! فقال الإمام الشافعي
: إذا كان سرورك بالقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن
الله .
علامة إيمانك أن ترضى عن الله وقت
الشدة ، في المكاره ، في إدبار الدنيا ، في الفقر
أحياناً ، في المرض أحياناً ، فلذلك إذا قلنا : إن
الله سبحانه وتعالى يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ،
ويكلأه ويحفظه من جاهلية الجاهلية فكل واحد منا موضع
عناية الله عز وجل ، بل يمكن أن نقول : إن الإنسان في
العناية المشددة ، لك رب كريم يرعاك رعاية تامة
فبطولتك أن ترضى عنه في المكاره كما في إقبال الدنيا .
الآن الإنسان حينما يتحرك ، حينما يدرس
، أو حينما يعمل ، أو حينما يتاجر ، أو حينما يسافر ،
أو حينما يتزوج ، هذه الحركة حركة الإنسان في الحياة
تكشف معدنه ، في الامتحان يدرس ويكتب ، أو يغش
بالامتحان ، في التجارة يصدق أو يكذب ، ورد في بعض
الآثار :
(( إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا
حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا
، وإذا وعدوا
لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم
يطروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم
يعسروا
)) .
[ رواه الحكيم عن معاذ ]
.
في الدراسة هناك امتحانات ، في التجارة
هناك امتحانات ، في السفر هناك امتحانات ، في الزواج
هناك امتحانات ، فحركة الإنسان في الحياة مجال
لامتحانه .
( سورة المؤمنين ) .
النبي صلى الله عليه وسلم اشتغل
بالتجارة ، وقد روي أنه شارك السائب ابن أبي السائب
قبل بعثته ، كان له شريك ، وكان تاجر ، فلما كان يوم
الفتح فتح مكة ، جاءه السائب فقال له
:
(( مرحباً بأخي وشريكي ، كان لا يداري
ولا يماري )) .
[ رواه وأحمد والطبراني عن أبي السائب
] .
يعني لا يجادل ولا يدافع ، فهذا الشريك
وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، لذلك حينما أقول لكم :
النبي صلى الله عليه وسلم قدوة اشتغل في التجارة ، وله
شريك ، وكان شريكاً مضارباً بمال خديجة ، ورعى الغنم ،
وذاق مر الحياة وحلوها ، وذاق النصر والقهر ، والغنى
والفقر ، والصحة والمرض ، وموت الولد ، وطلاق البنات ،
فكل ما تعتري الإنسان في حياته ذاقه النبي صلى الله
عليه وسلم ، وكان مثلاً أعلى .
أيها الإخوة ، دققوا في هذه القاعدة
التي سأضعها بين أيديكم ، البطولة ليس أن تنجو من
مشكلة أو من مصيبة ، أو من محنة ، أو من امتحان ، أو
من ابتلاء ، البطولة أن تقف الموقف الكامل من هذا
الابتلاء ، قد يبتلى الإنسان بزوجة سيئة ، بطولته لا
أن تكون زوجته جيدة ، قد يبتلى بزوجة سيئة ، ولكن
حينما يقف الموقف الكامل منها فيصبر عليها فيرقى عند
الله .
حتى إنه يروى أن أحدهم كانت تحته زوجة
سيئة جداً ، فقيل له : طلقها ، قال : والله لا أطلقها
فأغش بها المسلمين .
قد يبتلى بابن متعب ، قد يبتلى بجار ،
قد يبتلى بصديق ، قد يبتلى بالفقر ، قد يبتلى بالمرض ،
قد يبتلى أن يفقد حريته لأمد ، فليست البطولة ألا
تصيبك مصيبة ، ولكن البطولة أن تقف الموقف الكامل من
أي شيء يصيبك .
فخلاله صلى الله عليه وسلم كانت عذبة ،
وشمائله كانت كريمة ، وفكره كان صائباً ، ورأيه كان
راجحاً ، ومنطقه كان صادقاً ، ونهجه كان أميناً ، حتى
وصلت كمالاته إلى الذروة ، لذلك أثنى الله على خلقه
فقال :
( سورة القلم ) .
وقد يكون الإنسان ذا خُلق ، أما أن
يكون على خُلق ، أيْ متمكن فصعب ، أحياناً الإنسان
يستفز ، فينشأ عنده صراع ، ينتقم أو لا ينتقم ، لو أن
في النهاية انتصر على نفسه ، ولم ينتقم ، نقول : فلان
ذو خُلق ، أما إذا كان على خُلق ، أي ليس عنده صراع ،
الموقف الكامل بديهي عنده ، هو في أعماق الكمال ، هو
في قيم الكمال ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى
خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أيها الإخوة ، حينما كان النبي صلى
الله عليه وسلم يوم كان تاجراً ، وشريكاً للسائب بن
السائب ، وكان لا يداري ولا يماري ، لا بد من وقفة
متأنية عنده المداراة والمداهنة ، ما هي المداهنة ؟
المداهنة أن تضحي بدينك من أجل دنياك ، مداهنة .
