|
فقه السيرة النبوية : الدرس 08 –
" بناء الكعبة "
، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ،
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا
الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون
القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك
الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات
القربات .
أيها الإخوة الكرام ، مع درس جديد من
دروس فقه السيرة النبوية ، والموضوع اليوم عن بناء
الكعبة ، الله عز وجل يقول :
( سورة آل عمران ) .
أيها الإخوة ، الله عز وجل في كل مكان
.
( سورة الحديد الآية : 4 ) .
ما معنى أن يتخذ الله له بيتاً في
الأرض ؟ ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ،
قال علماء التفسير : هذه معية العلم .
( سورة مريم ) .
سيدنا زكريا .
لو أنك خاطبت ربك بقلبك يسمعك ، ما
معنى أن يتخذ الله بيتاً في مكان ما في الأرض ويقول :
( سورة آل عمران الآيات : 96 ـ 97) .
المعنى : أن الله جلت حكمته مراعاةً
للإنسان ، أو للنزعة المادية في الإنسان اتخذ له بيتاً
، وقال : يا عبدي تعال إلى بيتي ، لماذا يقول الحاج :
لبيك اللهم لبيك ؟ يعني تلبية لندائك يا رب ، تعال يا
عبدي لأريحك من هموم أثقلت ظهرك ، تعال كي تذوق طعم
القرب مني ، تعال كي تذوق طعم محبتي ، فالله عز وجل
اتخذ بيتاً في الأرض لنفسه ليكون هذا البيت رمز
التوحيد ، ورمز العبودية لله .
بالمناسبة ، في بحث من الإعجاز العلمي
يؤكد أن مكة المكرمة هي الوسط الهندسي للأرض ، لذلك
هناك العالم القديم ، آسيا ، أوربا ، إفريقيا ،
أقينوسيا ، والعالم الجديد أمريكا ، المدن التي في
أقصى أطراف العالم القديم تبعد عن مكة المكرمة 8500 كم
، أي مدينة على أطراف العالم القديم ، فمكة في وسط
العالم القديم ، فإذا أضفنا إلى العالم القديم العالم
الحديث تبعد مكة عن أي مكان كوسط هندسي في العالمين
القديم والحديث 13500 كم ، البحث مودع في جامعة في
القاهرة ، مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي من العالم
القديم والعالم الحديث ، ولا يقابلها في الطرف الآخر
مدينة ، بل لا يقابلها يابسة أصلاً ، يقابلها المحيط
الهادي .
بالمناسبة أيها الإخوة ، أنت تصلي في
بلدك ، وفي مسجدك ، وفي غرفتك ، وتصوم في بلدك ، وتزكي
في بلدك ، وتشهد أن لا إله إلا الله في بلدك ، إلا أن
الحج وحده يقتضي أن تذهب إلى بيت الله الحرام ، الحج
يقتضي تفرغاً كاملاً ، فيه بذل ، فيه جهد ، فيه نفقة ،
فيه ترك أهل ، ترك أولاد ، ترك منصب ، ترك وظيفة ، ترك
غرفة نوم ، ترك أشياء مريحة في بلدك ، ترك مكانة ، ترك
سمعة ، تذهب إلى هناك لأنك دفعت الثمن باهظاً ، هناك
تجلّى الله عليك الله تجلياً يناسب هذا الثمن الذي
دفعته .
النقطة الأولى : ما الحكمة التي أرادها
الله من أن يتخذ لنفسه بيتاً في الأرض ، وأن يدعو
عباده أن يأتوه حاجين من كل فج عميق ؟
( سورة آل عمران الآية : 97 ) .
هذه النقطة الأولى .
أيها الإخوة ، النقطة الثانية في هذا
الدرس إن شاء الله هي : أن بعض المؤرخين ذكر أن البيت
العتيق انهدم مرتين بعد أن بناه سيدنا إبراهيم عليه
السلام بفعل السيول ، وبنته قصي بن كلاب بعد أن انهدم
في المرة الأولى ، وجرهم في المرة الثانية ، أما
المؤرخ الماوردي يذكر أن أول من جدد بناء الكعبة من
قريش بعد إبراهيم قصي بن كلاب ، وهو جد من أجداد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وسقفها بخشب الروم ، والنخل ،
على أن المهم هنا بناء قريش للكعبة البناء الثالث ،
علاقة هذا الدرس بالسيرة النبوية أنه مع بعثة النبي
صلى الله عليه وسلم بنية الكعبة للمرة الثالثة .
طبعاً هذا ورد بنص الصحيحين ، البخاري
ومسلم ، قبيل بعثة النبي ، وقد يسأل سائل : ما علاقتنا
ببناء الكعبة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له
من العمر 35 عاماً ، وله موقف رائع في أثناء بناء
الكعبة .
أيها الإخوة ، يعود سبب بناء قريش
للكعبة إلى جملة عوامل ، منها أنها كانت نحو القامة
ارتفاع الكعبة يساوي قامة الإنسان ، أو فوقها بقليل ،
ولم يكن لها سقف ، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة
المتطاولة ، حلقة متطاولة لها ركنان فقط ، وكانت
الكسوة تدلى على جذر الكعبة من الخارج ، وتشد من أعلى
الجذر في بطنها ، بلا سقف ، تركوا القماش يشد إلى داخل
الكعبة ، وكانت البئر التي جعلها إبراهيم عليه السلام
خزانة داخل الكعبة يوضع فيها ما يهدى إليها من أموال
وحلي ، وقد امتدت أيدي اللصوص إلى خزانة الكعبة عدة
مرات ، سؤال : ألم يقل الله عز وجل :
( سورة آل عمران الآية : 97 ) .
كيف امتدت إليها يدي اللصوص ؟ وكيف
ضربت قبل 26 عاماً ، في عام 1400 اقتحمتها قوات الأمن
، وذهب قتلى كثيرون في هذا الاقتحام ، كيف نوفق بين
قوله تعالى ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا
﴾ ، وقد قتل مئات بل ألوف ، كيف نوفق ؟ الدقة البالغة
أيها الإخوة أن هذه الآية أنهت بمعنى : يا عبادي
اجعلوه آمناً ، أو ينبغي أن يكون آمناً ، وأمن الكعبة
أمر تكليفي ، وليس أمراً تكويناً ، يشبه هذا المعنى أن
الله سبحانه وتعالى حينما يقول :
( سورة النور الآية : 26 ) .
ألا تجد امرأة طيبة تحت زوج خبيث ؟ ألا
تجد زوجاً طيباً عنده امرأة خبيثة ؟ ما معنى الآية ؟
في بعض الآيات القرآنية صيغتها خبرية ، لكنها تعني
الإنشاء ، وهذا أبلغ .
( سورة البقرة الآية : 233 ) .
يعني أيتها الوالدات أرضعن أولادكن ،
هذا أبلغ لأن أي أمر يقتضي العصيان ، لو قلت لابنك :
اشتر بهذا المبلغ هذه الحاجة ، ورد لي الباقي انتبه ،
يفهم من هذا الأمر أنه بإمكانه ألا يرد الباقي ، كل
أمر ينطوي فيه احتمال معصيته ، فالأمور القطعية
المصيرية ينبغي أن يأتي الأمر على شكل خبر ، ﴿
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ ،
يعني من شأن الوالدات أن يرضعن أولادهن ، ولا تجد على
وجه الأرض أم لا ترضع ولدها ، ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ ءَامِنًا ﴾ ، يعني : اجعلوه آمناً ، ﴿
وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ أي : اجعلوا
الطيبون للطيبات ، هذه صيغة خبر يراد بها الإنشاء ،
وهذا من بلاغة القرآن الكريم .
إذاً أمن الحرم أمر تكليفي ، وليس
أمراً تكوينياً ، كما تعلمون هناك أمر تكلفي ، وهناك
أمر تكويني ، كيف ؟ .