( سورة القلم ) .
أن تضحي بفرائضك ، أن تضحي بطاعتك ، أن
تضحي بكلمة الحق تلقيها في موطن صعب ، فحينما تضحي
بدينك من أجل دنياك فهي المداهنة ، أما حينما تضحي
بدنياك من أجل دينك فهي المداراة ، فالمؤمن يداري ولا
يداهن ، والمنافق يداهن ولا يداري ، قد ينزل المؤمن عن
بعض حقه ، يعني تطييباً لقلب خصمه ، قد ينزل الجار عن
بعض حقه تطييباً لقلب جاره ، يتنازل عن دنياه من أجل
رأد الصدع ولمّ الشمل وتطييب القلوب ، أما المنافق
فيضحي بدينه من أجل دنياه .
شيء يلفت النظر ، هو أن النبي صلى الله
عليه وسلم عصمه الله من الكفر ، قبل البعثة ، وجنبه
عبادة الأوثان التي عبدها قومه ، فلم يعبدها ، ولم
يقدم لها القرابين ، ولم يكن يأكل مما يذبح على النصب
، وكان يستمسك بإرث إبراهيم .
في الدرس الماضي بينت لكم أنه قبل بعثة
النبي سيدنا إبراهيم له إرث ، ففي حجه وفي نكاحه ، وفي
علاقاته شرع إبراهيم له آثار في الجالية ، لذلك كان
عليه الصلاة والسلام يستمسك قبل البعثة بإرث إبراهيم ،
فكان لم يعبد صنماً ، ولم يقدم القرابين ، ولم يكن
يأكل مما يذبح على النصب ، وكان في حجه ، وفي منكحه ،
وفي بيوعه متمسكاً في إرث سيدنا إبراهيم
.
كان عليه الصلاة والسلام يطوف بالكعبة
المشرفة ، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة ، فلمس
زيد بعض الأصنام ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ،
وقد حلف زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
ما مس منها صنماً حتى أكرمه الله بالوحي ، وكان
التعري عند الطواف مألوفاً في الكعبة ، التعري كلياً
عند الطواف كان مألوفاً في الكعبة .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم عصم أن
يطوف عرياناً ، إذاً كان عليه الصلاة والسلام قبل
البعثة ، وقبل نزول الوحي متمسكاً بإرث سيدنا إبراهيم
أب الأنبياء .
مرةً استخدم أجيراً ، فتعرى هذا الأجير
ليغتسل أمام الملأ ، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا
الأجير :
(( لا أراك تستحي من ربك خذ إجارتك لا
حاجة لنا بك )) .
[ رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ] .
فقبل البعثة ، وقبل الوحي كان عليه
الصلاة والسلام قمة في الحياء ، وقمة في الخجل ، وقمة
في الورع .
اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة
لما جددت قريش بناء الكعبة ، كما ذكرت في الدرس الماضي
، فاقترح عليه عمه العباس أن يرفع إزاره ، ويجعله على
رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيداً عن الناس ،
فلما فعل سقط على الأرض مغشياً عليه ، فلما أفاق طلب
أن يشدوا عليه إزاره ، كان أشد حياء من العذراء في
حجرها ، ومن علامات قيام الساعة ـ دققوا أيها
الإخوة والأخوات ـ أن يرفع الحياء من وجوه النساء ،
وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال ، وأن يمتلئ قلوب
الأمراء بالقسوة ، لا رحمة بل قسمة .
شيء آخر أيها الإخوة ، يقول عليه
الصلاة والسلام :
(( الديوث لا يدخل الجنة ، قيل له من
الديوث ؟ قال الذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة
في أهله )) .
النبي عليه الصلاة والسلام عرف بالصدق
والأمانة ، وصلة الأرحام ، ومساعدة الضعفاء ، والبذل
في الخير ، فكانت قريش تلقبه بالأمين .
دققوا أيها الإخوة في وصف السيدة خديجة
.