طريق فيه لوحة : ممنوع المرور ، هذا
أمر تكليفي ، لكن أي سائق بإمكانه أن يمشي فيدفع الثمن
، وهو مخالف ، لكن لو وضع على مدخل هذا الطريق قطع
إسمنت مسلح ، مكعبات ، ارتفاع الضلع مترٌ ، هذا أمر
تكويني ، والأمر التكليفي أمر الله عز وجل ونهيه ،
والأمر التكويني فعلُه ، فالحفاظ على أمن بيت الله
الحرام أمر تكليفي ، ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ
ءَامِنًا ﴾ ، بصيغة صيغة خبرية .
إذاً : وكانت البئر التي جعلها إبراهيم
عليه السلام خزانة داخل الكعبة ليوضع فيها ما يهدى
إليها من أموال وحلي ، وقد امتدت إليها أيدي اللصوص
إلى خزانة الكعبة عدة مرات إقامة الحق في الأرض ، أمر
تكويني أم تكليفي ؟ تكليفي .
( سورة محمد الآية : 4 ) .
الله عز وجل كلفنا أن نكون مع الحق ،
وأن نقاوم الباطل ، إلا أن امرأة من قريش ذهبت تجمر
الكعبة ، أي تبخرها ، والبخور يحتاج إلى جمر ، فطارت
من مجمرها شرارة ، فاشتعلت النار في كسوة الكعبة ،
والتهمتها ، وكانت الكسوة توضع فوق بعضها بعضاً ، وكل
كسوة توضع فوق التي قبلها ، فصار هناك كمٌّ كبير من
الكسوات ، اشتعلت كلها ، فلما اشتعلت تهدمت الكعبة ،
ومما زاد الطين بلاًّ أنه أعقب ذلك الحريق سيل جارف
غمر الكعبة حتى دخل خوفها ، فجزعت قريش لذلك جزعاً
شديداً ، وخافوا أن تنهدم ، وخشي القوم ـ دققوا الآن
الإيمان الفطري ـ وخشي القوم إن قاموا بهدمها وبنائها
أن ينزل عليهم العذاب ، نحن في ندنا إيمان فطري ،
وعندنا إيمان كسبي .
أحياناً امرأة تعمل في فن ساقط ، في
رمضان لا ترقص ، لماذا ؟ كل إنسان في عنده إيمان فطري
، بفطرتها .
هؤلاء القوم خافوا إن هدموا الكعبة من
أجل بنائها أن ينزل بهم عقاب الله عز وجل ، وأخذوا
ينظرون ويتشاورن ، ويدرسون الأمر في روية وتؤدة .
أيها الإخوة ، لا بد من حقيقة ، لا
يمكن أن تكون الكعبة وثناً ، أرقى المخلوقات هو
الإنسان ، يأتي بعده الحيوان ، يأتي يعده النبات ،
يأتي بعده الجماد ، الجماد شيء يشغل حيزاً، له طول
وعرض وارتفاع ، وله وزن ، هذا الجماد ـ دقق ـ .
النبات شيء يشغل حيزاً ، له طول وعرض
وارتفاع ، لكنه ينمو ، افترق النبات عن الجماد بالنمو
.
الحيوان شيء يشغل حيزاً ، له طول وعرض
وارتفاع ، وينمو ، ويتحرك .
الإنسان شيء يشغل حيزاً ، له طول وعرض
وارتفاع ، وينمو ، ويتحرك ، ويفكر، إذاً الله عز وجل
ميز الإنسان بقوة إدراكية .
( سورة الرحمن ) .
فأنت مكرم بهذه القوة الإدراكية ،
والقوة الإدراكية غذائها العلم ، والقلب غذاءه الحب ،
والجسم غذاءه الطعام والشراب ، لك كيان عقلي غذاءه
العلم ، ولك كيان انفعالي غذاءه الحب ، ولك كيان مادي
غذاءه الطعام والشراب ، والإنسان المتفوق هو الذي
يتحرك على الخطوط الثلاثة ، التفوق يعني أن تغذي عقلك
بالعلم ، وأن تغذي جسمك بالطعام والشراب ، وأن تغذي
قلبك بالحب ، التطرف أن تغذي جهة على حساب جهة .
أيها الإخوة ، شيء آخر ، الكعبة ليست
وثناً ، هناك إنسان ، حيوان ، نبات ، جماد، لكن الكعبة
رمز .