بالمناسبة : الإنسان مقسم إلى ثلاثة
أثلاث ، ثلث ـ وثلث ـ وثلث ـ فالثلث الأول يعرفه كل
الناس ، فلان الفلاني ابن فلان ، طويل ، قوي ، مثقف ،
طبيب ، مهندس ، تاجر ، عامل فلاح ، هذا الثلث الأول ،
وثلث آخر لا يعرفه إلا المقربون إليه ، من هؤلاء زوجته
، من هؤلاء شريكه ، من هؤلاء من هو معه ليلاً نهاراً ،
وثلث ثالث لا يعلمه إلا الله ، والخطورة دائماً في
هذا الثلث الأخير ، فالإنسان له الظاهر ، والله يتولى
السرائر .
فالسيدة خديجة من ألصق الناس به زوجته
، لما جاءه الوحي ، وخشي النبي شيئاً وذكر للسيدة
خديجة وهي زوجته ، قالت : والله لا يخزيك الله أبداً .
دققوا أيها الإخوة ، وصدقوا أن كل واحد
منا إذا كان على بعض هذه الصفات لا يخزيه الله أبداً ـ
قالت له : والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم
، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل الضعيف ، وتكسب المعدوم
وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر .
بالفطرة إذا كنت صالحاً ، إذا كنت
منصفاً ، إذا كنت محسناً ، إذا كنت كريماً إذا كنت
صادقاً ، والله لا يخزيك الله أبداً .
أيها الإخوة ، مرة ثانية ما العبرة من
هذه السيرة ؟ لا أن نستمع إلى شيء وقع ، ولن يقع ،
ينبغي أن نستمع إلى قواعد ، وإلى علاقات ، وإلى قوانين
، والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق
الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ،
وتعين على نوائب الحق ، من هم أصدقاء النبي صلى الله
عليه وسلم قبل البعثة ؟ قالوا : قل لي من تصاحب أقل لم
من أنت ، الإنسان دائماً يصاحب من كان على شاكلته ،
فالكامل يحب الكامل والصادق يحب الصادق ، والأمين يحب
الأمين ، والعفيف يحب العفيف .
بالمناسبة ، كقاعدة علمية : كل شخصية
فيها تقريباً ألف سمة ، والشخصية الثانية فيها ألف سمة
، كم سمة مشتركة بين الشخصيتين ؟ هذه وراء المحبة
والألفة ، فكلما زادت النقاط المشتركة بين شخصيتين
ازدادت المحبة والألفة ، فأنت مثلاً يمكن أن تجلس مع
أخ مؤمن عشر ساعات دون أن تمل منه ، السبب لأن نقاط
التشابه في شخصيتك تقابل نقاط التشابه في شخصيته ،
هناك نقاط مشتركة بين الشخصيتين .
أيها الإخوة ، من أصدقاء النبي صلى
الله عليه وسلم ؟ أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان ،
وطلحة بن عبيد الله ، هؤلاء أصدقاءه قبل البعثة ،
وأقول لكم : لا تصاحب إلا مؤمناً ، ولا يأكل طعامك إلا
تقي ، ولا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله ، ويدلك
على الله مقاله ، لذلك اعتنِ عناية فائقة بأصدقائك ،
هم عونك على طريق الإيمان ، يوم القيامة :
( سورة الفرقان ) .
لذلك أيها الإخوة ، أهم شيء في الحياة
أن يكون أخ لك في الله ينصحك ، وتنصحه ، ويرشدك وترشده
، ويأخذ بيدك وتأخذ بيده ، هؤلاء الثلاثة عُرفوا
بالأخلاق العالية ، والنظرة السليمة ، والبعد عن
الرذائل ، والتثقف بثقافة حسنة من معرفة الأحساب
والأنساب ، كما عُرفوا بإكرام الضيف ، والإنفاق بالخير
، وهذه الخصال الحميدة قربتهم من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فكانوا أصدقاءه قبل البعثة .
أقول لكم من أعماق قلبي : اعتنوا
بأصدقائكم ، ابحث عن صديق تزداد به علماً ، وتزداد به
قرباً من الله .
بالمناسبة أيها الآباء ، أيتها الأمهات
، دققوا في أصدقاء أولادكم ، في الدراسة النفسية أن
الطفل أو الشاب يتأثر 40 % من مجموع التأثير بمعلميه ،
وأبيه وأمه ، ومرشده ، وكل من معه ، ويتأثر 60 % من
أصدقاءه ، فالأب الصالح ، والأم الصالحة تدقق في
أصدقاء ابنها ، لأن هؤلاء الأصدقاء إما أن يأخذوه إلى
الهلاك ، أو إلى الرقي في الدنيا .