دققوا : لو واحد جاء بقماش أخضر
، وداس عليه بقدمه ، هل يحاسب ؟ لا ، قماش مستورد صنع
في اليابان ، وضع قطعة قماش على الأرض ، وداس عليها
بقدمه ، لو جاء بقماش أبيض ، وداس عليه بقدمه هل يحاسب
؟ لا ، لو جاء بقماش أحمر ، ووضعه على الأرض ، وداس
بقدمه عليه هل يحاسب ؟ لو جاء بمستطيل ثلث أخضر وأحمر
وأبيض وفيه نجمتان وداس عليه بقدمه يساق إلى السجن ،
طيب ماذا فعل ؟ قماش ، مستورد
، هذا رمز وطن .
فالكعبة ليست وثناً ، ولكنها رمز
التوحيد ، نحن لا نعبد حجارة ، سيدنا عمر وضع يده على
الجرح حينما قبل الحجر الأسود ، مع أن بعض الروايات
تبين أنه يمين الله في الأرض ، وأن بعض الروايات تبين
أنه : (( من فاوض الحجر
الأسود فإنما يفاوض يد الرحمن
)) .
[ رواه الديلمي عن أبي هريرة ] .
ولكن سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول : "
أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ، ولولا أن رأيت رسول
الله يقبلك ما قبلتك " .
نحن لا نعبد أحجاراً ، ولكن الكعبة رمز
التوحيد ، رمز العبودية لله ، ﴿ إِنَّ أَوَّلَ
بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ ،
فهذا الذي داس بقدمه على مستطيلات ذات ألوان ثلاثة هي
رمز الوطن يساق إلى السجن ، وقد يحكم سنوات وسنوات
تأديباً له على تجاوزه على رمز الأمة .
بالنهاية استقر رأي قريش قبل بعثة
النبي ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في 35 من عمره
على إعادة بناء الكعبة ، الحياة متواضعة جداً ، وخشنة
جداً ، فسمع زعماء قريش أن سفينة رومية تحطمت قرب
الشعيبية هي ميناء مكة القديم ، فركب الوليد بن الغيرة
ومعه نفر من زعماء قريش ، واشتروا خشبها لاستخدامه في
سقف الكعبة ، واستعانوا بنجار رومي يسمى باقوم ،
وتعاونوا ، وتراكضوا بالنفقة ، أي جمعوا النفقة من
بعضهم ، واختلفوا في بنيان مقدم البيت ، فقال أبو أمية
بن المغيرة : يا معشر قريش ، لا تنافسوا ، ولا تباغضوا
، فيطمع فيكم غيركم .
الإيمان فطري ، الآن تستمعون إلى بعض
الأقوال ، هذه من بقايا بعثة الأنبياء ، الإيمان
فطري .
يا معشر قريش ، لا تنافسوا ، ولا
تباغضوا ، فيطمع فيكم غيركم ، ولكن جزئوا البيت أربعة
أجزاء ، أربعة جدران ، وربعوا القبائل ، فلتكن أربعاً
، يعني كل مجموعة قبائل يسمح لها أن تبني جداراً
واحداً ، لأن شرف بناء الكعبة شرف كبير .
أنا سمعت عن عالم كبير جليل في مصر
توفي رحمه الله كان في مكة المكرمة يعمل أستاذاً في
الجامعة ، فلما وسع الحرم نقل التراب بيده ، واشتغل
فاعلاً بالمفهوم الدمشقي، لينقل التراب في أثناء توسعة
الحرم ، شرف كبير .
لهذا البيت قدسية قديمة جداً ،
توارثتها الأجيال جيلاً عن جيل ، قال : جزئوا البيت
أربعة أجزاء ، يعني أربعة جدران ، وربعوا القبائل ،
فلتكن أربعاً ، ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة ،
وعلى جوانبها .
إخواننا الكرام ، القرعة من سنة النبي
صلى الله عليه وسلم ، إذا كان هناك خلاف بين أولادك ،
خلاف بين زوجاتك ، إن كنت من ذوي التعدد ، خلاف بين من
حولك ، بين شركائك ، نظام القرعة نظام مريح جداً .
اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة ، على
جوانبها ، وكل مجموعة قبائل أخذت جداراً ، هناك جدار
الشامي ، واليمني ، والجنب الشرقي والغربي ، ولما
أجمعت قريش على هدم الكعبة أخرجوا ما كان فيها من مال
وحلي ، وجعلوه عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى ،
وأخرجوا كبير الأصنام هبل ، ونصبوه عند المقام ، ولما
أرادوا الشروع في الهدم ظهرت لهم حية كانت داخل الكعبة
، وكشت ، أي أخافتهم ، وفتحت فاها فهابوها ، فقال لهم
الوليد بن المغيرة : ألا أيها القوم ألستم تريدون
هدمها لإصلاحها ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن الله لا
يهلك المصلحين .
بالمناسبة ، السيدة خديجة رضي الله
عنها وأرضاها لما رأت النبي مضطرباً بعد مجيء الوحي ،
ماذا قالت له ؟ قالت : والله لا يخزيك الله أبداً ،
إنك لتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتعين على نوائب الدهر
، من أين جاءت بهذا ؟ هذا من الفطرة .
أنا أقول لكم أيها الإخوة : أيها
الأخوة الحضور جميعاً ، مادام الإنسان مطيعاً لله ،
مادام محسناً ، مادام مستقيماً ، والله الذي لا إله
إلا هو لا يخزيه الله أبداً ، ولو افتقر إلى كل مقومات
الحياة ، مادام مستقيماً ، لن يبني مجده على أنقاض
الناس ، ولا غناه على فقرهم ، ولا أمنه على خوفهم ،
ولا عزه على ذلهم ، ولا حياته على موتهم ، مادام
منضبطاً ، دققوا أيها الإخوة :
محياهم في الدنيا :
( سورة الجاثية ) .
مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعامل
المستقيم كالمنحرف ، والصادق كالكاذب والعفيف كالعاصي
، والمخلص كالخائن .
( سورة السجدة ) .
( سورة القلم ) .
( سورة القصص ) .
يقول عبد العزى : لا تدخلوا في عمارة
البيت إلا من طيب أموالكم ، الآن دققوا :
قبل الإسلام ، قبل البعثة ، أنت بفطرتك
تعلم أن مالك طيب ، أو خبيث ، بفطرتك ، قبل البعثة ،
قبل الوحي ، قبل القرآن ، قبل السنة ، قبل إخبار النبي
، قبل إخبار العلماء .
لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من
طيب أموالكم ، ولا تدخلوا فيه مالاً من ربا ، ولا من
مال ميسر ، ولا مهر بغي ـ من ربح نوادٍ ليلية ـ ولا
مظلمة أحد من الناس مصادرة ، وجنبوه الخبيث من أموالكم
، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، هذا كلام قيل قبل
البعثة ، هذا يؤكد أن الإيمان فطري ، وأن أصول الإيمان
مزروعة في قلب كل إنسان .
أنا كنت في القاهرة ، وعند الأهرامات
برنامج اسمه الضوء والصوت ، يعرض تاريخ الفراعنة ، لا
أنسى كلمة قالها أحد الفراعنة سمعتها بأذني ، قال :
أنت تريد ، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد .
الدين أصل في كيان الإنسان ، الذي
أدهشني أن هذا الكلام قبل البعثة ، وقبل القرآن، وقبل
الوحي ، أعيده عليكم ثانية .
لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من
طيب أموالكم ، ولا تدخلوا فيه مالاً من ربا ، ولا من
مال ميسر ، ولا مهر بغي ، ولا مظلمة أحد من الناس ،
وجنبوه الخبيث من أموالكم ، فإن الله طيب لا يقبل إلا
طيباً ، ففعلوا ، ثم وقفوا عند المقام ، ودعوا الله أن
يذهب عنهم تلك الحية ، فأقبل طائر كبير فاختطفها .
الآن هناك استنباط دقيق ، لا سمح الله
ولا قدر ، لو لم تكن مستقيمًا ، وقعت في أزمة ، ودعوت
الله ، فإن الله يجيبك ، قال علماء العقيدة : للدعاء
شروط لا يستجاب الدعاء إلا إذا توافرت الشروط
:
( سورة البقرة ) .
يجب أن تؤمن ، ويجب أن تستجيب ، ويجب
أن تخلص ، الدعاء يستجاب ، لكن يستثنى ـ دققوا ـ من
شروط الدعاء هذه المضطر والمظلوم ، المضطر يستجيب الله
له لا بأهليته للدعاء ، ولكن برحمة الله ، والمظلوم
يستجاب له لا بأهليته للدعاء ، ولكن بعدل الله لذلك :
(( واتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ
، فإنّهَا
لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الله حِجَاب
)) .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ] .
رجل يعد الرجل الثاني عند هارون
الرشيد
:
البرمكي ، الثاني فجأة وجد نفسه في السجن ، زاره أحد
أقرباءه ، فقال له البرمكي لعل دعوة مظلوم أصابتنا ،
(( واتّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ
، فإنّهَا
لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ الله حِجَاب
)) .
اتقوا دعوة المظلوم ، ولو كان كافراً ،
هؤلاء مشركون ، الإله هبل وضعوه في مقدم البيت ، و مع
ذلك دعوا ربهم أن ينجيهم من هذه الحية المخيفة ، أقبل
طائر كبير فاختطفها ، و ألقى بها في أجياد ، فاعتبروا
ذلك دليلاً على رضاء الله عز وجل عن عملهم ، تقدم
الوليد بن المغيرة بمعول في يده ، وبدأ في الهدم
بمفرده ، ما أحد عاونه أبداً ، لأنهم خائفون أن الإله
يدمره ، لأنه هدم الكعبة .
الحقيقة أحيانا هناك وسوسة ، واحد يطوف
حول الكعبة ، وجد لوزة فملأ الحرم ضجيجاً وصراخاً ، من
صاحب هذه اللوزة ؟ فقال له : عمر كلها يا صاحب الورع
الكاذب ، يعني كلها وأرحنا .
فبدأ الوليد بن المغيرة وحده بهدم
الكعبة ، والباقون خائفون ، حتى أمسى ، ولما أصبح
سليماً اشتركوا معه في الهدم ، يعني جعلوه ضحية ،
وافتدوا به ، فلما نام وأصبح سليماً اشتركوا معه في
هدم البيت ، حتى بلغوا حجارة لا يطيق على تحريكها إلا
عدد كبير من الرجال ، فاتخذوا في ذلك أساساً للبناء ،
ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة وجدوها أقل من أن تبلغ
بهم عمارة البيت كله فتشاوروا ، واستقر رأيهم على أن
يقتروا على القواعد ، ويحذروا ما يقدرون عليه ،
القواعد حجار وبلاط ، لكن بعد ذلك حجارة فقط .
أحيانا تجدون ببعض المحافظات الجنوبية
جدار من الحجار من دون بلاط .
فقر شديد ، بساطة شديدة ، خشونة شديدة
، كل شيء جمعوه من أموال ما كفى لبناء الكعبة ، القسم
الآخر عبارة عن حجار قد صفت بعضها فوق بعض .
أيها الإخوة ، الحقيقة أن حجر إسماعيل
من الكعبة ، قصر بهم المال ينبغي أن يبنى فوق حجر
إسماعيل ، وأن تكون الكعبة متصلة بحجر إسماعيل ، حجر
إسماعيل هو دليل أن المال الذي استخدمته قريش لبناء
الكعبة لم يكن كافياً .
فالإمام البخاري رحمه الله تعالى روى
عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى
الله عليه وسلم عن الحجر :
(( أمن البيت هو؟ قال : نعم )) .
إذا أكرم أحدكم الله بعمرة أو بحج ،
وطاف حول الكعبة ضمن الحجر طوافه مرفوض ، وغير مقبول ،
لأن الحجر من الكعبة ، يجب أن يطوف حول الحجر ،
فالسيدة عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم :
(( الحجر أمن البيت هو؟ قال : نعم ،
قلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : إن قومك
قصرت بهم النفقة ، قلت : فما شأن بابه مرتفعاً ، قال :
فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا
)) .