أيها الإخوة ، بشارات النبي صلى الله
عليه وسلم : في التوارة توراة السامرة ، وإنجيل برنابا
، في هذين الكتابين المقدسين نصوص صريحة تبشر بظهور
النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد نص إنجيل برنابا على
التصريح برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، مثال ذلك ما
ورد في الإصحاح الحادي والأربعين عن إخراج آدم وحواء
من الجنة ، حيث نص على ما يلي :
فاحتجب الله ، وطردهما الملاك ميخائيل
من الفردوس ، فلما التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب لا
إله إلا الله محمد رسول الله ، هذا في إنجيل برنابا .
وقد أيدت المخطوطات التي عُثر عليها في
منطقة البحر الميت حديثاً ما ورد من إنجيل برنابا
المذكورة .
وحين تحدث السيد المسيح عليه السلام
إلى الحواريين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم
أنه قادم إلى العالم ، سأله الحواريون ، ما معلم من
عسى أن يكون ذلك الرجل الذي سيأتي إلى العالم ؟ أجاب
يسوع بابتهاج قلب : إنه محمد رسول الله ، ومثل هذه
البشارات تتكرر في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة ، إذاً
هناك بشارات في التوراة والإنجيل تبشر بظهور النبي صلى
الله عليه وسلم .
وفي الإصحاح الثاني من إنجيل لوقة قوله
: الحمد لله في الأعالي ، وعلى الدنيا السلام ، وللناس
أحمد ، هذا في إنجيل لوقة .
والإصحاح السادس عشر من إنجيل لوقة يرد
قول المسيح : إن لم أنطلق يأتيكم الفار قليط ، شرح
الفار قليط ، لفظ سرياني مشتق من فاران ، بمعنى مكة ،
وجبل فاران هو جبل حراء ، والقليط بمعنى المتحنث
المتعبد ، وتأتي بمعنى الحامد وأحمد ، هذا أيضاً في
إنجيل لوقة ، أما القرآن الكريم فالآية فيه صريحة :
( سورة الصف ) .
إذاً الفقرة التي تلت أخلاق النبي صلى
الله عليه وسلم البشارات التي في التوراة والإنجيل عن
ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن أمضي في
متاعبة هذه الفكرة أقول لكم هذه الآية :
( سورة البقرة الآية : 146 ) .
بربكم هل هناك معرفة أصدق ، وأقوى ،
وأمتن ، وأعمق ، وأكثر بديهية من معرفة الأب لابنه ،
هل هناك أب على وجه الأرض يقول لابنه من أنت ؟ ﴿
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾
، أما صفات النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماته فقد
وردت في كل من التوراة والإنجيل بشكل صريح ، كما أخبر
الله تعالى في الكتاب العزيز بقوله :
من ؟ رسول الله :
( سورة الأعراف ) .
نصوص كثيرة في التوراة والإنجيل ،
وآيتان واضحتان صريحتان صارختان في القرآن الكريم تؤكد
ظهور النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم ، وتؤكد صفات
النبي صلى الله عليه وسلم .
إذاً : فالأخبار متوافرة بمعرفة أهل
الكتاب بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبر الله
تعالى بذلك عن أهل الكتاب كما ورد في القرآن الكريم
في قوله تعالى :
( سورة البقرة ) .
أيها الإخوة ، هناك فكرة دقيقة جدا ،
يقول ابن إسحاق عن رجال من الأنصار : إن مما دعانا إلى
الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لما كنا نسمع من
رجال يهود ، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا هم أهل
كتاب ، عندهم علم ليس عندنا ، وكانت لا تزال بيننا و
بينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا
: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد
وارم ، ولاشك أن يهود المدينة كانوا يعرفون أن زمان
النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد اقترب ، لكنهم
توهموا أنه منهم ، وكانوا يزعمون أنه منهم ، ويتوعدون
به العرب وقد بين الله سبحانه وتعالى أنهم يعرفونه
بصفاته ، وإنما أنكروا نبوته وجحدوها لما تبين لهم أنه
من العرب قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ
وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا
كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الْكَافِرِينَ ﴾ .
ملك الروم هرقل كان يقول حينما استلم
رسالة النبي صلى الله عليه وسلم : وقد كنت أعلم أنه
خارج ، ولم أكن أظن أنه منكم ، كنت أعلم أنه خارج ،
يعني سيظهر نبي ، ولم أكن أظن أنه منكم أيها العرب .
أيها الإخوة ، في هذا الدرس تحدثتا عن
بشارات النبي في كتب أهل الكتاب التوراة والإنجيل ،
وعن أخلاق النبي صلى الله عليه وسام وعن أصدقائه قبل
البعثة .
وإلى لقاء أخر في موضوع فقه السيرة
النبوية .
والحمد لله رب العالمين |