لو أن بابه على مستوى الأرض لكان
الدخول إليه سهلا ، الآن هناك سلم متحرك ، كسلم
الطائرة ، وفيه تكييف .
(( ولولا أن قومك حديث عهد بكفر ،
وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت ،
وأن ألزق بابه بالأرض لفعلوا )) .
[الترمذي]
ماذا يستنبط من كلام النبي عليه الصلاة
والسلام ؟ أحياناً هناك شيء ينكره من حولك إنكاراً
شديداً ، فأنت إذا تلطفت بهم ، طبعاً لا يدخل في
الحلال والحرام ، ولكن إذا تلطفت بهم ، ولم تستفزهم ،
ولم تحرجهم فأنت حكيم .
(( ولولا أن قومك حديث عهد بكفر ،
وأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت ،
وأن ألزق بابه بالأرض لفعلت )) .
فكان عليه الصلاة والسلام حكيماً ،
طبعاً من الصعب أن آتي بأمثلة كثيرة ، هناك أشياء هي
من الشرع ، لكن ليس هناك مناسبة للحديث عنها إطلاقاً ،
يقول لك : حكم الإماء في الإسلام ، الآن ليس هناك إماء
، دائماً هناك أسئلة استفزازية ، فالأولى إذا كان
الشيء مرفوضًا في الثقافة المعاصرة ، مشروعًا في
الثقافة الإسلامية ، وغير مطبق ، وغير موجود فالداعية
الحكيم لا يثير هذه الموضوعات أبداً ، إذا ورد ، وأنا
والله لا أصدق أن الصحابة الكرام أنهم شربوا الخمر ،
أو دم الحجامة ، له فضائل النبي عليه الصلاة والسلام
تذيب الصخر ، له شمائل ، له أعمال بطولية ، له تواضع ،
له رحمة ، لم ترَ من السيرة كلها إلا خبرًا غير صحيح ،
وغير ثابت ، ولم يثبت بعد من أجل أن تستفز الناس ،
يقول : أخي ورد فيها نص ، طول بالك ، أنت مقرب ، ولست
منفّرًا ، أنت محبب ، ولست تدعو إلى البغضاء.
إخواننا الكرام ، هذا النص من رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ((
ولولا أن قومك حديث عهد بكفر وأخاف أن تنكر قلوبهم
لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت ، وأن ألزق بابه بالأرض
لفعلت ))
.
واحد في بلد إسلامي رأى جماعة غير
مسلمين ، دعاهم للإسلام ، هو جاهل ، طيب كيف ندخل في
الإسلام ؟ قال : قولوا : أشهدوا أن لا إله إلا الله ،
شهدوا ، طيب ماذا بعد ذلك ؟ قال لهم : الطهور ، في كل
الدين ، والفقه مئتان ، أربعمئة موضوع ، ما اختار إلا
الطهور ، قالوا لا نريد ، قال لهم : أنت مرتد ، فيها
قطع رقبة ، قال له : والله شيء جميل ، بالدخول قص من
تحت ، وبالخروج قص من فوق ، هذه دعوى إلى الله عز وجل
؟ الطهور حق ، ولكن واحد أسلم حديثا ما وجدت في الدين
إلا الطهور ، أنا آتي بأمثلة بناء على قول النبي
الكريم صلى الله عليه وسلم : لولا أن قومك حديث عهد
بهذا الدين لفعلت كذا وكذا ، لكن راعى مشاعرهم ، فأنت
كداعية يجب أن تراعي المشاعر ، يجب أن تختار أجمل
الكلمات.
( سورة فصلت ) .
الآن اختلفت قريش في موضع الحجر الأسود
، من يرفعه ؟ ومن يحمله ؟ وكل فريق أراد أن يذهب بشرف
وضعه في مكانه .
بالمناسبة ، نحن عندنا اختلاف طبيعي ،
نحن عشية العيد سمعنا صوتًا يشبه المدفع، قلنا : لقد
أثبت العيد ، ولكن غير متأكدين ، هذا خلاف ، يا ترى
انفجار بالجبل لفتح طريق ، أم مدفع العيد ، نفتح
الإذاعة ، فإذا ثبت أنه العيد جاء الخبر الصادق ، وحسم
الموضوع ، وعندنا اختلاف طبيعي أساسه نقص المعلومات ،
صاحبه معذور .
( سورة البقرة الآية : 213 ) .
نقص المعلومات يؤدي إلى اختلاف ، لكن
عندنا اختلاف قذر .
( سورة آل عمران الآية : 19 ) .
بسبب الحسد اختلفوا ، اختلاف مصالح ،
اختلاف تنافس ، اختلاف كبر ، اختلاف سيطرة ، اختلاف
مكاسب ، هذا الاختلاف القذر ، عندنا اختلاف حيادي لا
محمود ولا مذموم، وعندنا اختلاف قذر ، وفي عنا اختلاف
محمود .
( سورة المطففين ) .
إنسان يرى أن أعظم شيء تأليف الكتب ،
وهو جاد في هذا المضمار ، إنسان يرى أن أعظم شيء تأليف
القلوب ، تسليك الناس إلى الله ، إنسان يرى أن أعظم
شيء بناء المساجد، فكل إنسان يرى عملاًَ صالحاً في
مقدمة الأعمال ، هذا اختلاف رحمة ، هذا اختلاف محمود
، اختلاف تنافس ، الآن قريش أوشكت أن تقتتل من أجل
الحجر الأسود ، من يحمله ؟ ومن يضعه في مكانه ، فأشار
عليهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة أن يحكموا أول من
يطلع عليهم من باب بني شيبة ، رضوا بذلك ، طلع عليهم
محمد بن عبد الله ، قبل البعثة ، فلما رأوه قالوا :
هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا ، فلما أخبروا
الخبر أمر بثوب ، فوضع فيه الحجر الأسود ، وطلب أن
يتقدم من ربع من أرباع قريش رجل أن يأخذ بزاوية من
زوايا الثوب القبائل قسمت أربعة أقسام ، وكل مجموعة
اختارت رجلا يمسك بطرف الثوب ، والنبي عليه الصلاة
والسلام أمسك الحجر ، ووضع بيده الشريفة في مكانه
الصحيح ، وحسم الخلاف كلياً ، وقد قال عليه الصلاة
والسلام : ليس منا من فرق ، انظروا إلى حكمته ، انظروا
إلى تواضعه انظروا إلى أنه قبل الأطراف كلها ، الآن
أكبر كلام يقال ، أن فلانًا يرفض الطرف الآخر ، فالنبي
عليه الصلاة والسلام قبل الأطراف كلها ، ووفق بينها ،
فالحكمة ضالة المؤمن.
( سورة البقرة الآية : 269 ) .
أيها الإخوة ، هذا موضوع بناء الكعبة
نستنبط منه أشياء كثيرة ، إذا ورد شيء في النصوص ،
ولسنا بحاجة إليه ، ولا علاقة له بعقلنا ، وفيه
استفزاز أحياناً ، ليس من الحكمة أن تستفز مشاعر الناس
أو تكفيرهم ، فتكون عندهم منفراًَ لا داعية إلى الله
عز وجل .
مثلاً في الإعجاز العلمي أن النبي صلى
الله عليه وسلم أمر ببعض الحالات المرضية أن يعالج
الإنسان ببول الإبل ، وثمة بحث في أكثر من ثلاثين صفحة
المراجع باللغة الإنكليزية حول صواب هذا التوجه ، لكن
الإنسان حديث عهد بالإسلام ، تقول له : النبي أمر أن
تستطب ببول الإبل ؟ شيء ، هذه لا بد لها من تمهيدات
كثيرة جداً ، فلا تكن استفزازياً ، الشيء غير موجود
عندنا الآن ، وغير مطروق ، وفيه نص صحيح ، ويحتاج إلى
شرح طويل إياك أن تستفز به أحداً ، انطلاقاً من هذا
النص .
والحمد لله رب العالمين |